المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأردن والواقع ال"جيوسياسي" ومخاطر الانخراط بالتسوية


Eng.Jordan
12-22-2013, 01:53 PM
شارك



العرب اليوم الدكتور عامر سبايلة



http://www.ammonnews.net/img/big/2013491518RN328.jpeg



لم يعد خافياً على أحد طبيعة اصرار الادارة الامريكية على ايجاد حل عملي للقضية الفلسطينية. الحراك الأمريكي المتسارع كان واضحاً منذ تولي جون كيري حقيبة وزارة الخارجية. فالولايات المتحدة التي سعت الى اطالة أمد الأزمة في سوريا سعت في الوقت نفسه لتحضير الأرضية المناسبة لانطلاق تسوية الحل النهائي.
ضغوط هائلة مارستها الولايات المتحدة على الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني من اجل الوصول الى نقطة التوافق على شكل من أشكال الحل العملي بين الطرفين. الحقيقة ان الادارة الأمريكية التي خلقت شعورا عاليا من الاضطراب السياسي لدى محور حلفائها أشعرت الاسرائيليين والفلسطينيين بخطورة تبعات عدم التجاوب مع الرؤية الأمريكية.
على الرغم من رفض كثير من المسؤولين الاردنيين التأكيد عن انخراط اردني في مشروعات التسوية الجارية، إلا ان اي متابع لشؤون المنطقة بات قادراً على رسم تصور "منطقي" لشكل الدور الأردني بغض النظر عن شكل التصريحات الرسمية الأردنية. حيث إن الواقع الجيوسياسي يفرض ان يكون الأردن على تماس مباشر مع مجمل التسويات، لا بل، قد يكون الأردن اليوم حجر الزاوية الذي تبنى عليه معادلات التسوية في المنطقة. خصوصاً أن الرؤية الأمريكية اسقطت ما يسمى بالحل التاريخي للقضية الفلسطينية مما يعني ضمناً اسقاط كثير من الأمور اهمها حق العودة الذي لم تتطرق له أي من جولات كيري الأخيرة. فالحديث انصب على فكرة انضاج مشروع تعايشي مشترك يُشعر الفلسطينيين بنوع من التغيير في نمطية الحياة تقوده لاحقاً الى ما يسمى السلام الاقتصادي.
اذاً، ان طبيعة شكل الحل الذي تتحدث عنه الولايات المتحدة هو أقرب الى صيغة الحل العملي المبني أساساً على فكرة تسهيل حياة الفلسطيني. ما يعني ضرورة رصد الجوانب المتعددة لهذا الواقع، حيث ان هذا يتطلب اعادة صياغة شكل الادوار الوظيفية خصوصاً من الجهات التي قد تضطر للعب دور خدماتي اكبر في سبيل انجاح الرؤية الأمريكية للتسوية.
الأردن الرسمي قد يجد نفسه خارج دائرة المناورة السياسية، لا بل قد يضطر لقبول التوظيف الأمريكي في ثلاثة ملفات رئيسية: الأمن والحدود واللاجئين.
ملف الأمن قد يجد الأردن نفسه منخرطا بتلبية الرغبة الأمريكية التي عبر عنها كيري بوضوح عندما تمنى الوصول الى اللحظة التي لا يرى فيها جندي اسرائيلي في حدود الـ67. هذا يعني منطقياً ان الطرف الأمني الأردني قد يشكل البديل القادم الذي يحظي بقبول الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، بدايات التشويق لهذه الفكرة بدأت فعلياً مع تعاظم الحديث عن رغبة أمريكية بتشكيل قوة حماية مشتركة تتخذ من الأغوار مقراً لها وبالتالي يتم البدء بتعويض الوجود الاسرائيلي، ولعل الاجتماعات الأمنية الأخيرة التي عقدت بين الامريكيين و الفلسطينيين لمناقشة الاقتراحات الامريكية بشأن الترتيبات الامنية التي ستتخذ في اطار التسوية الدائمة هي دليل جديد على جدية الترتيبات على الأرض واثبات لفرضية استعداد اطراف التسوية لترجمة الرؤية الأمريكية على أرض الواقع.
من ناحية أخرى، يشكل ملف اللاجئين التحدي الأكبر لمشروع التسوية الافتراضية هذا، فطبيعة التعامل مع حيثيات ملف اللاجئين الشائك قد تخلق حالة من الصدام السياسي بين العديد من التيارات والقوى السياسية على مستوى الاقليم، ذلك ان فكرة اسقاط حق العودة هي فكرة مرفوضة لدى أغلبية القوى الوطنية الأردنية والفلسطينية، من هنا قد تظهر الرغبة في تمرير المشروع عبر عدة تعبيرات خصوصاً مع تعاظم الحديث عن ضرورة ايجاد حلول عملية مقبولة، كإيجاد حالة ضامنة للحقوق المدنية -على سبيل المثال- والفصل بينها و بين الحقوق السياسية في هذه المرحلة.
اما ملف الحدود -فبلا شك- هو ملف يضطلع الأردن به بسبب الواقع الجغرافي أيضاً، خصوصاً ادارة الجسور و المعابر التي تهدف الى خلق مساحة من حرية التنقل مستقبلاً للفلسطينيين ما يشعر الفلسطيني بحالة من الارتياح. من هنا يتساءل الكثيرون عن جدوى انجاز مشروعات كبرى كمشروع توسعة مطار الملكة علياء ليصل الى قدرة استيعابية تصل الى 12 مليون مسافر في العام او الحديث عن اقامة مطار في الاغوار، او تحسين البنية التحتية لطرق الربط الدولي او الحديث مستقبلاً عن شبكة قطارات تربط المنطقة مروراً بالأردن. كل هذا يأتي في اطار استعدادات يتم التحضير لها في الدوائر المغلقة وتأخذ طابع السرية التامة.
باختصار يمكن النظر الى رؤية كيري للأردن على أنها تهدف الى تحويل الأردن الى دولة خدماتية، الذي يمكن تسميته اصطلاحاً بـ " الأردن أرض الخدمات". من اللافت للنظر أيضاً توفر الغطاء الدولي في هذه المرحلة لكثير من المشروعات التي لا يمكن الشروع بها دون توفر مثل هذا الدعم الدولي، مثل مشروعات جر مياه الديسي الى عمان او التوقيع مؤخراً على اتفاقية ناقل البحرين بين الأطراف الثلاثة الأردن وفلسطين و"اسرائيل". كل هذه المشروعات وما قد تحمله الأيام القادمة يأتي بلا شك ضمن اطار اعادة إحياء المشروعات في ظل الرؤية الأمريكية للحل النهائي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. حتى محاولات انشاء المحطة النووية في الاردن لا يمكن النظر اليها بعيداً عن هذه التطورات. في النهاية لا يمكن لهذه الرؤية الأمريكية الحالمة أن تترجم من اطار النظرية الى اطار التطبيق بهذه السهولة؛ حيث ان كثيرا من العقبات تقف امام هذه الرؤية اهمها قد يكون الصدام المتوقع الذي قد تخلقه هذه التصورات مع الواقع التمثيلي للشرعية الأردنية والفلسطينية على حد سواء. فالحديث عن تبني مشروع على الصعيد الرسمي يختلف تماماً عن افتراض قبول مثل هذا المشروع على الصعيد الشعبي.