المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سورية وخريطة الطاقة المتغيِّرة في الشرق الأوسط


Eng.Jordan
01-23-2014, 12:12 PM
ربى حصري مقال تحليلي 02 كانون الثاني/يناير 2013

قد لاتكون سورية مُنتِجاً كبيراً للنفط أو الغاز في الشرق الأوسط، إلا أنها قادرة على تحديد شكل خريطة الطاقة الإقليمية في المستقبل استناداً إلى ماستؤول إليه الانتفاضة السورية. فموقع البلاد الجغرافي يتيح منفذاً إلى المتوسط للهيئات التي ليس لها مخرج إلى البحر، والتي تبحث عن أسواق لمنتجاتها من الهيدروكربون، كما للدول التي تريد منفذاً إلى أوروبا من دون أن تضطرّ إلى المرور عبر تركيا. فرهان العراق وإيران كبير على الجهة السورية التي ستدير طرق الوصول إلى البحر، حتى أن موسكو تضع رهاناً كبيراً، ولاعجب، على سورية مابعد الأسد في مايتعلّق بمصالحها في مجال الطاقة. فهذه المصالح قد يهدّدها منتجو الغاز الإقليميون ومصدّروه المحتملون الجدد والناشئون في شرق المتوسط، الذين قد يتنافسون مع الغاز الروسي على الأسواق الأوروبية. هكذا، إذا مانظرنا إلى الموضوع من منظار المصالح، فسنرى أن سورية مابعد الأسد ستكون حتماً عامل تغيير في قواعد اللعبة في مجال الطاقة في المنطقة.
الثورة المصرية ومشروع خط غاز متوقّف

سبق أن ترك الربيع العربي أثره في خريطة الطاقة في الشرق الأوسط. فمشروع خط الغاز العربي، الذي هدف منذ إطلاقه قبل أكثر من عقد من الزمن إلى تصدير الغاز الطبيعي المصري إلى إسرائيل والأردن وسورية ولبنان، ثم إلى تركيا فأوروبا، كان أحد أول ضحايا الثورة المصرية. والحال أن المنشآت وخط الأنابيب في سيناء دُمِّرا تكراراً، الأمر الذي حرم إسرائيل والأردن المتعطّشَين إلى الغاز من حصّتهما في الغاز المصري، وأوقف الإمدادات إلى سورية ولبنان عبر الخط نفسه.

يُشار إلى أن نظام مابعد مبارك في مصر ألغى اتفاقية الغاز مع إسرائيل على أُسُس قانونية، ولأسباب إديولوجية، ووضع أولويات جديدة للطاقة مع تحويل تركيزه أساساً نحو تلبية الطلب المحلي على الطاقة. ولذلك، يُرجَّح أن تحتلّ صادرات الغاز مرتبة متدنّية على قائمة الأولويات، إذ أن مصر تسعى إلى تخفيض استعمالها لواردات النفط بهدف تخصيصها للاستخدام المنزلي وتوليد الطاقة.

إضافةً إلى ذلك، سيؤثّر خط الأنابيب المتوقّف عن العمل على الدول العربية، وقد يُضطّرُّها إلى البحث عن إمدادات جديدة من مصدر آخر، ربما يكون مجاوراً لبعض منها. وستضطر تركيا إلى وضع حدٍّ لاثنين من طموحاتها: تقليص اعتمادها على الغاز الإيراني والروسي بغية تلبية الحاجات المحلية، واستخدام مشروع خط الغاز العربي لترسيخ نفسها بصفتها مركزاً إقليمياً للطاقة وطريقاً مفضَّلاً يربط منتجي الغاز في الشرق الأوسط بالأسواق المتعطّشة إلى الغاز في أوروبا.

لاشك في أن سورية الغد ستكون لها القدرة على المطالبة بهذا الامتياز، إذ أن الطريق السوري إلى الأسواق الأوروبية يمكن أن يبرز كبديل جدّي للمستقبل بالنسبة إلى تركيا، استناداً إلى الجهة التي ستتحالف معها حكومة مابعد الأزمة.
بغداد مقابل أربيل

يبرز العراق من جديد مصدِّراً كبيراً للنفط بعد أكثر من ثلاثة عقود من الغياب في مجال الطاقة، وهو يسعى إلى تنويع طرق التصدير الخاصة به. ولهذه الغاية، يحتاج إلى بدائل عن الخليج ومضيق هرمز، وعن طريق التصدير التي تمرّ عبر تركيا إلى مرفأ جيهان.

