المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أفريقيا الوسطى .. واحتلال فرنسي جديد


عبدالناصر محمود
12-24-2013, 08:56 AM
أفريقيا الوسطى .. واحتلال فرنسي جديد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

21 / 2 / 1435 هــ
24 / 12 / 2013 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3757.jpg




على الرغم من النعومة الظاهرة التي تمارسها السياسة الفرنسية الحالية تجاه أفريقيا إلا أنها تخفي داخل طياتها أنيابا جديدة شرسة في التعامل مع القضايا الإفريقية الداخلية والخارجية.

فمن ينظر إلى التدخل السافر للخارجية الفرنسية في الشأن الداخلي الإفريقي وخاصة في الدول التي كانت قبل ذلك مستعمرات فرنسية يدرك وبكل يقين أن الاستقلال الذي منح لهذه الدول لم يكن إلا حبرا على ورق وأنه استقلال وهمي للاستهلاك المحلي وللتلاعب الدولي وأن هذه الدول الإفريقية لا تزال مستعمرات فرنسية لم تنل استقلالها بعد.

وليت الأمر قاصرا على التدخل الدبلوماسي فقط بل يتعداه دوما لتدخل عسكري أيضا في القضايا الإفريقية وخاصة عند وجود إسلاميين في هذه البلدان, ويتغافل المجتمع الدولي كله عن التدخلات العسكرية السافرة للجيش الفرنسي في أفريقا وكأن الأمر داخل فرنسا لها أن تحرك جيوشها كما تشاء وسط صمت دولي شديد فلا إدانة ولا استنكار ولا منع لهذه القوات من هذا التطفل العسكري .

فبعد التدخل العسكري الفرنسي في مالي في 11 يناير 2013 الذي استهدف بالأساس وجود جماعة من الإسلاميين شعرت فرنسا بخطورتهم تقدمهم على الجيش المالي, فناشدهم رجلهم رئيس المالي المؤقت ديونكوندا تراوري بالإسراع بنجدة نظامه فأتت القوات العسكرية الفرنسية لتقوم بدورها في قمع الإسلاميين –وهذا ما قاله صراحة ودون مواربة وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الذي قال" إن أهداف التدخل الفرنسي في مالي هي العمل على مساعدة الجيش المالي في وقف تقدم المتمردين الإسلاميين جنوبا"- وهي قضية من المفترض ان تكون قضية داخلية في مالي إذا كانت مالي قد استقلت حقا عن فرنسا.

وبنفس الكيفية تتدخل فرنسا دوما في كافة الدول التي كانت تابعة لها والتي جمعتها فرنسا في الفرانكفونية (1) وهي الوجه المعدل للاحتلال الفرنسي بالنكهة الحديثة.

ويمكن أن نعتبر أن هولاند يمارس منذ مجيئه كرئيس للجمهورية الفرنسية سياسة استعمارية ناعمة جديدة نستطيع ان ننسبها إليه تتسم بسمتين أساسيتين وهما حصوله دوما على دعم سياسي دولي من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وكذلك حصوله على موافقات محلية من حكومات ذات الدول التي يتدخل عسكريا فيها, وحدث ذلك في ساحل العاج "كوت دي فوار" والصومال ومالي والآن يحدث نفس الشئ في جمهورية إفريقيا الوسطى.

وعادة ما يكون الهدف المعلن والمصاحب للغزو الفرنسي لهذه الدول تحت غطاء تأمين وصول المساعدات الإنسانية لهذه الدول التي ينهار فيها القانون والنظام ولتفادي المجازر التي تحدث بها والحفاظ على السلم والأمن الدوليين وإحلال الديمقراطية في البلدان ومحاربة التطرف, إلى غير ذلك من الشعارات البراقة الخادعة.

وغالبا ما يكون الطرف المقابل من المسلمين لتستغل فرنسا في ذلك تراجع الدور الأمريكي في أفريقيا وبعد انشغال الكثير من الدول العظمى بملفات ربما يعتبرونها مصيرية أكبر من الملف الإفريقي ولتفرض وتكرس وجودها العسكري لتعيد المستعمرات الفرنسية السابقة إلى ما كانت عليه قبل الاستقلال الوهمي الذي دفعت ثمنه باهظا كل الشعوب الإفريقية, ولتستغل أيضا القلاقل السياسة المصطنعة في كثير من الدول الإفريقية, وبهذا أصبحت فرنسا وحدها في الميدان فأرادت أن تطلق يدها على هذه البلدان.

وفطن الكثيرون من أبناء أفريقا الوسطى وخاصة المسلمين لهذا الاحتلال الجديد فانطلقت المظاهرات في بانغي العاصمة احتجاجا على التدخل العسكري الفرنسي في البلاد وهتف المحتجون "لا لفرنسا" و"هولاند مجرم"، وخاصة ان الاحتلال الفرنسي الجديد جاء لنصرة النصارى على المسلمين .

وتعرضت القوات الفرنسية إطلاق نار مرتين بحسب ما قال المتحدث العسكري الفرنسي ولكنه رفض الإدلاء بعدد القتلى من دون أن يستبعد احتمال سقوط ضحايا لكنه نفى مقتل أو إصابة أي جندي فرنسي.

وجاء السبب في هذه الفوضى من الميليشيات المسيحية المسلحة التي قامت بعدوان دموي على المسلمين لتطيح بأول رئيس مسلم في البلاد وليسقط جراء ذلك مئات القتلى –قدرتهم منظمة العفو الدولية بأكثر من ألف شخص- وتشرد قرابة أربعمائة ألف شخص في بلد يبلغ تعداد سكانه 4.5 ملايين نسمة.

وبالطبع لم ولن تترك فرنسا الفرصة التي لابد وأن تكون قد صنعتها للعودة مرة أخرى إلى أفريقيا الوسطى بعد قرابة خمسين عاما بمباركة مجلس الأمن الذي سمح للقوات فرنسية تقدر بـ 1600 جندي بالانضمام إلى قوة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام, وأي سلام ينشدون؟!!!

إن فرنسا الآن تعاود سياسة الاحتلال من جديد تحت سمع العالم وبصره مستغلة كل السبل والأسباب التي تدعمهم من تواطؤ دولي وخيانة محلية وغفلة وانخداع من كثير من أبناء كل بلد إفريقي لا يزالون ينظرون إلى فرنسا كحامية للحريات في العالم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] هي منظمة دولية أنشأتها فرنسا للدول الناطقة باللغة الفرنسية - وغالبيتها الدول التي كانت خاضعة للاحتلال الفرنسي - (كلغة رسمية أو لغة منتشرة) والحكومات، تحتوي المنظمة على 55 عضوا وحكومة و30 مراقبا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــــ