المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بناء الشعوب بين الوعي والتزييف


ام زهرة
01-02-2014, 06:16 PM
إن بناء الشعوب يحتاج إلى المخلصين الأمناء الذين يقومون على أجهزة التأثير والتوجيه، وهم يستشعرون مدى مسؤولية وخطورة ما يقومون عليه من توجيه الشعب إلى البناء والتعمير، لا إلى الهدم والتخريب، وإلى الوعي والتثقيف، لا إلى الجهل والتزييف..!
ولقد ابتليت مصر- ومعها معظم الشعوب الإسلامية والعربية - منذ أمد بعيد بحكم استبدادي جنّد كل أجهزة الدولة لتضليل الشعب وتغييبه، وطمس الحقائق وتزييفها، إلى أن أكرم الله مصر بثورة، أعادت للشعب وعيه، فأطاح بالاستبداد، وجعل الحرية تعم أنحاء البلاد، مما أسفر ولأول مرة في تاريخ مصر عن رئيس منتخب بإرادة شعبية حرة.
بيد أن الرئيس المنتخب جاء إلى الحكم مكبّلا بتخطيط ممنهج منقوص الصلاحيات، حتى ينشغل باستكمالها عن تحقيق إنجازات سريعة على أرض الواقع يشعر بها العباد، وأحيط بآلة إعلامية جهنمية مأجورة لا تحسن إلا الهدم والتدمير، والشحن والتحريض، والكذب والتزوير، مما ساعد في تغييب الوعي وتزييفه عند الكثير من أبناء هذا الشعب.
وفي هذا الجو تحرك أذناب الدولة العميقة الذين يمسكون بمفاصل الدولة ومؤسساتها الحيوية بافتعال الأزمات وخلق المشكلات للحفاظ على ما نهبوه من ثروات البلاد، وليبقى لهم ليل الفساد، يعاونهم في ذلك العلمانيون الكذبة الذين تصدعت رؤوسهم وضاقت صدورهم بأن تعود مصر إلى جذورها الأصلية وهويتها الحقيقية، وهم يريدون أن يكون الغرب قبلتها، وثقافته هويتها.
ومن وراء ما سبق من الخارج - من يعرف ثقل مصر ووزنها، ويدرك ما يكون لها من عظيم الشأن لو تغلبت علي التحديات وتوفرت لها الإمكانات، فراح يغذي ويمدّ من يضع أمامها العراقيل والمعوقات..
في هذا الجو الملبّد بغيوم المشكلات يعمل الرئيس المنتخب، مما أربك قراراته، وأحدث الخلل في بعض اختياراته، ومع ذلك كله حقق ما لم يحققه غيره - وهو ما ذكرته في مقال سابق.
" فحسبه أنه أنهى حكم العسكر وأنقذ البلاد من الإفلاس، وأعاد لمصر عزتها وسيادتها بعد الذل والانبطاح، وحرص على حماية أهم مكتسبات الثورة وهي (الحرية) وهي بيت القصيد - التي أساء البعض استغلالها في هدم كل ما هو قائم من مؤسسات الدولة ولو أدي إلي سفك الدماء وتخريب البلاد ". !
هذه حقائق غابت عن الكثير، نتيجة التغييب للوعي والتزييف من إعلام الفتنة والكذب والتزوير، الذي استغل الأزمات - التي في معظمها مفتعلة - في شحن وتهييج الكثير من أبناء هذا الشعب العظيم الذي يعاني من تردي الأوضاع حقيقة فخرج وهو معذور- ثائرا يطلب مع بعض الأحزاب المغرضة وفلول النظام - رحيل الرئيس وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
وما غاب عن وعي الكثير من أبناء هذا الشعب الثائر ولم يلتفتوا إليه، أن ثورتهم ليست على الرئيس ولا على الإخوان، ولكن علي أهم مكتسبات الثورة (على الشرعية)، التي هي الطريق الأوحد للتغيير، وتداول السلطة بطريقة حضارية سلمية بعيدة عن الأهداف المغرضة والطرق الهمجيّة.
إن الشعوب العظيمة الجادة هي التي تصبر وتصابر على ما يصيبها من شظف العيش وخشونة الحياة، من أجل تحقيق كرامتها ونيل حريتها..
ولقد صبر شعب مصر من قبل - ستين عاماً على عهود الظلم والاستبداد التي أضاعت الحقوق، وأذلت العباد، وأفسدت البلاد.
فما الذي يمنع هذا الشعب العظيم اليوم وقد حقق حريته واسترد كرامته أن يصبر سنة على الرئيس - الذي اختاره بكامل إرادته ليُعطي فرصته حتى يتدارك ما فاته، ويحقق ما وعد به وأمّله؟!
لقد قدّم هذا الشعب العظيم الكثير من الشهداء والتضحيات الجسام من أجل نيل حريته ونجاح ثورته، فما أجدره اليوم أن يصبر على حماية الشرعية، وأن يعمل متعاونا مع الرئيس من أجل استكمال مؤسسات الدولة الدستورية. !
إن تاريخ هذا الشعب العظيم ووعي أبنائه يأبيان عليه أن يخرج على الشرعية وينقلب عليها فيطيح بأول رئيس منتخب وأول تجربة ديمقراطية بعد ما أكرمه الله وأنعم عليه بالتحرر من همج الاستبداد وحكم الهمجية. !


إبراهيم التركاوي

إبراهيم التركاوي