المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الامام ابو داود وكتابه السنن


محمد خطاب
12-26-2013, 11:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام أبو داود السجستاني وكتابه السنن
مقدمة :
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ) رواه غير واحد من الصحابة أخرجه ابن عدي والدار قطني وأبو نعيم .
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول ( نضر الله إمرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره ) أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي . واللفظ للترمذي .
قال سفيان بن عيينة رحمه الله ( ليس من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة لهذا الحديث ( قواعد التحديث )

كنيته – اسمه – ونسبه :
هو أبو داود ، سليمان بن الأشعث بن إسحاق.. السجستاني ،نسبه إلى سجستان ، وهي إقليم متاخم لبلاد الهند .

مولده :
قال ابن حجر وكذلك الآجري : سمعت سليمان بن الأشعث يقول ولدت سنة اثنين ومائتين .

عصره :
عاش الأمام أبو داود في القرن الثالث الهجري في خلافة بني العباس . وكان الزنج قد خرجوا على الدولة . حيث قام علي بن عبد الرحيم القيسي فجمع إليه الزنج في جهة البصرة وادعى انه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب .
وعندما كثر أتباعه خربوا البلاد وأغاروا علي الأقاليم ، ونزل البصرة عام 254 هجرية وراح أصحابه وأتباعه يسلبون وينهبون ويقتلون ، فانقطع طلاب العلم عن البصرة بعد أن كانت منارة علمية ( المختصر في أحوال البشر (2 \ 46 ) .
وبوجود أبي داود فيها عادت البصرة مركزا علميا بعد أن انقطع طلاب العلم عنها بفعل الزنج .
وعصر أبي داود من أزهى عصور جمع الحديث ، فقد ازدحم وزان بحفاظ الحديث وجامعيه ومنهم علي بن المديني والإمام أحمد بن حنبل رحمه الله والبخاري ومسلم وغيرهم من أئمة الحديث .

طلبه العلم :
اجتهد ابو داود في طلب العلم وكان كل جهده منصبا في جمع الحديث وتدوينه .
ورحل الى كثير من البلاد وطاف بها جامعا وسامعا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل مصر والشام والعراق والجزيرة وخراسان وغيرها من البلاد .
وصنف كتابه ( السنن ) في بغداد ، وخرج منها سنة 271 هجرية ولم يعد اليها ثانية ، ونزل البصرة واستقر بها حتى توفي هناك رحمه الله .
شيوخه :
تتلمذ أبو داود على يد كثير من علماء هذه الأمة وهم كبار مشايخ عصره في علم الحديث ، كأحمد بن حنبل الذي عرض عليه أبو داود كتابه السنن فأجاده واستحسنه .
ومن شيوخه عبد الله بن سلمة ، وأبي سلمة التبوذكي ، ومسلم بن إبراهيم ، وإسحاق بن راهويه وغيرهم من الأئمة .

تلاميذه :
تتلمذ علي يد ابي داود كبار علماء الحديث ومنهم أبو عبد الرحمن النسائي ، وأبوعيسى الترمذي وهما صاحبا السنن المعروفين وقد كتب عنه شيوخه مثل احمد بن حنبل وهي دلالة على مكانة ابي داود في عصره .

أخلاقه :
كان رحمه الله زاهدا ورعا ناسكا في الدنيا مجدا في العلم وطلب الحديث ، وكان عفيفا صالحا ورعا .قال الذهبي روى ابو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أنه كان يشبهه بعبد الله بن مسعود في هديه ودلَّه ( الدل كالهدي ، وهما السكينة والوقار وحسن النظر ) .
وقد اثني عليه كثير من العلماء ومشايخ عصره وشهدوا له بالحفظ واعترفوا بفضله .
قال موسى بن هارون الحافظ ( خلق أبو داود في الدنيا للحديث وفي الآخرة للجنة ما رأيت أفضل منه )
قال الحاكم أبو عبد الله : ( أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة ) .
قال أبو بكر الخلال : ( أبو داود الإمام المقدم في زمانه ، لم يسبق إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه ، رجل ورع مقدم ).
قال أبو حاتم بن حبان ( كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وحفظا ونسكا وورعا وإتقانا ، جمع وصنف وذب عن السنن ) .
هذه أقوال أئمة الحديث في أبي داود كلها إكبار له واعتراف له بالفضل والريادة والورع والتقوى .