كانت سورية تاريخياً تشكّل هذا الطريق البديل. فالعراق كان يصل إلى المتوسط من خلالها، عندما كانت شركة نفط العراق تعمل كجزء من خط كركوك-حيفا، قبل أن تُؤمَّم في بداية السبعينيات وتُصادِر سورية أجزاء الخط التي تمرّ في أراضيها. أُعيد فتح خط الأنابيب بعد ذلك، ثم أقفلته دمشق مجدداً في بداية الحرب بين إيران والعراق (1980-1988)، في بادرة تضامن سوري مع طهران.

عاد الطريق وازدهر لفترة قصيرة من الزمن بعد انتهاء النزاع، إلا أن العقوبات الدولية التي فُرِضَت خلال حرب الخليج في العام 1991، جمّدت صادرات النفط العراقي فأُقفِلَ الطريق مرة أخرى. ومع أن الخط تعرّض إلى القصف في العام 2003 على يد القوات الأميركية، لايزال الطريق صالحاً لنقل صادرات العراق من الغاز الخام وربما الغاز الطبيعي.

وإذ تصاعدت مؤخّراً حدّة التوتّر بين بغداد وحكومة إقليم كردستان، عاصمة كردستان العراق، في مايتعلّق بحقوق استغلال النفط في منطقة كردستان، أصبح الوصول إلى المتوسط عبر سورية ملحّاً أكثر بالنسبة إلى الحكومة العراقية. فخط كركوك-جيهان الحالي يمرّ في منطقة فيشخابور في محافظة دهوك الخاضعة إلى السيطرة الكردية، حيث يمكن أن تتوقّف سلامتُه على حسن نيّة الأكراد في حال شهدت العلاقات بين بغداد وأربيل مزيداً من التدهور.

أضِف إلى ذلك أن تنازع بغداد وأنقرة حول مايصفه العراق بـ"التدخل التركي" في عقد اتفاقيات مباشرة مع حكومة إقليم كردستان لتصدير النفط والغاز، من بين نقاط خلاف أخرى، يزيد أيضاً من ضعف أجزاء الخط التي تشغّلها تركيا خارج الأراضي العراقية.

بغداد ليست الوحيدة التي تضع نصب عينيها طريق تصدير النفط الذي يمرّ عبر سورية. فحكومة إقليم كردستان ترى أيضاً أن التغيير في دمشق من شأنه أن يتيح طريقاً جديداً للتصدير إلى المتوسط كبديل عن الطريق التركي. يُرجَّح إذاً أن تعمد سورية وكردستان العراق إلى عقد اتفاق خصوصاً إذا حصلت المناطق الكردية في سورية على حكم ذاتي فعلي بعد انتهاء النزاع السوري. واصطفاف المصالح هذا مابين الأكراد والعراق وسورية سيوفّر لحكومة إقليم كردستان بديلاً عن الاعتماد على تركيا.
مصالح إيران الاستراتيجية

تمتلك إيران مصالح استراتيجية كبيرة في سورية وهي لم تتوانَ عن الدفاع عنها مالياً وعسكرياً. هذه المصالح تمتدّ إلى مجال الطاقة حيث وحدهُ نظامٌ صديقٌ في دمشق يقدر أن يفسح المجال أمام إيران لتوسيع نطاق صادراتها من الغاز الطبيعي غرباً في حقبة مابعد العقوبات.

الواقع أن طهران لطالما سعت إلى خط أنابيب يوصل إمدادات الغاز الإيراني إلى العراق، حيث سيستمر النقص في الغاز للسنوات القليلة المقبلة، وإلى سورية حيث الغاز الإيراني قد يكون بديلاً عن واردات الغاز المصري المتوقّفة الآن. وعلى المدى الطويل، تتطلّع إيران إلى الوصول إلى الأسواق خارج منطقتها، والمتوسطُ (مروراً بالعراق وسورية) يتيح لها، أقلّه نظرياً، إمكانيةَ الوصول إلى أوروبا عندما تُرفَع العقوبات عن طهران، في حال رُفِعَت، وعندما تجد هذه الأخيرة الموارد والمساعدة الخارجية اللازمة لتطوير ثروتها من الغاز.
المطامع الروسية

مصالح روسيا في نتائج النزاع السوري كبيرة هي الأخرى، إذ تتعدّى مصير سلالة الأسد لتطال أسئلة تتعلّق بمَن سيصدّر الغاز في المستقبل، وأي غاز، ومن أين، وإلى أي طرف. في الواقع، تريد روسيا، من خلال ضمان حصتها في تقسيم مناطق النفوذ والمصالح مع القوى الأخرى، أن تحرص على أن تكون لها كلمتها في منطقة الغاز الناشئة في شرق المتوسط، التي تشمل قبرص وإسرائيل ولبنان وتركيا. وإذ تعي موسكو مساعي أوروبا المُعلَنة لتحرير نفسها من الاعتماد على الغاز الروسي، تحرص على ألا يتنافس أيُّ مشروع لتصدير الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا مع خطط التصدير الخاصة بها عبر الخط الحالي "بلو ستريم" Blue Stream الذي ينقل الغاز إلى تركيا مروراً بالبحر الأسود، وخط أنابيب "ساوث ستريم" South Stream لنقل الغاز إلى أوروبا.

لذلك تعمد روسيا إلى توطيد علاقات العمل التي تربطها بقبرص، حتى أنها كانت تفاوِض حول خطة إنقاذ يمكن اعتمادها في حال عجزت قبرص عن التوصّل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي. وتسعى الشركات الروسية إلى ضمان أن يُطوَّر الغاز قبالة شواطئ قبرص بموجب الاتفاق للتنافس مع شركات مثل "شيل" و"توتال".

فضلاً عن ذلك، تمركزت روسيا في لبنان واختارت شركاء محليين ليكونوا جزءاً من مشروع يرمي إلى تطوير الغاز المُستخرَج قبالة الساحل اللبناني. والملفت للاهتمام أن شركة "غاز برومبنك" Gazprombank، وهي فرع من أكبر شركة غاز روسية تديرها الحكومة (وكان رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف رئيساً لها)، أقامت وجوداً لها في لبنان تحت اسم "غاز برومبنك إنفست" Gazprombank-Invest.

وتجدر الإشارة إلى أن شركة "غاز بروم" Grazprom تسعى أيضاً بشراسة إلى الحصول على حصة في احتياطيات الغاز المُستَكشَف قبالة الشواطئ الإسرائيلية. وقد أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنفسه مناقصات الشركة مع المسؤولين الإسرائيليين الصيف الفائت، إلا أن "غاز بروم" لم تكسب أي حصة بعد في إحدى رخص الغاز الإسرائيلية، خصوصاً أنها خسرت في الآونة الأخيرة فرصة لمصلحة أكبر شركة نفط وغاز في أستراليا، وهي "وودسايد" Woodside.
التطلّع إلى سورية مابعد الأزمة

إن أيّ نظام سينشأ في دمشق بعد الانتفاضة السورية سيعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة. فالتنافس كبيرٌ على المخزون والأسواق ومن أجل السيطرة على طرق نقل موارد الطاقة، وشكلُ خريطة الطاقة في المستقبل يتوقّف على هوية الرابحين والخاسرين الإقليميين والدوليين.

إذا قام نظام جديد يتحالف مع تركيا السنّية أو دول الخليج، فقد يأتي ذلك بالنسبة إلى العراق وإيران، على حساب التعاون المستقبلي في مجال الطاقة، وقد يشكّل ضربة لطموح هاتين الدولتين في الوصول مباشرة إلى المتوسط من دون أن تضطرا إلى الاعتماد على حسن نية تركيا. كذلك، تستدعي المصالح الروسية في المنطقة قيام نظام صديق يأخذ هذه المصالح في عين الاعتبار. أما إذا تحالف النظام الجديد مع الغرب، فسيشكّل عائقاً أمام تواجد روسيا المتوسّع في أرجاء حوض الغاز الناشئ في شرق المتوسط، وأمام قدرتها على المناورة بهدف حماية حصتها في سوق الغاز من موارد الغاز الطبيعي المنافِسة. زِد على ذلك أن مدى الاستقلال الذي سيمنحه النظام الجديد لأكراد سورية، وقدرة هؤلاء على إقامة منطقة مستقلة ضمن الدولة الجديدة، سيحدّدان ما إذا كان أكراد العراق سيتمكّنون من تحرير أنفسهم من ضغوط أنقرة وبغداد وإقامة طريق مباشر لتصدير منتجاتهم من الهيدروكربون عبر الأراضي الكردية السورية.

ربى حصري خبيرة في شؤون الطاقة في الشرق الأوسط، ومؤسِسة ومحرِّرة موقع IraqOilForum.com.