المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فقه الأولويات في الخطاب السلفي المعاصر بعد الثورة


عبدالناصر محمود
12-21-2013, 09:04 AM
فقه الأولويات في الخطاب السلفي المعاصر بعد الثورة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ

18 / 2 / 1435 هــ
21 / 12 / 2013 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3744.jpg


فقه الأولويات في الخطاب السلفي المعاصر بعد الثورة

تأليف : الدكتور محمد يسري إبراهيم

دار اليسر2012م .

ــــــــــــــ

الحديث عن التيار السلفي المعاصر بات شأنا مهما يفرض نفسه على مجالس الناس ووسائل الإعلام بعد الثورات العربية, والنقد الذاتي والنصح الداخلي للخطاب السلفي المعاصر في اللحظة الراهنة يمثل واجبا لا بد منه حسب رأي المؤلف, خاصة مع الحرب العالمية على السلفية بعد أحداث 11 سبتمبر.

ومع كون المد السلفي حقيقة باتت مشاهدة في أكثر من بلد عربي وإسلامي, إلا أن مراجعة الخطاب السلفي لتقويته من جهة, وتحريره من الملحوظات من جهة أخرى يعتبر أولوية حاضرة, تستدعي فتح الباب للمناصحة والمراجعة, وهو ما حاول المؤلف فعله في هذا الكتاب, معتمدا على منهج توصيفي وخطاب نقدي للحالة السلفية الراهنة بمصر خاصة وفي الوطن العربي عامة, ووضع الأولويات للخطاب السلفي المعاصر أمام أهله ورواده.

وقد اشتمل الكتاب على أربعة فصول: تناول الأول مفهوم الخطاب السلفي, بينما تساءل الثاني: لماذا الحديث عن أولويات الخطاب السلفي؟؟ ليبحث الثالث بمشكلات الخطاب السلفي وعوائقه, ويختم الرابع بتقديم أولويات متعددة المجالات ومتنوعة التخصصات والسمات لدخول التيار السلفي مرحلة تاريخية بالغة الخطورة لإثبات جدارته وأهليته للقيادة والريادة.

في بداية الفصل الأول بين المؤلف أنه لا فرق بين الخطاب الإسلامي والسلفي, بل اعتبر إن الخطاب الإسلامي إذا أضيف إلى السلف أو وصف بأنه سلفي فقد أضيف إلى أشرف نسبة وأكمل نعت, كما أنه ليس ثمة فرد ولا جماعة متحزبة تمثل السلفية بمعناها الشرعي, وإنما قد يوجد من ينتسب إليها ويسعى أن يحيا بمنهجها.

ثم تناول المؤلف نشأة التيار السلفي وتطوره, حيث بدأت الحاجة للانتساب للسلف بعد تفرق الأمة وتعدد الاتجاهات الفكرية فيها, مبينا أن النسبة للسلف هي نسبة لأهل السنة والجماعة.

ثم ذكر المؤلف خصائص المنهج السلفي ومن أبرزها: المرجعية العلمية الشرعية المشهوده لعلمائه ومدارسه, والثبات المنهجي والاستقرار الفكري, والثراء في الكفاءات والتنوع في القيادات, والحضور الإعلامي العام, والقدرة على الحشد الجماهيري, والصعود السياسي المتنام, والمصداقية الأخلاقية والسلوكية, والريادة التاريخية والحضارية.

وعن فقه الأولويات في الخطاب السلفي بين المؤلف أنه ينطلق من قواعد السياسة الشرعية, ومن المقاصد الكلية للدعوة الإسلامية, فالأولويات مأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله وهدي السلف الصالح, وقد وضعها العلماء ضمن ثلاثة أبواب هي: الضروريات والحاجيات والتحسينيات, كما أن الأعمال تتفاوت رتبة من حيث الزمان والمكان, ولا تخرج الأولويات في الخطاب السلفي عن الأصول المحكمة بين سائر الدعاة أفرادا وجماعات.

وقبل الحديث عن هذه الأولويات ارتأى المؤلف وجوب الإجابة في الفصل الثاني على سؤال: لماذا الحديث الآن عن أولويات الخطاب السلفي؟؟ وفي الجواب عن هذا السؤال ذكر المؤلف أسبابا داخلية و خارجية, ومن أبرز الأسباب الخارجية: إعلان الغرب الإسلام عدوا له بعد القضاء على الشيوعية, تحت شعار محاربة التطرف السلفي, باعتبار التدين في الشرق الأوسط قاعدته سلفية.

وقد بحث الغرب عمن يخوض بهم أو معهم المعركة الفكرية ضد السلفية, فلم يجد خيرا من الصوفية الرافضة والمعتزلة, إضافة للعلمانيين والتغريبيين, مستعملين وسائل نشر كتب السب والقذف بالبهتان للتيار السلفي, إضافة لعقد الندوات والمؤتمرات للتهجم على السلفية, ناهيك عن الحرب الإعلامية وممارسة التضييق على رموز الدعوة السلفية, ومن أهم الأسباب الداخلية وجود مراجعات وتراجعات في الخطاب السلفي المعاصر, وذلك بنهاية عقد التسعينات وبداية الألفية الجديدة.