آثار أبي داود العلمية :
ترك أبو داود رحمه الله ثروة علمية كبيره من الكتب والمؤلفات التي ضاع معظمها في الأزمات والنكبات التي مرت بالأمة ومنها :
• كتاب السنن وهو اشهرها
• كتاب ( القدر) ويرد فيه على أهل القدر
• كتاب (المسائل ) وهي مسائل خالف عليها الإمام أحمد بن حنبل شيخه
• كتاب ( الناسخ والمنسوخ )
• كتاب (دلائل النبوة )
• كتاب ( أخبار الخوارج )
• كتاب ( المراسيل )
• كتاب ( فضائل الأعمال )
• كتاب ( الزهد )
وغيرها من الكتب وتلك اشهرها .

كتاب السنن وأهميته ورأي العلماء فيه :
وهو أشهر كتب أبي داود وأعظمها دون فيه أربعة ألاف وثمانمائة حديث انتقاها من بين خمسمائة ألف حديث .
قال تلميذه أبو بكر بن داسة : سمعت أبا داود يقول : ( كتبت عن رسول الله خمسمائة ألف حديث انتخبت منها كتاب السنن فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ، وما كان فيه وهن شديد بينته ).
وقد سار أبو داود فيه على طريقة التخصص ، فحدد الجانب الفقهي له فجعل كتابه خاصا بالأحكام والسنن فتميز على غيره من الرواة عدا البخاري .
قسم كتابه إلى كتب ، وقسم الكتب إلى أبواب ، ووضع في الأبواب أحاديث يستدل بها الفقهاء ويبنون عليها الأحكام ، وسجل رحمه الله التراجم على الأحاديث ببراعة .
قال أبو داود في رسالته لأهل مكة : ( لم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام ولم أصنف كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها ، فهذه أربعة آلاف وثمانمائة حديث كلها في الأحكام ، وهناك أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها لم أخرجها ) .
كما قال مبينا أهمية كتابه السنن في رسالته ( وهو كتاب لا ترد عليك سنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح إلا وهي فيه ، إلا أن يكون كلاما استخرج من الحديث ولا يكاد يكون هذا ، ولا أعلم شيئا بعد القران الزم للناس أن يتعلموا من هذا الكتاب ، ولا يضر رجلا الاّّ يكتب من العلم شيئا بعد ما يكتب هذا الكتاب ،
وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره ).
وقد عد الإمام شاه ولي الدين الدهلوي كتاب السنن في الطبقة الثانية من كتب الأحاديث والتي تلي الصحيحين والموطأ .
وقد عرف علماء الفقه والحديث لأبي داود وكتابه هذا الفضل فقال الامام الغزالي رحمه الله ( إن السنن لأبي داود تكفي المجتهد بعد كتاب الله تعالى .
وقال ابن الأعرابي أحد رواة السنن ( لو لم يكن عند الرجل إلا المصحف وهذا الكتاب لم يحتج الى شيء من العلم البته ) .
ولذلك كان الكتاب محل عناية واهتمام من العلماء من جميع التخصصات فشرح ودرس وأصبح مصدرا من المصادر التي يعتمدون عليها في الفقه والحديث .
وقد جاوزت شروحه العشرة واهم هذه الشروحات وأشهرها ( معالم السنن ) للامام أبي سليمان البستي الخطابي ( توفي 388 هجرية ) .
وكذلك اشهر الاختصارات ( المجتبي ) للمنذري ( ت 656 هجرية ) ، وكذلك (تهذيب سنن أبي داود ) لابن قيم الجوزية ( ت751 هجرية )

أكمل الروايات عنه :
تعتبر رواية تلميذه أبي بكر محمد بن عبد الرازق بن داسة أكمل الروايات .
أما أصح الروايات فهي رواية تلميذه أبي علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلئي .
وفاته :
توفي ابو داود عن عمر يناهز ثلاثة وسبعين عاما قضاها في طلب العلم وطلب الحديث وخدمة الإسلام ، وكانت وفاته لست عشرة خلون من شهر شوال سنة 275 هجرية .
رحم الله أبا داود رحمة واسعة وجزاه الله خيرا عن الإسلام وأهله وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .