المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اللاجئون الفلسطينيون وحق العودة


Eng.Jordan
12-24-2013, 03:48 PM
[ولادة قضية اللاجئين ـ القرار 194 وحق العودة ـ حق العودة وم.ت.ف. والدولة الفلسطينية ومشروع الدستور الفلسطيني ـ اللاجئون ووكالة الأونروا ـ حركة اللاجئين ولجان حق العودة]
تتناول هذه الدراسة بإيجاز قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة بحيث تشكل مقدمة لمن يود الاهتمام بهذه القضية ومتابعة تفاصيلها وتطوراتها وتداعياتها اليومية.
وتتضمن الدراسة الأجزاء التالية:
1- ولادة قضية اللاجئين ربطاً بقرار التقسيم وقيام دولة إسرائيل، وتدمير الكيانية السياسية وبنى المجتمع الفلسطيني.
2- القرار 194 وقد جرى تقسيم هذا الجزء إلى الأبواب التالية:
‌ـ ولادة القرار وقراءة قي قوته القانونية.
ـ القرار 194 وحق العودة في العملية السياسية في المنطقة.
3ـ حق العودة وم. ت. ف والدولة الفلسطينية ومشروع الدستور الفلسطيني
4ـ وكالة الغوث (الأونروا). وقد جرى تقسيم هذا الجزء إلى الأبواب التالية:
السياق السياسي لولادة الوكالة.
المسار الذي قطعته وكالة الغوث.
الوكالة والعملية التفاوضية.
الأزمة المالية للوكالة.. أين الحقيقة؟
· كيف نعالج الأزمة المالية للوكالة؟
5- حركة اللاجئين ولجان حق العودة. وقد جرى تقسيم هذا الجزء إلى الأبواب التالية:
· ولادة حركة اللاجئين.
· حركة اللاجئين.. في «الداخل» و«الخارج».
· حركة اللاجئين.. حركة ديمقراطية ومستقلة.
1- ولادة قضية اللاجئين
ولدت قضية اللاجئين الفلسطينيين مع ولادة القرار 181 في 29/11/1947 الذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة عربية وأخرى يهودية. والجمعية العامة للأمم المتحدة، بقرارها المذكور تجاوزت حدود الصلاحيات التي تتمتع بها.
فإذا كان قرار إقامة دولة يهودية يشكل التزاماً بوعد بلفور، فإن التقسيم بحد ذاته يشكل إخلالاً بالوعد الذي تعهدت به بريطانيا نهاية الحرب العالمية الأولى، منح فلسطين استقلالها. وأن يتم تغليب وعد بلفور للحركة الصهيونية على الوعد البريطاني للفلسطينيين هو واحد من دلائل الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني.
وقرار التقسيم يشكل في حد ذاته خرقاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على دور المجتمع الدولي في صون وحدة أراضي الدول والكيانات السياسية، وهو ما قام به في أوروبا (بولندا مثلاً). وإذا كان القرار هدفه كما يدعي البعض الفصل بين الشعبين الفلسطيني واليهودي لصعوبة التعايش فيما بينهما، فإن الوقائع أثبتت أن التقسيم هو الآخر لم يوفر التعايش بين الطرفين، ولم يضع حداً للصراع بينهما، بل شكل، وعلى العكس من ذلك، سبباً إضافياً لتوسيع رقعة الصراع. فالفلسطينيون وجدوا أنفسهم مرغمين على الدفاع عن أملاكهم وأراضيهم ووطنهم وكيانهم السياسي وحياتهم. والحركة الصهيونية وجدت في القرار ذريعة لتوسيع رقعة عدوانها، وقد افتتحت شهيتها التوسعية لابتلاع المزيد من الأرض في ظل اختلال فادح لصالحها في موازين القوى وفي الظروف الإقليمية والدولية.
وبقرارها، أيضاً، تكون الجمعية العامة للأمم المتحدة قد تجاوزت صلاحياتها، وتجاهلت الإرادة الجماعية للشعب الفلسطيني في رفض تقسيم بلاده والمس بوحدتها، وسلخ أجزاء منها. علماً، ومن زاوية أخلاقية، أن الفلسطينيين هم أصحاب الأرض، وهم الأكثرية الساحقة. وبالتالي فإن إرادتهم تشكل تعبيراً عن الديمقراطية في أرقى أشكالها. من هنا يصبح مفهوماً لماذا لم تعرض الجمعية العامة فكرة التقسيم على الاستفتاء الشعبي. وكيف أنها تعامت عن العديد من الوقائع الدامغة لتصوغ قراراها الظالم، متجاهلة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه، وأن ما من أحد يحق له أن ينوب عنه في ذلك.
وعندما نتحدث عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وعن قرارها، فإننا لا نتجاهل، في السياق، الدور البارز الذي لعبه الوفد الأميركي في المنظمة الدولية، في الضغط على الدول الأعضاء لتتخذ مواقف إلى جانب المصالح الصهيونية بعد أن كان الوفد الأميركي قد تبناها إلى أبعد الحدود. ومذكرات العديد من رؤساء وفود هذه الدول إلى الجمعية العامة، في تلك الفترة، مليئة بالوقائع والروايات التي تؤكد كيف كان الوفد الأميركي إلى الأمم المتحدة ممثلاً حقيقياً، ليس لبلاده فقط، بل وللحركة الصهيونية أيضاً، وكيف تعرض العديد من الدول الفقيرة إلى ضغط أميركي وصل حتى التهديد بضرورة تأييد الموقف الصهيوني. ومن المفيد أن نتذكر هنا أن العالم كان ما يزال ينفض عنه غبار الحرب العالمية الثانية، وقد خرجت منها الولايات المتحدة المنتصر الأكبر في العالم الرأسمالي المسمى حراً، وتشكل القوة الاقتصادية الأولى التي بإمكانها أن تمد يد المساعدة لدول فقيرة ما زالت تخطو الخطوات الأولى على طريق ولادتها وبناء كياناتها المستقلة، والطريق الشاق نحو التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
افتقار القرار 181 إلى العدالة السياسية والقانونية والأخلاقية، لم يقتصر على الخلفية والآليات التي حكمت اتخاذه، بل امتدت لتطال مضمونه نفسه. ولعل تعبير «تقسيم» لا يوضح كيف يمكن أن يقسم بلد ما بطريقة شيطانية، بحيث يصبح تنفيذ أحد بنوده عملاً مستحيلاً أو في أحسن الأحوال شديد التعقيد، تجابهه صعوبات لعدم توفر الإمكانيات العملية لمثل هذا التنفيذ. وإذا كان العديد ممن رفعوا أيديهم بالتصويت لصالح القرار يجهلون الحقائق الجغرافية والديمغرافية التي عبث بها هذا القرار، فإن الوقائع و الأرقام تؤكد، من جهة أخرى، أن الذين خططوا لهذا القرار ورسموا تفاصيله وخرائطه، كانوا يدركون جيداً ماذا يفعلون، وأية كيانات يصنعون ، وما هي حقيقة الصفحة السياسية الجديدة التي فتحوها في تاريخ المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط، بل وحقيقة الصفحة السياسية الجديدة التي فتحوها في تاريخ الأمم المتحدة والعلاقات الدولية.
فمساحة فلسطين الانتدابية تبلغ 27 مليون دونم. كما بلغ عدد سكانها نهاية العام 1946 حوالي 1.972.000 نسمة، منهم حسب أغلبية الإحصاءات 1.364.000 عرباً و 608.000 يهوداً، معظمهم من المهاجرين الأوروبيين الذين دخلوا البلاد بصورة غير مشروعة ولا يمتلكون حق المواطنة. وقد قسمت فلسطين، بموجب القرار 181 إلى دولتين، الأولى «يهودية» أعطيت ما نسبته 55.5 % من مساحة فلسطين، في وقت كان اليهود كلهم يشكلون أقل من ثلث السكان، ويملكون أقل من 7% من الأرض. بينما أعطي الفلسطينيون 45.5 % من الأرض، وهم يشكلون أكثر من ثلثي السكان، ويملكون معظم الأرض.
قسمت فلسطين، بموجب القرار المذكور، إلى ثمانية أجزاء: ثلاثة عربية، وثلاثة يهودية ،وجيب دولي ضم القدس ومحيطها، وجيب آخر تقع فيه مدينة يافا وهو جزء من الدولة العربية لكن يقع في قلب الدولة اليهودية. وطبقاً للمراجع التاريخية، فإن سكان الدولة العربية (بعد التقسيم) بلغوا 818,000 فلسطيني بما في ذلك 71.000 فلسطيني يسكنون جيب يافا. بينما كان في هذه الدولة أقل من 10,000 نسمة من اليهود. بينما ضمت الدولة اليهودية (ضمن حدود التقسيم) 499,000 يهودي و438,000 عربي. من هنا نفهم “الحكمة” في ضم جيب يافا المعزول إلى الدولة العربية، و إلاّ فإن ضمه إلى الدولة اليهودية يعني أن الفلسطينيين العرب سيشكلون غالبية سكانية في هذه الدولة. لا يفيد معها ضم اليهود في الدولة العربية إلى الدولة اليهودية وعددهم لا يتجاوز الآلاف العشرة، وهم لا يشكلون تعديلاً للميزان لسكاني المختل لصالح العرب. وفي مرجع آخر فإن عدد السكان اليهود في الدولة اليهودية كانوا 498,000 يهودي، بينما كان العرب 497,000 عربي أي اقل بألف نسمة، وهو ما يفسر لجوء الدولة اليهودية، قبل الإعلان عن قيامها، إلى فرض الهجرة القسرية على العرب بحثاً عما يسمى بالنقاء الديني والعرقي الذي يتيح لها الادعاء بأنها دولة يهودية حقاً. وقد لجأت في هذا السياق إلى ارتكاب المجازر البشعة، وحرق القرى والبلدات، ومازال التاريخ حافلاً بالعديد من المجازر التي لن يمحوها من ذاكرة البشرية والذاكرة الفلسطينية. أما جيب القدس فكانت غالبيته من العرب (105,000 مقابل 100,000 يهودي).
لم يستطيع القرار 181 أن يوفر لإسرائيل الأساس السكاني لقيامها باعتبارها دولة لليهود. ففي معظم مناطقها كانت الغلبة للسكان العرب. فعلى سبيل المثال كان يسكن النقب (الذي ضم للدولة اليهودية) 1020 يهودياً فقط، بينما كان سكان العرب حوالي 103,820 عربياً. أما الجليل الشرقي فكان سكانه 86.200 فلسطيني، و 28,750 يهودياً. وحده السهل الساحلي، الممتد من تل أبيب إلى حيفا، والسهل الداخلي الواقع جنوبي شرقي حيفا، كان يضم غالبية يهودية (469,259 يهودياً مقابل 235.760 عربياً). ومع ذلك نلاحظ أن حوالي 304,000 يهودي كانوا مجتمعين في تل أبيب وحدها ، بينما كانوا في الريف أقلية في مقابل الأغلبية العربية.
أما من حيث الملكية، فكنا قد أشرنا إلى أن ملكية اليهود في فلسطين التاريخية لم تتجاوز 7 % من الأرض (أي حوالي 1,820,000 دونم). أما في «دولتهم» فقد بلغت ملكية اليهود 1,678,000 دونم من أصل 15 مليون دونم هي مساحة «الدولة اليهودية». أي أن ملكيتهم في دولتهم كانت لا تتجاوز 11.2 % من مساحة الأرض، والباقي كان للفلسطينيين. أما من أصل 7,500,000 دونم صالحة للزراعة في «الدولة اليهودية» فإن ملكية اليهود كانت لا تتجاوز 1.5 مليون دونم بينما كان 80% من هذه الأرض ملكاً للفلسطينيين. بالمقابل نلاحظ أن مساحة الدولة الفلسطينية بلغت 12 مليون دونم، كانت ملكية اليهود فيها لا تتجاوز 1% تقريباً. أما مساحة جيب القدس فبلغت بموجب التقسيم 187 ألف دونم، كانت حصة اليهود فيه لا تتجاوز 12.500 دونم.
من الناحية الاقتصادية، يلاحظ أن أفضل الأراضي أعطيت «للدولة اليهودية»: وهي جميع السهول الداخلية، والأراضي المنتجة للحبوب والحمضيات، علماً أن نصف هذه الأراضي كانت ملكاً للفلسطينيين، وأن 80 % من إجمالي قيمة الصادرات الفلسطينية – قبل التقسيم – كانت من الحمضيات. ويلاحظ أيضاً أن حوالي 40 % من الصناعة الفلسطينية، والجزء الأكبر من الموارد التي كانت تزود فلسطين بالطاقة الكهربائية، صار تابعاً للدولة اليهودية.
ومع ولادة دولة إسرائيل لم تولد دولة فلسطينية موازية، بل ولدت قضية جديدة هي قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من أراضيهم، وتشردوا في أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة (لبنان – سوريا – الأردن – العراق ..) وتراوح عدد اللاجئين الذين طردتهم إسرائيل من الأرض العربية التي احتلتها بعد الإعلان عن قيامها في 15/4/1948 ما بين 700 إلى 800 ألف فلسطيني ـ وفقاً للتقديرات والإحصاءات المتعددة.
سيطرت المملكة الأردنية الهاشمية على الضفة الفلسطينية لنهر الأردن، وألحقتها بها جزءاً لا يتجزأ من المملكة المعلن عنها حديثاً، وفرضت على الفلسطينيين التخلي عن جنسيتهم لصالح الجنسية الأردنية. شكلت الحكومة المصرية إدارة عسكرية أشرفت عن قطاع غزة الذي تحول ملجأ مكتظاً باللاجئين. أما الذين لجأوا إلى الدول العربية الأخرى فقد أعيد تنظيم وضعهم في مخيمات وتجمعات سكنية خاصة بهم، وباتوا يعرفون منذ ذلك الوقت باللاجئين الفلسطينيين. وصارت قضيتهم هي عنوان القضية الفلسطينية، وصار شعار «عائدون» هو الذي يلخص مجمل القضية الفلسطينية. وسقطت فكرة الدولة الفلسطينية من الأذهان، وصار يوم 29/11/1947 يوماً أسود في تاريخ القضية الفلسطينية، مثله مثل يوم 15/5/1948 تاريخ قيام دولة إسرائيل، ونكبة الشعب الفلسطيني في وطنه.
وخلف الجدار الحديدي للدولة الصهيونية، بقي حوالي 120 ألف فلسطيني يعيشون فوق أراضيهم، تطاردهم قوانين الطوارئ، وإجراءات القمع وأطواق الحصار. لكن بقي هؤلاء يشكلون عقب أخيل الدولة الإسرائيلية. وهي اليوم تجد نفسها أمام امتحان الديمقراطية المزيفة واستحقاقات السياسات العنصرية. إذ تحولت هذه الفئة العربية القليلة إلى مجتمع متكامل يكبر في قلب المجتمع الصهيوني ويشكل نقيضاً له.
2- القرار 194
ولادة القرار وقراءة في قوته القانونية
أمام هول جريمة تشريد حوالي 800 ألف لاجئ فلسطيني من ديارهم، وجد المجتمع الدولي نفسه مطالباً بالتحرك لمعالجة هذه القضية بالسرعة القصوى بسبب تداعياتها وانعكاساتها العاصفة على مجمل المنطقة. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، وجدت في تدفق هذا العدد الكبير من اللاجئين على الدول العربية المجاورة (لبنان– سوريا– والأردن) خطراً يتهدد استقرار هذه الدول، باعتبارها صديقة لأميركا ومقربة منها. كما رأت في اللاجئين، بلا مأوى أو غذاء، أو مصادر دخل، بيئة خصبة لما تسميه واشنطن تغلغل الأفكار الشيوعية الهدامة. كما رأت في قضية اللاجئين عقبة في الوصول مع الدول العربية إلى سلام مع إسرائيل، خاصة وأن كل العواصم العربية المعنية بالصراع مع إسرائيل اشترطت حل قضية اللاجئين أولاً، وقبل كل شيء، للوصول إلى سلام مع الدولة اليهودية.
بريطانيا، من جهتها، رأت في قضية اللاجئين الفلسطينيين مدخلاً لإعادة ترميم صورتها أمام العالم العربي، فتدخلت هي الأخرى لإيجاد حل ما لهذه القضية. وهذا ما شكل مدخلاً لتوافق دولي على تعيين مندوب عن الأمم المتحدة، هو الكونت برنادوت، ليتولى بحث الوضع في الشرق الأوسط. وقد رأى برنادوت أنه من دون حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وإعادتهم إلى ديارهم التي هجروا منها، فمن المستحيل الوصول إلى سلام في المنطقة. وقد رفع بذلك مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 16/9/1948. من جانبها رأت الحركة الصهيونية في موقف برنادوت انحيازاً للموقف العربي حسب إدعاءاتها فدبرت له كميناً في القدس واغتالته، عند أحد الحواجز العسكرية اليهودية، لقطع الطريق على تحركاته. وكان ذلك في 17/9/1948 أي بعد يوم واحد من رفع تقريره إلى المنظمة الدولية.
وعملاً بتوصية برنادوت، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11/12/1948 القرار رقم 194، الذي قضى بتشكيل لجنة توفيق ووضع القدس في نظام دولي، كما قررت حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم في سبيل تعديل الأوضاع بحيث تؤدي إلى تحقيق السلام في فلسطين في المستقبل. وقد جاء في الفقرة (11) من القرار ما يلي:
· «11- تقرر وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم، وعن كل مفقود أو مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب، وفقاً لمبادئ القانون الولي والإنصاف، أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة.
· «وتصدر تعليماتها إلى لجنة التوفيق بتسهيل إعادة اللاجئين وتوطينهم من جديد وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك دفع التعويضات والمحافظة على الاتصال الوثيق لهيئة إغاثة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، ومن خلاله بالهيئات والولايات المتخصصة المناسبة في منظمة الأمم المتحدة».
ومنذ ولادته، تحول القرار 194 إلى الأساس القانوني لحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، خاصة وأنه يستند بالأساس إلى مبادئ القانوني الدولي، كما ورد في نصه.
فالقرار، وبموجب تفسيرات خبراء القانون الدولي واللجنة القانونية التابعة للأمم المتحدة، شكل صوناً لحق العودة. فهو يشكل في الواقع:
· اعترافاً من المجتمع الدولي، ممثلاً بالأمم المتحدة، بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948. وإلى جانب كون هذا الحق تاريخياً، تثبته وتؤكده الوقائع التاريخية الدامغة وغير القابلة للنقاش أو النقض أو التشكيك، فإن القرار 194 منح هذا الحق التاريخي، الذي يقره الشعب الفلسطيني لنفسه، بعداً قانونياً غير قابل هو الآخر للنقض أو التشكيك.
· أكد هذا القرار أن حق اللاجئين في العودة، هو حق جماعي، وفردي في الوقت نفسه. هو حق جماعي، أي أنه غير قابل للتجزئة، فلا يصح الحديث عن عودة فئات من اللاجئين، وحرمان فئات أخرى من هذه العودة، فالعودة يجب أن تكون- بالضرورة- لكل اللاجئين دون استثناء. وهو حق فردي، أي أنه لا يحق لأي جهة أن تنصب نفسها ناطقاً باسم اللاجئين وممثلاً لهم، وأن تنوب عنهم في التفاوض على هذا الحق، أو المساومة عليه، أو التخلي عنه. وبالتالي فإن أي مشروع يدعو لإعادة فئات من اللاجئين، ولا يعيد باقي الفئات، هو مشروع ناقص، ولا يعتبر تنفيذاً ناجحاً للقرار 194. وإن أية مفاوضات يدعي فيها الجانب الفلسطيني تمثيله للاجئين، يقدم خلالها تنازلات عن حق العودة، هي مفاوضات غير مشروعة، وباطلة قانوناً، وغير ملزمة إلا لمن وقع عليها.
· إن قضية اللاجئين الفلسطينيين هي مكون رئيسي من مكونات القضية الوطنية الفلسطينية، لا يمكن إيجاد حل لهذه القضية دون الاعتراف بحق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم وصون هذا الحق وعدم التخلي عنه أو المساومة عليه. كما تعتبر، في السياق نفسه، العودة إلى الديار والممتلكات التعبير الأكثر تقدماً عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه وعلى أرضه. وبالتالي، تعتبر أية مقايضة بين مكونات القضية الفلسطينية وعلى حساب قضية اللاجئين باطلة قانوناً، ولا قيمة لها ولا تلزم غير أصحابها. أي بتعبير آخر، يعتبر أمراً غير قانوني أية محاولة للمقايضة بين قيام دولة فلسطينية وبين حق العودة، أو القبول بقيام دولة مستقلة مقابل التخلي عن حق العودة، وإن قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس لا يعتبر بنظر القانون الدولي حلاً نهائياً للقضية الفلسطينية وللصراع مع إسرائيل ما لم تتم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها.
· حق العودة حق قانوني يكفله القانون الدولي، ولا يسقط بالتقادم. وقد عبرت عن هذا الأمر الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تصر، في كل عام، على إعادة التأكيد على القرار المذكور في دورتها العادية.
· القرار 194 يمتلك صفة الإلزام لكل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، رغم أنه صادر عن الجمعية العامة للمنظمة الدولية وليس عن مجلس الأمن الدولي. وهو يستمد صفة الإلزام هذه، لكونه يعاد التأكيد عليه في الجمعية العامة في كل عام في الدورة العادية للأمم المتحدة. كما يملك صفة الإلزام، كونه واحداً من القرارات ذات الصلة بقضايا الانتداب. وقد فسرت اللجنة القانونية للأمم المتحدة أن كافة قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة بقضايا الانتداب، تعتبر ملزمة للدول الأعضاء في المنظمة الدولية، بذات قوة الإلزام التي تتمتع بها القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي.
· خلافاً لما يدعيه البعض، فإن القرار 194 لا يخير اللاجئ الفلسطيني بين العودة أو التعويض، بل إن منحاه العام ووجهته الأساسية هما حق العودة. كما يربط بين العودة والتعويض باعتبارهما يكملان بعضهما البعض. فالتعويض، عما لحق باللاجئ من خسائر مادية ومعنوية، بفعل التهجير واللجوء، هو حق أيضاً من حقوق اللاجئ، ولا يكتمل حق العودة إلا بالتعويض عن هذه الخسائر. أما حديث القرار 194 عن التعويض لمن لا يرغب بالعودة، فهو لا يمس حق العودة لا من قريب أو بعيد.
· وأخيراً، وليس آخراً، وتأكيداً على إلزامية القرار 194 للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، فقد كان من شروط المنظمة الدولية على إسرائيل، لقبولها عضواً فيها، هو الموافقة المسبقة على القرار 194. وقد بقي طلب عضوية إسرائيل في المنظمة الدولية معلقاً إلى أن قدمت مذكرة يشوبها الغموض، فسرها رجال القانون في المنظمة الدولية على أنها اعتراف من إسرائيل بالقرار المذكور. وإسرائيل، كما هو معلوم، الدولة الوحيدة التي وضعت لها المنظمة الدولية شرطاً مسبقاً لقبولها عضواً في المجتمع الدولي.
· وكخلاصة علينا أن نلاحظ، أن القرار 194، في سياقه العام، ولقوته القانونية والسياسية وصفته الإلزامية، ساهم في الإبقاء على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة بنداً حاضراً على الدوام على جدول أعمال المجتمع الدولي واهتماماته القانونية والسياسية والإنسانية. وقد لعب القرار المذكور دوراً كبيراً في حشد التأييد الدولي الرسمي والشعبي والمؤسساتي لقضية اللاجئين وحق العودة، ومساندتهم في مواجهة المزاعم الإسرائيلية المبنية على الخرافات والأساطير والمفاهيم العنصرية. لذا من الطبيعي القول إن صون القرار 194 والتأكيد عليه سنوياً يعتبر أمراً بالغ الحيوية وواحداً من الأسس المثبتة للدفاع عن قضية اللاجئين وحق العودة.
القرار 194 وحق العودة والعملية السياسية في المنطقة
منذ ولادته، والقرار 194 موضع تجاذب بين الجانبين العربي والإسرائيلي. فإسرائيل كانت ترى فيه سيفاً مسلطاً على رقبتها، رفضت الاعتراف به سياسياً، وادعت أنه لا ينطبق على الفلسطينيين لأنهم لا يتمتعون بكيانية سياسية، وليست لهم دولة، كما أنهم ليسوا مواطنين في دولة إسرائيل. وتهربت، منذ العام 1948، من استحقاقات تنفيذه، واعتبرت أن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم، من شأنه أن يقضي على إسرائيل، كدولة صهيونية ويهودية في آن. ودعت على الدوام إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، مدعية أنه كما عملت إسرائيل على «احتضان يهود العالم» في دولتها، على العرب هم أيضاً أن يحتضنوا اللاجئين الفلسطينيين في بلادهم. لكن هذا لم يحل دون أن تعيد الأمم المتحدة، في دوراتها السنوية، التأكيد على القرار المذكور وعلى ضرورة تنفيذه، دون أن تعير الموقف الإسرائيلي أي انتباه.
ولكن، ومع انطلاق العملية التفاوضية في منطقة الشرق الأوسط، بين العرب وإسرائيل، في مؤتمر مدريد في نهاية تشرين الأول 1991 وبعده في مفاوضات واشنطن، شهد القرار 194 تطورات سلبية أدت إلى إضعافه وإلى تآكله سياسياً، دون أن يمس ذلك على الإطلاق قوته القانونية، أو أن يؤثر على موقف المجتمع الدولي منه، ممثلاً بالجمعية العامة للأمم المتحدة.
· فنزولاً عند الاشتراطات الإسرائيلية والضغوط الأميركية، استبعد مؤتمر مدريد القرار 194 من الأسس التي انعقد بموجبها، واكتفى بالقرارين 242 و338 . علماً أن هذين القرارين يعالجان الصراع العربي- الإسرائيلي ابتداء من حرب حزيران (يونيو) 67، مع تجاهل تام لأسباب الصراع الحقيقية الناتجة عن أحداث العام 1948، بما فيها قضية اللاجئين وحق العودة. أما هذه القضية فقد ورد ذكرها بطريقة ملتبسة بالقرار 242، تجاهلت أية إشارة لحق العودة.
· بعد تنازله الأول، في هذا المضمار، متمثلاً بقبول حضور مؤتمر مدريد مع استبعاد القرار 194 من أسس هذا الانعقاد، قبل المفاوض الفلسطيني باستبعاد القرار المذكور (مرة أخرى) من أعمال لجنة اللاجئين في المفاوضات المتعددة، واقتصرت أعمالها على بحث القضايا المسماة «إنسانية» أي قضايا التأهيل ومتطلباته، وهي، وكما بينت الوقائع، تندرج في إطار خطة دولية لتوطين اللاجئين في أماكن إقاماتهم، بديلاً لحقهم في العودة. وقد رفض المفاوض الإسرائيلي إدراج حق العودة على جدول أعمال اللجنة بذريعة أنها من اختصاص المفاوضات الثنائية، والتي كما يراها الجانب الإسرائيلي، أنها هي المعنية بالتباحث في الشؤون المسماة سياسية.
· وفي اتفاق أوسلو، عاد المفاوض الفلسطيني ليقدم التنازلات نفسها حين قبل باعتماد القرارين 242 و338 أساساً لمفاوضات الوضع الدائم، وقبل باستبعاد القرار 194، في إشارة واضحة إلى الاستعداد المسبق للتنازل عن حق العودة، والمقايضة بين هذا الحق، وقيام الدولة المستقلة، وهذا ما أكدته الوقائع اللاحقة. وقد حاول المفاوض الفلسطيني أن يستدرك هذا الخطأ - تحت وطأة الضغوط الشعبية الهائلة التي انتقدت هذا التنازل وأدانته- فقدم في جلسة مفاوضات الحل الدائم في 8/11/1999 مذكرة تدعو إلى اعتماد القرار 194 إطاراً لبحث قضية اللاجئين، لكن أسبقية لجنة المتعددة، وخلو نص اتفاق أوسلو من أي ذكر لهذا القرار أضعفا الموقف الفلسطيني وشكلا سلاحاً بيد الجانب الإسرائيلي. وقد واصل المفاوض الفلسطيني المفاوضات، ولم يعطلها كإعلان عن تمسكه بالقرار 194 وبحق العودة.
· وفي إشارات ذات مغزى، شكلت رسائل سياسية إلى الجانب الإسرائيلي، حول حدود الموقف الفلسطيني من قضية اللاجئين وحق العودة والاستعداد للمساومة عليه، استبق عدد من أعضاء الوفد الفلسطيني إلى لجنة المتعددة، نتائج العملية التفاوضية، وقدموا تفسيرات وسيناريوهات لتطبيق القرار 194، إن وافقت إسرائيل على اعتماده إطاراً لبحث قضية اللاجئين. وذهب هؤلاء بعيداً في مراعاة حدود الموقف الإسرائيلي من قضية اللاجئين وحق العودة. ففي مؤتمر عقد في أوكلاهوما (الولايات المتحدة) في 2/12/1999، قدم تيسير عمرو مشروعاً للحل يدعو إسرائيل إلى قبول عودة 10% من مجموع اللاجئين (أي حوالي 400 ألف فقط لا غير من أصل 4 ملايين لاجئ) مقابل توطين الباقين في المناطق الفلسطينية والدول العربية. وحاول عمرو طمأنة إسرائيل بأن هذه «العودة» لن تؤثر على التوازن الديمغرافي للدولة اليهودية، وأن الطرف الفلسطيني سيعلن، عند قبول الإسرائيليين بالحل، أن هذه «العودة» هي «التطبيق العملي» للقرار 194، وأن دولة إسرائيل «نفذت ما هي مطالبة به» في هذا الشأن. وفي اقتراح مشابه، وفي المؤتمر نفسه، دعا مفاوض آخر هو منذر الدجاني، إسرائيل إلى قبول «عودة» عدد من اللاجئين يساوي عدد المستوطنين اليهود الذين سيبقون في الضفة والقطاع بعد قيام الدولة الفلسطينية، على أن يعلن الطرف الفلسطيني أن هذا الأمر يعني تطبيقاً للقرار 194. ودعا، في السياق، إلى تعديل مفهوم «العودة» بحيث يصبح إلى «الوطن» أي إلى الدولة الفلسطينية المرتقبة، داعياً للتخلي عن الحق الثابت في «العودة إلى الديار والممتلكات» في مناطق 48. ويرى الدجاني أن هذا يتيح لحوالي مئة ألف لاجئ أن «يعودوا» إلى إسرائيل مقابل توطين الباقين.
· وفي حزيران (يونيو) 1999 وزع مسؤول ملف اللاجئين (آنذاك) في اللجنة التنفيذية في م.ت.ف.، الدكتور أسعد عبد الرحمن، تقريراً بعنوان «قضايا واقتراحات» يعالج قضية اللاجئين، دعا فيه إلى ما أسماه «تجاوز المحرمات»، واقترح تجزئة قضية اللاجئين، عبر العودة الجزئية، من جهة وتوطين الباقين من جهة أخرى؛ مقترحاً أن تكون «العودة» المجزوءة هذه مقتصرة على اللاجئين الفلسطينيين قي قطاع غزة وأن تكون إلى النقب، مع محاولة طمأنة إسرائيل إلى أن هذه العودة لن تمس التوازن الديمغرافي فيها، وأن الغلبة السكانية ستبقى لليهود.
· في مفاوضات كامب ديفيد، في تموز (يوليو) 2000، قدم الجانب الفلسطيني تنازلات خطيرة في مجمل العملية التفاوضية وبما يتعلق بشكل خاص بقضية اللاجئين وحق العودة، حين توصل مع الجانب الإسرائيلي إلى «تفاهم» يعفي إسرائيل من أية مسؤولية قانونية أو أخلاقية عن قضية اللاجئين وما حل بهم «من مآسي»، كما أعفاها من أية «تبعات أو مسؤوليات لاحقة معنوية ومادية وقانونية» إزاء هذه القضية. كما اتفق الطرفان على أن يتبنى المجتمع الدولي «تشكيل صندوق لتغطية مصاريف حل قضية اللاجئين» من 100 مليار دولار، «يجري توفيرها خلال فترة تمتد من 10-20 سنة». كما اتفقا على أن مشاركة إسرائيل في تمويل الصندوق لا يحملها «أية مسؤوليات عما حل باللاجئين»، ولا يفسر ذلك على أنه تعويض منها لهم، وأن المشاركة تتم لدوافع إنسانية. كما اتفق الطرفان على «حل وكالة الغوث وإنهاء خدماتها» على أن يحل محلها الصندوق الدولي المذكور. وهو ما يعني نقل قضية اللاجئين من مرحلة الإغاثة إلى مرحلة حل القضية وتسويتها. وفي السياق نفسه ،أعلنت إسرائيل استعداها لاستقبال فئة محدودة من اللاجئين على دفعات زمنية ما بين 10-20 سنة، على أن لا يتجاوز عددهم الأقصى 100 ألف لاجئ «ممن ولدوا في فلسطين الانتدابية (أي قبل عام 1948) ومن دون ذريتهم شريطة أن يكون لهم أقرباء في إسرائيل». واتفق الجانبان على أن هذه العملية «تتم في إطار جمع شمل العائلات ولأسباب إنسانية بحتة ولا تمت بصلة على الإطلاق لمبدأ حق العودة». بدوره يعلن الجانب الفلسطيني أن الإجراءات الإسرائيلية «تعتبر تطبيقاً للقرار 194». كما تعمل السلطة الفلسطينية (ومن بعدها الدولة الفلسطينية) على «استقبال حوالي نصف مليون لاجئ في فترة تمتد حتى 10-15 عاماً» وبآليات تأخذ بالاعتبار القدرات الاستيعابية للضفة الغربية. أما اللاجئون الآخرون في باقي المناطق (السلطة الفلسطينية– الأردن– لبنان– وسوريا) فيجري العمل على توطينهم في أماكن إقامتهم أو نقلهم إلى دولة ثالثة. كما تداول الطرفان في دفع تعويضات للدول المضيفة للاجئين من الصندوق الدولي وفق التالي: 40 مليار لكل من السلطة الفلسطينية والأردن، و10 مليارات لكل من لبنان وسوريا. وقد لخصت وزيرة الخارجية الأمريكية (آنذاك) مادلين أولبريت هذه التفاهمات في نص رسمي أذاعته على الملأ قالت فيه إن الطرفين اتفقا على حل مشكلة اللاجئين عبر «إيجاد مأوى» لهم و«منح تعويضات، تأهيل، إعادة توطين وعودة إلى أماكن سكناهم السابقة».
· «تفاهمات» كامب ديفيد استندت بشكل بارز إلى وثيقة «أبو مازن- بيلين» التي طرحت «التأهيل والتعويض» حلاً لقضية اللاجئين بذريعة أنه «الحل العملي». وتنص الوثيقة على أن الجانب الفلسطيني حرص على مطالبه بحق العودة، لكنه اعترف في الوقت نفسه بأن تنفيذ هذا الحق بات أمراً «غير عملي». وواضح أن هذه الوثيقة الموقعة من أبو مازن، الذي أصبح رئيساً للسلطة الفلسطينية، ورئيساً للجنة التنفيذية في م.ت.ف. تشكل إعلاناً رسمياً بالتنازل عن حق العودة، وعن القرار 194.
· وقد جاءت مفاوضات طابا (كانون الثاني– يناير 2001)، بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي،القرار 194. فقد توصل الطرفان إلى اتفاق قريب جداً من تفاهمات كامب ديفيد، نص على قيام دولتين لشعبين، دولة للفلسطينيين وأخرى لليهود، وعلى أن «العودة» تكون للدولة الفلسطينية، وأن تكون الأولوية للاجئين في لبنان وفي إطار خطة زمنية لا تتجاوز عشر سنوات، تتوفر فيها المساعدات للدولة الفلسطينية لاستيعاب القادمين، بمعدل مئة ألف لاجئ سنوياً، ويقام لهذا الغرض صندوق دولي تساهم فيه إسرائيل من موقعها كعضو في المجتمع الدولي، دون أن يحملها ذلك أية مسؤوليات أخلاقية أو سياسية أو قانونية عما حلّ باللاجئين من مآسٍ. كما يساهم الصندوق في توطين اللاجئين في أماكن إقامتهم أو في دولة ثالثة. بدورها تفتح إسرائيل باب جمع الشمل لأعداد من اللاجئين (اقترحت ألا يتجاوز خمسين ألفاً) ممن ولدوا في فلسطين قبل العام 1948، على أن يدخلوها دون ذريتهم، وأن يكون لهم أقرباء في إسرائيل. ونظراً للكثافة السكانية في قطاع غزة وخوفاً من انعكاس الوضع الاجتماعي المتأزم على الوعي السياسي، وخوفاً من انتشار $التطرف في صفوف اللاجئين، تداول الطرفان، في إطار تبادل الأراضي، في ضم مدينة الخلصة حلوتسة في النقب، إلى القطاع وأن تكون مكاناً لنقل أعداد من اللاجئين إليها، وأن يربط بين المنطقتين ممر بري توضع له آليات الحركة في اتفاق منفصل. وبعد الوصول إلى الحل الدائم لقضية اللاجئين يعلن عن حل وكالة الغوث، ويحل محلها الصندوق الدولي، ويعلن الطرفان أنه ليست لهما مطالب إضافية في هذا الصدد، ويغلق هذا الملف لمرة واحدة وإلى الأبد. وقد أوضح الجانب الإسرائيلي أن ما أعاق الوصول إلى هذا الاتفاق هو طلب الجانب الفلسطيني أن يشمل جمع الشمل إلى إسرائيل مليون لاجئ بمعدل 100 ألف كل سنة وعلى مدى عشر سنوات. ورفض الجانب الإسرائيلي هذا الطلب بذريعة أنه يخالف مبدأ دولتين لشعبين، لأن استيعاب مليون فلسطيني سيخل بالتوازن الديمغرافي، وسيحول إسرائيل إلى دولة عربية، أو دولة ثنائية القومية مما يحرم اليهود من «حقهم» في دولة خلافاً لما نص عليه مبدأ «دولتين لشعبين».

@ وفي حزيران (يونيو)2002، قدم الدكتور نبيل شعث، ممثلاً الجانب الفلسطيني المفاوض، إلى الإدارة الأميركية في واشنطن ما اصطلح على تسميته بـ «وثيقة الرؤية الفلسطينية للتسوية النهائية»، ورد فيها نص عن قضية اللاجئين استند في حيثياته إلى «تفاهمات » كامب ديفيد، وإلى مبادرة بيروت العربية، وأخذ بالرؤية الأميركية للحل كما وردت في أكثر من خطاب وتصريح لوزير الخارجية الأميركي كولن باول ورئيسه جورج بوش. وقد تحدثت الرؤية «الفلسطينية» عن «الحل العادل والمتفق عليه لمشكلة اللاجئين يستند إلى القرار 194» وإن ما يتم الاتفاق عليه بين الجانبين يعتبر التطبيق العملي لقرارات الأمم المتحدة بما فيها القرار 194.
@ موافقة الجانب الفلسطيني على«خطة الطريق» باعتبارها الأساس للعملية التفاوضية مع إسرائيل. علماً أن هذه «الخطة» شكلت تراجعاً عن «تفاهمات» كامب ديفيد وعن إطار طابا، حين أشارت إلى قضية اللاجئين دون أي إطار تفاوضي، علماً أن «خطة الطريق» نقلت مفاوضات الحل الدائم من م.ت.ف. إلى الحكومة الفلسطينية، مما حول قضية اللاجئين إلى قضية إقليمية. فالسلطة الفلسطينية باتت معنية فقط باللاجئين المقيمين على أرضها، وكل دولة مضيفة هي المعنية باللاجئين على أرضها، مما جزأ التمثيل السياسي والقانوني للاجئين، وجزأ القضية وبالتالي جزأ الحل، مما يجعل من التوطين أو التهجير مقابل التعويض هو الحل الوحيد للاجئين الفلسطينيين.
@ ومن التحركات الفلسطينية «غير الرسمية»، لكن المشمولة برعاية الجانب الفلسطيني المفاوض، كانت تحركات سري نسيبة (مسؤول ملف القدس في اللجنة التنفيذية في م.ت.ف. لفترة غير قصيرة من الوقت). فتحت شعار «كفاهم تشرداً» دعا نسيبة إلى أن تكون العودة إلى «الوطن»، أي إلى الدولة الفلسطينية، في خطة طويلة الأمد لاستيعابهم وعلى دفعات، مقابل تعويضات وبآليات مختلفة لصالح اللاجئين والدول المضيفة والدولة الفلسطينية. واستند نسيبة في مواقفه إلى «تفاهمات » كامب ديفيد وإطار طابا التفاوضي، ومبادرة بيروت العربية و«وثيقة الرؤية الفلسطينية» المقدمة إلى الإدارة الأميركية. وفي 19/6/2002 وقع نسيبة مع عامي أيالون، الرئيس السابق لجهاز الشاباك، «وثيقة أثينا»، نصت على اعتبار الدولة الفلسطينية هي مأوى اللاجئين والشتات الفلسطيني، وعلى تشكيل الصندوق الدولي، على أن يتولى المجتمع الدولي تأمين «مكان ثالث لتوطين اللاجئين الفلسطينيين» الذين يفضلون عدم الانضمام للدولة الفلسطينية. رعى توقيع الوثيقة خافيير سولانا ممثلاً الاتحاد الأوروبي، وميجل موراتينوس المبعوث الأوروبي للشرق الأوسط، وجورج باناندريو وزير خارجية اليونان، مما أضفى على الوثيقة بعداً دولياً ومنحها صفة شبه رسمية. وقد علق موراتينوس على «الوثيقة» فقال «إن موضوع حق العودة للفلسطينيين لم يعد مدرجاً على جدول الأعمال ولم يعد جزءاً من النقاش العام. وإن هناك تفهماً أن حق العودة يشكل تهديداًَ للطابع اليهودي لدولة إسرائيل. وأنها معركة انتصرت فيها إسرائيل. وكان مؤتمر قمة بيروت العربية بمثابة دليل على ذلك إذ تبنت الدول العربية الأفكار السعودية وقالت إن الحل يجب أن يكون مقبولاً من إسرائيل».
@ ومن الشخصيات الفلسطينية، التي أدلت بدلوها في مسألة الدعوة لإسقاط حق العودة، عضو المجلس التشريعي الفلسطيني (الأول) والوزير السابق لشؤون القدس في السلطة الفلسطينية زياد أبو زياد، الذي التقى في بروج (بلجيكا) مجموعة من الإسرائيليين الباحثين في مركز جافي للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب، صدرت عن اللقاء وثيقة تدعو إلى حل قضية اللاجئين على الأسس ذاتها لوثيقة أثينا، وتعتمد في الصياغة، وإلى حد بعيد، العبارات ذاتها.
@ من جانبه أدلى ياسر عبد ربه، بصفته وزيراً للإعلام، بتصريح زعم فيه أن الفلسطينيين «مستعدون لحل مسألة حق العودة على أساس خطة كلينتون (التي قدمت لمباحثات طابا) التي تلغي إمكانية عودة اللاجئين إلى داخل إسرائيل». وقد أجاب عبد ربه «بنعم قاطعة» رداً على سؤال فيما إذا كان يوافق على أقوال يوسي بيلين في كلمته في مؤتمر أحزاب الخضر في أوروبا، أكد فيها أن قضية حق العودة إشكالية بالنسبة لإسرائيل، وإن حلها يجب أن يستند إلى خطة كلينتون، وقد علق المراقبون بالقول «إنها المرة الأولى التي يصرح فيها علناً مسؤول فلسطيني رفيع المستوى ويشغل منصباً رسمياً في السلطة بتصريح كهذا» وعلقت «يديعوت أحرونوت» على هذه المواقف بالقول «إن الفلسطينيين يطرحون موضوع حق العودة كورقة مساومة بهدف تحقيق أهداف أخرى لأنهم يدركون جيداً أن أية حكومة في إسرائيل لن توافق على حق العودة».
@ وإذا كان يصح القول أن هذه الإشارات إنما تعبر عن رأي أصحابها، فإن إشارة أرسل بها الرئيس الفلسطيني (السابق) ياسر عرفات يمكن اعتبارها مظلة سياسية تلطى تحتها كل الذين تحركوا في اتجاه التساهل في التعامل مع حق العودة. إذ نشر عرفات في صحيفة «نيويورك تايمز»، مطلع شهر شباط (فبراير) 2002، مقالاً أشار فيه إلى استعداد الجانب الفلسطيني الأخذ بعين الاعتبار ما أسماه «العامل الديمغرافي» عند معالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين. كما أرسل عرفات إشارة أخرى لا تقل دلالة عن سابقتها، حين تجاهل قضية اللاجئين تجاهلاً تاماً في خطابه أمام المجلس التشريعي في 15/5/2002 (يوم النكبة) وفي أول إطلالة سياسة شاملة للرئيس عرفات بعد اجتياح آذار (مارس) ـ نيسان (أبريل) 2002. انتقلت بعدها السلطة لتتحدث عن الإصلاح والتغيير لاستقبال الحل السياسي الذي بدأ يطل برأسه في تصريحات الرئيس بوش و«رؤياه». وقد فسرت هاتان الإشارتان، استعداداً فلسطينياً واضحاً وصريحاً للتخلي عن حق العودة لتسهيل الحل بين الجانبين، ولطمأنة إسرائيل حول «مستقبلها كدولة يهودية»، عملاً بتفاهمات كامب ديفيد واقتراحات كلينتون، ومفاوضات طابا.
@ بعد ذلك قفز المفاوض الفلسطيني قفزة كبرى في التخلي، صراحة، سياسياً وقانونياً، عن حق العودة، لصالح القبول بحلول أخرى تتوزع بين التوطين وإعادة التهجير، وقد تمثل ذلك في التوقيع على وثيقة «جنيف ـ البحر الميت». ورغم ما قيل عن أن الوثيقة ليست رسمية، بل هي بين طرفين، فلسطيني وإسرائيلي، غير رسميين، إلا أن الملاحظ، أن الذين ساهموا في صياغتها، من الجانب الفلسطيني، ووقعوا عليها، يحملون الصفة الرسمية، إما كأعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (ياسر عبد ربه)، أو كوزراء في الحكومة (قدورة فارس، نبيل قسيس، وهشام عبد الرازق) أو موظفين كباراً في السلطة (اللواء زهير المناصرة محافظ بيت لحم وجبريل الرجوب مدير مكتب الأمن القومي التابع لرئيس السلطة وماهر الكرد **** وزارة الاقتصاد والتجارة والمستشار الاقتصادي للرئيس عرفات). مع التنويه، بأن عدداً غير قليل من هؤلاء، يحتل موقعه القيادي في المجلس الثوري لحركة الفتح. وقد تشكل الوفد بقرار رسمي، وحمل تكليفاً خطياً من رئيس السلطة الفلسطينية شخصياً. وقد حرص الجانب الإسرائيلي، في وثيقة «جنيف ـ البحر الميت»، على أن يخص الفقرات الخاصة بقضية اللاجئين وحق العودة باهتمام مميز، بحيث نصت الوثيقة على اعتبار نصوصها، هي النصوص الأخيرة المعنية بالحل الشامل، ولا نصوص بعدها، ولا مرجعية سواها، ولا يجوز للطرف الفلسطيني أن يرفع أية مطالبات إضافية، غير تلك التي تم الاتفاق عليها.
فالمادة 7 من الوثيقة، والخاصة بقضية اللاجئين، لا تتحدث عن حق العودة على الإطلاق، بل عما تسميه «اختيار مكان سكن دائم للإقامة» وأن تكون الأولوية للاجئين المقيمين في لبنان، في إشارة أن لا مشكلة تتعلق باللاجئين في غزة أو الضفة (باعتبارهم فلسطينيين مقيمين على أرض دولتهم) أو المقيمين في الأردن (باعتبارهم مواطنين أردنيين مقيمين على أرض دولتهم أيضاً) أو المقيمين في سوريا (باعتبار أن عوامل دمجهم في المجتمع السوري متوفرة بما فيه الكفاية). وتقدم الوثيقة في هذا السياق حلاً مزعوماً من خمسة خيارات هي: 1ـ دولة فلسطين. 2ـ المناطق في إسرائيل التي يتم نقلها إلى فلسطين من خلال تبادل الأراضي بعد خضوعها للسيادة الفلسطينية. 3ـ دولة ثالثة 4ـ دولة إسرائيل 5ـ الدول المضيفة الحالية. وفي مجرى التطبيق العملي تضيق الخيارات لصالح الخيار الخامس، أي بقاء اللاجئين حيث هم، مع استثناءات محدودة أهمها لبنان. كما يسجل أن اتفاق «جنيف ـ البحر الميت» يلتف على حق العودة، ليسقطه بالنتيجة من خلال ثلاث خطوات متكاملة. فهو يستبدل حق العودة للاجئين بما يسميه الاتفاق «حقوق اللاجئين». وهو يعرف حقوق اللاجئين بخيارات بين حلول، وليس حلاً واحداً هو حق العودة. (وهي حلول ليس من بينها في كل الأحوال حق العودة). وتطبيق الخيارات، كما هي واردة فيه، هو الذي يلبي الحقوق، بحيث تتحدد الحقوق بالخيارات، ولا تتحدد الخيارات بالحقوق. وهذا ما دعا الجانب الإسرائيلي لعدم الممانعة في إدراج القرار 194 في نص الاتفاق، دون تحفظ، طالما أن مرجعية النص هي التي تحدد مضمون القرار وآلياته، بغض النظر عن مدى التوافق أو الانسجام مع بنوده، وبغض النظر عن التفسير القانوني للقرار كما أوردته اللجنة القانونية للأمم المتحدة ما بين عامي 1949 و1950، وكما أورده القرار 2535 ب/د 24 بتاريخ 1/12/1969، الذي أكد أن «العودة» هي واحد من الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني. وقد أعاد التأكيد على هذا المعنى القرار 3376/د30، الذي قضى في 10/11/1975، بتشكيل لجنة تعنى بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، والتي قدمت، في 24/11/1976، تقريراً حول آلية تنفيذ القرار 194، باعتباره يكفل حق اللاجئين في العودة. وقد أوضحت كل هذه القرارات أن التعويض لا يشكل بديلاً لحق العودة، ولا يلغيه، ولا يسقطه، بل هو مكمل له.
إن المفاوض الفلسطيني، وهو يستبدل «حق العودة» بحقوق اللاجئين، يكون قد تناول القضية من زاوية سياسية عملية (إذا جاز التعبير)، وأسقط عنها منطقها القانوني، وأسقط عنها قرارات الشرعية الدولية وإعلان حقوق الإنسان. وهو بذلك تبنى المقاربة الإسرائيلية لقضية اللاجئين وحق العودة. فالحديث عن خيارات هو التفاف على الحق، لأن خيار اللاجئ ليس حراً، بل هو ملزم بخيارات محددة ليس من بينها حق العودة. وبذلك يكون اتفاق جنيف قد أعفى إسرائيل من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية عن نشوء قضية اللاجئين، وأعفاها من مسؤوليتها عن دفع التعويضات للاجئين عما ألحق بهم من أضرار، وأعفاها من التعويض على الدول المضيفة التي تحملت عبء إقامة اللاجئين على أراضها، وأعفاها من التعويض على اللاجئ عن سنوات لجوئه القسرية، وكذلك عن الممتلكات التي حرم منها. كما ينهي الاتفاق وضعية اللاجئ ومكانته، وينهي المطالبات الفلسطينية بالحقوق في قادم الأيام, ويدعو أيضاً لإنهاء وكالة الغوث. ويقر، في نهاية الأمر، بحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية.
مع غياب الرئيس ياسر عرفات انتهت مرحلة في حياة النظام السياسي الفلسطيني، لتبدأ، مع عهد الرئيس الجديد محمود عباس، مرحلة جديدة، يمكن القول إنها اختلفت عن السابقة في العديد من ملامحها، من بينها الموقع الذي احتلته قضية اللاجئين في الأجندة السياسية للرئيس الجديد، وموقفه من حق العودة، والحل الذي يتبناه في هذا المجال، وكيفية تقديمه إلى الرأي العام وإلى عموم الحالة السياسية، على الصعد المختلفة الفلسطينية والإقليمية والدولية.
ويمكن، في هذا السياق، أن نلاحظ أن المفاوض الفلسطيني، في عهد الرئيس عرفات، كان يعتمد، في موقفه المعلن من قضية اللاجئين، موقفاً غامضاًَ، لا يتم الإعلان عنه صراحة أمام الشارع الفلسطيني، مما أبقى شعرة معاوية بينه وبين الحالة الشعبية بشكل عام، وتجمعات اللاجئين بشكل خاص، معتمداً إلى جانب الغموض الذي أشرنا إليه، على الموقع «الأبوي» (إن جاز التعبير) الذي كان يحتله عرفات، داخل فتح بشكل خاص، وفي العلاقة مع الحركة الشعبية الفلسطينية بشكل عام.
الخطاب السياسي للرئيس عباس، بما خص قضية اللاجئين وحق العودة، اتسم بالوضوح التام، في إبداء الاستعداد للقبول بالتنازل عن حق العودة، لصالح الحلول البديلة، ملتزماً في كافة المناسبات حدود الموقف الإسرائيلي. لذلك خلت خطابات أبو مازن (وإلى جانبه أحمد قريع)، وبيانات قيادة فتح، من أية إشارة إلى حق العودة، بل اكتفت بالإشارة إلى ضرورة «حل قضية اللاجئين (أو مشكلة اللاجئين) بالاستناد إلى القرار 194». وحتى عندما تتم الإشارة بوضوح إلى العودة، فالعودة تكون إذن إلى «الوطن»، الذي يتم تعريفه بأنه الدولة الفلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، فأبو مازن، كما هو معروف، من كبار مهندسي اتفاق أوسلو، وهو الذي قام بالتوقيع عليه في 13/9/1993 في واشنطن نيابة عن م.ت.ف. وهو الذي توصل (باسم الجانب الفلسطيني) مع الإسرائيليين إلى الأسس العامة للحل الدائم كما وردت في الوثيقة المعروفة بـ«وثيقة أبو مازن ـ بيلين»، والتي شكلت أساساً رئيساً لكافة المشاريع وسيناريوهات الحلول والتفاهمات الخاصة بقضية اللاجئين وحق العودة، والتي تم التوقف أمام معظمها في الأقسام السابقة من هذه الدراسة.
وفي مراجعة للمحطات الرئيسية التي تناول فيها محمود عباس، ورئيس حكومته أحمد قريع، وقيادة فتح، قضية اللاجئين وحق العودة، بالاتجاه الذي أشرنا إليه أعلاه، في مرحلة ما بعد رحيل عرفات، وتسلم عباس رئاسة السلطة الفلسطينية، يمكن أن نرصد التالي:
@ التزم محمود عباس، في برنامجه الانتخابي لرئاسة السلطة، وفي خطاب القسم أمام المجلس التشريعي، كما في كل مواقفه، وتصريحاته وبياناته، خطاباً سياسياً واحداً، يدعو إلى «حل مشكلة اللاجئين وفقاً للقرار 194». مسقطاً بذلك حق العودة، فلا يأتي على ذكره لا من قريب أو بعيد، متجاوزاً تفسير القرار 194 الذي جرى العبث به من قبل أطراف فلسطينية وعربية. وهو خطاب، كما يتضح من سياقه السياسي، لا يتمسك بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، بقدر ما يدعو إلى «حل مشكلة»، تقف عائقاً أمام التسوية السياسية التي يطمح الطرف الفلسطيني المفاوض للوصول إليها مع الجانب الإسرائيلي، ضمن سقف منخفض يتجاوز العديد من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
@ وإذا ما تجاوز عباس (كممثل للفريق الفلسطيني المفاوض) خطابه السابق، وأشار عرضاً إلى «حق العودة»، فالعودة تكون إلى «الوطن»، مفسراً الوطن «بجناحيه الضفة والقطاع» وليس الديار والممتلكات التي هجر منها اللاجئون منذ العام 1948. وفي هذه «العودة» المزعومة، إحياء لمشروع كامب ديفيد، وطابا، وأبو مازن ـ بيلين، ونسيبة ـ يعلون، ووثيقة «جنيف ـ البحر الميت». وهي تدعو إلى التخلي عن حق العودة إلى الديار والممتلكات لصالح «العودة إلى الوطن»، تحت سقف مشروع «دولتين لشعبين» مقابل إسقاط حق العودة.
@ وفي الإطار نفسه، لا يتوانى عباس عن الدعوة إلى تجنيس اللاجئين الفلسطينيين بجنسيات الدول العربية المضيفة، كخطوة على طريق التوطين، وإزاحة قضية اللاجئين وحق العودة من طريق التسوية التي يطمح لها. ولم يخفف من وطأة هذه الدعوة الخطيرة، الإدعاء بأنه اقترح التجنيس للحد من مأساة اللاجئين في الدول العربية. ولعل في هذا الإدعاء ما يكشف، مرة أخرى، أن التجنيس هو مدخل للتوطين، وإن كانت ذريعته تخليص اللاجئين من مأساتهم.
@ وإذا ما ورد القرار 194 على لسان الرئيس عباس، فإنه يعيد تفسيره لصالح حق التعويض دون حق العودة، مشدداً على تمسك السلطة بالدفاع عن حق التعويض، كبديل «طبيعي» لحق العودة، الذي أطلقت إشارات ومواقف تؤكد تخلي الجانب الفلسطيني عنه في أية تسوية قادمة.
إن مثل هذه المواقف التنازلية، أسهمت إلى حد كبير في إضعاف القرار 194، في عيون اللاجئين، والمجتمع الدولي، وهو الأمر الذي يدعو إلى إعادة الاعتبار لهذا القرار من زاويته القانونية، شديدة الأهمية، وانطلاقاً من تفسير اللجنة القانونية للأمم المتحدة بكل عناصره، التي لا تلغيها ولا تشطبها ولا تتجاوزها أية مواقف أو اتفاقات قد يوقعها المفاوض الفلسطيني، على حساب حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948.
موقف واشنطن وتل أبيب من القرار 194
شكلت سياسة المفاوض الفلسطيني، ومواقفه التنازلية إزاء حق العودة، فرصة وذريعة للولايات المتحدة وإسرائيل لتصوغا سياسة جديدة إزاء القرار 194، تهدف إلى إضعافه على الصعيد الدولي وإلحاق الأذى بالمصالح الفلسطينية وفي المقدمة حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم.
فقبل اتفاق أوسلو، الذي قسم العملية التفاوضية إلى مرحلتين، وأحال قضية اللاجئين إلى المرحلة الثانية المسماة بمفاوضات الحل الدائم، والذي اسقط من نصوصه القرار 194 وأية إشارة إلى حق العودة، كان المندوب الأميركي في الأمم المتحدة، يبادر في الدورة العادية للمنظمة الدولية، وفي خريف كل عام، إلى تبني اقتراح يطرحه على الجمعية العامة، يدعوها فيه إلى إعادة التأكيد على القرار 194، بما يكفل حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم. وكانت الجمعية العامة بإجماع أعضائها، ما عدا امتناع المندوب الإسرائيلي، تصوت لصالح القرار المذكور.
في موقفه لصالح إعادة التأكيد على القرار 194 كان المندوب الأميركي يرسل، إلى اللاجئين إشارة تهدف إلى تهدئة خواطرهم وضمان استقرار الدول العربية المضيفة لهم، ما دام الحل ليس مطروحاً على بساط البحث في منطقة الشرق الأوسط.
بعد التوقيع على اتفاق أوسلو، وبعد ما قرأت واشنطن وتل أبيب أن باب حل الصراع قد فتح على مصراعيه، أعاد المندوب الأميركي والإسرائيلي النظر في موقفيهما من القرار 194، وعلى قاعدة أن إعادة التأكيد على القرار المذكور، منذ الآن فصاعداً، يعتبر استباقاً لنتائج مفاوضات الوضع الدائم. خاصة وأن هذه المفاوضات لم ترسم منحى كل قضية اللاجئين، ولم ترسم له، مرجعاً دولياً أو قانونياً، بل أبقته، رهناً بما يتفق عليه المتفاوضون. من هنا بدأ مندوب الولايات المتحدة يمتنع عن تبني الاقتراح المعهود سنوياً إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. وحلت محله في ذلك المجموعة العربية في الأمم المتحدة وعند التصويت كانت إسرائيل تصوت ضد القرار في سابقة خطيرة تعارضت مع شروط قبولها عضواً في الأمم المتحدة، بينما أخذت الولايات المتحدة تمتنع عن التصويت. ودول أخرى، من بينها دول المجموعة الأوروبية، أخذ مندوبوها يتغيبون عن جلسة التصويت، منعاً للإحراج، وحتى لا يتخذوا موقفاً من القرار المذكور.
صحيح أن القرار 194 ما زال يعاد التأكيد عليه في كل دورة من دورات الأمم المتحدة لكن الصحيح أيضاً أن التطورات التي عرضناها أعلاه، أضعفت القوة السياسية للقرار، وأحدثت تآكلاً في موقعه من العملية التفاوضية، وفي مدى التزام المجتمع الدولي بما جاء فيه عن حق اللاجئين بالعودة.
3ـ اللاجئون وم.ت.ف. والدولة الفلسطينية ومشروع الدستور الفلسطيني
اللاجئون وم.ت.ف.
شكلت ولادة م.ت.ف. منعطفاً تاريخياً في حياة الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية المعاصرة. إذ وفرت الأساس لإعادة بناء كيانيته السياسية التي تم القضاء عليها على يد النكبة الوطنية الكبرى، وفي ظل غياب هذه الكيانية التحق الفلسطينيون كأفراد بالأحزاب والقوى السياسية في المنطقة، دون أن يقود ذلك إلى إعادة بناء الشخصية الوطنية المستقلة للشعب الفلسطيني. المنعطف التاريخي الثاني تمثل في تبني المنظمة لبرنامج النقاط العشر، ثم البرنامج السياسي المرحلي، الذي قطع الطريق على المحاولات الإقليمية لإعادة اغتصاب تمثيل الشعب الفلسطيني، ومحو شخصيته وهويته الوطنيتين.
وقد فتح البرنامج السياسي المرحلي الباب، عربياً ودولياً، للاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.
ومما لا شك فيه أن ولادة المنظمة، والاعتراف بموقعها التمثيلي للشعب الفلسطيني، نقلت اللاجئين من كونهم مجرد تجمعات سكانية تعيش في ضيافة عدد من الدول العربية وتحت وصايتها السياسية وهيمنتها الأمنية، إلى كونهم شعب ذي شخصية وطنية مستقلة، يتوحد في انتمائه إلى وطنه، وقضيته،كما يتوحد حول حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمها حق العودة إلى الديار والممتلكات التي هجر منها منذ العام 1948.
وتحت راية م.ت.ف. دخلت قضية اللاجئين مبنى الأمم المتحدة، باعتبارها قضية شعب، وتحت راية م.ت.ف. صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سلسلة القرارات، خاصة القرار 3376/د30، الذي قضى بتشكيل اللجنة الدولية الخاصة بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني. وهي بدورها أعطت التفسير القانوني للقرار 194 باعتباره يكفل حق العودة إلى الديار والممتلكات كمنحى عام لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين. وعندما أصدرت م.ت.ف. إعلان الاستقلال في 15/11/1988 نظر اللاجئون إلى هذا الإعلان على أنه خطوة أولى نحو العودة إلى الديار والممتلكات، انطلاقاً من دور م.ت.ف. في توحيد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، والتعاطي معها باعتبارها وحدة واحدة، لا تمييز بين مكون لها وآخر. وكلما كانت الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة في م.ت.ف. تحقق نصراً إضافياً، يعزز حقوق الشعب الفلسطيني، على المستويات الإقليمية والمحلية، كلما تعزز موقع اللاجئين في قلب القضية الوطنية الفلسطينية وكلما تعزز حقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم.
غير أن المنعطف السلبي في مسيرة المنظمة تمثل في التوقيع على اتفاق أوسلو، وما أحدثه من تداعيات خطيرة لعبت دوراً في تقسيم الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي إضعاف وحدة الشعب الداخلية بعدما لاحظ اللاجئون أن حقوقهم مرشحة لأن تتبخر على يد المفاوض الفلسطيني واستعداده للتنازل عن حق العودة بذريعة تسهيل الوصول إلى الدولة المستقلة وعاصمتها القدس. لقد أضعف اتفاق أوسلو الموقع التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبينت التجربة أنه بقدر ما تحرص المنظمة على صون الحقوق الوطنية كاملة للشعب الفلسطيني، وبقدر ما تصون وحدة هذه الحقوق، بقدر ما يتعزز موقعها التمثيلي والعكس صحيح.
قيام السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع، همش إلى حد ما الدور السياسي للمنظمة. وقد عمقت رئاسة السلطة هذا التهميش حين حصرت في يد رئيس السلطة الكثير من الصلاحيات، كذلك لعب عدد من العوامل دوراً في تعميق هذا التهميش. فرئيس المنظمة هو نفسه رئيس السلطة ورئيس الحكومة ولا فواصل بين صلاحياته الواسعة، وبالتالي كان يملك هامشاً واسعاً من المناورة مكنته من تهميش كل الهيئات لصالح دوره المنفرد. أما أفراد الفريق الفلسطيني المفاوض، باعتبارهم ممثلين لمنظمة التحرير في العملية التفاوضية فقد كانوا يحتلون في الوقت نفسه مواقعهم داخل السلطة كوزراء أو كمسؤولين كبار في الأجهزة الأمنية.
كما أن من العوامل التي لعبت دوراً في تهميش المنظمة لصالح السلطة أن «الثقل المالي» انتقل إلى رئاسة السلطة ومجمل وزرائها ومعها كافة الأجهزة الأمنية والإدارية والخدمية في الضفة وغزة بعدما كانت م.ت.ف. تشكل كياناً معنوياً تسلل الشلل إلى مؤسساتها واتحاداتها الشعبية والمهنية حتى صارت هيكلاً يتآكله القدم ويعشعش في أركانه، الفراغ والبطالة السياسية وفق سياسة واعية مارستها السلطة الفلسطينية.
ورغم التأكيدات اللفظية على أن المنظمة هي المرجع للسلطة وأنها هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن السلطة معنية فقط بالشأن الفلسطيني داخل الضفة والقطاع إلا أن آليات العمل اليومية بقيت تفعل فعلها في نقل مركز الثقل إلى السلطة وفي تهميش م.ت.ف. ودورها التمثيلي.
فاستحداث منصب لرئيس الحكومة مفصولاً عن منصب رئيس السلطة شكل خطوة إضافية على هذا الصعيد، إذ صارت الحكومة ورئيسها هي المعنية بالعملية التفاوضية وليس م.ت.ف. ولذلك ليست صدفة أن يتسلم رئيس الحكومة النص الرسمي لـ«خارطة الطريق» من اللجنة الرباعية، ولا أن يستحدث في مجلس الوزراء منصب جديد هو وزير شؤون المفاوضات، وأن يحل منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية بدلاً من منصب وزير التخطيط والتعاون الدولي، وأدى المنصب الأخير إلى احتكاك مع مهام رئيس الدائرة السياسية في م.ت.ف. الذي يضطلع ـ رسمياً ـ بمهام وزير خارجية دولة فلسطين، وإلى مزيد من تقليص صلاحياته.
ولعل بعض الأطراف الإقليمية كان يشجع مثل هذه التوجهات لأن الحدود التمثيلية للسلطة يقف عند حدود الضفة وغزة بينما تمتد الحدود التمثيلية لمنظمة التحرير لتشمل كافة تجمعات الشعب الفلسطيني فضلاً عن مسؤولياتها عن سائر محاور قضيته الوطنية، وبشكل خاص قضية اللاجئين الفلسطينيين.
وقد شجع مثل هذه التوجهات أطراف دولية كثيرة لأن إضعاف م.ت.ف. يعني إضعاف الكيانية السياسية للتجمعات الفلسطينية في الشتات، الأمر الذي يسهل على مفاوضات الحل الدائم البحث عن حل يقوم على التوطين والتأهيل لقضية اللاجئين خارج منطوق القرار 194.
جولة الحوار الوطني في القاهرة في آذار (مارس) 2005 توصلت إلى التوافق على إصدار ما أطلق عليه «إعلان القاهرة» والذي حمل في طياته قرارات بإدخال إصلاحات على أوضاع السلطة الفلسطينية، وإعادة تفعيل م.ت.ف. بما في ذلك إعادة تشكيل مجلسها الوطني الفلسطيني بالانتخابات وفق مبدأ التمثيل النسبي. كذلك أعيد التأكيد على هذا الأمر في وثيقة الوفاق الوطني في 27/6/2006، والتي حملت تواقيع القوى السياسية كافة وممثلي القطاع الخاص وفعاليات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية الفاعلة. وقد أعادت الوثيقة الاعتبار لقضية اللاجئين حين نصت بوضوح على حقهم الثابت بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948، كما نصت على التمسك بالقرار 194. ورغم أن بعض الأطراف ما زال يماطل في إطلاق آليات تفعيل مؤسسات م.ت.ف. وتطبيق ما تبقى من قرارات إعلان القاهرة، إلا أن ما تم التوصل إليه أعاد فتح الباب مرة أخرى ليس لإعادة الاعتبار للمنظمة، بل وكذلك لقضية اللاجئين ولحقهم في العودة. مما يؤكد مدى الترابط الوثيق بين تعزيز الدور التمثيلي والسياسي للمنظمة وبين صون حق اللاجئين بالعودة. وهو ما يؤكد في السياق نفسه أن للاجئين المصلحة الأكبر في إعادة أحياء مؤسسات م.ت.ف، وخاصة مجلسها الوطني على الأسس الجديدة المشار إليها، وهو ما يفترض في السياق أن تشكل حركة اللاجئين قوة ضغط شعبية للإسراع بالالتزام بما جاء في «إعلان القاهرة» ووثيقة الوفاق الوطني بشأن م.ت.ف. كما يفترض أن يكون لحركة اللاجئين دور مميز في إنجاح العملية الانتخابية عبر اختيار الشخصيات والكفاءات السياسية الحريصة على صون حق العودة والتمسك به.
اللاجئون والدولة الفلسطينية
دأب المفاوض الفلسطيني، على وضع تعارض بين شروط قيام الدولة الفلسطينية وشروط عودة اللاجئين الفلسطينيين، وصولاً إلى التسليم بالموقف الإسرائيلي الداعي إلى المقايضة بين حق العودة وبين قيام دولة فلسطينية. وأعاد المفاوض الفلسطيني صياغة مفهوم حق العودة باعتباره «عودة» إلى الدولة الفلسطينية وليس إلى المواطن الأصلية للاجئين الفلسطينيين، علماً أن الأساس القانوني والسياسي لقيام الدولة يتعارض مع المفاهيم التي يبثها المفاوض الفلسطيني.
ويحاول المفاوض الفلسطيني أن ينطلق، لتأكيد صحة رأيه (الخاطئ منذ الأساس) بالاستناد إلى إعلان الاستقلال الصادر في 15/11/1988 الذي دعا إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة لكل بنيها. وإلى أن موازين القوى القادرة على إقامة دولة فلسطينية لا تقدر على فتح باب العودة إلى اللاجئين، كما يستند المفاوض الفلسطيني إلى تصلب المفاوض الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة والذي يرفض، بالمطلق عودة اللاجئين إلى مواطنهم الأصلية في مناطق 48.
إن الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، وبحدود الرابع من حزيران (يونيو)، وعاصمتها القدس، ليست، ولن تكون بديلاً لحق العودة. ولا يمكن، وفق منطوق البرنامج الوطني الفلسطيني، المقايضة بين الحق في الاستقلال والخلاص من الاحتلال والاستيطان وبين الحق في العودة. كما أن قيام الدولة المستقلة لا يضع نهاية لمأساة اللاجئين الفلسطينيين، المقيمين على أرض الدولة نفسها، (في الضفة والقدس والقطاع) أم على أراضي الدول العربية المضيفة. لكن قيام دولة فلسطينية من شأنها أن تعزز من مكانة قضية اللاجئين، وحقهم في العودة وأن تشكل قوة إضافية تساند نضالهم من أجل العودة إلى الديار والممتلكات.
فمشكلة المفاوض الفلسطيني تكمن أولاً وقبل كل شيء في قدرته على استجماع عناصر القوة في الحالة الفلسطينية. والخطوة الأولى على طريق استجماع عناصر القوة هذه هي الفصل بين شروط قيام الدولة وبين شروط العودة، والتمسك بالحق في الاستقلال، وكذلك في الحق في العودة إلى الديار والممتلكات، ورفض كل الحلول البديلة. وإذا كان قيام الدولة المستقلة يشكل تعبيراً عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه فإن الشق الثاني لهذا الحق هو في عودة اللاجئ الفلسطيني إلى دياره وممتلكاته، وإلا اعتبر هذا الحق منقوصاً.
من هنا تكمن مصلحة اللاجئ الفلسطيني في قيام الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، كإنجاز مهم في إطار نجاح المشروع الوطني الفلسطيني، والذي لن يستكمل تطبيقه إلا بضمان حق اللاجئ في العودة إلى الديار والممتلكات. وبالتالي فإن النضال من أجل الدولة المستقلة هو في الوقت نفسه نضال من أجل العودة إلى الديار والممتلكات. كما أن النضال من أجل العودة ورفض التوطين يصب في الوقت نفسه في خدمة قيام الدولة المستقلة كاملة السيادة. وأن أية محاولة لخلق تعارض بين هذين العنصرين المكونين الرئيسيين للمشروع الوطني الفلسطيني، إنما تصب في خدمة الإدعاء باستحالة الفوز بالدولة المستقلة، وبضمان حق العودة في الوقت نفسه.
إن إعادة تفعيل م.ت.ف. وإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، وفق الأسس الديمقراطية (بالانتخابات وفق مبدأ التمثيل النسبي)هو الذي يشكل ضمانة صون حق العودة، وتكامله مع حق الاستقلال.

اللاجئون ومشروع الدستور الفلسطيني
ابتدأت عملية صوغ الدستور الفلسطيني في سياق الجدل الذي ساد الساحة الفلسطينية مع انتهاء الموعد الزمني المفترض للمرحلة الانتقالية في اتفاقيات اوسلو في 1/5/1999. ورغم تضارب وجهات النظر حول احتمال انعقاد هذه المفاوضات، فإن الاجتهادات التقت عند ضرورة إعداد القالب الدستوري للدولة الفلسطينية العتيدة باعتباره أحد التحضيرات التي لا غنى عنها لقيام هذه الدولة على الأرض. وتشكلت لهذا الغرض لجنة كلفت بإنجاز مسودة للدستور الفلسطيني بالتعاون مع جامعة الدول العربية، وقد أنجزت اللجنة حتى الآن المسودة الثالثة لمشروع الدستور، طرحت في السياق سلسلة من الأسئلة تتعلق بقضايا اللاجئين والعودة. أهمها بالنسبة لنا، الدولة و م.ت.ف. وحقوق اللاجئين. فقيام الدولة يجب ألا يكون المحطة الختامية في مسيرة التحرر الوطني للشعب الفلسطيني، لأنه لن يضمن ـ بالضرورة ـ حلاً شاملاً للقضية الفلسطينية بمختلف جوانبها. ولأن الأمر كذلك فإن قيام الدولة لن يلغي تلقائياً الحاجة الموضوعية إلى استمرار بقاء م.ت.ف كإطار موحد للشعب الفلسطيني وحركته الوطنية التحررية. والإقرار بهذه الحقيقة يملي التمييز بين مؤسسات الدولة ومؤسسات م.ت.ف. فالمنظمة هي الإطار الأشمل الذي يوحد الشعب الفلسطيني كله ويعالج حقوقه الكاملة وقضيته الوطنية بكل جوانبها. والإقرار بهذه الحقيقة يملي أيضاً التمييز بين الهوية الفلسطينية (أي الانتماء إلى الشعب الفلسطيني) وبين جنسية دولة فلسطين.. كما أن الاقرار بهذا المبدأ يساعد أيضاً في حل معضلة علاقة الدستور بحقوق اللاجئين.
غير أن مسودة الدستور تقدم إجابات تختلف عن المنحى الذي أشرنا إليه أعلاه. فالمشروع يلحظ وجود «المجلس الاستشاري» كإحدى هيئات الدولة الفلسطينية وكأنه الإطار المعني بالتمثيل الفلسطيني الشامل«من داخل فلسطين وخارجها». وهي جملة لافتة لاعتمادها لصيغة محايدة لا تراعي خصوصية «الشتات» الفلسطيني كقضية قائمة بذاتها ولتجنبها استعمال كلمة «اللاجئين» التي تحمل مدلولاً واضحاً يضيئ على قضيتهم.
فالمادة 109 تنص على ما يلي« ينشأ بموجب هذا الدستور مجلس استشاري يتكون من مائة وخمسين عضواً يكون له شخصية مستقلة، وتراعى في تشكيله نسب التوزيع السكاني الفلسطيني في داخل فلسطين وخارجها. وينظم القانون شروط وطريقة انتخاب أعضائه أو تعيينهم حسب البلد المقيمين فيه». «ولرئيس الدولة أن يعين أعضاء المجلس الاستشاري ممن لا يحملون الجنسية الفلسطينية، بما لا يتجاوز عشرة أعضاء ممن تميزوا بتقديم خدمات جليلة للقضية الفلسطينية». من هذا يتضح أن مشروع الدستور يتوجه لإضفاء طابع التمثيل الشامل على المجلس الاستشاري. فهو يضم ممثلين عن الداخل والخارج ويراعي أيضاً تشكيله حسب التوزيع السكاني بين جناحي الشعب الفلسطيني وكذلك خصوصية بعض الخارج التي قد لا تسمح باعتماد أسلوب الانتخابات في جميع مواقعه. إلى هذا تفترض المادة 109 أن الفلسطينيين في الخارج ـ بشكل عام ـ يتمتعون بالجنسية الفلسطينية، و لا يغير استثناء عشرة أعضاء ممن لا يحملون الجنسية الفلسطينية من هذه الحالة العامة كثيراً. فالاستثناء ينطبق على شخصيات عربية وأممية قدمت «خدمات جليلة للقضية» وهو أمر مألوف في تاريخ حركات التحرر الوطني. وفي الوقت نفسه قد يراعي هذا الاستثناء واقع شخصيات فلسطينية لا تحمل ـ لأسباب شتى ـ الجنسية الفلسطينية.
أما المادة 110 فهي تحدد نطاق عمل« المجلس الاستشاري الذي يختص»: بدراسة القضايا الاستراتيجية العامة وتقديم المقترحات بشأنها. بتقديم الاقتراحات في كل ما يتعلق بالحقوق الوطنية وسلامة التراب الفلسطيني وحقوق الفلسطينيين في الخارج. بمناقشة التعديلات الدستورية وإبداء الرأي بما يقترح منها. بما يحيله رئيس الدولة إلى المجلس من موضوعات تتعلق بالسياسة العامة في الشؤون العربية والدولية لدولة فلسطين. بمشروعات القوانين التي يحيلها رئيس الدولة إليه المتعلقة بالفلسطينيين في الخارج وبما يقرر أعضاء المجلس طرحه للنقاش في جدول أعماله. الإشارة الأولى إلى حقوق الفلسطينيين في الخارج، التي ترد في سياق محدد يضعها على سوية قضايا جوهرية «كالحقوق الوطنية» وسيادية «كسلامة التراب» الوطني. تضفي على هذه الحقوق مدلولاً وطنياً وسياسياً بوجهة حق اللاجئين في العودة لكن دون النص الصريح على ذلك وبما لا يتجاوز حدود تقديم الاقتراحات. أما الإشارة الثانية حول مشروعات القوانين.. المتعلقة بالفلسطينيين في الخارج، فليست ذات صلة بحق العودة، بل بتنظيم أحوال هؤلاء وعلاقتهم بالدولة الفلسطينية.
من الصعب ألاّ تولد القراءة المتأنية للمادتين 109و110 انطباعاً قوياً بأن المجلس الاستشاري ليس هو الهيئة المقترحة بديلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية. سواء فيما خص تمثيل الشعب الفلسطيني بأسره (على غرار المجلس الوطني) أو بأداء بعض الوظائف كما أشرنا. لكن الفارق بين التشكيلتين هائل: فالمنظمة تشكل إطاراً سياسياً تنظيمياً كاملاً أشبه بنظام سياسي موزع ما بين الوطن والشتات. وهي تمثل الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده وتحتل الموقع السياسي المقرر في مصير القضية الفلسطينية بأسرها. أما المجلس الاستشاري وإن كان يضم شخصيات من داخل فلسطين وخارجها. إلا أن موقعه التمثيلي يبقى ناقصاً لأن صلاحياته مرسومة عند حدود تقديم التوصيات وليست اتخاذ القرارات. كما أن توصياته ليست ملزمة لأحد، بقدر ما هي محاولة لمساعدة المشرع الفلسطيني على التنبه لطبيعة الحالة الفلسطينية وخصوصياتها، لكن دونما الإفصاح صراحة عن واقع الشتات وحق العودة للاجئين.
إن قراءة مشروع الدستور على خلفية تطور العلاقة بين السلطة الفلسطينية وم.ت.ف. وتهميش السلطة للمنظمة ودورها، تخلق انطباعاً قوياً بان مؤسسات الدولة ستقام على حساب مؤسسات م.ت.ف. سواء في سياق تناول وظيفة المجلس الاستشاري التمثيلية بالتعاكس مع دور المؤسسات التمثيلية في م.ت.ف وعلى حسابها، أو في سياق ما ورد في المادة 13 من الدستور التي ـ بجانب منها ـ تتناول دور الدولة الفلسطينية «في متابعة السعي لتنفيذ الحق المشروع للاجئين الفلسطينيين في العودة لديارهم..» التي هي المهمة الموكلة بشكل طبيعي إلى منظمة التحرير. و لا يمكن تجاوز هذا النزوع الاحلالي الذي ينطوي عليه مشروع الدستور مع م.ت.ف. ومؤسساتها إلا من خلال الإقرار الصريح بالحاجة الموضوعية ـ نظراً لخصوصية المسألة الوطنية الفلسطينية ـ إلى استمرار بقاء م.ت.ف كاطار موحد وفاعل للشعب الفلسطيني وحركته التحررية قبل قيام الدولة وبعدها، إلى أن تحل القضية الفلسطينية بمختلف جوانبها والثبات على هذا الموقف في مواجهة الضغوط الخارجية. إن الاقرار بالحاجة إلى استمرار بقاء م.ت.ف. انطلاقاً من التمايز في المهام بإطار متكامل بين الدولة و م.ت.ف، وما يمليه ذلك من تمييز واضح بين مؤسسات كل من التشكيلين يترتب عليه عدم إدراج مؤسسات في هيكلية الدولة(على غرار المجلس الاستشاري) تضطلع بمهام منوطة أصلاً بالمنظمة. إن م.ت.ف. هي الإطار الأشمل الذي يوحد الشعب الفلسطيني كله ويعالج حقوقه الكاملة وقضيته الوطنية بكامل جوانبها. لذلك فإن وثائق المنظمة(ميثاقها ونظامها الأساسي) هي التي ينبغي أن تعالج العلاقة بين مؤسسات الدولة ومؤسسات م.ت.ف فيبقى التمثيل الشامل للشعب الفلسطيني في إطار م.ت.ف. مؤسسياً، وكذلك الأمر بالنسبة لقضية اللاجئين وغيرها من القضايا التي تطرح نفسها في مجرى العملية النضالية المتواصلة بعد إقامة الدولة المستقلة. إن معالجة وثائق م.ت.ف للعلاقة بين مؤسساتها ومؤسسات الدولة هو الذي يجنب الفلسطينيين البلبلة والالتباسات التي يثيرها تعاطي دستور الدولة مع هذا الموضوع.

اللاجئون وجنسية الدولة الفلسطينية
تنص المادة 13 من مشروع الدستور الفلسطيني على التالي:
“للفلسطيني الذي هجر من فلسطين أو نزح عنها نتيجة لحرب 1948 ومنع من العودة إليها، حق العودة إلى الدولة الفلسطينية وحمل جنسيتها، وهو حق دائم لا يسقط بالتقادم.
“تعمل الدولة الفلسطينية على متابعة السعي لتنفيذ الحق المشروع للاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، والتعويض، من خلال المفاوضات والسبل السياسية والقضائية وفقاً لقرار الأمم المتحدة 194 لسنة 1948 ومبادئ القانون الدولي”.
تتطرق هذه المادة، من بين نقاط أخرى إلى “حق العودة إلى الدولة الفلسطينية” بما يثير التباسات عدة لا مدعاة لها. فإذا كان من حق كل فلسطيني اكتساب جنسية الدولة بغض النظر عن مكان إقامته (وهذا ما تتضمنه المادة 12 على أية حال) وذلك انسجاماً مع إعلان الاستقلال الذي يعلن دولة فلسطين “دولة لكل الفلسطينيين أينما كانوا”، وإذا كانت الدولة المستقلة، موضع الحديث تبسط سيادتها على أرضها (بما في ذلك حدودها ومعابرها إلى العالم الخارجي) فلماذا النص بمادة دستورية خاصة على “حق العودة إلى الدولة الفلسطينية”.
ثم لماذا استخدام مصطلح “حق العودة” إلى الدولة المستقلة أسوة “بالعودة إلى الديار” (أي مناطق 48) في الفقرة التي تلي، بينما الفارق كبير الأمرين: فالعودة إلى الدولة حق بديهي لمن يحمل الجنسية التي ينظمها قانون خاص حسبما ورد في المادة 12. وهي حق سيادي للدولة في علاقتها مع من يحمل جنسيتها. وهي علاقة مباشرة بين الدولة ومواطنيها، لا تمر عبر طرف ثالث. والنص عليها لا يكون بمادة دستورية بل بموقف سياسي (يشتق منه قانون ربما) ويؤكد سعي الدولة لتذليل العقبات (السياسية وغيرها) وتوفير الشروط لاستيعاب مواطنيها. بينما العودة إلى الديار هي تنفيذ لقرار صادر عن الأمم المتحدة (194) يمر بالضرورة عبر طرف ثالث هو إسرائيل. ومن هذه الزاوية فإن تنفيذ القرار 194 هو قرار سيادي لدولة إسرائيل يستجيب لإرادة الشرعية الدولية في إطار الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف لشعب فلسطين (القرار 3236).
إن حجر الزاوية في مسألة الجنسية الفلسطينية في مشروع الدستور تشكله المادة 12 بالصيغة التالية، والجنسية الفلسطينية ينظمها القانون، دون المساس بحق كل من اكتسبها قبل الخامس عشر من أيار (مايو) 1948 وفقاً للقانون أو بحق الفلسطيني الذي كان يقيم في فلسطين قبل ذلك التاريخ وهجر أو نزح منها أو منع من العودة إليها. وينتقل هذا الحق من الآباء أو الأمهات إلى ذريتهم ولا يزول أو يسقط إلا بالتخلي عنه طواعيه.
“ولا يجدر حرمان الفلسطيني من جنسيته. وينظم القانون طرق اكتسابها والتنازل عنها وحقوق والتزامات المواطن في حال تعددها”.
أن موقعيه مسألة اللاجئين من القضية الوطنية من جهة، والشتات بخصوصياته الشديدة من جهة أخرى، واعتماد استراتيجية المرحلية في النضال الوطني التحرري من جهة ثالثة، التي على أهميتها الفائقة تاريخياً بعد أن تتحقق أهدافها ـ لا تنتج حلاً شاملاً للقضية الوطنية بمختلف جوانبها.. كل هذا يجعل من معالجة عنوان الدولة والجنسية الفلسطينية من الملفات المعقدة المطروحة على مشروع الدستور.
أن التعريف الوارد في المادة 12 يطرح موضوع الجنسية واكتسابها التاريخي في امتداد عمقها التاريخي، على تماسك منطقه الداخلي ووضوحه، ينطوي على عدد من الالتباسات تعود بمعظمها إلى أن قيام الدولة المستقلة لن يغطي المسألة الوطنية بكافة جوانبها. أن التسليم بهذه الحقيقية يقود إلى اعتماد مبدأين لتطبيق ما ورد في المادة 12 على الفلسطينيين في مختلف تجمعاتهم مع مراعاة خصوصية هذه التجمعات، ودونما إخلال بأي من مكونات الحقوق الوطنية: 1ـ التمييز بين “الهوية الفلسطينية” أي الانتماء إلى الشعب الفلسطيني وبين “جنسية دولة فلسطين”.
2ـ الانطلاق من إعلان الاستقلال: الدولة الفلسطينية هي “دولة الفلسطينيين أينما كانوا”.
* وعلى ترجمة هذين المبدأين, يترتب ما يلي: حق كل فلسطيني في اكتساب جنسية الدولة الفلسطينية بغض النظر عن مكان إقامته، ولكن فقط إذا رغب في ذلك. وهذا يعني أن اكتساب الجنسية ليس تلقائياً، بل هو مشروط بطلبها.
* كما أن الإقرار بهذين المبدأين يساعد في حل معضلة علاقة الدستور بحقوق اللاجئين، وهي المسألة التي يمكن أن تثير الكثير من الالتباسات والمطبات السياسية. وعليه ينبغي أن يوضح الدستور أن اكتساب جنسية دولة فلسطين لا يشكل إجحافاً بحق اللاجئين في العودة إلى الديار والممتلكات التي هجروا منها منذ العام 1948 (وفقاً للقرار 194) ولا يلغي هذا الحق، أو ينتقص منه.
3- وكالة الغوث (الأونروا)
* السياق السياسي لولادة الوكالة
تهجير مئات آلاف الفلسطينيين إلى الدول العربية المجاورة (الأردن– سوريا– لبنان وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية) خلق وضعاً جديداً لفت نظر الدول الكبرى المعنية آنذاك بالمنطقة والصراع الدائر فيها، وفي المقدمة الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا. وقد قرأت الدوائر الأميركية في انتشار آلاف المشردين الفلسطينيين في شوارع المدن العربية بلا مأوى أو عمل أو مصادر معيشة، حالة سياسية تشكل بيئة خصبة قد تفتح الباب أمام احتمالين يتعارضان مع السياسية الأميركية المتأهبة لوراثة المصالح البريطانية والفرنسية في المنطقة:
1- الاحتمال الأول أن تشكل بيئة خصبة للتحريض ضد سياسة الغرب وضد الأنظمة العربية الموالية له، وتحميلها المسؤولية عما آل إليه وضع الفلسطينيين، وبما يفتح الباب لتغلغل الأفكار الشيوعية و”النفوذ السوفييتي” على حساب النفوذ الغربي.
2- الاحتمال الثاني أن تشكل بيئة خصبة للتحريض ضد الدولة الإسرائيلية وتعميق العداء إزاءها، مما يقطع الطريق على مشروع دمج إسرائيل في دول المنطقة لصياغة حالة جديدة، تتلاءم والمصالح الأميركية في إطار الحرب الباردة الدائرة مع الاتحاد السوفييتي.
لذلك دعت الدوائر المعنية في البيت الأبيض الرئيس الأميركي للتدخل فوراً على خطين:
* الخط الأول: إقناع إسرائيل بإعادة دفعة من اللاجئين الفلسطينيين، لا تقل عن مئة ألف، إلى داخل إسرائيل، بما يفتح الباب أمام الولايات المتحدة، لتفرض على الدول العربية هي الأخرى توطين الباقين في أراضيها.
* الخط الثاني: المسارعة إلى تقديم الإغاثة إلى اللاجئين الفلسطينيين، وتوفير المأوى والغذاء لهم، خاصة وأن الدول العربية المضيفة لهم، هي دول ناشئة حديثاً، ولا تملك لا الخبرة ولا القدرة الاقتصادية على استيعاب هذه الأعداد الضخمة من اللاجئين على أراضيها.
وقد وقع تنافس بين الولايات المتحدة من جهة وبريطانيا من جهة أخرى لمد يد العون للاجئين الفلسطينيين، ولدفع المجتمع الدولي، ممثلاً بالأمم المتحدة، ليقوم بدوره هو الآخر في إغاثتهم وتخفيف آلام الهجرة واللجوء عنهم. الولايات المتحدة للأسباب المذكورة أعلاه، وفي محاولة للتقرب من الرأي العام العربي، بعد ما لعبت الدور الأبرز في أروقة الأمم المتحدة لصالح ولادة دولة إسرائيل على حساب الحقوق والمصالح العربية. وبريطانيا لترميم سمعتها على الصعيد العربي، بعد ما لعبت هي الأخرى، كدولة انتداب، دوراً رئيسياً في دعم المشروع الصهيوني، وتوفير الظروف المساعدة لولادته على أرض فلسطين، وتجسيده في دولة امتدت فوق ما يقارب ثلاثة أرباع أراضي البلاد. وبفعل هذه المنافسة تدفقت المساعدات الأميركية والبريطانية إلى تجمعات اللاجئين، كما تبنت الأمم المتحدة أكثر من مشروع لإغاثتهم في مناطق تشردهم، مع التأكيد أن مثل هذه التحركات إنما كانت مدفوعة بخلفيات سياسية من موقع الحرص على المصالح الأميركية والبريطانية والإسرائيلية، وليس من موقع التضامن السياسي أو الإنساني مع اللاجئين الفلسطينيين، دون أن ننفي في الوقت نفسه أن تكون بعض الدول العربية والإسلامية قد ساهمت في مشاريع الإغاثة تضامناً مع الفلسطينيين سياسياً وإنسانياً.
رفض إسرائيل السماح لحوالي مئة ألف لاجئ فلسطيني (من أصل 700-800 ألف لاجئ) بالعودة إلى ديارهم داخل الدولة، عطل على الولايات المتحدة مشروع توطين الباقين في الدول العربية المجاورة، وأوجد في المعادلة السياسية في المنطقة عنصراً جديداً هو قضية اللاجئين الفلسطينيين التي وقفت عقبة في طريق فرض أميركا وإسرائيل رؤيتها للسلام في المنطقة، كما شكلت هذه القضية العنوان الأبرز للقضية الفلسطينية، وقد اختصر اللاجئون في معاناتهم قضيتهم الوطنية، وصار شعار “عائدون” هو شعار الشعب الفلسطيني ورمز قضيته وحقوقه الوطنية. وبات واضحاً أن ثمة تجمعات من اللاجئين الفلسطينيين سوف تقيم طويلاً (وطويلاً جداً) في الدول العربية المجاورة، الأمر الذي يفترض توفير أداة شبه دائمة وذات وظيفة مزدوجة: العمل من جهة على توفير الإغاثة للاجئين، وتوفير عوامل استقرارهم الاجتماعي في أماكن لجوئهم، والعمل من جهة ثانية على توفير عوامل دمجهم في المجتمع المحلي، تمهيداً لتوطينهم تدريجياً في أماكن إقامتهم الجديدة. وقد أنشأت الأمم المتحدة، بتوصية من الولايات المتحدة وبريطانيا، وكالة إغاثة وإعادة تشغيل اللاجئين (الأونروا). وقد ولدت الأونروا في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8/12/1949 على يد القرار 302/د4. وباشرت مهمتها في الأول من أيار (مايو) 1950.
تختلف وكالة الأونروا عن غيرها من المنظمات الدولية للأمم المتحدة، أنها منظمة غير دائمة، لذلك يتم تجديد تفويضها مرة كل 3 سنوات. وبقاؤها مرهون ببقاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، وحلها يكون مرهوناً هو الآخر بحل قضية اللاجئين.
أما تمويلها فقد اعتمد على الدول المانحة، وليست موازنتها جزءاً من الموازنة العامة للأمم المتحدة، كما هو حال باقي المنظمات الدولية كاليونيسيف والأونيسكو والفاو ومنظمة الصحة العالمية وغيرها. ونعتقد، أن تكون الأونروا منظمة شبه مؤقتة، هو أمر يخدم قضية اللاجئين. فالقرار 302 ، كما هو معروف، تم اشتقاقه من القرار 194 الذي قضى بعودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم. لذلك نص القرار 302 على أن لا يشكل تأسيس الأونروا وأداؤها لدورها مساً بالحقوق المشروعة للاجئين الفلسطينييين.
اختلفت النظرة إلى الأونروا، باختلاف زاوية النظر إليها:
* فالولايات المتحدة خصوصاً، والغرب عموماً، نظروا إلى الوكالة باعتبارها أداة لتوفير عوامل الاستقرار الاجتماعي للاجئين، وطمأنتهم إلى أن المجتمع الدولي لم يتخلَّ عنهم، بهدف تخفيف حدة التوتر السياسي المخيم على أجوائهم. كما نظروا إليها باعتبارها أداة لتخفيف أعباء الإغاثة عن الدول العربية المضيفة، وكبح جماح أي خطر قد يشكله هؤلاء اللاجئون على الاستقرار السياسي لهذه الدول. ونظروا إليها أيضاً، باعتبارها أداة لتوفير الفرص الضرورية لتأهيل اللاجئين، مقدمة لدمجهم في المجتمع المحلي وتوطينهم في الدول العربية المضيفة. لذلك، وإدراكاً من الغرب للدور المهم الذي تلعبه وكالة الغوث في المساعدة في توفير عوامل الاستقرار في المنطقة، حرص، بدوله المختلفة، على توفير المال اللازم لتمويل الوكالة سنوياً. بدورها لعبت الولايات المتحدة، هي الأخرى، دوراً بارزاً في سد العجز المالي لوكالة الغوث على مدى عمرها الطويل، منذ أن باشرت أعمالها إلى أن تم التوقيع على اتفاق أوسلو.
? الدول العربية المضيفة، نظرت، هي أيضاً، إلى وكالة الغوث باعتبارها تعبيراً عن اعتراف المجتمع الدولي بمسؤوليته عما لحق باللاجئين من مآسٍ ونكبات. لذلك حملت هذه الدول وكالة الغوث المسؤولية كاملة عن إغاثة اللاجئين وإعادة بناء مجتمعهم الممزق. وقد تفتقت “العبقرية الأمنية” للأجهزة العربية عن فكرة المخيم، كمساحة جغرافية، يتم خلف أسوارها “حجز” اللاجئين في تجمعات سكانية، تحت المراقبة الأمنية اليومية للأجهزة المعنية، وتشكل وكالة الغوث الجهاز الإداري المشرف على أوضاع المخيم، وتأمين الخدمات الضرورية له، في مجالات البيئة، والصحة، والتعليم، والإغاثة (توفير الغذاء، والمأوى، والملبس، وغير ذلك من المستلزمات الضرورية).
* من جانبهم نظر اللاجئون الفلسطينيون إلى وكالة الغوث نظرة مركبة، تتناقض عناصرها فيما بينها. فهم، من جهة، بحاجة إلى خدماتها المختلفة. فهي التي وفرت لهم مكان الإقامة، والمأوى، والمدرسة، والعيادة، والطعام، وظللته بعلمها الأزرق، وشكلت على الدوام مصدراً يلبي حاجاتهم ومتطلباتهم اليومية بعد ما انهارت أسس المجتمع الفلسطيني واقتصاده، وصار اللاجئون عاطلين عن العمل يعيشون حالة بؤس شديد. وهم، من جهة أخرى، ينظرون إليها على أنها تمثل المجتمع الدولي المسؤول عن تقسيم وطنهم، وقيام دولة إسرائيل، وتدمير مجتمعهم، وتشتتهم وتفرقهم وتمزقهم. كما نظروا إليها باعتبارها أداة دولية لتوطينهم في أماكن إقامتهم، والتعويض عن أراضيهم وممتلكاتهم ووطنهم بحفنة من الدقيق، وصرة من الملابس، وبعض الأطعمة المحفوظة.
* المسار الذي قطعته وكالة الغوث
انطلقت وكالة الغوث في تقديم خدماتها للاجئين الفلسطينيين في المناطق المضيفة، وهي: قطاع غزة، الأردن (بما فيه الضفة الفلسطينية التي تحولت إلى منطقة قائمة بذاتها ومنفصلة عن الأردن بعد حرب 1967)، ولبنان، وسوريا (أي أنها تعمل في الوقت الحالي في 5 مناطق).
وكانت عملت لفترة قصيرة داخل إسرائيل، إلا أنها أوقفت خدماتها بطلب من الحكومة الإسرائيلية. أما في العراق، فقد تعهدت حكومة نوري السعيد بإعالة اللاجئين الفلسطينيين لديها، مقابل إعفاءها من أية التزامات مالية نحو الوكالة.
وبالتعاون مع الدول المضيفة، نظمت وكالة الغوث أوضاع المخيمات إدارياً وخدمياً، كما نقلت بعض خدماتها إلى المدن التي تستضيف لاجئين فلسطينيين (مدارس، عيادات، مراكز توزيع مواد إغاثة .......الخ). ورغم كل ما يمكن أن نسجله من انتقادات بحق الوكالة، إلا أن الواجب يتطلب الاعتراف أنه كان لها الدور الأبرز في إعادة صياغة الحالة الفلسطينية في الشتات:
* فالمخيمات، التي أريد لها أن تكون معسكرات اعتقال جماعي، تحت رقابة الجهات الأمنية المعنية، تحولت، دون رغبة ممن أنشأها، إلى حاضن اجتماعي، ساهم إلى حد كبير في صون الشخصية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين. فنشأت داخل المخيم تجمعات العائلة الواحدة، والقرية أو البلدة الواحدة، كذلك تحول المخيم كله إلى الجسر الذي صان انتماء الفلسطيني لقضيته ووطنه. (دون أن يلغي هذا، بالضرورة، حالة البؤس التي تعيشها هذه المخيمات).
* والخدمات، التي أريد لها أن تكون مقدمة للتوطين، سدت حاجات كثيرة لدى اللاجئين، الذين استفادوا منها، لكنهم قاوموا بالمقابل كل مشاريع التوطين التي طرحت على مر السنوات الماضية. وبقي اللاجئون متمسكين بحقهم في العودة، يشكلون جزءاً من الحالة القومية الناهضة في المنطقة، ورأس حربة في التصدي للمشاريع الأميركية والغربية المعادية للمشاعر والطموحات القومية العربية. ومما لا شك فيه، أن التعليم المجاني في مدارس الوكالة ساهم في نشر الوعي في صفوف اللاجئين، وأسس لولادة فئات اجتماعية، شكل التعليم رأس مالها الوحيد في التعاطي مع العالم خارج المخيم (وداخله أيضاً). كذلك حدت الخدمات الصحية من نسبة الوفيات لدى الأطفال، وساهمت في صون الحالة الصحية للأمهات، فتكاثر اللاجئون بوتيرة طبيعية، وفق المعايير المعتمدة في منطقة الشرق الأوسط.
هذا الدور الإيجابي الذي لعبته وكالة الغوث في حياة اللاجئين، بما في ذلك نجاحهم في إعادة بلورة شخصيتهم الوطنية وصونها، وبناء كيانية سياسية خاصة بهم، مقابل الفشل في شق الطريق أمام مشاريع التوطين، لفت أنظار الدول المانحة، وعلى الأخص الولايات المتحدة الأميركية، التي توقف الكونغرس فيها أكثر من مرة أمام مساهمة بلاده في تمويل الوكالة وأمام فشل الوكالة وفقاً للرؤية الأميركية، في دمج اللاجئين في المجتمع المحلي المضيف تمهيداً لتوطينهم، وطي ملف قضية اللاجئين في المنطقة. وقد أوصى الكونغرس بوقف المساهمة الأميركية في تمويل الوكالة، بسبب خروجها عن الوظيفة التي أسست لأجلها- دوماً وفقاً للرؤية الأميركية- إلا أن إدارة البيت الأبيض، إدراكاً منها لخطورة مثل هذا الإجراء إن هي أقدمت عليه، ولخطورة ما يمكن أن ينشأ عنه من تداعيات، رفضت توصيات الكونغرس، وواصلت مساهمتها في تمويل الوكالة، وإن كانت لم تتوقف عن الضغط لدفع الدول العربية للقبول بتوطين اللاجئين، ومنحهم جنسياتها. (على غرار ما فعل الأردن على سبيل المثال). إلى أن عقد مؤتمر مدريد (1991) وانطلقت مفاوضات واشنطن، واعتمد الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي مساراً تفاوضياً سرياً أنتج اتفاق أوسلو، فكانت له تداعياته المختلفة على أوضاع وكالة الأونروا.
* الأونروا والعملية التفاوضية
شكل مؤتمر مدريد، والمفاوضات المتعددة، منعطفاً في حياة وكالة الغوث ومسارها وعكسا نفسيهما على توجهاتها وسياساتها الخدمية. وقد تبدى ذلك في أكثر من محطة أهمها:
* إشراك وكالة الغوث في لجنة اللاجئين، المنبثقة عن المسار متعدد الأطراف. وقد نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في استبعاد القرار 194 كأساس لأعمال اللجنة، كما نجحتا في استبعاد قضايا حق العودة، لصالح الاهتمام فقط بما اصطلح على تسميته بالقضايا الإنسانية، بذريعة أن مسألة حق العودة هي من اختصاص المفاوضات الثنائية الفلسطينية- الإسرائيلية. وكان واضحاً أن القضايا الإنسانية هي العنوان الآخر لسياسة تأهيل اللاجئين ودمجهم في المجتمع المضيف تمهيداً لتوطينهم. ولما كانت وكالة الغوث لا تصوغ سياستها بنفسها، بل تستوحيها من توجيهات اللجنة الاستشارية والدول المانحة، ولما كانت الدول المانحة هي الأكثر تأثيراً في رسم سياسة الوكالة وتقريرها، فقد انجرفت وكالة الغوث مع التسوية السياسية في المنطقة، والتي من ضمن نتائجها المفترضة، من الزاوية الأميركية والإسرائيلية، توطين اللاجئين وإسقاط حقهم في العودة إلى الديار والممتلكات.
* تبني وكالة الغوث لخطتها الخاصة بخدماتها ومشاريعها لمدة خمس سنوات قادمة، وفقاً لمنظور يمهد لإنهاء خدماتها مع الوصول إلى حل دائم بين الأطراف المتصارعة، من ضمنه حل مشكلة اللاجئين. وقد أثارت هذه الخطة ردود فعل عنيفة في صفوف اللاجئين، خاصة وقد قرأوا فيها مشروعاً سياسياً لحل الوكالة، وتوطين اللاجئين بديلاً لحقهم في العودة.
* خطة مواءمة هياكل الوكالة وآليات عملها وبرامجها التعليمية، وخدماتها الصحية، مع نظيراتها في الدول المضيفة، تمهيداً لنقل خدمات الوكالة تدريجياً إلى الجهات المعنية في الدول المضيفة، على طريق حل الوكالة، وتخلي المجتمع الدولي عن مسؤولياته القانونية والسياسية والأخلاقية عن قضية اللاجئين وضرورة تأمين حقهم في العودة.
* وقد ازدادت التحولات في مشاريع وكالة الغوث ووظائفها مع ولادة اتفاق أوسلو. إذ، رغم العجز المالي الذي بدأت تعاني منه وكالة الغوث، بفعل عدم التزام الجهات المانحة بتعهداتها، فقد كلفت الوكالة من قبل الجهات المانحة بتبني مشروع جديد، خارج إطار برنامجها العام، أطلق عليه “برنامج تطبيق السلام” ( p . I . P ) خصصت له موازنات سخية (باعتراف المفوض العام لوكالة الغوث شخصياً) لأجل إقامة مشاريع تحسين البنية التحتية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة (بشكل خاص) وفي الضفة الفلسطينية، وتحسين ظروف العيش فيها، وتعويضها عما لحق بها من حرمان خلال السنوات الماضية (إقامة مستشفيات، معالجة النفايات، تعبيد الطرق، تحسين أوضاع المدارس ....الخ) وتقديم كل هذا على أنه ثمرة من ثمار السلام الذي أتى به اتفاق أوسلو للفلسطينيين. وهكذا تحولت وكالة الغوث، وفي مخالفة صريحة للتفويض المعطى لها، إلى أداة من أدوات الترويج لمشروع للتسوية، أحدث في صفوف الفلسطينيين انشقاقاً سياسياً خطيراً. وقد تعرضت الوكالة، بسبب ذلك، إلى انتقادات لاذعة من قبل أطراف فلسطينية عديدة، كذلك تعرضت الجهات المانحة هي الأخرى إلى انتقادات مماثلة: الوكالة لانخراطها في مشروع سياسي، ومخالفتها التفويض الدولي الممنوح لها، والجهات المانحة، التي أثبتت بتمويلها لمشروع تطبيق السلام، أن الأزمة المالية التي تعاني منها وكالة الغوث، هي تعبير عن موقف سياسي من قبل الجهات المانحة وليست بسبب ضعف قدرة هذه الجهات على تمويل الوكالة، وزيادة موازناتها بما يتوافق مع الزيادة السكانية للاجئين، وارتفاع مستويات المعيشة في المنطقة وتآكل القيمة الشرائية للدولار الأميركي.
* كما خطت الوكالة خطوات إضافية على طريق الانخراط في التمهيد للتسوية السياسية الداعية لتوطين اللاجئين، حين أعادت النظر بهياكلها الإدارية وأنظمتها المالية وبرامجها الخدمية، بغرض تحويل الوكالة (في قطاع غزة والضفة الفلسطينية بشكل خاص) من منظمة إغاثة (كما هو التفويض الممنوح لها) إلى منظمة تنمية محلية، تقوم برامجها بشكل رئيسي على منح القروض للاجئين، لإقامة مشاريع إنتاجية خاصة بهم، أو لمساعدتهم على تطوير مشاريعهم القائمة وزيادة در الدخل لديهم، مقابل تخليهم عن خدمات وكالة الغوث تمهيداً لانسحابها التدريجي من وظيفتها التي أنشئت لأجلها. وقد أفادت تقارير المفوض العام السنوية لوكالة الغوث، أن هذه المشاريع التنموية قد بدأت تؤتي ثمارها. غير أن التطورات السياسية اللاحقة، كما يبدو، بما في ذلك الحصار المالي والسياسي الذي فرض على المناطق الفلسطينية في الضفة والقطاع خلال العام 2006، أرغم الوكالة على العودة إلى برامجها الإغاثية، بما في ذلك تبني مشاريع إغاثة طارئة بفعل تدهور مستويات المعيشة، ليس فقط لدى اللاجئين، بل وكذلك لدى عموم الفلسطينيين، واتساع ظاهرة الفقر، وارتفاع نسبة البطالة، وعجز السلطة الفلسطينية عن تسديد رواتب موظفيها، وتعطل الحركة الاقتصادية تحت وطأة الحصار وإغلاق المعابر وتصاعد العدوان. الأمر الذي يؤكد أنه، كلما خطت التسوية خطوات إلى الأمام، وكلما اقترب الطرفان المتفاوضان الفلسطيني والإسرائيلي من إمكانية التوافق على مشروع لتوطين اللاجئين، كلما اندفعت الوكالة، بتوجيه من الأطراف المانحة، في الانخراط في التمهيد لهذه التسوية. وأنه، كلما انسدت آفاق التسوية، وكلما نجحت الحركة الشعبية في قطع الطريق على هذه التسوية التنازلية، كلما أرغمت الوكالة على العودة إلى تبني برامجها الإغاثية، وكلما التزمت أكثر فأكثر بالتفويض الذي منح لها، وبالوظيفة التي أسست لأجلها (على الأقل وفقاً للتفويض الرسمي الصادر عن الأمم المتحدة في القرار 302).
* الأزمة المالية لوكالة الغوث.. أين الحقيقة؟
تؤكد الأرقام الرسمية الواردة في التقارير السنوية للمفوض العام، أن العجز في موازنة الوكالة بدأ يظهر جلياً مع إطلاق العملية التفاوضية في منطقة الشرق الأوسط، وأن الأزمة المالية للوكالة قد تفاقمت مع توغل المفاوضات في التفاصيل، والوقوف على أعتاب مرحلة مفاوضات الحل الدائم بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. بالتوازي مع هذه التطورات السياسية، بدأت الجهات المانحة تخل بالتزاماتها المالية نحو وكالة الغوث. كما أن تعهداتها هذه لم تأخذ بعين الاعتبار الزيادة السكانية للاجئين، وارتفاع مستويات المعيشة في المنطقة، وتآكل القيمة الشرائية للدولار الأميركي، فراوحت هذه الالتزامات مكانها، الأمر الذي زاد من تفاقم الأزمة المالية لوكالة الغوث سنة بعد سنة. وقد فسر المحللون موقف الجهات المانحة أنها محاولة للضغط على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي (معاً) للوصول إلى حل ما لقضية اللاجئين، كما أنها محاولة للضغط على الجانب الفلسطيني (بشكل خاص) ليقدم المزيد من التنازلات، بما يفتح الطريق أمام الوصول إلى حل يتوافق والموقف الإسرائيلي من قضية اللاجئين. غير أن الملاحظ، في السياق نفسه، أن وكالة الغوث نفسها، غلبت المشاريع ذات الصلة بالتسوية السياسية على مشاريع البرنامج العام، وأنها استقطعت من الموازنة العامة مبالغ ضخمة (مقارنة بحجم الموازنة نفسها) لصالح البرامج الاستثنائية الخاصة بالتسوية، على أن يتم تسديد هذه المبالغ لاحقاً من قبل الجهات المانحة، الأمر الذي لم يتم حتى الآن.
ففي العام 1998 استقطعت الوكالة، على سبيل المثال، من موازنتها مبلغاً وقدره 11.5 مليون دولار لاستكمال بناء وتجهيز مستشفى غزة الذي تكفلت دول الاتحاد الأوروبي بتمويل بنائه في إطار برنامج تطبيق السلام ( p . I . P ) ولم تفِ إزاءه بكافة التزاماتها. كما استقطعت الوكالة من موازنتها العامة مبلغ 5.5 مليون دولار لاستكمال تكاليف نقل مقرها من فيينا إلى غزة. وكانت الدول المانحة تعهدات بدفع مبلغ 13 مليون دولار لهذا الغرض من خارج الموازنة، لكنها لم تسدد سوى 11 مليوناً بينما بلغت تكاليف النقل 16.5 مليون دولار. وهكذا يتضح أن العجز المالي في الوكالة إلى جانب كونه فزاعة سياسية للضغط على الجانب الفلسطيني، إلا أنه في الوقت نفسه نتاج لخلل في إدارة أعمال الوكالة وخروج عن أهدافها المحددة لها، ولصالح مشاريع وبرامج على صلة بالتسوية السياسية.
وبدلاً من أن تتوجه الوكالة نحو معالجة الخلل في أدائها اليومي، وتضغط على الدول المانحة لتفي بالتزاماتها، لجأت إلى ما تراه بالحل الأسهل، حين ركزت في تحركاتها على إشراك الدول العربية في تمويل الوكالة ومشاريعها. وهو ما يتناقض مع جوهر وظيفة الوكالة ودورها، باعتبارها مؤشراً لمدى اهتمام الغرب بقضية اللاجئين والتزامه بها. فالتزام الغرب بتمويل الوكالة وإدامة عملها، يشكل معياراً لمدى التزامه بقضية اللاجئين وحقوقهم، وبالتالي فإن خطورة زيادة مساهمة تمويل الدول العربية والإسلامية، للوكالة إنما تفسح المجال أمام الغرب ليتخلى تدريجياً عن التزاماته لصالح إلقاء العبء الأهم على عاتق الدول العربية والإسلامية وبالتالي تحويل الوكالة من منظمة دولية إلى منظمة إقليمية، بكل ما في هذا الأمر من تداعيات سياسية على أوضاع اللاجئين ومصالحهم وحقوقهم ومستقبلهم وعلى القرار 194 وتفسيراته. إن هذا لا ينفي ضرورة مساهمة الدول العربية والإسلامية في إسناد اللاجئين ومساعدتهم، ولكن عبر أقنية بديلة، منها، على سبيل المثال، المنظمات الأهلية العاملة في صفوف اللاجئين، وهي كثيرة.
* كيف نعالج الأزمة المالية لوكالة الغوث؟
إن معالجة الأزمة المالية في وكالة الغوث وتخليصها من عجزها المالي المركب أمر لا يقف عند حدود المسألة التقنية. فالتمويل، في حقيقته هو أمر سياسي أولاً وقبل كل شيء. والدليل عل ذلك أن العجز المالي بصيغته الحالية ترافق مع ولادة اتفاق أوسلو والحديث عن حل دائم للصراع من بنوده توطين اللاجئين.
المهم في هذا السياق أن ما توفره الدول المانحة للأونروا من تمويل سنوي يعتبر مبلغاً زهيداً إذا ما قورن مع ما ترصده هذه الدول لعملياتها العسكرية ولسياسات التدخل بالقوة في شؤون الغير أو “لأهداف إنسانية” في هذه البقعة من الأرض أو تلك. كما أن مساهمتها في تمويل الأونروا ما هي إلا مبالغ زهيدة إذا ما قورنت بالأرباح الطائلة التي تجنيها شركاتها العاملة في المنطقة إن في مجال النفط والغاز أو في تصدير السيارات والتقنيات والأدوات الكهربائية وغيرها. كما أن أرقام العجز المالي في الوكالة تعتبر هي الأخرى تافهة بمقياس ما ترصده الولايات المتحدة سنوياً من أموال دعم لإسرائيل أو بمقياس المساعدات الاستثنائية المرصودة لها مع كل اتفاق تعقده مع الفلسطينيين بذريعة “تشجيعها على المضي في السلام”، أو بمقياس التعويضات الممنوحة لإسرائيل من ألمانيا “تكفيراً” عن جرائم النازية. وهو ما يعيدنا للتأكيد مرة أخرى أن تمويل الوكالة ومعالجة عجزها المالي أمر سياسي وبالتالي فإن معالجته يفترض أن تكون هي الأخرى سياسية دون أن تتجاهل أهمية التحركات الشعبية المطلبية للضغط على الوكالة في مواجهة تقليصها لخدماتها.
وفي المعالجة السياسية لوضع الوكالة ودورها وأدائها يتسع باب الاقتراحات، نختار منها:
* التأكيد مجدداً على الوظيفة الأساسية للوكالة والتي من أجلها تأسست كما ورد في القرار 302 وربطاً بالقرار 194، الذي يكفل حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948؛ ألا وهي إغاثة اللاجئين وتشغيلهم.
* الاعتراض على تكليف الوكالة بأية مشاريع تتعارض في سياقها السياسي مع الوظيفة التي من أجلها تأسست. وهذا يفترض إخراجها من دائرة الحل السياسي، وفك ارتباطها بأية تسوية يتم التوصل لها، وكذلك فك ارتباطها بأية مشاريع تندرج في سياق التأهيل والدمج في المجتمع المحلي والتوطين.
* مقاومة تحويل الوكالة إلى مؤسسة تنموية أو وكالة محلية أو إقليمية تنفيذاً للمخططات الأميركية، وهو ما يتطلب فحص مشاريع الوكالة وخدماتها والتدقيق في مضمونها وأهدافها الآنية والبعيدة بما في ذلك مشاريع در الدخل والقروض التشغيلية إذا كان من اشتراطاتها تخلي اللاجئين طواعية عن خدمات الوكالة في إطار التمهيد لانسحابها التدريجي من وظيفتها التي لأجلها تم تأسيسها.
* المطالبة بفصل المشاريع الاستثنائية لوكالة الغوث عن برامج الصندوق العام، وعدم استقطاع مبالغ من الصندوق العام لصالح هذه المشاريع، على غرار ما جرى مع مشروع نقل مقر رئاسة الوكالة من فيينا إلى غزة أو غيره من المشاريع.
* التسلح بدراسات عن مستويات المعيشة ومتطلباتها في مناطق عمل الوكالة، كأساس معياري لمحاكمة تقديماتها وخدماتها، وعلى قاعدتها، المطالبة بتطوير هذه التقديمات والخدمات وبما يوفر للاجئ الحد الأدنى الضروري من حاجاته- على الأقل- كما تقرها الدراسات الدولية لمضمون سلة الغذاء المصادق عليها من قبل السلطات المحلية والهيئات الاجتماعية والنقابات العمالية. ووضع تعريفات علمية لخط الفقر وحالات العجز ومفهوم الإغاثة الاجتماعية، والعمل لإلزام الوكالة بها.

4ـ حركة اللاجئين ولجان حق العودة
@ ولادة حركة اللاجئين
ولدت تحركات اللاجئين في الداخل والخارج في سياق ردود الفعل على تطبيقات اتفاق أوسلو والتزاماته، وما تهدد حق العودة من مخاطر حقيقية. ومؤتمر الفارعة الشعبي، كان المبادرة الأولى في إطار المبادرات الشعبية للاجئين، إذ عقد في 8/12/1995 في معتقل الفارعة السابق بدعوة من مراكز اتحاد الشباب الاجتماعية في مخيمات الضفة الفلسطينية. ومن نتائجه، أنه أكد على وحدة الشعب الفلسطيني غير القابلة للتجزئة، وأن قضية اللاجئين قضية وطنية مركزية، شأنها شأن القدس والحدود والهوية الوطنية، وأن قرارات الشرعية الدولية هي الأساس لحل قضية اللاجئين، وبشكل خاص القرار 194. كما أكد على أن قضية اللاجئين قضية سياسية، وليست قضية اقتصادية لتحسين شروط العيش لديهم. وأعلن المؤتمر رفض التوطين والتعويضات بديلاً لحق العودة، وإنهاء خدمات الوكالة أو إحالتها إلى جهات أخرى. ثم توالت بعد ذلك المؤتمرات المماثلة في مناطق أخرى من الضفة والقطاع.
وفضلاً عن أن تحركات اللاجئين جاءت في سياق ردود الفعل على تطبيقات أوسلو وعلى إلغاء الميثاق الوطني، وحرصاً على صون المكانة السياسية والقانونية للاجئ والمخيم والوكالة، فقد شكلت قضية اللاجئين أيضاً محوراً رئيسياً من محاور الحركة الشعبية الفلسطينية، اخترقت تجمعات الشعب الفلسطيني في كافة مناطق تواجده. وضمت في صفوفها معظم تياراته التي توحدت على مبدأ التمسك بحق العودة إلى الديار والممتلكات ورفض التوطين. كما نجحت في إعادة تظهير ملامح القضية الفلسطينية، وتسليط الضوء على محاورها المختلفة، باعتبارها تشكل، في مجموعها، وحدة لا تتجزأ، ولا يمكن فصل بعضها عن البعض الآخر أو المقايضة فيما بينها.
إلا أن هذا لا ينفي أن اقتراب موعد مفاوضات الحل الدائم شكل حافزاً إضافياً لصف جديد من النخب السياسية والثقافية، ولأطراف إضافية من مكونات الحركة الشعبية الفلسطينية، لرفع وتيرة نشاطيتها وزيادة فعالياتها السياسية والإعلامية في الدفاع عن حق العودة، والتصدي للمشاريع المغايرة، في محاولة لاستباق أية نتائج تفاوضية تتجاوز الخط الأحمر الخاص بحل قضية اللاجئين.
ومنعاً لأي التباس، فإن حركة اللاجئين ليست معزولة عن مجمل الحركة الشعبية الفلسطينية، بفصائلها وقواها وتياراتها ومؤسساتها السياسية والنقابية والاجتماعية والثقافية. وهي ليست بديلاً عنها، بل هي جزء لا يتجزأ منها، ولدت في رحمها، واكتسبت خصوصيتها كحركة لاجئين، نظراً لخصوصية قضيتهم، وتمايزها، ومحورية موقعها في العملية التفاوضية. ولعل وكالة الغوث تدرك جيداً وعميقاً هذه الخصوصية، حين تشير، في التقارير السنوية لمفوضها العام وإلى وضع اللاجئين ولإمكانية أن تتحول قضيتهم إلى عامل تهديد لاستقرار المنطقة إذا ما حاول المجتمع الدولي أن يتجاهل قضيتهم، وإلى ضرورة حلها بما يرضي أصحابها، وطبقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
@ حركة اللاجئين.. في «الداخل» وفي «الخارج»
إذا كان المجال هنا لا يتسع لعرض تنوع حركة اللاجئين وتعدد مستوياتها وأساليب عملها، والتوقف عند محطاتها الرئيسية وعلامات تطورها ونضجها، إلا أن الضرورة تفرض التنبه إلى خطورة الفكرة بأن اللاجئين هم المقيمون في الشتات خارج فلسطين، أي الدول العربية المضيفة (الأردن، سورية، لبنان، مصر والعراق). ويجري في مثل هذا السياق تجاهل اللاجئين في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، كما يتم تجاهل ربع مليون لاجئ فلسطيني في إسرائيل، حرمتهم السلطات المعنية من أملاكهم وشردتهم بعيداً عنها، ويصطلح على تسميتهم «بالغائبين الحاضرين» أو «المقتلعين من أرضهم»، وهم يعقدون مؤتمرات دورية تحت شعار «لا سلام مع إسرائيل دون تنفيذ حقنا في العودة إلى منازلنا وممتلكاتنا»، ومن مقررات هذه المؤتمرات التأكيد أن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي والوحيد لكل الشعب الفلسطيني، وتأكيد حقهم في العودة إلى منازلهم وممتلكاتهم كما كفله لهم القرار 194 (مؤتمر الناصرة في 11/3/2000).
كما يتم في السياق تجاهل اللاجئين المقيمين في أوروبا (ألمانيا والدول الاسكندنافية بشكل خاص).
يمتاز اللاجئون في الضفة الفلسطينية والقطاع بعوامل مساعدة لا يتوفر مثيلها في «الخارج».
@ فهم يشكلون، على سبيل المثال، كتلة شعبية ضخمة (حوالي 70 % من سكان القطاع لاجئون وحوالي 36 % من سكان الضفة لاجئون أيضاً) لذا فإن أية حركة جماهيرية نشهدها في أي من المنطقتين سوف تحمل طابع اللاجئين وبصماتهم. هذا ما أكدته وقائع الانتفاضة الشعبية وتجربتها في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات. كما أكدت الشيء نفسه التحركات الشعبية في الضفة والقطاع على وقع مفاوضات كامب ديفيد في تموز (يوليو)2000 وكذلك أكدت الأمر، وبقوة، الانتفاضة الثانية.
@ راكم اللاجئون خبرة كفاحية على مدى سنوات مقاومتهم للاحتلال، وباتت بحوزتهم أدوات كفاحية منظمة، اتخذ بعضها الطابع المؤسساتي، الذي يجدد نفسه باستمرار، ويعزز لديه القدرة على التفاعل السريع مع الحدث السياسي وإطلاق المبادرات الشعبية الخلاقة.
@ يشكل الموقع الجغرافي للاجئين في الضفة والقطاع عاملاً مهماً في ترجيح دورهم في التأثير على القرار السياسي الفلسطيني، بل وفي صناعته أيضاً. فهم على أرض السلطة الفلسطينية، وعلى أرض الدولة في فترة لاحقة، وعلى تماس مباشر مع مؤسساتها ومع مراكز القرار السياسي فيها. مما يمكنهم من الدعم أو الاعتراض أو الرفض. وكذلك يشكلون حالة تماس مباشر مع الاحتلال في أية صدامات قد تستوجبها العملية السياسية.. ووصولها إلى الطريق المسدود.
· إنهم قريبون من قراهم وبلداتهم التي هجروا منها، بما يعزز الانتماء إلى حالة اللجوء والتطلع إلى ضرورة العودة، وإن اتخذت طابع الزيارات الخاطفة، بكل ما تحمله من تداعيات نفسية وصدى إعلامي، يسلط الضوء على طبيعة القضية واستحالة تجاهلها.
كل هذه العوامل تدفعنا لأن نقول إن حركة اللاجئين في الضفة والقطاع، وأياً كان مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، مدعوة للعب دور واضح في أية حركة شعبية للاجئين.
يجب ألا يفسر هذا على أنه تهميش للاجئي الخارج، إن في الدول العربية أو في أوروبا. فلكل تجمع لاجئي خصوصيته وظروفه، ففي الأردن يقيم تجمع فلسطيني لا يقل تعداد أفراده عن مليوني مواطن فلسطيني يحملون الجنسية الأردنية، ولا يشكل ذلك مساً بوضعهم كلاجئين. وازدواجية جنسيتهم (أردنيون وفلسطينيون في الوقت ذاته)، أو انخراطهم في الحياة السياسية الأردنية عبر الأحزاب والمؤسسات السياسية والنقابية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، يفسح لهم دوراً بارزاً في تصليب حركة اللاجئين. فالأحزاب الأردنية تتبنى قضية اللاجئين كواحدة من قضايا عملها اليومي، نظراً للخصوصية القائمة بين الشعبين الأردني والفلسطيني عبر ملفاتها المختلفة.
و أياً كان مستقبل العلاقة الفلسطينية ـ الأردنية، فستبقى قضية اللاجئين هماً وطنياً للطرفين، لا تصلح معالجته عند طرف بمعزل عن الطرف الآخر. فضلاً عن أن التشابك الاجتماعي الاقتصادي بين ضفتي النهر، سيحافظ على تشابك حركة اللاجئين في الأردن مع حركة اللاجئين في الضفة والقطاع.
أما في أوروبا (ألمانيا والدول الاسكندنافية على وجه الخصوص) فتقيم أعداد من اللاجئين الفلسطينيين، قطعت هي الأخرى شوطاً على طريق بناء مؤسساتها الكيانية (اتحادات الجاليات ومؤسساتها)، بما يوفر لها الفرصة لتنظيم حركة سياسية خاصة باللاجئين ذات بعد سياسي أوروبي. فكثير من أبناء الجاليات الفلسطينية يحملون جنسيات البلد المقيمين فيه، وهو الأمر الذي يمنحهم دفعاً سياسياً من الأحزاب المحلية، فضلاً عما يتركه ذلك من أثر في وعي هذه الأحزاب وبرامجها، لصالح القضية الفلسطينية عموماً، ولصالح قضية اللاجئين بشكل خاص.
وفي لبنان، وبفعل خصوصية الحالة السياسية التي يحيط بها، نجحت حركة اللاجئين في تسليط الضوء الساطع على الوضع المركب لقضية اللاجئين، بما هي قضية سياسية لا يكون حلها إلا بالعودة إلى الديار والممتلكات، وبما هي، في الوقت نفسه، قضية اجتماعية، يتطلب حلها الاعتراف بالحقوق المدنية والاجتماعية والإنسانية للاجئين الفلسطينيين، دون أن يشكل ذلك مساً بحقهم في العودة، أو أن يؤثر على تمسكهم بهذا الحق والنضال لأجله. بل إن توفير هذه الحقوق والاعتراف بها، يشكل حافزاً للاجئين لمزيد من النضال لأجل حقهم في العودة والتمسك به، ورفض كل الحلول المغايرة والتي تقود إلى التوطين وإعادة التهجير.
كذلك أثبتت تجربة حركة اللاجئين في سورية قدرة الشعب الفلسطيني على اجتراح الأطر الكفاحية، كما أكدت حيويته النضالية. كما أثبتت هذه التجربة أن مساواة اللاجئ بشقيقه في البلد المضيف من حيث الحقوق (ماعدا حق الانتخاب والترشيح واحتلال المناصب السيادية في الدولة) لا يضعف تمسكه بوطنه وأرضه وكيانيته وشخصيته الوطنية وحقه في العودة. كما أكدت أن كل الحقوق المدنية والاجتماعية لا تستطيع أن تكون بديلاً لحقه في المواطنة، وأن هذا الحق لا يتجسد إلا بالعودة إلى الديار والممتلكات.
@ حركة اللاجئين: حركة ديمقراطية ومستقلة، حركة بهيكلية دائرية وليست هرمية
بداية لابد من التمييز بين حركة اللاجئين وحركة الدفاع عن حق العودة.
فحركة الدفاع عن حق العودة تختصر دورها في الشأن السياسي، المتعلق بتطورات الوضع العام وتأثيره على حق العودة، بما يطرحه من مشاريع للتسوية مغايرة لهذا الحق. وهي حركة تكاد تكون نخبوية، ذات أطر ضيقة، تعاني في تحركاتها من بعض ملامح أزمة، بسبب حصر نفسها في جانب واحد من القضية، أي الجانب المتعلق بالعملية التفاوضية وتداعياتها.
أما حركة اللاجئين، فهي حركة تهتم بكل ما يتعلق بقضية اللاجئين، بجوانبها السياسية والاجتماعية، وهي تعنى بقضايا اللاجئين كافة بما في ذلك حقهم في العودة، ولا تحدث فصلاً بين الجانب الاجتماعي والجانب السياسي، بل تنظر إليهما متلازمين، يفيض كل منهما بتداعياته على الآخر، ويشكلان في واقع الأمر كلاً واحداً غير قابل للتجزئة. لذلك تتميز هذه الحركة بحيويتها، لحيوية برنامجها، واتساع أفقه، وتنوع عناوينه وتداخلها.
وحركة اللاجئين لا يمكن محاصرتها في إطار تنظيمي ضيق، فهي حركة شعبية، تعتبر كل لاجئ عضواً فيها، وتعتبر أن كل نشاط تقوم به وكل تحرك من تحركاتها إنما يصب في خدمة حق العودة والدفاع عنه، لذلك، يمكن أن توصف هذه الحركة، بحق، بأنها حركة مستقلة وديمقراطية. هي مستقلة: لأنها لا تنتمي إلى تيار سياسي أو إيديولوجي بعينه، بل تضم في صفوفها كل التيارات والإيديولوجيات المتمسكة بحق العودة، بغض النظر عن رؤية كل منها لهذا الحق. كما تضم في صفوفها كل التيارات والقوى والفعاليات، والأطر المدافعة عن الحقوق المدنية والاجتماعية والإنسانية للاجئين، كحق التملك والعمل والتنقل وحرية التحرك السياسي والإعلامي، وحق التعليم والحياة الكريمة.
وهي حركة ديمقراطية، وليست ذات هيكلية /هرمية/، ولا يشكل أي إطار من أطرها مرجعية حصرية لها. بل هي حركة أفقية دائرية، تمتد حيث يتواجد اللاجئون، تعبر عن نفسها بنفسها، وتعبر عن مصالح اللاجئين وحقوقهم كما يراها اللاجئون أنفسهم. لا تصب نشاطاتها في خدمة أي من الأطراف السياسية، بل في خدمة قضية اللاجئين أنفسهم وحقهم في العودة، باعتبارها مكوناً رئيسياً وجوهرياً من مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية.
وحركة اللاجئين حركة توحيدية، تشكل في جوهرها أساساً لوحدة الشعب الفلسطيني في كافة مناطق تواجده، وتقيم هذه الوحدة على أساس من وحدة حقوقه وترابطها وتماسكها، واعتبارها وحدة واحدة لا تتجزأ، لا مقايضة فيما بينها، ولا يشكل واحداً من هذه الحقوق بديلاً عن الآخر.
وتعتبر حركة اللاجئين حركة شعبية ديمقراطية ومستقلة راقية، لأنها تنزع دائماً نحو الانتظام في أطر ذات طابع ديمقراطي، تعقد مؤتمراتها الدورية، وتضع برامج وخطط عملها بمشاركة أوسع عدد ممكن من الأفراد والنشطاء المنخرطين في صفوفها. ولقد نجحت في بلورة العناوين الرئيسية لتحركاتها، والتي يمكن الإشارة إليها وفقاً للاتجاهات التالية:
@ أولاً ـ الإبقاء على حق العودة مدرجاً على جدول أعمال الحركة السياسية الفلسطينية، آخذين بعين الاعتبار أن ترابط الأهداف الوطنية الفلسطينية لا يعني تحقيقها دفعة واحدة. وهو الأمر الذي يتطلب إغلاق باب المقايضة على قضية اللاجئين في أية تسوية قادمة، وصون حق العودة والدفاع عنه، لا تغلق ملفه أية تسوية إقليمية يمكن التوصل إليها، بما في ذلك قيام دولة فلسطينية مستقلة.
@ ثانياً ـ استمرار العمل على تصليب الموقف السياسي والتفاوضي الفلسطيني على قاعدة التمسك بحق العودة إلى الديار والممتلكات، وفقاً للقرار 194، شرطاً لأية تسوية.
@ ثالثاً ـ الضغط على وسائل صناعة الرأي واستطلاعاته، للتعامل مع الرأي العام الفلسطيني، والنضال لوضع صيغة عملية تمكن اللاجئين من إبداء رأيهم بالدستور الفلسطيني، خاصة بما خص حق العودة واكتساب الجنسية، والصلة بين الدولة الفلسطينية وتجمعات اللاجئين، وحقوقهم المدنية والاجتماعية والسياسية والوطنية، بما فيها حقهم في العودة، وتوحيد نضالهم في سبيله.
@ رابعاً ـ استنهاض وضع وطني منظم في الشتات، قائم بذاته، ومكمل للوضع الوطني في الداخل، ومتفاعل معه في آن، تحت مظلة م.ت.ف، بحيث يشكل عامل توازن في الحركة السياسية الفلسطينية، بين الداخل والخارج، وبحيث يدفع الأطراف المعنية بالحل إلى التعاطي مع قضية اللاجئين، باعتبار أنه لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن حلها عبر مفاوضات خلف الجدران وبعيداً عن رغبات اللاجئين وإرادتهم.
@ خامساً ـ تطوير حركة اللاجئين، لاكتساب صفة تمثيلية متعاظمة الأهمية والتأثير في الأطر السياسية التمثيلية للشعب الفلسطيني، وبخاصة المجلس الوطني ونظراً لما يعكسه هذا التطور من واقع حال مختلف التجمعات والجاليات الفلسطينية في الداخل، وبشكل خاص في الخارج، فهو يكتسي أهمية في سياق الإدراك المتزايد لضرورة إعادة بناء م.ت.ف. على أسس ديمقراطية، وإعادة صياغة المجلس الوطني الفلسطيني بواسطة الانتخابات، بديلاً من النهج السائد منذ العام 1968، والقائم على قاعدة المحاصصة بين الفصائل.
@ سادساً ـ الضغط الجماهيري على وكالة الغوث، لوضع حد لسياسة تقليص الخدمات المباشرة المقدمة للاجئين، والمطالبة بتحسين الخدمات، والنضال لأجل فك ارتباط وكالة الغوث بالعملية التفاوضية، ورفض إدخال تغيير على وظيفة الوكالة، وبما يضمن عدم تعاملها مع مشاريع التأهيل بوجهة التوطين والدمج في المجتمعات المضيفة.