وعن ملامح وأسباب الحالة الإسلامية الراهنة, تناول المؤلف بعض العناوين التي توضح ذلك, فذكر نجاحات وإخفاقات الخطاب الإسلامي, واكتمال التجارب التي خاضها ووجوب استثمار المكاسب, كما ذكر الصعود والهبوط الذي أصاب العمل الجماعي الإسلامي, وتحول بعض المنظرين لمشروعية العمل الجماعي إلى العمل الفردي, وتحول مسألة التنظيم الجماعي عند البعض من كونه وسلية إلى غاية, وبدلا من أن يشكل التنظيم وسيلة فعالة لتحقيق مكاسب للقضية الإسلامية, قدمت مصلحة الجماعة على مصلحة الأمة.

كما تناول المؤلف ضمن هذه العناوين انشقاق فريق سلفي مع السلطان أيا كان, كما تناول تراجع تيارات الغلو في مرحلة الألفية الجديدة, إضافة إلى نضج في التعامل مع الخلاف, مع إخفاق معظم محاولات الاندماج, وإحساس سلفي بالعجز السياسي, ووجود إشكالية تربوية وقيادية في العمل الإسلامي.

إضافة إلى كل ما سبق من أسباب الحديث الآن عن أولويات الخطاب السلفي, تأتي المطالبة الخارجية بالتجديد والتبديد في الخطاب السلفي, حيث الحرب الأمريكية الصهيونية على الإسلام تحت مسمى (تجديد الخطاب الديني الإسلامي) ليختلط فيها الحق بالباطل والصواب بالخطأ, وقد تناول المؤلف المعنى اللغوي والاصطلاحي للتجديد, كما تناول مسألة التجديد عند الفقهاء والمستغربين العلمانيين, مع الاعتراف أخيرا بالحاجة الحقيقية للتجديد.

وفي الفصل الثالث تناول المؤلف العوائق الواقعية والمشكلات السلبية في الخطاب السلفي المعاصر, مشيرا إلى معالجة بعض التيارات السلفية لسلبياتها وإصلاح مخالفاتها, ومع ذلك فقد رصد المؤلف أهم الانتقادات والإشكالات الواقعية في الخطاب السلفي وهي:

1- ضعف أو غياب المرجعية العلمية الموحدة: وإذا وجدت بعض المرجعيات العلمية المعاصرة فإنها ضعيفة الأثر ومنكفئة على التعليم النمطي ومنسحبة من الشأن العام, ومن صياغة المواقف الشرعية المستجدة والنوازل المعاصرة.

2- ندرة المراكز البحثية والدراسات الإستراتيجية: فمع كون التيار السلفي هو خط المواجهة الأيديولوجي الأول ضد الغرب وحلفائه, إلا أنه لا توجد –مع الأسف– مؤسسات سلفية إستراتيجية تقوم بالتخطيط والتفكير الإداري الذي يحول الصراع إلى تكاليف شرعية يقوم بها الأفراد فضلا عن الدول والحكومات.

3- التمحور حول مسائل الخلاف الاجتهادي: الذي استنفذ الطاقات وتأذى منه العمل الدعوي السلفي كثيرا.

4- خلل في ترتيب الأولويات: حيث تقدم بعض التيارات السلفية ما حقه التأخير وتأخر ما حقه التقديم, إضافة إلى وقوع تفاوت في اعتبار المتغيرات الواقعية في هذا الشأن أيضا.

5- جمود في الوسائل وضعف في الآليات: فليست الوسائل الدعوية توقيفية بإطلاق ولا مطلقة من كل قيد.

6- ميل إلى النظريات وقصور في العمليات: ومع أن العلم شجرة وهي الأصل, إلا أن العمل هو الثمرة, وما لم تثمر الشجرة فلا خير فيها.

7- افتقاد وضعف المؤسسات محليا وعالميا.

8- ضعف الأداء السياسي.

9- ضعف العلم التأصيلي أو الفهم الأصولي الذي يمكن في ضوئه الاهتداء للموقف الشرعي في النوازل المستجدة.

10- افتقاد الرؤية المتكاملة والموحدة للتغيير.

11- وجود خلل في إصدار الأحكام من خلال التسرع أحيانا بالتفسيق أو التكفير أو التبديع لأمور كان ينبغي التمهل والتأني في الحكم عليها.

12- تذبذب الموقف من العمل الجماعي بدءا بتبديع وتحريم تكوين الجماعات, وانتهاء بالقول بأكثر من المشروعية.

13- الإهمال التربوي وعدم الاهتمام بالتزكية.

14- ضعف العناية بالسياسة الشرعية في التصرفات الدعوية رغم أهميتها في المدافعة بين المصالح والمفاسد, والموازنة بين المنافع والمضار.

15- الغفلة عن فقه المقاصد والاهتمام بالحرفية الظاهرية تارة, والانحراف عن النظرة المقاصدية تارة أخرى.

16- الجنوح نحو التشديد والتعسير: فالخطاب السلفي قد يضيق -أحيانا– بالحريات الفردية والجماعية ويعمل على تضييقها أو مصادرتها بالكلية, بينما يزدهر الإسلام بالحرية.

17- غلبة خطاب الترهيب على الترغيب وهو الغالب في السبعينيات, بينما في الترغيب والتبشير فسحة في الإسلام.

18- تفاقم الانقسام السلفي من حيث نفي السلفية عن الآخرين والغلو في النظرة إلى الطائفة أو المجموعة المتحزبة من أظهر هذه المظاهر التي تدل على هذه السلبية.

19- ضعف الخطاب السلفي الإعلامي الفضائي, وغياب الرؤية الإستراتيجية والتخطيطية للقنوات الإسلامية, إضافة لضعف البرامج الفضائية من حيث المضمون وهشاشة المحتوى.

20- أخطاء إدارية منهجية وعدم الاعتراف بها أو تصحيحها: كتضخيم بعض رموز السلفية وترك مناقشتها أو نقدها, إضافة لضعف الاستفادة من المواهب والإمكانات.

في الفصل الرابع والأخير استعرض المؤلف أولويات الخطاب السلفي المعاصر كما يراها وهي:

1- الرد إلى الأمر الأول: أي الرجوع إلى منهج السلف الصالح فعلا, وما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2- أولوية إخراج العباد من عبداة العباد إلى عبادة رب العباد: وخوض المعركة العقدية في الإسلاح والتأثير مقدم على خوض المعركة العسكرية في القتال والتغيير, فلا يجاهد أهل الشرك والطغيان باليد والسنان قبل جهادهم بالدعوة والحجة والبرهان.

3- أولوية الجهاد التربوي قبل الجهاد العسكري: فجدير بمن سقط أمام المعاصي والموبقات أن يسقط أمام الأعداء في المواجهات, وإقامة دولة الإسلام على الأرض يمر –ولا بد– بإقامة النفل بعد الفرض.

4- أولوية الانتماء إلى أهل السنة قبل الانتماء لطائفة من طوائف الدعوة: فالانتماء للإسلام والسنة أولى وأهم لأنهما الغاية, بينما الانتماء للطائفة الدعوية وسيلة.

5- أولوية التأصيل والأصالة مع التجديد والمعاصرة: ومواجهة الانحرافات المعاصرة بمنطلقات الكتاب والسنة أولوية دعوية, مع العناية بالتجديد والمعاصرة في الوسائل الدعوية.

6- أولوية الكيف المنظم على الكم المبعثر: فالقلة المنظمة المحكمة تنتصر على الكثرة المبعثرة.

7- أولوية التدرج والمرحلية: فهي سنة كونية واجتماعية في الخلق, وقد علمنا صلى الله عليه وسلم بأقواله وأفعاله هذا التدرج.

8- أولوية تأهيل الصفوف الثانية وتدريب الكفاءات الواعدة: للتخلص من العقم الإنتاجي للصفوف البديلة الذي يصيب التيار السلفي.

9- أولوية الواقعية في الخطاب السلفي الدعوي والسياسي: حتى تخرج عن نطاق عمل النخبة والصفوة فحسب, فبين النظرية والتطبيق مسافة تحتاج حتى تقطع إلى جهد جهيد وعمل أكيد.

10- أولوية إيجاد التيار السلفي قطريا الذي يهيأ للالتحام بالجماهير ويسهل طريق توجيهها وتشكيل الرأي العام في كل قطر.

11- أولوية العالمية في الخطاب السلفي المستمد –في الأصل– من عالمية هذا الدين عقيدة وشريعة.

12- أولوية خطاب النهضة الشاملة الذي ضعف كثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين.

13- أولوية ضبط الخطاب السلفي الموجه للحضارة الغربية, والابتعاد عن الرفض المطلق لكل ما في تلك الحضارة, والانكفاء والانعزال إلى الماضي, والانسحاب من المواجهة الفكرية والحضارية.

14- أولوية المشاركة المجتمعية والسياسية الواسعة.

15- أولوية صناعة الإعلام وصياغة الرأي العام, لما للإعلام من أهمية بالغة في التأثير على الرأي العام.

16- أولوية إيجاد وسيلة فعالة للتنسيق وحل الخلافات السلفية, خاصة بعد النوازل الأخيرة بالشرق التي جرت خلافات سلفية – سلفية حول التوصيف الشرعي لما يحدث بالمنطقة العربية من ثورات وتحولات.

وبالدعاء والأمل بجعل ما سبق من أولويات الخطاب السلفي ينهي المؤلف كتابه المفيد والنافع , فجزاه الله عن المسلمين كل خير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــ