المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإخراج من الديار في حق الأنبياء وأتباعهم دراسة قرآنية


عبدالناصر محمود
12-20-2013, 08:21 AM
الإخراج من الديار في حق الأنبياء وأتباعهم دراسة قرآنية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ

17 / 2 / 1435 هــ
20 / 12 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3222.jpg


الإخراج من الديار في حق الأنبياء وأتباعهم " دراسة قرآنية "
إعداد :
- د.عبد السلام حمدان اللوح الأستاذ المشارك بقسم التفسير وعلوم القرآن كلية أصول الدين – الجامعة الإسلامية بغزة
- أ.عماد يعقوب حمتو - ماجستير في التفسير وعلوم القرآن- المحامي الشرعي بالمحاكم الشرعية- غزة
===============

منذ اللحظة الأولى التي علم فيها النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نبي مرسل من الله سبحانه إلا وعلم وتيقن بأن مشركي مكة سيخرجونه وعلم أيضا أنها سنة ماضية في حق الأنبياء والمصلحين, ففي البخاري في بدء الوحي حديث لأم المؤمنين عائشة تروي بداية الوحي ".. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى, ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلي الله علية وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعاً ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أومُخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً, ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي"([1]).
وبهذا جاء بحث الباحثين الكريمين في دراسة موضوعية حول جريمة الإخراج في حق الأنبياء الكرام والصحابة رضوان الله عليهم وان هذه السنة ماضية في من سيأتي بعدهم ممن تعرض لهم إصلاح المجتمع والدعوة إلى الله عز وجل.
وقسم الباحثان البحث بعد هذه المقدمة إلى:
المبحث الأول: المخرجون من الأنبياء والرسل السابقين وأتباعهم.
لا يستطيع أحد أن يحصي على وجه الدقة عددا معينا للأنبياء والرسل الذين أخرجوا من ديارهم وهاجروا وهُجّروا وأُبعدوا, فهناك من ذكرهم القرآن بأسمائهم وهناك من لم يذكرهم، لأنها سنة لله ثابتة مع جميع الأنبياء والمرسلين لم تتخلف عن أحد, فالباطل وأهله لا يتحملان الحق وأهله في كل زمان ومكان.
- والبداية من آدم عليه السلام: الذي أخرجه الشيطان من الجنة بعد أن اسكنه الله إياها وسمح له أن يقيم فيها هو وزوجه وحذره من الاستجابة لغواية الشيطان حتى لا يخرجا منها لكنه نسي وعصى فأخرج آدم وزوجه من سكناهم في الجنة إلى دار الشقاء والضنك.
- نوح عليه السلام: اضطره قومه للخروج بعد أن انقطع منهم الخير وأرادوا به الكيد فأمره ربه بصنع سفينة وحمل المؤمنين بها للخروج من أرض الظالمين.
- إبراهيم عليه الصلاة والسلام: بدأ دعوته في العراق وعندما حطم أصنامهم وحكموا بإحراقه بالنار ونجاه الله منها, فأخرجه قومه من بين أظهرهم إلى بلاد الشام إلى الأرض المقدسة منها كما قال تعالى: "قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ * وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ" الصافات (97-99).
- وهكذا تحدث الباحثان في استعراض لطيف لمن أخرج من الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه, فتحدثا عن هجرة إسماعيل صغيرا إلى مكة وهجرة يعقوب إلى ارض حران وهجرة يوسف عليه السلام إلى مصر ولوط عليه السلام إلى الشام مع إبراهيم وشعيب عليه السلام بتهديد قومه له بإخراجه: "قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ" الاعراف (88), وهجرة موسى المرة الأولى هاربا من فرعون إلى مدين ثم هجرته بقومه المرة الثانية إلى الأرض المقدسة بمطاردة فرعون الذي أهلكه الله ومن معه, هو وجنوده الظالمين, ثم هجرة يوشع بن نون عليهم جميعا الصلاة والسلام.
المبحث الثاني: جريمة الإخراج في حق النبي صلى الله عليه وسلم.
كان إخراج النبي صلى الله عز وجل وهجرته مرحلة فاصلة في تاريخ الدعوة والرسالة, ولقد تتبع الباحثان آيات القران الكريم التي تحدثت عن المراحل التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الإخراج والهجرة, فجاء تتبعهم لطيفا وجميلا ليحمل كل مرحلة مع الآيات التي دلت عليها فكانت كما يلي:
أولاً: الاستفزاز والتهديد: (وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)الاسراء (76-77).
ثانياً: التخطيط والمكر: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) الانفال:30.
ثالثاً: تهيئة النبي للأمر العظيم: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) الاسراء:80.
رابعاً: النصر ساعة الإخراج: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا…) التوبه:40.
خامساً: تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وطمأنة قلبه: (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) محمد:13.
سادساً: بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بالعودة فاتحاً لمكة: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) القصص:85.
المبحث الثالث : الهجرة والإخراج في حياة الصحابة رضي الله عنهم .
هجرة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لها دلالات هامة ينبغي التوقف عندها فبلال وصهيب وعمار وابن مسعود وغيرهم, كان لهم خط قرآني تعامل معهم الله به في هجرتهم وقف عليه الباحثان, ورصدا مراحله رصدا رائعا, فقالا:
أولاً: وصف الحالة التي كان عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة من الفتنة والظلم والمطالبة بالصبر على كل أنواع الإيذاء التي يتعرضون لها كما قال الله سبحانه (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) النحل:41.
- وضح القران أن سبب إخراج المشركين للمؤمنين لم يكن الظلم فقط بل كراهية رؤية التوحيد على الأرض: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ…) الحج(39-40).
- صور القرآن حالة المهاجرين أثناء هجرتهم من الناحية الإيمانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية , وفصلت آيات القرآن هذه الجوانب كاملة, فتتبعها الباحثان تتبعا سلسا.
ثانياً: دور المرأة في الهجرة:
- المرأة المهاجرة تشارك الرجل تماما في اجر الهجرة (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)آل عمران:195.
- استثنيت النساء من شرط الإرجاع إلى الكفار بعد صلح الحديبية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ) الممتحنه:10.
الخاتمة : وفيها خلاصة البحث وأهم نتائجه
وفي ختام هذا البحث الجميل الذي كان يحتاج موضوعه ليسط في مادته لما هو أكثر من ذلك جاءت بعض النتائج المجملة فيه, وعلى سبيل المثال:
- العقائد والمبادئ السامية لا تنتصر على طبق من ذهب ولكنها تحتاج إلى تضحيات جسام.
- الإخراح من الديار هو سنة من سنن الله الثابتة في حق الأنبياء وأتباعهم تمحيصاً وتثبيتاً لإيمانهم.
- إخراج الأنبياء والمرسلين وأتباعهم هو نتيجة طبيعية بسبب الصراع بين الحق والباطل.
- لم يكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن بدعاً عن إخوانه الأنبياء في سنة الإخراج.
- واجه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة الإخراج سيراً على سنة الله في نبيهم وإخوانه الأنبياء وكل من سار في درب الإيمان والتوحيد لله رب العالمين.
- الإخراج من الديار ابتلاء عظيم لرجال عظام آمنوا حق الإيمان.
جزى الله الباحثين خير الجزاء على هذا البحث الطيب الذي يحتاج كما أراه إلى بسط لغنى مادته وجميل استنباطات الباحثين وحسن سيرهما في هذا البحث, فجزاهما الله خير الجزاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ

1- صحيح البخاري – كتاب بدء الوحي – باب من الوحي والرؤيا الصالحة , حديث رقم (3) ج1 ص18
---------------------------------