المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ظاهرة حافظ الأسد


علي بدر
01-03-2014, 11:36 PM
ظاهرة حافظ الأسد

لم يداخلني شك ولم يساورني ريب بأن الله جلت قدرته سيأخذ طاغوت بلاد الشام أخذ عزيز مقتدر ، كما أخذ من قبله : فرعون وقارون وأبا جهل .. وسيحاسبه حساباً شديداً عن كل جريمة ارتكبها ، وعن كل روح أزهقها ، وعن كل بدعة نشرها .
وسواء مد الله في أجل المجرم أسد أو عجل عقوبته ستبقى مدة حكمه ظاهرة غريبة في تاريخ أمتنا المعاصر ..

ففي الإطار المحلي : كان ضابطاً مغموراً ، يكره الإقدام والمغامرة .. وجاء به انقلاب الثامن من آذار دون أن يكون له يد في صنعه ، و لم يكن عظواً في مجلس قيادة الثورة .. ثم بدأت انقلابات الانقلابيين على بعضهم فأصبح الأسد عضواً في مجلس قيادة الثورة وفي القيادة القطرية لحزب البعث .
وفي 23 شباط استخدم محور جديد أسد ، سليم حاطوم في انقلاب ضد القيادة القومية للحزب ، وبعد أشهر أطاح محور أسد بالرائد حاطوم وكتلته من الضباط الدروز .
وفي سنة 1967 أذاع حافظ البلاغ رقم 66 بسقوط القنيطرة ، وبعد أن تكشفت خيانته النكراء هو من معه في السلطة ، لم يجدوا في الجيش وغيره من يكبح جماحهم وينقذ المنطقة من ويلاتهم .. و بعد سنوات أطاح أسد بشريكه جديد ومساعديه : نور الدين الأتاسي و يوسف زعين وأصبح سنة 1970 رئيساً للجمهورية السورية ، وهذه أول مرة يتسلم رئاسة الجمهورية رجل من غير المسلمين .
وفي سنة 1973 قرع طبول حرب التحريك وأسفرت حربه عن كارثة جديدة حيث استولي اليهود على تسع وثلاثين قرية جديدة .. ثم جاء دور أمريكا ، والعزيز كيسنجر ، وسياسة الخطوة خطوة .. ولأول مرة في تاريخ سورية يجلس وفد يهودي مع نظير له سوري على طاولة واحدة في سويسرا ليوقع الطرفان فك الاشتباك في الجولان .
وفي أواخر سنة 1975 دخل جيش أسد لبنان ليقف مع الموارنة ضد المسلمين وليشارك في مجزرة تل الزعتر وجسر الباشا وغيرها من المجازر ، وليقف عند الخط الأحمر الذي رسمته إسرائيل .
ومنذ سنة 1978 وهو يبطش وينكل بالدعاة المسلمين ، ففي قبر واحد دفن ما يقارب من ألف عالم وداعية في تدمر ، وكان بعضهم أحياء ، ودمر معظم أحياء مدينة حماة وقتل ما يقارب 30 ألف مسلم فيها لأنهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله .

وفي الإطار العربي : أنشأ منظمة فلسطينية أسماها الصاعقة ، أخذت على عاتقها شق منظمة التحرير ونجحت في مهمتها بعد أن تمكنت من شراء ذمم حواتمة وحبش وأحمد جبريل وأبي نضال .
ثم حاول أن يقيم وحدة مع العراق ثم مصر وليبيا ثم مع الأردن .. و ثبت لقادة هذه الدول أنه يصافحهم بيد و يمسك لهم في اليد الأخرى خنجراً مسموماً ، فتخلوا عنه بد أن تبين لهم غدره ومراوغته وكذبه .
وبعد زيارة السادات للقدس وإقدامه على عقد صلح ذليل مع قادة إسرائيل ، أقام حافظ الأسد ما أسماه جبهة الصمود والتصدي التي ضمت : سوريا والجزائر وليبيا واليمن الجنوبي ومنظمة التحرير .. و بعد خمس سنوات من مسرحية الصمود والتصدي قال بعض زعماء منظمة التحرير : إنها جبهة الاستسلام والتردي !!

وفي الإطار العالمي : أقام حلفاً مع شاه إيران ، واستمر الحلف وبشكل أوثق وأقوى مع ثوار الخميني ، و يعمل الحلف متعاوناً مع ليبيا والجزائر واليمن الجنوبي من أجل اجتياح العالم الإسلامي وإقامة إمبراطورية باطنية ..
وأقام الأسد علاقات متينة مع الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي .. و بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية تعاون ومعاهدات رغم ما يدعيه إعلامه من عداوة للولايات المتحدة ، و من يتتبع سياسة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط يشعر بعظم عنايتهم بنظام الأسد و حرصها على بقائه واستمراره .
إن ظاهرة حكم حافظ أسد تحتاج إلى دراسة الأسباب التي دفعت بهذا الطاغية وأوصلته إلى قمة السلطة في بلاد الشام .. ، كما تحتاج هذه الظاهرة إلى تقويم صحيح من أجل أن لا تبتلي أمتنا بأسد آخر في سوريا أو في أي بلد آخر من بلدان العالم الإسلامي ..

منذ أكثر من اربعين سنة والنصيريون يتصرفون في شؤون سورية كما يتصرف صاحب الإقطاع الظالم مع خدمه وعماله قبل قرن من الزمن .. فمنهم قيادة الحزب ولهم رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش على مختلف ما أحدثوا فيه من أقسام وفروع .
وهذه السيطرة تعني أن حافظ الأسد يدين بالولاء لطائفته في الدرجة الأولى ، ومن قيادة هذه الطائفة يستمد تعليماته وأوامره وما الحزب عنده إلا ستار للتسلط النصيري ، ولقد أصبحت هذه الحقيقة مكشوفة عند عامة الناس وخاصتهم بعد أن خفي أمرها مدة غير قليلة من الزمن .
ولن نستطيع فهم مواقف حافظ الأسد وسياسته دون أن نعود إلى دراسة الأصول العامة التي يعتمد عليها أصحاب الفرق الباطنية في رسم سياستهم وأسلوب تعاملهم مع الآخرين .
ولا نعدو الحقيقة إن قلنا بأن معظم السياسيين على مختلف اتجاهاتهم كانوا وما زالوا يحكمون على الأسد من خلال أعماله التي يتظاهر بها .. فإذا قرع الزعيم النصيري طبول الحرب في رمضان 1973 قالوا : هذه بطولة وتضحية !! ولا تستوعب عقولهم قول من يقول : إنها مؤامرة جديدة واضحة المعالم وأدلتنا على ذلك :-
أولاً : عدم الاستفادة من خبرات العسكريين الذين سرحهم لأنه يرى أنهم خصوم سياسيون له ، وعدم الإعداد للمعركة فالضباط الحزبيون والطائفيون ضباط معارض وليسوا ضباط حروب .
ثانياً : قوة جاسوسية العدو اليهودي بين الدروز والنصيريين العاملين في صفوف القوات المسلحة ، ووجود تعاون وتنسيق بين النظام النصيري ونظام العدو الصهيوني .
وإن كان عواطف تحرير الجولان هي التي دفعت معظم السياسيين إلى تأييد أسد في حرب رمضان ، فلا أدري ما الذي جعل جمهور الفلسطينيين يصفقون لحافظ أسد عندما عارض معاهدة فك الاشتباك الثاني التي وقعها صديقه السادات ، وهو الذي وقع معاهدة فك الاشتباك الأول ووافق على قراري مجلس الأمن ( 242 ، 238 ) التي عارضتهما المنظمة ، ولو أتيح للزعيم النصيري معاهدة تتخلى إسرائيل بموجبها عن بعض الجولان لما تأخر لحظة واحدة .
والذين صفقوا لأسد وأصبح عندهم رمز البطولة و الوطنية .. عادوا إلى التنديد به بعد جريمته النكراء التي اقترفها في تل الزعتر سنة 1976 ، ثم عادوا يصفقون له بعد أن ساءت علاقاته مع حزب الكتائب والجبهة اللبنانية .
كيف يكون الأسد مجرماً مرة وبطلاً مرة أخرى وبين هذا الموقف وذاك بضعه أيام أو أشهر ؟!
ليس الأمر كما يظنون ويقدرون : إن حافظ الأسد الضالع في مجزرة تل الزعتر هو صاحب مجزرة تدمر وجسر الشغور وحماة وبيروت !!
وحافظ الأسد الذي أذاع بيان سقوط القنيطرة قبل أن تسقط ، هو حافظ الأسد الذي وقع فك الاشتباك
أبو عبد الله الذهبي