المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسباب سقوط الجولان وما يتعلق بها من أحداث


علي بدر
01-07-2014, 07:42 AM
أسباب سقوط الجولان وما يتعلق بها من أحداث ..
أولاً : قبل أن ندخل إلى أصل الموضوع يجب أن نعطي صورة مبسطة عن أهمية الجولان .. يقع الجولان في الجزء الجنوبي الغربي من سورية ، تجاوره من الشمال الغربي لبنان ومن الغرب فلسطين المحتلة ، ومن الجنوب الأردن .. ويبلغ طول حدودها مع العدو اليهودي ثمانين كيلو متراً ، و مساحتها حوالي 1800 كيلو متر مربع .. وتحاول إسرائيل منذ القديم ضم الجولان إليها للأسباب التالية :-
1- الأسباب الدينية : جاء في الإصحاح الأول : الرب إلهنا كلمنا في حوريب قائلاً : كفاكم قعود في هذا الجبل ، تحولوا وارتحلوا وادخلوا جبل الآموريين وكل ما يليه من العربة والجبل والسهل والجنوب وساحل البحر أرض الكنعاني ولبنان إلى النهر الكبير نهر الفرات ، انظر قد جعلت أمامكم الأرض ادخلوا وتملكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب أني يعطيها لهم ولنسلهم من بعدهم .
وحرص الزعماء اليهود على تنفيذ هذه الوصايا منذ القديم ، ففي سنة 1917 طالبت اللجنة الصهيونية البريطانية إدخال الجولان ضمن حدود دولة إسرائيل التي كانوا يخططون لها .
وفي سنة 1919 اقترح الوفد الصهيوني الذي مثل اليهود في مؤتمر باريس للسلام أن تكون الجولان جزءاً من دولة إسرائيل .
2- الأسباب العسكرية : كانت سهول القسم الأعظم من شمال فلسطين وخاصة سهل الحولة والسفوح الشرقية للجليل الأعلى مكشوفة أمام مدافع القوات السورية في هضبة الجولان .
وكانت الجبهة محصنة تحصيناً فريداً من نوعه ، كل شبر من أرضها مضروب بالنيران وكل ثغرة بين موقعين دفاعيين محمية بالألغام ، والألغام مضروبة بالنيران على كل محور يمكن أن يتقدم منه العدو ، حضرت الرمايات الهائلة من مختلف الأسلحة بكثافة تدعو للدهشة .
و يكفينا من الحديث عن أهمية الجولان جغرافياً وعسكرياً ما رسمته ( التايم ) الأمريكية عن خط ماجينو السوري ، قالت الصحيفة : إن سورية تسيطر على سلسلة من التلال الصخرية الشديدة الانحدار تمتد لمسافة أربعين ميلاً ، وتشرف على سهول منكشفة للنيران وعلى جوانب التلال خطوط دفاعية مستقلة فوق بعضها ، وكل خط منها تحميه ثلاث طبقات من الألغام وأسلاك شائكة ، واستحكامات منيعة ، و للوصول إلى الطبقة العليا يجب عبور تسعة خطوط ماجينو مصغرة . وعلى كل قطعة من الطبقة العليا تكمن متاريس صخرية تحت الأرض وأبراج مدفعية من الخرسانة تبلغ سماكة جدرانها خمسة أقدام وتربط كل هذه أنفاق سميكة للجدران . و قد حفرت المرائب في الأرض لتضم الدبابات والمركبات ، وتحمي مواقع المدفعية طبقة أرضية يبلغ ارتفاعها عشرين قدماً ، كما زرعت الألغام ضد الدبابات .
وتضيف التايم : أنه في خلال سبع وعشرين ساعة فقط وبعد دفع الثمن بمائة وخمسة عشر قتيلاً وثلاثمائة واثنين من الجرحى الإسرائيليين ، مقابل ألف قتيل سوري و عدد لا يحصى من الجرحى وستمائة أسير أصبح الإسرائيليون أسياد المرتفعات السورية .
وبعد سيطرة الإسرائيليين على مرتفعات الجولان انعكست الآية وأصبح طريق العدو إلى دمشق ودرعا ممهداً .

3- الأسباب الاقتصادية : من أهم موارد الجولان الاقتصادية ما يلي :-
- الزراعة : ومن أشهر محاصيلها الزراعية : الفواكه ، الزيتون ، الموز ، والحمضيات ، القمح والشعير والذرة ، الفول السوداني والخضار ، الأرز .
- الثروة الحيوانية : الأبقار ، الأغنام والماعز ، الأسماك ، الطيور والنحل .
- الأحراش : كالسنديان والبلوط والسماق ، والزعرور .. ومن الأشجار غير المثمرة الكينا والحور .
- المياه المعدنية في منطقة الحمة التي تحتوي على نسبة جيدة من اليورانيوم والراديوم وهي من أفضل ينابيع المياه المعدنية في العالم .
- الموارد الأثرية : فأرض الجولان غنية بالمقابر الملأى بالثروات والقطع الذهبية .
والذي كان يقلق إسرائيل أكثر من هذا كله أن أهم مصادر المياه التي يعتمد عليها سكان فلسطين تنبع من الجولان ، ومن أهمها :-
- نهر بانياس الذي يشكل ثاني روافد نهر الأردن وينبع من ارتفاع 300 م ، ولا يسير في الأرض السورية أكثر من 1000 متر ، و يبلغ تصريفه السنوي 157 مليون متر مكعب من المياه العذبة .
- نهر اليرموك الذي يبلغ طوله 57 كم يسير منها 47 كم داخل الأرض السورية ، ومعظمها في الجولان ، ثم يرفد نهر الأردن جنوبي بحيرة طبريا .
- قناة العفريتية وهي مأخوذة من نهر الأردن ، وتروي معظم منطقة البطيحة .
- نهر الزاكية والمسعدية ، ويصبان مباشرة في بحيرة طبريا .
بالإضافة إلى ينابيع وعيون كثيرة ، موزعة في كل وديان الجولان وقراه : كنبع البرجيات و بحيرة مسعدة وعين الكبش و نبع الجوخدار ونبع السنابر وينابيع القصبية ونبع الدورة وينابيع الحمة .
ووجود هذه الثروة المائية الهائلة في أرض يسيطر عليها أعداء اليهود مصدر خطر على الكيان الصهيوني .. و لهذا خططوا منذ القديم للسيطرة على الجولان ، والاستئثار بمياهه ، و خصوبة أرضه التي وصفها الجنرال كارل فون هورن ،كبير المراقبين الدوليين في كتابه الخدمة العسكرية من أجل السلام ، فقال : إن كل شبر من تلك الأرض يساوي منجماً من الذهب لكثرة ما يغل من الحبوب .
ثانياً : ماذا أعد البعثيون النصيريون للجولان ؟!
1- الإعداد العسكري : بدأ حزب البعث في الإعداد للمؤامرة التي نفذها حافظ أسد يوم أذاع بلاغ سقوط القنيطرة يوم الثامن من آذار سنة 1963 ، ففي ذلك اليوم ترك شركاء كوهين حاطوم وأمثاله مواقعهم في الخطوط الأمامية ، واحتلوا بمدرعاتهم وأسلحتهم إذاعة دمشق وأذاعوا منها البلاغ رقم ( 1 ) .
نعم تركوا الجبهة خالية من الرجال والسلاح وكان بوسع إسرائيل أن تحتل مواقعهم دون أن تقدم تضحية كبيرة ، لكنها لا تريد فشل انقلاب حزب البعث ، ولن يستمر احتلالها لأن في الجيش رجالاً مجاهدين ، و هكذا تركت حزب البعث يمهد لها الطريق في يوم موعود .
وبعد وقوع انقلاب الثامن من آذار بخمسة أيام فقط ، أي بتاريخ 13 آذار عام 1963 صدرت نشرة عسكرية أخرجت من الجيش مائة وأربع ضباط هم كبار ضباط الجيش ، وافتتحت بالفريق عبد الكريم زهر الدين ، واختتمت بالمقدم بسام العسلي .
وبتاريخ 16 آذار أي بعد ثلاثة أيام آخر صدرت نشرة أخرى أخرجت من الجيش 150 ضابطاً هم الطاقة الفعالة في الجيش قادة الكتائب ورؤساء عمليات الألوية وقادة السرايا - .
ثم تتابعت النشرات ، تسرح وتحيل على التقاعد وتنقل إلى الوظائف المدنية ، حتى بلغ مجموع الضباط الذي أخرجوا من الجيش حتى أيار 1967 لا يقل عن ألفي ضابط ، مع عدد لا يقل عن ضعفه من ضباط الصف القدامي ، والجنود المتطوعين الذين يشكلون الملاك الحقيقي الفعال لمختلف الاختصاصات في الجيش .
و لزيادة تعميق الجريمة استبدل بالذين أخرجوا من الجيش - وخاصة الضباط أعداد كبيرة جداً من المعلمين والموظفين المدنيين الذين سبق لهم أن أدوا خدمة العلم وجميعهم من البعثيين ، ومن أبناء الطائفة النصيرية .. وبذلك أصبح الجيش مؤسسة بوليسية لقمع الحريات والتنكيل بالشعب لا جيشاً قادراً على صون الحدود وتحرير فلسطين .
والذين سلموا من التسريح لم يسلم معظمهم من السجن أو الاغتيال ، ومن أبرز العسكريين الذين قتلوا ظلماً : النقيب معروف التغلبي ، والنقيب ممدوح رشيد والملازم نصوح الجابي والعقيد كمال مقصوصة .
ومن الجدير بالذكر أن العقيد كما مقصوصة مدير التجنيد العام لاحظ حرص القيادة النصيرية الحاكمة على استدعاء أبناء السنة للاحتياط - وبشكل أخص أبناء دمشق و حلب وحماة و حمص والزج بهم في الجبهة سنة 1968 ، فرفض أوامرهم وأصر على ضرورة المساواة بين جميع المحافظات وعدم استثناء أبناء النصيرية ، ولما رأوا منه هذا الإصرار سارعوا إلى إطلاق النار عليه في مكتبه بدمشق ، وزعموا أنه انتحر ، ولقد كذبوا فيما زعموا فالعقيد مقصوصة رجل مؤمن متمسك بدينه ، وغير متوقع ممن كانت هذه أخلاقه أن ينتحر ، و يضاف إلى هذا أن جريمة اغتياله أصبحت مكشوفة في أوساط الجيش .. و اغتيال العقيد كمال مقصوصة يذكرني بخطة درج عليها النصيريون منذ القديم ، كانوا إذا برز ضابط مسلم يدعو إلى الله سارعوا إلى اغتياله ، وممن ذهبوا ضحية هذا الغدر الضابط حيدر من معرة النعمان ، و الضابط غضبان من تل منين قرب دمشق ، وكان مصرعهما عليهما رحمة الله في الخمسينات ، ولا أذكر بداية اسم كل منهما ، غير أني أذكر أن اغتيالهما لم يتم في وقت واحد ، وليس في قطعة واحدة لكن الطريقة واحدة أي المناورة - .
ومن الذين أعدموا : العقيد هشام شبيب ، ثم امتدت يد الظالمين إلى بعضهم فأعدموا سليم حاطوم وبدر الدين جمعة .
ومن الذين صدرت بحقهم أحكام الإعدام جزافاً : المقدم عبد الرحمن السعدي ، الرائد صدقي العطار .
ومن الذين غصت بهم السجون : العمداء : مصطفى الدواليبي وموفق عصاصة وأكرم الخطيب ، وممدوح الحبال والعقيد هيثم المهاييني ومحيي الدين حجار .
ومن شركائهم في انقلاب الثامن من آذار : اللواء محمد الجراح واللواء راشد القطيني و الفريق محمد الصوفي .
ومن يعلم واقع الجيش السوري ، وأسماء الذين سرحوا من مختلف القطعات وحجمهم يدرك تماماً حقيقة المؤامرة التي دبرها النصيريون والعفالقة ضد الجيش .. وإذا علمنا أن نشرات التسريح بدأت بعد الثامن من آذار بخمسة أيام سنة 1963 ، واستمرت حتى شهر أيار أي قبل حرب حزيران ببضعة أيام وشملت أمهر الضباط في المدفعية والطيران وغيرهما ممن بلغوا مستوى رفيعاً في التدريب والخبرة .. فهل تصدر هذه الأفعال عن قيادة تتطلع إلى تحرير فلسطين ، وهل هناك مؤامرة أبشع من هذه المؤامرة ؟!
وهل يكون من المعقول أن يكون النصيريون وحدهم أصحاب الحق في قيادة الجيش السوري ؟!!
لقد بدأوا في التسريح من الجيش بالانفصاليين ، ثم بعموم من أسموهم رجعيين ، ثم بالناصريين ، وسائر شركائهم في انقلاب الثامن من آذار ، ثم بطشوا بشركائهم البعثيين من غير أبناء طائفتهم ، ولم يتركوا إلا كل انتهازي ذليل ترتعد فرائصه خوفاً من كل جندي نصيري ، ولا يتردد في الإذعان لأوامره ولو كان حارساً له .
و بكل تأكيد هذا هو السر الأول من وراء بلاغ سقوط القنيطرة الذي أذاعه وزير الدفاع حافظ السد .