المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا تتجسس أمريكا على حلفائها؟


Eng.Jordan
01-16-2014, 11:16 AM
أنتوني جورجي -


من جديد يواصل محلل الاستخبارات الأمريكية ورجل جهاز الأمن القومي الخفيnsa الهارب إلى موسكو سنودين توجيه ضرباته الصاروخية، الساحقة الماحقة التي لا تصد ولا ترد إلى قلب الإمبراطورية الأمريكية المنفلتة .


يكشف سنودين النقاب عن قيام بلاده عبر أذرعتها الاستخبارية السرية بالتنصت على 35 من زعماء العالم، منهم حلفاء مقربون مثل أنجيلا ميركل في ألمانيا، وفرنسوا هولاند في فرنسا، وهو البلد الذي طالته تغطيات جاسوسية خاصة، إذ بلغت عمليات التنصت على الفرنسيين نحو 70 مليون مكالمة هاتفية ورقمية في شهر واحد .


تفاصيل الفضيحة الأمريكية الأحدث قيل فيها الكثير، ولا تظهر في الأفق علامات على أن هذه التسريبات سوف تنضب عما قريب، غير أن الأهم في هذه القراءة هي الأسئلة التي تحاول استكشاف ما ورائيات تجسس واشنطن على حلفائها مستخدمين أدوات البحث الشهيرة من نوعية متى بدأت رحلة التنصت واختراق خصوصية الحلفاء؟ مروراً بكيف تجسست واشنطن على العالم؟ وصولاً إلى السؤال الجوهري ما الذي ينقص أمريكا حتى تتلصص وتتجسس على حلفائها ربما قبل أعدائها؟


الشاهد أن تاريخ أمريكا في التجسس على حلفائها قديم، وهذا ما أشار إليه مؤخراً، وبعد الفضيحة الجديدة تحديدا، مدير مركز البحوث الفرنسي للاستخبارات إريك دينيسه، الذي أكد في تصريحات له مع صحيفة لويوان الفرنسية، أن واشنطن تتجسس على حلفائها الأوربيين منذ عام ،1952 ومردها في ذلك سببان، الأول هو خوفها من تصاعد النفوذ الشيوعي في زمن الحرب الباردة، والثاني هو ملامح الاستقلال التي أظهرها الزعيم الفرنسي، الجنرال شارل ديغول، لاسيما فيما يخص الترسانة النووية الفرنسية .


* ما الجديد إذاً والمثير؟


حتماً كانت فرنسا تعلم بتنصت أمريكا على الإليزيه وغيره من المراكز الحساسة في البلاد، لكن ما أماط سنودين عنه اللثام في وثائقه، يتعلق هذه المرة بالاتساع غير المعقول أو المقبول لمدى الجاسوسية الأمريكية، لاسيما أنه ما من أحد لديه وسائل للسيطرة على أنشطة الاستخبارات الأمريكية في القارة الأوروبية، لماذا فرنسا بالذات هذه المرة؟


رغم الكشف عن عمليات مماثلة تتعلق بحلفاء آخرين، لكن فرنسا بشكل خاص تتصل بسياقات أمنية تدخل في دائرة أولويات واشنطن، منها علاقتها التاريخية الاستعمارية بعدد كبير من دول إفريقيا، واتصالاتها المتميزة بها حتى الساعة، وأجهزتها الاستخبارية العاملة تاريخياً هناك، والأمر نفسه ينطبق على دول شمال إفريقيا والمغرب العربي، عطفاً على الجاليات العربية والإسلامية في ربوع فرنسا .


ولأن واشنطن مهمومة بإفريقيا في القرن الحادي والعشرين على صعيدي مكافحة الإرهاب، واستغلال مواردها، ولأنها أيضاً وثيقة ولصيقة الصلة بالتطورات المتعلقة بالربيع العربي الذي بدأت كرة لهبه تتدحرج في تونس، لذلك فإن فرنسا تُعد الصيد الثمين الذي على الكابتن مورجان، القرصان الأمريكي، الأشهر، أن يستولي عليه، وقد كان الرجل لا يُغير على السفن العادية، إنما على سفن القراصنة العائدة من رحلات السلب والنهب في البحار والمحيطات .


* كيف تتجسس واشنطن على فرنسا؟


بحال من الأحوال لا يمكن أن يغيب عن الأوروبيين وجود أكبر قاعدة أمريكية للتنصت في أوروبا، والموجودة في البرتغال إيشلون التي تلتقط كل شاردة وواردة أوروبباً وشرق أوسطياً وإفريقياً، وهي محطة تنصت متقدمة تابعة لوكالة الأمن القومي، التي تستخدم في عملها الأقمار الاصطناعية الأمريكية المتقدمة للغاية، وفيها ما هو معلوم، والكثير خفي، ويعود تطوير مثل هذه المشروعات إلى زمن برنامج حرب الكواكب الذي استنه الرئيس الراحل رونالد ريغان، وهناك أسلحة جاسوسية خفية ألمح إليها مؤخراً كل من زبيجينو بريجنسكي وهنري كيسنجر، وربما ليس هنا مقام تفصيل الكلام عنها .


أما الطريق الآخر، الذي تُنفذ به واشنطن عملياتها، فمن خلال الكابلات البحرية في البحر الأبيض المتوسط وفي المحيطات، ولا توجد على التراب الفرنسي، ولذلك تبقى فرنسا وألمانيا وغيرهما من دول أوروبا مكتوفة الأيدي تجاه تنصت وتجسس واشنطن، ولا تمتلك أكثر من المناداة باتفاقية أخلاقية مع أمريكا لوقف التجسس على الحلفاء، وهي لغة لا تفهمها واشنطن البراغماتية تاريخياً ومستقبلياً على حد سواء .


يستوقفنا كذلك سؤال اعتراضي: إذا كانت واشنطن تتجسس على حلفائها على هذا النحو فماذا عن علاقتها في هذا الإطار ببقية دول العالم؟


* هل أتاك حديث أضخم مشروع أمريكي للتجسس على العالم، والمعروف اختصاراً برمز fia؟


باختصار غير مخل إنه المشروع الذي يعمل عليه الآلاف من العلماء الأمريكيين منذ عام 2001 بتكلفة مليارات الدولارات، بهدوء وسرية وهو عبارة عن شبكة جديدة مترامية الأطراف من أقمار تجسس صناعية تُمكّن الولايات المتحدة من مراقبة كل أركان الكرة الأرضية بدقة بالغة على مدار اليوم، ويعد أكبر مشروع تجس استخباراتي في تاريخ البشرية والعالم الحديث .


* هل فتحت وثائق سنودين صندوق الباندورا الأمريكي وأظهرت ما لدى حلفاء واشنطن الروحيين وليس السياسيين فقط أيضا من حقائق كان البعض يعتبرها هواجس؟


جواب السؤال المتقدم حملته صحيفة معاريف على لسان رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلية الخارجية داني ياتوم، الذي أشار منذ بضعة أيام إلى أن واشنطن تتجسس على إسرائيل لمعرفة آخر تطلعاتها ورؤاها بالنسبة للمفاوضات مع الفلسطينيين، إضافة إلى استكشاف نواياها بالنسبة للمشروع النووي الإيراني .


ولعل ما لم يقله ياتوم هو أن واشنطن تفعل وكالاتها المختلفة حتى داخل إسرائيل لمتابعة إشكالية الأسلحة النووية الإسرائيلية، التي تمثل هاجساً للولايات المتحدة في قادمات الأيام، لاسيما عندما يحين موعد الافتراق في المصالح والأهداف الاستراتيجية لتل أبيب عن نظيرتها أو صديقتها واشنطن، وهو قادم لا محالة .


* لماذا تتجسس واشنطن على حلفائها؟


هذا هو مربط الفرس أو عقدة الرواية كما تقال، ذلك أن الحيرة تزداد إذا أخذنا في عين الاعتبار أن حرباً أو مواجهة عسكرية لا يمكن بحال من الأحوال أن تنشب بين واشنطن وأي عاصمة أوروبية، فهل من أسباب ونوازل مستحدثة تدفع واشنطن في هذا الإطار؟


القصة مملوءة بالغموض والإثارة والتنافس بين أجهزة الاستخبارات حول العالم، ففي العام 1995 وفي زمن الرئيس بيل كلينتون، بدا وكأن هناك نقاشاً قد طفا على السطح لجهة تقليص الموازنات المالية لcia)) الاستخبارات المركزية الأمريكية و(nsa) وكالة الأمن القومي، ووكالات الدفاع والاستخبارات الخارجية، وقد كان على رأس المنادين بذلك البروفيسور روجر هيلسمان غير أن مجمع الاستخبارات الأمريكية الذي خشي على مكتسباته المالية والأدبية رفض ذلك، ما دفع الرئيس كلينتون، وكي لا يدخل في غمار مواجهة لا تحمد عقباها مع هذا اللوبي الفتاك، للذهاب إلى توجيه تعليماته للوكالات المختلفة كي تستخدم مهارات موظفيها وعملائها والموارد المتاحة لها لخدمة الاتجاهات الاقتصادية، ومنها الثلاثة عناصر التالية:


1- دعم الولايات المتحدة في مفاوضات جولة الجات في أوروغواي .


2- كشف أساليب الفساد التي تعطي للشركات الأجنبية الميزة على الشركات الأمريكية .


3- تحديد المشكلات المالية قبل أن تتحول إلى أزمات سياسية .


* هل يتقاطع التجسس على هواتف ميركل وهولاند وبيرلسكوني وديلما روسيف وغيرهم من زعماء الدول الحليفة مع مصالح واشنطن الاقتصادية إيجابياً لصالحها؟


حكما أن أحاديث هؤلاء الزعماء وحال تفكيكها وتحليلها يمكن أن تتحول إلى سلاح مذهل في كل المجالات الاقتصادية والتجارية والمالية، عطفاً على أنها تضع واشنطن على بيّنة من أمرها في ما يخص عقود وصفقات الأسلحة الثقيلة التي تبرع في بيعها، وكثيراً ما تُرتب وتُدبر لحروب حول العالم لتسويق منتجاتها العسكرية، لاسيما أن رابطة قوية تجمع بين جماعة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي مع مجتمع الاستخبارات الأمريكية، وبين الاثنين تبقى شركات النفط قائمة على توزيع المصالح، بوصف الطاقة العنصر الفاعل المحرك الرئيس في القضية المالية الأمريكية برمتها .


* هل من أمثلة تدلل على ما نقوله؟


ما تكشف من عمليات تجسس أمريكية على شركة النفط البرازيلية بتروناس وأماط عنه اللثام كاتب جارديان البريطانية شموس ملين خير دليل على أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة سمحت لوكالات الاستخبارات الأمريكية بالتجسس من أجل الدخول في مفاوضات ناجحة، أثمرت لاحقا عن استثمارات دولية هائلة .


* لماذا تتجسس أمريكا على حلفائها وعلى العالم كله؟


يعكس ذلك بالدرجة الأولى شعوراً وسعياً إلى الفوقية الإمبريالية الأمريكية، وهي نزعة تكاد تقترب من نزعات النازية والفاشية، وهذا ما أشار إليه باراك أوباما أخيراً، مطلقًا عليه الاستثنائية الأمريكية .


ما جرى وما كشف عنه حتى الساعة يشي بسلوك أمريكي خطر، سيشعل من جديد نار الكراهية تجاه العملاق الأمريكي الذي كان، والذي يعكس تجسسه على حلفائه أزمته الداخلية سياسياً ومالياً وأخلاقياً، لاسيما أنه لا يزال يتشدق بالسياسات المثالية حول العالم، في حين لا يرى الخشبة التي في عينه، ويبقى معايراً الآخر الذي يشكو من القذى الصغير في عينه، وهذه هي كارثة الإزدواجية الأمريكية التاريخية المعهودة .


* باحث في الشؤون الأمريكية


*. نقلاً عن صحيفة الخليج الاماراتية.