المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عين على التاريخ


محمد خطاب
02-08-2012, 07:46 PM
عين على التاريخ
في غمرة هذا الضياع العربي الذي يخترق جموعنا كعواء العاصفة ويفرقنا طوائف وشراذم ، في هذا الوقت الذي تتنامى فيه الإقليمية العنيفة طلعها كأنه رؤوس الشياطين ، وفي أنحاء الوطن العربي الذي يملك كل مقومات الوحدة والانسجام التام والتآلف ، وتبحث الأعين عن صخرة للاحتماء .
أليس واضحا ما حدث في أوربا من وحدة رغم أن أوربا حاربت بعضها بعضا قرونا طويلة لتبني دولها الوطنية ، رغم كل الحروب الوحشية بينها والعداوة التي لا حد لها ، وبرغم عقدة هتلر وموسوليني وتشرشل إلا أنها أدركت ان الوحدة هي السبيل الوحيد للحياة في السنين المقبلة ، فأصبح مواجهة العملاق الأمريكي ضروريا وكذلك والياباني وكذلك العملاق المنطلق وهي الصين
، فكانت السوق الأوربية المشتركة معلما علي هذا الطريق ، وكان اليورو إصرارا علي مواجهة الدولار الأمريكي والين الياباني .
ولا شك أن مواجهة الغزو الثقافي القادم عليها وهي المتشابهة ثقافيا كان أحد الأجراس التي قرعت بشدة لتنبهها لما قد يحدث ، فبحثوا ولا زالوا يبحثون عن الوحدة الثقافية وإن لم يجدوها خلقوها وأرسوا لها قواعدها .
قد يقال أن الغرب الأوربي في أزمة ، مع إدراكهم التام أن انهيار تماسكهم انهيارهم في ظل التيارات الجارفة المحيطة بهم ، أري أنها أزمة خلق جديد وليست أزمة انهيار ، فهي تبحث جادة عما وراء الحداثة وعن تجاوز الذات . فأوربا سائرة إلي بحث التعاون الاقتصادي كمعوق وحدوي وهي تسير جادة إلى حله .
كتب ليونيل روبنز في كتابه ( الأسباب الاقتصادية للحرب ) صفحة 104 – 109 يقول ( إن التنظيم السياسي العالمي الفوضوي هو سبب العلة التي تعاني منها حضارتنا ( المقصود الحضارة الغربية ) وطالب انطلاقا منذ ذلك الوقت إلى إقامة اتحاد أوربي بعد أن تعاد ألمانيا إلي الحظيرة الغربية .
وقد عزا بعض الكتاب متابعا ذلك ان عدم نجاح ليبرالية القرن التاسع عشر بدرجة كافية عزا ذلك إلى فشل أوربا في إلغاء السيادات الوطنية وإقامة نظام دولي فعال . أي يجب ألا تكون السيادة الوطنية لكل دولة عائقا أمام الوحدة فيما بينها ، وهذا الأمر الذي حدا بريطانيا إنشاء الجامعة العربية لتأكيد سيادة كل دولة أمام الأخرى فتكن عائقا أمام أي مشروع وحدوي ايا كانت قواعده .
هذا الذي حدا بايفور جيننجز بكتابة كتابه ( اتحاد فيدرالي لأوربا الغربية ) عام 1940 الذي يؤكد فيه ان ( الرغبة في استبدال الحكومة الدولية بالفوضى الدولية السائدة أمر مقبول في بريطانيا بل غني عن البيان ) صفحة 1 .
وكتب الكثيرون من الأكاديميين والصحفيين والسياسيين واغلبهم عملوا بمعهد بحوث الاتحاد الفيدرالي لوضع مقترحات إقامة هذا الاتحاد الذي له سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية وقوات مسلحة وصلاحيات اقتصادية أساسية وقوانين فيدرالية ونظام ضريبي .
ونشرت صحف ذات شأن مثل التايمز والجارديان والنيوستيتمان وغيرها من الصحف الهامة الكبيرة الانتشار مقالات مؤيدة لذلك مما حدا بتشرشل عام 1940 ان يقول لوزرائه في 16 يونيو 1940 ( لن تكون بريطاني وفرنسا بعد اليوم دولتين بل اتحادا فرانكوبريطانيا بجنسية مشتركة وسلطة تنفيذية ) الأمر الذي قوبل بالموافقة الشديدة ودون ممانعة وطالب الحاضرون بإبلاغ السلطات الفرنسية بذلك .
وبرغم عدم قبول فرنسا بذلك آن ذاك إلا أن البذرة كانت قد آتت أكلها فيما بعد الحرب العالمية الثانية ( انظر وثائق عن تاريخ التوحيد الأوربي – المجلد الأول – وانظر أولدنبرغ فيرلاغ 1968 تاريخ التوحيد الأوربي – ميونخ .
ولذلك لاقت دعوات جين مونيه في الخمسينات القبول والتي دعا فيها الي جرعات فيدرالية تتزايد بالتدريج .
وتنامت هذه النظرية فيما بعد لتسمى باسم المذهب العملي الجيد الذي يقول فيه أصحابه ( الحل الفعال للمشكلات ، يتطلب شرطا أساسيا ينبغي توفيره أولا وهو إقامة وكالة وطنية توسع من سلطاتها تدريجيا حتى تصل إلى مرحلة إضعاف وتجاوز استقلال الدولة الوطنية ) .هذا الذي سوف ( يحول السياسيون ولاءهم وطموحاتهم وأنشطتهم السياسية نحو المركز الجديد الذي ستتجاوز صلاحيات مؤسساته الدول الوطنية القائمة ) .
وهذا ما فعله أجدادنا الأوائل في ظل الإسلام إذا تجاوز الجميع القبيلة والأسرة ومسقط الرأس ليصبح خدمة الدولة الإسلامية وبناءها ونشر الدين الإسلامي هو الهدف الأسمى لدى الجميع .
ألا يستفيق العرب مما يحدث لهم الآن، ألا يقرا المثقفون التاريخ فيتجاوزا القطرية في نفوسهم الممتلئة بها ، وقد ظهر هذا جليا في مباراة كرة قدم بين قطرين شقيقين ، وانحياز البعض الآخر ممن رفع شعار الوحدة والوطنية ليكسر قلمه على أعتاب جدار غزة المحاصرة ويصبح ملكيا أكثر من الملك ، وتنهار كل قصور العروبة والوحدة التي تغنى بها طويلا .
يبقى الكاتب عربيا قوميا ما دمت لا تقول له أن الحكومة المصرية مخطئة ، يبقى فلسطينيا وطنيا مناضلا إلا إذا قلت أن السلطة الفلسطينية تساوم ... وهكذا
متى نري أن مصلحتنا لا بد منطلقة من مصلحة الأمة العربية الإسلامية ككل ، متى نرى الأخطار التي تحيق بنا من كل جانب ونتجاوز القطرية فينا لنكتب صادقين بأقلامنا الحقيقة كما هي دون انحياز ، متى نتعلم الدرس ونبذل الغالي والرخيص من أجله .... متى ؟
د . محمد خطاب