المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحليل لحالة الطوائف في سورية


محمد خطاب
01-09-2012, 02:37 PM
تحليل لحالة الطوائف في سورية
الكاتب الصحفي محمد نمر المدني

اتهامات طائفية, وقلق من اقتتالات طائفية أو عرقية. وكثرة الحديث عن الطوائف والقوميات في سورية, تحدث العالم كله عن مشكلة لا وجود لها, وتدخلت أطراف عالمية كثيرة محاولة أن تجد حلاً لحرب طائفية مفترضة تهدد سورية.

إن فوز الإسلاميين في انتخابات ديمقراطية حرة في تونس ومصر وليبيا شجّع الكثير من أبناء الأقليات العرقية والدينية في سورية لأن يتحدثوا عما يعتبرونه مخاوف من ظهور الإسلاميين في سورية.
لقد بات من المتعارف عليه في لغة السياسة العربية والعالمية أن مصطلحات مثل الإسلاميين, والسلفيين, والرجعيين, والتطرف الإسلامي, كلها تشير إلى أتباع السنة من المسلمين فحسب.

إن الذين يستخدمون هذه المصطلحات هم عادة ينتمون إلى أديان غير إسلامية أو طوائف غير السنة أو قوميات غير عربية. في حين أن المسلمين السنة لا يعبّرون عن ذاتهم بهذه المصطلحات. ما يجعل هذه المصطلحات تتحول إلى تهمة أو إدانة للمجتمع المسلم السني كله فقط.
وإن التجمعات أو الأحزاب الدينية السنية نفسها لا تقبل بأن تصنف ضمن هذه المصطلحات الشائعة. فالأخوان والقاعدة مثلا يعلنان عن تنظيماتهم بأسماء التنظيمات نفسها. فهل تنطبق هذه المصطلحات (التهم) على كل التنظيمات الإسلامية السنية, أو على أتباع الإسلام السني كلهم؟. ولماذا توجه هذه الاتهامات إلى السنة دون غيرهم؟. فهل تمتع غيرهم بكل صفات التحضر والحداثة والمدينية والإنسانية والتقدم؟. وهل يعتبر أهل السنة وحدهم هم العاجزين عن التعامل مع غيرهم من المواطنين بعدل وتحضر وإنسانية حتى يخشى جانبهم؟.
في العراق صيغ مصطلح جديد فأشير إلى السنة بأنهم عرب سنة, وذلك لتمييزهم عن السنة الذين ينتمون إلى قوميات أخرى. لأن السنة من أتباع تلك القوميات أعلنوا في العراق عن مطالب ذات طبيعة قومية و أثنية أخرى. وفي سورية بدأ الأكراد السنة مبكراً بفصل شعاراتهم عن شعارات السنة العرب.
ففي النموذج السوري الذي برز حديثاً لم يكن أهل السنة العرب هم الذين اختلقوا توجهات طائفية وعرقية, وحتى اليوم لم نسمع من شخص سني واحد أي خطاب طائفي أو عرقي على كافة الأصعدة, ففي الصحافة والإعلام وفي الشارع وحتى في البيوت يتحدث أهل السنة جميعهم وباستمرار بخطاب يوحّد المجتمع السوري كله ويتعاطف مع جميع السوريين. في حين نسمع من البعض غير السنة خطاب مشحون بمخاوف وتحذير من سلفية إسلامية وتطرف إسلامي ورجعية إسلامية.
أسئلة كثيرة يمكن طرحها على السوريين, فنقول مثلا: لماذا لم يتحدث أحد عن تطرف أو رجعية مسيحية أو درزية أو كردية؟. طبعاً نحن لا نتهم أحداً بالتطرف والرجعية, لكن نسأل عن تمحور هذه التهم حول السنة دون غيرهم.

إن ظاهرة السلام الاجتماعي التي سادت في المجتمع السوري طوال مئات من السنين السابقة يعود الفضل فيها إلى كل السوريين طوائف وقوميات وأديان.

إن دارسي تاريخ سوريا يعرفون جيداً بأن السوريين انقسموا أثناء الاحتلالين العثماني والفرنسي إلى فئات سياسية, فئات قاومت الاستعمار. ثم أن خروج المستعمر الأول ثم الثاني أعاد اللحمة بين السوريين إلى حالها السليمة المتآلفة. فقد كان المستعمر هو المنتج للتميز الطائفي. وقديماً تحالفت فئات من المجتمع السوري واللبناني آنذاك مع الحملات الصليبية, لكن خروج ذلك المستعمر الغربي جعل الموارنة مثلاً يضعون أسساً فكرية جديدة أولها التلاحم مع أبناء سورية بكل طوائفهم, وثانيها اعتماد اللغة العربية كلغة أساسية.
إن الحديث بلسان طائفي أو عرقي يحاول البعض اليوم ربطه بأحداث نشأت عن وجود نشاطات معارضة. وإنه من الضروري فصل موضوع الحدث السوري عن الطائفية والعرقية. قد نعثر على شخص في المعارضة أخطأ ولفظ عبارات طائفية, لكن قضية المعارضة والأحداث المرتبطة بها كلها لا ترتبط أبدأ بالموضوع الطائفي.

طرق التميز الطائفي
عندما حدثت طلابي في الصف الثانوي بموضع فكري ديني, سألني كثير منهم على الفور قائلين: "..أين تسكن, ومن أين أنت؟.", يريدون بذلك التعرف على طائفتي الدينية قبل أن يأخذوا بالفكرة الدينية الجديدة التي أطرحها عليهم. لقد وجد السوريين جميعهم طرقاً لبقة للتعرف على الطوائف من خلال أسماء المدن والقرى, وأسماء الأشخاص وألقاب عائلاتهم. ما يعني أيضاً بأن السوريين متشابهين عموماً ومتوحدين في صفات سورية وإن اختلفت طوائفهم.
إنه في سورية أسماء وألقاب عائلات مشتركة يستخدمها الجميع. فعائلة (لحام) تجدها عند المسيحيين وعند السنة والشيعة. وأسماء مثل (فؤاد, وندى) يستخدمها جميع السوريين تقريباً. لكن هناك أسماء ترتبط بالدين أو الطائفة أو رجال الدين المؤسسين للمذهب, وتشير مباشرة إلى الطائفة. منها مثلاً (حيدرة, ومرتضى, وميشيل).
وطوال العقود الماضية استخدم السوريين رموزاً إضافية للدلالة على طوائفهم, وهي صور ومجسمات توضع في البيوت أو السيارات أو تعلق في العنق كأداة تزيين. فكنا نرى نجمة خماسية يستخدمها الدروز, وسيف ذو رأسين يستخدمه العلويين, وصليب مسيحي, وطبعة مغلفة للقرآن الكريم يستخدمها المسلمون السنة. وكانت لجميع السوريين رموزهم الخاصة بطوائفهم أو قومياتهم. فنرى مجسم للطاووس عند أتباع الإيزيدية, وصور فولكلورية عند الشركس. وصور الإمام الإسماعيلي عند أتباعه. في حين ظلّ أكثر من نصف السوريين يمتنعون عن اقتناء مثل هذه الرموز.

من داخل سورية تصدر أصوات طائفية صارخة واضحة. لكنها غير مرتبطة بأعمال طائفية. ولا هي مرتبطة بنشاطات المعارضة.
لا أحد يمكنه أن ينكر حدوث أعمال قتل أو اقتتالات في سورية, لكن هذه الأحداث ظلت ترتبط فقط بالحدث السياسي الذي يجري على الأرض السورية. ففي سورية فريقان يتواجهان بأشكال عديدة, فريق يسمى بالمعارضة وآخر يسمى بالمدافعين عن السلطة. وهذه عملية سياسية لا تحمل في طياتها أي خلفيات طائفية أو قومية. بدأت الأحداث في سورية سياسية واستمرت سياسية. فالمعارضة تطالب بإصلاحات سياسية وبالمشاركة في الحكم والقرار وتقاسم الثروات.
وقد رفعت المعارضة شعارات ومطالب تزيد عن الألف. نسمعها عبر القنوات التلفزيونية, ونشاهد كتابات في الشوارع وفي التظاهرات, ونسمع أصوات المتظاهرين كلهم. ونقرأ كل ما كتبه المعارضون. فلا نجد فيه أي شعار طائفي أو قومي. بل هي شعارات تطالب بالحقوق المدينة والسياسية وبالإصلاحات فحسب.

إن كل الكتلة المعارضة في الداخل والخارج تنتمي إلى طبقة العرب السنة بشكل أساسي. فكل القرى والمدن والأحياء والحارات التي تظاهرت تنتمي إلى السنة حصراً. يضاف إلى هؤلاء أعداد قليلة جداً من أتباع الطوائف الأخرى. ويمكننا القول بأن عدد المعارضين من تلك الطوائف لا يزيد عن العشرات.
فالمعارضة الفعالة في سورية بنيت على جسد الكتلة السنية العربية السورية فقط.
فاعتقد أهل السنة بأنهم يقومون بأعمال إصلاح تنفع البلد كله والشعب كله. وإن كل الذين قتلوا واعتقلوا وحسبوا على المعارضة هم أيضاً من السنة.
وأبناء السنة ظلوا متواجدين في كلا الجبهتين المتقابلتين على الأرض. نجدهم متظاهرين في الساحات ونجدهم أيضاً في صفوف الأمن والجيش. ويلتقون دوماً فيقتل المتظاهر السني برصاص أطلقه عنصر أمن سني.
المتظاهر ينتمي إلى المطالبين بالإصلاح, وعنصر الأمن ينتمي إلى وظيفة أو مهمة أو عمل أو مهنة يمتهنها. ورغم مرور عشرة أشهر على بدئ الأحداث فقد استمر تواجد السني وحده في المعارضة وفي المظاهرة, وتواجده أيضاً في صفوف الجيش والأمن. ما يعني أن السني لم ينجرف طوال هذه المدة إلى المؤامرة الطائفية التي يتحدث البعض بها.

الخطاب الطائفي أو القومي, لم ينطق به أهل السنة, ولم يتعاملوا أو يتصرفوا بموجبه. حتى أنهم لم يشعروا بوجود طائفية أبداً. إن قسماً من أهل السنة منشغل اليوم في أحداث المعارضة والمظاهرات وحصد القتلى أو الشهداء على حدّ تعبيرهم. وهم يعتقدون بأن الإصلاح سيكون مفيداً لجميع السوريين بكل طوائفهم وأثنياتهم.
فمنذ بداية التظاهرات وحتى اليوم نسمع شعاراً يصرخ به المتظاهرون يقولون: (سني وعلوي واحد, مسيحي ومسلم واحد, عربي وكردي واحد). فما من متظاهر إلا ونطق بهذا الشعار. وإن الاستمرار في ترديده دليل على عدم تولد أي مشاعر طائفية جديدة لدى أهل السنة. وهو دليل على وعي الشارع السني أيضاً. فهو وعي مدني وحضاري وفكري. ويرتكز هذا الوعي على خلفية دينية إذ يأمر الإسلام بالمساواة والعدل بين جميع الأفراد مهما تنوعت أطيافهم( غني وفقير, مسلم وغير مسلم, أسود وأبيض, مديني وبدوي, عالم ومتعلم, طفل وعجوز, رجل وامرأة...الخ.). فقد بني الإسلام السني على مبادئ العدل هذه. وإن فكّر مسلم سني بألا يأخذ بها, فهو بذلك يخالف تعاليم دينه ومذهبه.
إن الأعمال والنشاطات التي قامت بها المعارضة حتى الآن لم تزد عن التظاهر ورفع شعارات أو كتابتها أو تصويرها. ولم يحدث أن فرض أحد من المتظاهرين على غيره أن يشارك في هذه النشاطات المعارضة. فقد منح المعارضون لجميع السوريين حرية الولاء أو المعارضة وحرية التعبير عن الموقف السياسي بحرية. فنشاطات المعارضة كلها سلمية وستبقى سلمية, ويعجز المعارضون السنة عن اتخاذ أي أسلوب آخر لتحقيق مطالبهم. ولم يمارس المعارضة السنة أي ضغوط على الطوائف الأخرى التي لم تنضم للمعارضة. بل إنه لم توجه إليها أي انتقادات. بل إن السنة المعارضون للنظام لم يهتموا بكل ما يقال عن فتنة طائفية أو حرب أهلية. فاعتبروا ذلك كله فوق الواقع.
وهناك خطاب يحذّر من الطائفية ويتهم المعارضة بممارستها. نجده في الإعلام الحكومي السوري ويشارك فيه جميع السوريين, بمن فيهم بعض أتباع السنة أيضاً. هذا الخطاب يزعم بأن كل أعمال المعارضة تقوم على مبادئ طائفية. ولم يحدد هؤلاء حتى اليوم اسم الطائفة المقصودة بهذه التهمة. رغم أن الخطاب والحدث يوضح تماماً بأن تهمة الطائفية موجهة إلى المسلمين السنة فحسب.
إنه في سورية تقريباً عشر طوائف وأثنيات تتشارك كلها إذاً في توجيه تهمة الطائفية إلى المسلمين السنة دون غيرهم. وقد اتفق هذا الوضع مع ظهور أحداث سياسية طائفية في كل من لبنان والعراق والبحرين والسعودية. وكان المسلمين السنة هناك يشكلون الطرف الرئيس فيها.
الحديث عن الطائفية في الإعلام السوري يتخذ شكل الحرص على سلامة البلد والشعب, ولكن المتحدث ينزلق فيرتكب أخطاء كلامية, قد تتسبب في تصنيفه ضمن الأشخاص المحرضين على الطائفية. هذا الخطاب التحريضي يخرج عن كاتب أو صحفي, وعن مسؤول حكومي, أو وجيه أو رجل دين أو زعيم عشائري أو عن شخص عابر غير مثقف. ونسمعه أيضاً من أشخاص سوريين وعرب وأجانب أرادوا مؤازرة النظام السوري. وبالمقابل فليس في سورية كلها, خطاب طائفي يصدر عن الطرف الآخر, المعارض السني.
في المؤتمر الصحفي الذي أجراه الوزير وليد المعلم بدمشق سألته إحدى الصحفيات عما أسمته (أعمال القتل على الهوية في حمص). فلم ينكر الوزير ما قالته هذه الصحفية. أي أنه وافقها على وجود أعمال قتل طائفية في حمص.
إنه في كل المحافظات السورية تتواجد قرى ومناطق سكنية ذات طابع طائفي, يقطنها أتباع نفس المذهب. ففي درعا وحمص وحماة ودمشق ودير الزور توجد مساكن مخصصة لأتباع الطائفة العلوية. وفي سورية أيضاً قرى مخصصة لأتباع الديانة المسيحية أيضاً. وقرى كردية. وقرى آشورية وتجمعات سكنية شركسية. وطوال الأشهر العشرة السابقة لم تحدث اعتداءات من أهل السنة على تلك القرى والمساكن, ما يعني أن أتباع السنة لا يحملون مبادئ عدائية ضد أي طائفة أخرى. وقد شهدت محافظة درعا أحداثاً كبيرة يومية, ورغم ذلك فمازالت فيها قرى آمنة مناصرة لسلطة الحكومة يسكنها مسيحيون وعلويون وشيعة. فلم يعتد أبناء السنة أبداً على أحد من أبناء هذه القرى. ولا يوجد ثقب واحد في جدار ناتج عن إطلاق رصاص. وفد المراقبين العرب زار هذه القرى العلوية وشهد على أمنها وهدوءها.


إن الفتنة الطائفية والقتل الطائفي والتسيس الطائفي لم يحدث في سورية ولن يحدث, فالجميع يستشعرون خطره في حال حدوثه. فلا شك بأن حرباً طائفية لو أنها حدثت ستكون مؤذية للجميع, ولن ينج أحد من مخاطرها.
في حي دمر الذي أسكنه, بيوت وشقق متلاصقة, يسكنها كل الأطياف السورية. فسكان دمر الأصليين هم من السنة, وعددهم اليوم لا يزيد عن خمس وعشرون ألفاً, في حين يبلغ عدد سكان دمر اليوم أكثر من مائتي ألف, بينهم أكراد وشركس وإسماعيليين ودروز وشيعة وعلويين ومسيحيين وآشوريين, وعرب فلسطينيين وعراقيين, هؤلاء السكان ينتمون إلى مذاهب عديدة. وعمر هذا التعايش حوالي خمسون سنة. وهو تعايش مستمر رغم تفاقم أحداث المعارضة. فهؤلاء يتعاملون معاً باستمرار, زيارات ونقاشات ومعاملات بيع وشراء وتجارة كبيرة. وفي المدارس والجامعات يلتقي الطلاب أيضاً ويتفاعلون مع بعضهم البعض رغم تعدد انتماءاتهم. وفي هذا الحي علاقات مصاهرة وزواج كثيرة بين جميع هذه الأطياف. فعندنا علويون وفلسطينيون وعراقيون وشركس وإسماعيليون وأكراد تزوجوا من بنات السنة. وعندنا رجال من السنة تزوجوا من بنات غيرهم. وإنه ما من عائلة سنية هنا إلا وتربطها مع الغير علاقة مصاهرة. وبذلك يستحيل على سكان هذا الحي أن يخضعوا يوماً للخطاب الطائفي.
لم ينزلق المجتمع السوري إذاً إلى هاوية الطائفية ولا الاقتتال الأهلي. فكل الأحداث التي سجّلت حتى اليوم هي ذات طابع سياسي يرتبط بنشاطات المعارضين.

إن الأشخاص الذين برزوا في المعارضة, سواء في الداخل أو في الخارج, هؤلاء أشخاص عاديين لم نرَ بينهم سلفيين ولا متطرفين ولا رجعيين, ولا أشخاص مطلوبين لدول أو محاكم أخرى. فبين هؤلاء أعداد قليلة جداً تنتمي لجماعة الأخوان المسلمين, وآخرين ينتمون لأحزاب علمانية, بينهم الشيوعي والقومي والبعثي. كما أن المعارضين في الخارج ينتمون إلى كل الأطياف السورية, بينهم المسيحي والدرزي والعلوي والشيعي والسني والكردي. ورغم ذلك رفعت في ساحات المظاهرات في سورية رايات تؤيد المجلس الوطني السوري.

إن الكتابة عما وصف بالخوف والتحذير من الفتنة الطائفية هو عمل من شأنه أن يولد هذه الفتنة ويذكر بإمكانية استغلالها. أي أن هذا النشاط الذي يظهر على أنه تحذير من الفتنة يساهم في صنعها, وهو بالتالي عمل تخريبي يضر بالوحدة الجماهيرية. ومن الملاحظ أنه في سورية أشخاص تفرغوا للعمل في التحذير من الفتنة. ويضاف إليهم المئات من غير السوريين أيضاً. وهؤلاء يرتكبون أخطاء تاريخية.

في الماضي كانت تهمة التطرف الإسلامي تنطلق عادة من السلطات التي تحكم دولاً سنية, ومن الدوائر الغربية والصهيونية أيضاً. وكانت الحكومة الإيرانية تدافع عن الإسلام السياسي السني ببعض الطرق والأشكال, (مثال غزة وحماس ). ولكن إيران اليوم تعلن بوضوح عن عداءها للإسلام السياسي الذي فاز بالانتخابات الديمقراطية في دول شمال أفريقيا. فإذاعة النور التابعة لحزب الله باتت تنتقد بشدة الأخوان والسلفيين في هذه الدول وتحذّر من تصاعد السلفية في سورية. وفي لقاء مع أحد المحللين (29\ 12\ 2011), تم اتهام الإسلاميين بالعمالة للصهيونية والولايات المتحدة. وهزأ المحلل من السلفية. وقبل يوم واحد كان الرئيس الإيراني ينتقد الدول العربية التي أرسلت وفد المراقبين العرب. واتهم حكامها بالديكتاتورية.
فالإعلام الإيراني والإعلام الموالي له بات ينتقد بوضوح كل الاتجاهات الإسلامية السنية ويتحدث عن تطرف إسلامي يهيمن على المعارضة السورية. في حين أن الإعلام التابع للدول العربية السنية, وكذلك الإعلام المرتبط بالمعارضة السورية لم يتورط حتى الآن في انتقاد الإسلام الشيعي. فالمعركة الإعلامية بين السنة والشيعة هي ذات اتجاه واحد فحسب.
وفي الأقمار الصناعية عدد كبير جداً من الفضائيات المذهبية. منها قنوات شيعية خالصة, بعض هذه القنوات تفصح بانتقادها للإسلام السني. وهناك قناتين فضائيتين تتخصصان بانتقاد المذهب الشيعي وتؤيدا المعارضة السورية. المشاهد السوري فوجئ في البداية بظهور هاتين القناتين. وفوجئ باللهجة الطائفية التي تصدر عنهما. فعلى الأرض ليس في سورية حراك طائفي. لذلك اعتبر هذا الإعلام بعيداً عن الثقافة السورية كلها. فقبل أن تنشب الأحداث السياسية في سورية كانت للمواطن السوري معاناة سياسية تتعلق بالقوانين والمجتمع والأحزاب والبطالة والتعليم وغير ذلك لكن لم تكن هناك مشكلات طائفية. وجاءت الأحداث لتطالب بهذه الإصلاحات وليس باقتتال طائفي.

الشيعة

في سورية يقف الشيعة بشكل عام مذهولين من هذه الحرب الإعلامية السنية الشيعية التي تنطلق من الخارج. وقفوا موقف المحايد ولن يكون لهم أي تدخل بها. في المجتمع السوري لم يجر حتى اليوم تصنيف شيعي \ سني. ولم يعلن الشيعة عدائهم للمعارضة. فقد اختلط الشيعة بالسنة طوال السنوات الماضية إلى درجة الانصهار بينهم. فكل العائلات الشيعية ترتبط بصلات مصاهرة وقرابة مع عائلات سنية. ويمكننا ان نقول بأنه ليس في سورية كلها عائلة شيعية خالصة. وبالتحقيق في أسماء العائلات الدمشقية السنية وبالرجوع إلى أصول هذه العائلات وما ينقل عن تاريخها نكتشف بأن كثيرا منها تنحدر من أصول شيعية.
فأبناء السنة ينظرون إلى الشيعة بأنهم أقرب المذاهب الدينية إليهم. ويحافظون على هذا الموقف, ولم ينساقوا خلف الحرب الإعلامية التي تجري بين السلطتين. ولو أننا نظرنا في الزائرين الذين يقصدون المراقد الشيعية في سورية وفي دمشق خصوصاً, لاكتشفنا بأن نسبة كبيرة منهم تزيد عن عشرون بالمائة هم من أتباع الإسلام السني.
وفي الفقه السني يعتبر كل المسلمين أخوة, وينظر إلى الشيعة باعتبارهم مسلمين مؤمنين. وتجمع السنة والشيعة كل مظاهر الطقوس والعبادات والتقى. وإن أركان الدين عند الفريقين متقاربة إلى درجة التوازي. (الصلاة والصيام والحج والأذان والجوامع والزكاة, والحجاب والعمامة وحب آل البيت..الخ.). والحقيقة بأن شيعة سورية يختلفون من حيث الفقه الديني عن نظرائهم في لبنان ونظرائهم في إيران. ويسمى الجميع بالشيعة الأثني عشرية.
ليس خافياً على أحد بأن إيران كدولة تقوم فوق ركام كبير من ترسانة الأسلحة. فهي دولة سلاح بشكل أساسي, ولها سياسة مميزة عن أي دولة في العالم, فهي لا شرقية ولا غربية كما أعلن الخميني من قبل. وإن كل ما حققته إيران من قدرات عسكرية لم يمكنها حتى اليوم من كسب الشارع الشيعي في دول المنطقة والعالم. فالشيعي السوري عموماً لا تعنيه إيران بشيء. ولم تؤثر على طبيعة حياته الاعتيادية.
نستخلص إذاً بأن الفتنة الطائفية بين سنة وشيعة لن تحدث في سورية على الإطلاق.

بالنسبة للأكراد السوريين. فقد توزعوا في المدن السورية وتعايشوا مع كل أطياف المجتمع. وتزوجوا من بنات السنة. فأنجبوا أولاداً أكراداً يتكلمون بالكردية ويوالون الأب الكردي. وما يسمى بالقضية الكردية.
ينتمي الأكراد إلى طوائف دينية عديدة, بينهم مسيحيون وسنة وشيعة, وصوفيون سنة, وعلويون أكراد, وإيزيديون. وبينهم علمانيون جدد. ومع ذلك فإن سألت أي كردي عن دينه فسوف يجيبك بأنه مسلم سني.!.
وبينهم أفراد لا يجيدون العربية, وبينهم أفراد يتكلمون باللغة التركية إضافة للكردية ما يؤكد انتقال هؤلاء سابقاً من تركيا إلى سورية.
ويمتلك الأكراد قدرة على التعايش السلمي مع كل شرائح المجتمع السوري. ورغم ذلك يمتلكون المقدرة على الحفاظ على هويتهم الكردية. وهم ينتمون إلى أحزاب وتكتلات كردية يبلغ عددها حوالي العشرون. بعضها يرتبط مباشرة بسياسات خارجية. ومن الملاحظ أيضاً بأن الأطراف السياسية الكردية غير السورية تتدخل بشكل واضح وعلني في الأحداث السورية وتوجّه الأكراد السوريين وتهيمن على بعضهم. وهناك كثر من الأحزاب الكردية توالي الأسد وتعارض المظاهرات وأعمال المعارضة. كما قام كثير من ممثلي أحزاب كردية تركية بزيارات إلى دمشق وظهروا على القنوات الفضائية السورية معلنين ولائهم الكامل للأسد.
لم يحدث أن عبّر أي سوري عن قلقه من مستقبل الحالة الكردية في سورية. لكن الأكراد السوريين هم الذين يعبرون عن هذا القلق وتصدر عنهم الشروط والمطالب. ففي مؤتمر أنطاليا بتركيا وضع الأكراد شرطاً فاجأ كل السوريين, هو طلبهم أن يصبح اسم البلد جمهورية سورية, وانتزاع كلمة العربية. ومنذ ذلك اليوم انبرى الأكراد كلهم يدافعون عن هذا المطلب.
المعارضة السورية لم تضع في حسبانها أبداً أي مواجهة مستقبلية مع الأكراد. وهي ترفض مثل هذه المواجهة رفضاً تاماً. وحتى لو أنه فرض عليها في أي يوم فلن تخضع له. فالمعرضة السورية لا تمتلك أحزاباً ولا تكتلات ولا سلاحاً, وهي على الأرض غير موحدة ولا تجمع على قرار أو تعاون أو مواجهة من هذا النوع, فلذلك لن يقدم أي سوري على قبول مواجهة محتملة مع الأكراد السوريين.
إن شكل الحرب الأهلية أو الطائفية التي يخشى الجميع حدوثها في سورية يفرض على أي متنبئ أن يضع السنة فيها كأحد الأطراف المتصارعة. فيتعين على أبناء السنة أن يواجهوا مجموع السوريين غيرهم. وأولئك يمثلون العدد الأكبر ويمتلكون تكتلات وتنظيمات قادرة على أن تتغلب على أهل السنة. فأهل السنة لا يمكنهم أبداً أن يستجيبوا في أي يوم لفتنة اقتتال طائفي أو أهلي. وهم الأضعف في كل المقاييس.
فالأكراد يتنبئون باقتتال بين عرب سنة وأكراد. والغرب المسيحي يتنبأ باقتتال بين مسلمين سنة ومسيحيين. والجناح الشيعي يتنبأ باقتتال طائفي بين سنة عرب من جهة وعلويون وشيعة من جهة أخرى.
نستخلص من كل ما سبق بأنه لن يحدث في سورية أي اقتتال أهلي بين الأكراد والعرب السنة. والأكراد جميعهم لا يخشون حدوث مثل هذا الاقتتال. ومن هنا فهم يتكلمون بموقف الأقوى.
ففي هذا اليوم مثلاً يتحدث الإيرانيون عن مناورات بحرية تتحدى حاملات الطائرات الأمريكية, في حين يتوسل أبناء حمص أرغفة الخبز. هذه هي حال المعارضة السورية.

العلويون
إن بعض العلويين يمتلكون مصانع وشركات كبيرة. تدرّ لهم أرباحاً هائلة.
هؤلاء يخشون أن يفقدوا وظائفهم وأموالهم وأرباحهم.
وفي حمص حدثت بعض الاقتتالات بين سنة وعلويين. لكنها نشأت عن خلفية سياسية وغير طائفية. فعندما يقتل متظاهر سني برصاص أطلقه علوي لا يتحدث أحد عن عمل طائفي, لكن عندما يقتل علوي برصاص أطلقه سني يتحدث العالم كله عن خلفية طائفية. في حين أن الجريمتان حدثتا على خلفية سياسية وليست طائفية.
من الواضح بأنه لن تكون في سورية حرب طائفية بين علويين وسنة. فالمعارضة بشكلها الحالي لا تسعى لأي اقتتال أو حرب. بل تعلن عن سلميتها.
كما أن العلويين تمكنوا طوال العقود الماضية من التعايش الاجتماعي مع أبناء سورية بمختلف أطيافهم. وهناك علاقات قرابة ومصاهرة كثيرة جداً, وعلاقات عمل بين أبناء السنة والعلويين.
وقد انضم بعض العلويين إلى صف المعارضة, متفهمين بأن الأحداث لن تؤدي إلى أعمال طائفية, ومعلنين بأن السلطة السياسية لا تعبّر بالضرورة عن مواقف أبناء الطائفة العلوية كلهم.

الدروز
وقف الدروز بشكل عام مؤيدين لنظام الأسد, رغم ذلك خرجت أصوات درزية تؤيد المعارضة. وفي مدينة السويداء, معقل الدروز السوريين خرجت تظاهرات معارضة وأخرى موالية للأسد. وقد اشتبك الفريقان الدرزيان أحياناً. والدروز في سورية شعب مسالم بعيد عن العنف, يتعايش مع كل الطوائف السورية, ويرتبط مع السنة بعلاقات كثيرة تجعله يستبعد أي أعمال طائفية.
لقد حصل الدروز على بعض الوظائف في الحكومة, فمنهم ضباط الجيش والأمن, ومنهم سفراء و وزراء.
إن الدروز بفضل طبيعتهم وعلاقاتهم مع أطياف المجتمع السوري هم بعداء جداً عن أي اقتتال طائفي. فلا يمكن لأحد أن يتصور اقتتالهم مع أي فئة سورية.
إنهم متخصصون بإدارة أعمالهم ووظائفهم وشؤونهم المعيشية بشكل أساسي. ورغم أنهم مثقفون سياسيون من الطراز الأول فالدروز السوريين لن يخضعوا لأي فتنة طائفية. ويهمنا أن نؤكد بأنه لم يسجل تاريخ الأحداث أي مواجهة طائفية بين درزي ومسلم سني.

المسيحيون السوريون

تمكن الشباب المسيحي من حيازة وظائف كثيرة في الدولة, وامتلك تجارهم شركات ومصانع كبيرة وكثيرة. وعاش المسيحيون في رفاهية وحاز كثير منهم على ثروات كبيرة. وقد هاجر كثير من المسيحيين من قراهم فسكنوا المدن وخاصة العاصمة دمشق. حيث الحي المسيحي الذي اتسعت رقعته.
دينياً يعتقد المسيحيون بأن فكر الطائفة العلوية هو أقرب إلى معتقداتهم المسيحية. وبأن العلوي في علاقاته الاجتماعية هو أقرب للمسيحي. وبأن السنة هم سلفيون ومتطرفون وبعيدون عن منطق الحضارة الحديثة.
وكثير من الكتاب المسيحيين ينتقدون باستمرار ما يعتبرونه تطرفاً وأصولية دينية عند السنة. وينشغلون بتحذير المجتمع منها.
طوال السنوات السابقة ظل المسيحيون يروجون بأنهم من أنصار الحضارة والتمدن والحداثة. ومنهم نسبة كبيرة تؤكد على علمانيتها. وهم يقلدون الغرب شكلياً بالملابس وطرزها, وبالمأكولات والأطباق وبتقليد اللغات الأوروبية. وأغلبهم مثقفون وحائزون على شهادات جامعية. ومنهم نسبة كبيرة من المغتربين والساعين للإغتراب.

وقف المسيحيون في صف موالاة نظام الأسد, ومعادين للمعارضة. فمدينة درعا التي شهدت أحداثاً كبيرة ظلت القرى المسيحية فيها صامتة وموالية لنظام الأسد.
إن المجتمع السني السوري يعتبر المسيحيين أخوة وأصحاب ديانة سماوية, ويتعايشون معهم, ويشاركونهم الحياة اليومية العادية, وهذا الخطاب السني يقال ويصل كل يوم إلى المسيحيين السوريين.
ويتعارف طلاب الجامعات مسلمين ومسيحيين, فتقوم بينهم علاقات صداقة وعمل ونشاطات. والصورة الواضحة في المجتمع السوري تؤكد بأن المسيحيون غير مرشحين لخوض أي نزاع أو اقتتال طائفي مع أي شريحة من السوريين ولا مع أتباع السنة.

الإسماعيلية
لقد استمرت هجرة أبناء الطائفة الإسماعيلية طوال عهد الأسدين. فتركوا مدينة سلمية. وسكنوا في دمشق خصوصاً. وتوظفوا في دوائر الحكومة. وامتهنوا أعمالاً أخرى.
وبمقتضى عقيدة الإسماعيلية فإنهم يلتزمون بتعاليم الإمام كريم آغا خان الذي يعيش في أوروبا. وقد حدث أن تدخل الإمام سياسياً للحفاظ على مصالح أتباعه في أفغانستان وباكستان ودول أفريقية.
تعايش الإسماعيليين بسلام مع أهل السنة ومع كل الطوائف. كما حدثت بعض التقاربات بين الإسماعيلية والسنة. فهناك كثير من حالات المصاهرة والقرابة. واستمرت العلاقات هذه على حالها حتى اليوم.
ويرتبط أتباع هذه الطائفة بإمامهم الذي يسكن في فرنسا. فهو يوجههم ويفرض عليهم قراره السياسي أيضاً.
اتخذ الإسماعيليين موقف المساند لسلطة الأسد, والمعادي للمعارضة. فقد اعتقدوا بأن مصالحهم المعيشية ومستقبلهم يقتضي مساندة سلطة الأسد. واعتقدوا أيضاً بأن المعارضة ستنتج غولاً سلفياً وسيكون معادياً لطائفتهم.
ويتبع بعضهم أحزاباً علمانية وشيوعية وقومية, لكنهم مع ذلك يحافظون على ولائهم الطائفي.
وبمرور عشرة أشهر على أحداث سورية فلم تحدث أي مواجهة ذات طابع طائفي بين السنة والإسماعيلية. ولا يمتلك أبناء السنة أي مشاعر طائفية تجاه أخوانهم الإسماعيلية.

الشركس
الشركس عرق قومي يسكن سورية, وعددهم قليل لا يزيد عن مليون شخص. وهم يسكنون عادة في تجمعات سكنية خاصة بهم بعدما انتقلوا من الجولان السوري. توظف كثير منهم في دوائر حكومية. ويشتغلون في مهن كثيرة وقد تفاعلوا مع المجتمع السوري عموماً وخاصة مع المسلمون السنة العرب. وتربطهم معهم علاقات قربى ومصاهرة. وأغلب الشركس يدينون بالمذهب السني. وهم شعب مسالم ووديع. وقد شارك قليل من الشركس في نشاطات المعارضة. ولا توجد أي أسباب أو مؤشرات تجعل الشركس يقتتلون مع غيرهم من أبناء سورية. ومن المعروف عنهم أنهم يلتزمون بالولاء للحاكم في أي دولة يعيشون فيها.

العلمانيون
العلمانيون هم في سورية أشخاص ينتمون عادة إلى أحزاب علمانية و قومية و شيوعية واشتراكية. فيعتبر الانتماء الحزبي هو الذي يفرض على هؤلاء الأشخاص أن يسمون أنفسهم بالعلمانيين.
العلمانية السورية ليست لا دينية ولا هي إلحادية. ومن الملاحظ بأن كل العلمانيين السوريين حافظوا على انتماءاتهم الدينية أو الطائفية أو العرقية.
بينهم مسيحيون, حافظوا على روابط انتماء شديدة بالطائفة وبالكنيسة وبرجال الدين, واستمروا يحضرون الأعياد الدينية والطقوس المسيحية الخاصة بطائفتهم. فالعلماني المسيحي يرتبط أولاً بالمسيحي ابن طائفته حتى لو كان رجل دين متشدد, ثم يرتبط ثانياً بصديقه العلماني غير المسيحي.
كما انتشرت الثقافة العلمانية في أوساط الإسماعيليين, فحافظ هؤلاء على انتمائهم للطائفة بشكل أساسي. وهناك علمانيين دروز وعلويين التزموا أيضاً بالانتماء الطائفي. وهناك علمانيون سنة حافظوا أيضاً على انتمائهم الإسلامي.
وقد نشطت العلمانية السياسية بين الأكراد بشكل كبير, فكانت تلك الأحزاب وسيلة لتعميق الانتماء القومي الكردي من جهة, والانتماء لطائفة دينية داخل منظومة القومية الكردية. فالأكراد يميزون بعضهم طائفياً وحزبياً. وقد حدثت في حلب خلافات ومشاجرات بين الأطياف الكردية نفسها. فالحديث عن اقتتالات أهلية ممكن أن نرى بعض صوره في المستقبل بشكل قليل بين أطياف كردية تختلف طوائفها ومصالحها ومواقفها السياسية. وقد حدثت مثل هذه الخلافات في المناطق الكردية العراقية الانفصالية. إن الحزب الديمقراطي الكردستاني الناشط في تركيا, يقوم على الطائفة البكتاشية, وهي التي أطلقت على نفسها اسم العلويين الأتراك في العام 2000. فالبكتاشية تنسب لمؤسسها الشيخ بكتاش ولي, وهي تختلف عن الطائفة العلوية السورية التي تنتمي تاريخياً إلى مؤسسها محمد بن نصير.

السنة
بالنسبة للمجتمع العربي السني الذي يكثر اتهامه من قبل الجميع في هذه الأشهر, فهو مجتمع يمكن وصفه بأنه أكبر عدو للطائفية.
إن التنظيمات الإسلامية التي ترعب أسمائها أي متحدث في أمور الطائفية. لا وجود لها في سورية. فليس في سورية أتباع للإخوان المسلمين ولا للقاعدة. ولا للسلفية الجهادية. فالمجتمع السني السوري هو أول من ينتقد هذه التنظيمات ويصفها بالمتطرفة, بل ويخشى من انتشارها. وإن ثقافة السنة هنا تجعلهم أبعد الناس عن تلك التنظيمات. وإن السنة هم الأكثر اطمئناناً على مستقبلهم الفكري, وهم واثقون بأن أفكار هذه التنظيمات لن تنتشر في سورية.
يتحدث الشيخ عدنان العرعور من خارج الحدود. ومنذ سنوات كان يتخصص بنقد الفكر الشيعي. وبالمقابل فهناك قنوات تلفزيونية شيعية عراقية هي التي بدأت حملة نقد السنة. لقد اعتبر السنة السوريين أن تلك معركة كلامية خارجية لا تعنيهم. والدليل أن السوريين سنة وشيعة لم ينخرطوا في تلك الحملات طوال خمس سنوات سابقة.
وإن ما نسبته خمسون بالمائة من أتباع السنة يوالون نظام الأسد ويعلنون عدائهم للمعارضة.
مع بداية الأحداث تفرغ الشيخ عدنان العرعور لمساندة المعارضة السورية. فصارت له قناة تلفزيونية خاصة به. لكن أطياف المعارضة السورية لا ينتمون كلهم إلى فكر الشيخ العرعور. فالذين يتابعون أحاديثه هم أقلة. ولا تزيد نسبتهم عن 10% من المعارضين. فالشارع السوري وكذلك صحافة المعارضة بأنواعها تهتم بمتحدثين كثر غير العرعور. إن الشيخ عدنان العرعور يمثل نفسه فقط. ولا يمثل حتى جزء من المعارضة.
إن نسبة الزيجات المختلطة هي الأعلى عند السنة. لدرجة أننا يمكننا القول بأنه ما من عائلة سنية إلا ولها علاقات قرابة ومصاهرة مع غيرها من الطوائف والأعراق. فأهل السنة صاهروا كل شرائح المجتمع السوري تقريباً: الأكراد, العلويين, الشيعة, الإسماعيليين, الشركس.. ونتج عن ذلك توالد جيلين من الأبناء. وهذه الظاهرة تبرهن على وعي أهل السنة وتطورهم الحضاري. وبالتالي بعدهم عن النزعات الطائفية.
من الناحية الدينية يعتبر السنة غير متعصبين للدين وللطائفة, وغير متشددين مقارنة مع أبناء الطوائف الأخرى. وأهم دليل على ما نقول هو كثرة الزيجات المختلطة عندهم. وفي المجتمع السني عدة فئات هي:
السلفيين: وهؤلاء مفكرين متواضعين بعيدين عن العنف والسياسة, ينهجون الإسلام بعد تصفية أفكاره من الإضافات التي ترسبت خلال العصور بفضل اجتهاد الفقهاء والمتصوفين. وهي التعرف على الإسلام الخالي من البدع. وكلمة سلفية هنا لا تتعلق بالمصطلح السلفي الذي يطلق عالمياً على المتطرفين.
الصوفيين السنة: وهؤلاء يكثر عددهم في الوسط السني. وجماعات أتباع المشايخ والطرق ينطوون تحت بند الصوفية.
العلمانيين السنة: وهم قلة من السنة, تعرّفوا على العلمانية من خلال الأحزاب الاشتراكية والأفكار المستوردة.
التائهين: هؤلاء يتنقلون من انتماء إلى آخر, أو لا ينتمي بعضهم إلى شيء.
والمجتمع السني هو وحده في سورية غير المتعاضد, فلا تجمع أبناءه حتى الجمعيات الخيرية. هو مجتمع متفرق. فالجار منهم قد يغش جاره, والأخ قد يستبد بأخيه.

الفلسطيني السوري
قد يصل عدد الفلسطينيين السوريين إلى المليون, وهم عرب مسلمون سنة, وعلاقاتهم متوازية مع كل السوريين. وقد اتخذوا موقف المحايد من الأحداث في سورية. وعموماً يتبعون لقيادات تنظيمية مرتبطة بالسلطة السورية. وبعضهم ينشط في أحزاب علمانية. ومن الملاحظ بأن كل فلسطيني يعتبر نفسه أجنبياً على البلد. وهؤلاء لا يمكن أن يتدخلوا مستقبلاً في أي اقتتالات طائفية أو أهلية في سورية رغم أن دورهم في الحرب الأهلية اللبنانية كان كبيراً.
إن ثقافة الفلسطيني السوري حالياً هي ثقافة مدنية, تجعله يهتم بأموره الشخصية فحسب. وإنه رغم مرور نصف قرن على وجودهم في سورية, وتعايشهم مع السوريين, فمازال لهم ثقافة فلسطينية خاصة بهم, ولهم أيضاً انتماء للمجتمع الفلسطيني الصغير الذي نجده في المدن والقرى التي يسكنوها. يؤازرون بعضهم في الشدائد والأفراح.

الحرب الطائفية لن تقع
إن اسم سورية في الدوائر العالمية هي دولة عربية ومسلمة. في المسلسل التلفزيوني السوري وفي النتاج الشعري والأدبي بأنواعه, وحتى في الرسم بأنواعه يوصف دوماً السوري بأنه عربي سني. ويوجه النقد إلى العربي السني. وإلى الشيخ السني الذي يرمز لهذه الشريحة أو لرجال الدين فيها. في حين لا يوجه أي نقد مثلاً للكردي ولا للدرزي ولا لرجل الدين المسيحي. ونحن هنا نصف الوضع السائد بدون تدخل فيه. وإن نقد المجتمع السني يشارك فيه الجميع كما يشارك فيه السنة أنفسهم بشكل أساسي. حتى أن بعض الحكايات القديمة التي نتناقلها عن أجدادنا وجداتنا تنتقد الشيخ السني.

لنروي مثلاً قصة (شاب عشق فتاة, فلم تكترث به, حتى انتحر أمامها). سواء أكانت القصة مطبوعة أم حدث حقيقي, أم قصة تلفزيونية فإن المتخيل سوف يعتبر الشاب والفتاة من العرب السنة. ما يعني أن هذه الشريحة تعني للسوريين عموماً بأنها رمز المواطنة السورية. فسورية إذاً ليست دولة شيعية ولا مسيحية ولا كردية. مثال آخر هو أن المسلسل التلفزيوني السوري الذي يضيف شخصية لا تنتمي إلى العرب السنة يضطر أن يضيف رمزاً إيضاحياً فيعلق صليباً على الجدار مثلاً ليخبرنا بأن صاحب البيت مسيحي. وأن الشخصية في هذه القصة مثلما هي في المجتمع لا يمكن تمييزها بدون أن نشير إلى علامة التميز. فنحن عندما نتعامل مع شخص لا نعرفه رجل أو امرأة لا يمكننا أن نحدد طائفته وقوميته إلا عندما يشير هو إلى هذه الميزات بطريقة ما. وهذا يقودنا أيضاً إلى التأكيد على توحّد صفات السوريين عموماً وندرة وجود التناقضات بينهم.

إن الشعب السوري شديد الوعي والثقافة. وتكثر عندنا نسبة الجامعيين, فهناك قرى سورية بلغت نسبة حملة الشهادات فيها مائة بالمائة من الشبان.
يعرف كل سوري ما حلّ بالعراق وفي لبنان سابقاً, وفي ليبيا مؤخراً. ويتألم كل سوري على مشاهد الاقتتالات الأهلية تلك. ويدرك كل سوري أهمية حماية البلد والحفاظ على أرواح أبناء الوطن.

إن الذين يحذرون من أحداث طائفية واقتتالات أهلية هم من طوائف الأقليات بشكل أساسي, وهم أتباع كل الأقليات: الإسماعيلية والدرزية والعلوية, ومن المسيحيين والأكراد أيضاً. وإن شيعة سورية يعيشون بمنأى عن الخطاب الشيعي الخارجي. وإن أتباع الإسلام السني هم وحدهم المقصودين في تهمة التطرف وتوجيه البلد نحو الطائفية, في حين أنهم هم وحدهم الذين لم يستخدموا لغة طائفية ولا يسعون إليها بل وعاجزين عن الدخول فيها. وحتى لو فرض عليهم اقتتال طائفي فأهل السنة لن يستجيبوا لها. وسيحافظون على موقفهم الثابت برفض الفتنة. وها قد مضت عشرة أشهر على الأحداث السورية, لم يسجل فيها حدث طائفي واحد. وإن صور القتلى في الأحداث السورية تؤلم كل سوري شريف دون أن يسأل عن طائفة الشهيد أو قوميته. فموته خسارة للبلد ولأبناء سورية جميعهم. إن الحديث عن خطر مستقبلي على سورية يدل على ضعف نظر عند هؤلاء الصحفيين والمتنبئين. وإن من يثق بذاته ويعرف عظمة نفسه يمكنه أن يعرف عظمة الشعب السوري. نقول إذاً بكل ثقة و وضوح أن: (الحرب الطائفية لن تقع في سورية).

طبقات اجتماعية في سورية
ينتمي السوريين أيضاً إلى شرائح وطبقات أخرى, فرض هذا التصنيف نفسه على السوريين طوال العقود المادية, وقد ظل تصنيف الشرائح مؤثراً على حركة المجتمع والفرد والعلاقات بين جميع المواطنين, لكن الأحداث التي شهدتها سورية قللت من هذه التصنيفات والطبقات وفرضت مقاييس حضارية جديدة, يصبح الجميع فيها متساوين في الحقوق والواجبات.
إنه تصنيف لا مثيل له في أي دولة وربما في أي مرحلة تاريخية. ونشأت عنه مصطلحات دارجة في سورية.
مصطلح المواطن العادي. يقال في الإعلام السوري مقروء ومسموع ومرئي, بل وحتى في أحد القرارات الحكومية قرأت مصطلح المواطن العادي. ويراد به شخص غير موظف, ولا هو ضابط, ولا هو مسؤول حكومي, وفقير مالياً.
ليس في سورية طبقة عمال ولا طبقة فلاحين. ولا طبقة الكادحين. فهناك فقراء يعملون ويستمر فقرهم.
في العقود الماضية نشأت ظاهرة الولع بالمدينة, ومعها أصبحت مهن الزراعة وتربية الماشية والسكن في القرية من العيوب الاجتماعية. فهاجر حوالي عشرة ملايين قروي إلى المدن السورية الكبيرة وخاصة دمشق. ما أدى إلى تمازج جميع الأطياف السورية في هذه المدن. ونلاحظ حفاظ هؤلاء على انتمائهم للقرية الأم رغم حرصهم على الانتماء الجديد للمدينة التي عاشوا فيها نصف قرن من الزمن.
إن هذه التشعبات بين طبقات المجتمع السوري تحول أيضاً دون حدوث اقتتالات أهلية أو طائفية. فشخص كردي من مدينة الدرباسية مثلاً, لن يقتتل مع ابن دمشق, لأنه رغم ولاءه للأكراد وللدرباسية فهو موال أيضاً لدمشق, لأنه ولد فيها, وتزوج من امرأة دمشقية.

الأصول العرقية والدينية للشعب السوري
يقدر عدد سكان سورية حسب تقرير الأمم المتحدة \ إحصاء 2011 بـ 20,766,000, يضاف إليهم غير المسجلين وعددهم 173,000. وهناك أرقام أخرى تقديرية. تتحدث عن زيادة في عدد الأكراد. ففي العقود الماضية تراجعت أعداد العرب السنة بسبب الفقر وثقافة تحديد النسل. في حين حافظ الأكراد وغيرهم على زيادة الإنجاب.
وهذه أهم الإثنيات العرقية في سورية:
عربي سوري عددهم 14,200,000. دينهم الإسلام السني. لغتهم العربية.
عربي فلسطيني عددهم 581,000. دينهم الإسلام ولغتهم العربية.
عربي لبناني 100 ألف
عربي أردني 40 ألف.
عربي عراقي 60 ألف
علويين 1,280,000. عرب سوريين, تفرعت طائفتهم عن الإسلام الشيعي.
أكراد كرمانجي, عددهم 1,661,000, لغتهم كردية شمالية.
يونان 6000 لغتهم يونانية, ديانتهم مسيحية.
شركس أديغا عددهم 31,000. ولغتهم الشركسية الأديغا. ودينهم إسلام سني
تركمان 132 ألف ومن أصول تركمانية ودينهم الإسلام السني
أتراك 60 ألف لغتهم تركية. ويدينون بالإسلام السني.
أرمن 28 ألف لغتهم تورويو دينهم المسيحية
روس 3600 من لغتهم روسي علمانيين.
برتغال عددهم 1000 لغتهم برتغالية وديانتهم المسيحية.
فرنسيون 12 ألف لغتهم فرنسية ودينهم المسيحية
غجر دومري 40 ألفاً دينهم الإسلام, ولغتهم الدومرية.
بدو رحل 87 ألف لغتهم بدوية مصرية. دينهم الإسلام.
آشوريين 42 ألف لغتهم آشورية وسطى. ودينهم المسيحية.
أرمن 73 ألف لغتهم الأرمينية ودينهم المسيحية
آرامي شرقي 21 ألف. لغتهم آرامية, ودينهم مسيحية.

ابراهيم الرفاعي
02-13-2012, 12:06 AM
أشكرك
لهذا
الطرح