المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ازدواجية الغرب (الأميش أنموذجا)


عبدالناصر محمود
01-26-2014, 09:14 AM
ازدواجية الغرب (الأميش أنموذجا)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

(د. عامر الهوشان)
ـــــــــــــــــــــــــــ

25 / 3 / 1435 هــ
26 / 1 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ



لم يكن جديدا استمرار ممارسة الغرب لتلك الازدواجية المقيتة في تطبيقه لشعاراته ومبادئه وأفكاره بين المسلمين وغيرهم, ولكن الجديد هو الظهور الفاضح والواضح لتلك الازدواجية, التي كانت إلى وقت قريب مغلفة بقشور بعض شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, مما كان مصدرا لانخداع بعض المثقفين المسلمين, ممن لا يزالون يدافعون عن شعارات الغرب وأفكاره, رغم ظهور عوارها وازدواجية معاييرها في التطبيق بين المسلمين وغيرهم.

فالديمقراطية كشعار غربي لا يطبق في الحقيقة والواقع إلا في الدول الغربية, أما في الدول العربية والإسلامية, فقد حرص الغرب على حرمانها من أي نوع من الديمقراطية, من خلال دعمها للاستبداد في بعض تلك البلاد طوال عقود من الزمان خلت, فلما تنسمت بعض تلك الشعوب رائحة ما يسمونه بالديمقراطية بعد ما يسمى بالربيع العربي, وأفرزت الصناديق فوز التيار الإسلامي, انحاز الغرب لحلفائه العلمانيين الذين يريدون الانقضاض والانقلاب على تلك النتائج, وقد حصل ذلك فعلا بدعم وتوطؤ غربي واضح.

والحرية الفردية التي تقوم على أساسها الليبرالية العالمية وخاصة في الغرب, لا تطبق إلا على غير المسلمين, أما المسلمون فتقيد حريتهم الشخصية حتى في اللباس والشكل والمظهر, ناهيك عن العقيدة والمضمون والجوهر, فحجاب المرأة المسلمة ممنوع ولا يدخل ضمن ما يسمى الحرية الفردية, وكذلك وبنفس القدر من العدائية والازدواجية تعامل لحية المسلم, التي يتم ربطها دائما بالإرهاب, بينما تعامل لحية القساوسة والحاخامات وغيرهم على أساس الحرية الدينية المحمية في القانون الغربي.

لم تقتصر ازدواجية معايير الغرب في التعامل مع المسلمين على القضايا السياسية والاجتماعية, وإنما تعدتها للقضايا الدينية والعقائدية, فالنقد والقدح والتشكيك موجه لعقائد المسلمين وشعائرهم الدينية دائما, والتضييق عليهم مستمر في تطبيق شعائرهم وعباداتهم, بينما التقدير والاحترام لعقائد غير المسلمين, والحرية الكاملة لهم في ممارسة شعائرهم وطقوسهم, وإذا ما تشابهت أو تطابقت بعض شعائر وأفكار غير المسلمين مع المسلمين, فإن الموقف لا يتغير, فالنقد والقدح يبقى موجها للمسلمين, بينما العكس من ذلك لغير المسلمين.

وهذا نموذج واحد من ازدواجية المعايير من خلال طائفة الأميش النصرانية, التي تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية, وتقوم بتطبيق الكثير من الأفعال الغريبة والعجيبة باسم الدين النصراني, والتي لو فعل المسلمون بعضا منها لانهالت عليهم الانتقادات, بينما تقوم هذه الطائفة بتلك الأفعال دون أي نقد أو تضييق أو اتهامات من قبل الحكومة الأمريكية والغرب عموما, بل لهم كامل الحقوق والتسهيلات.

والأميش طائفة مسيحية انشقت عن طائفة المينونايت، بعد أن اعتبر مؤسسها جيكوب أمان أن المينونايت بدأوا يتساهلون في تعاليمهم الأصلية, وتعتبر الأميش في الأصل من الأنابابتيست (المسيحيون الجدد) التي تستلهم تعاليمها من الإنجيل بحذافيره, كما تقول بتجديد التعميد بعد سن الرشد (تجديدية العماد) أي أنهم لا يؤمنون بتعميد الطفل رغما عنه، بل إن خيار المرء أن يكون مسيحيا ينبغي أن يكون خيارا واعيا يقرره بين سن 16 إلى 25، لذا فإنهم لا يعتبرون أبناءهم على ديانة الأميش حتى يجرى تعميدهم, والتعميد شرط من شروط الزواج الذي لا يسمح إلا داخل الطائفة.

لقد أفاد تحقيق من مركز دراسات تجديدية العماد من معهد إليزابيث تاون في بنسلفانيا، أن طائفة الأميش التي استقرت بداية في بنسلفانيا بشمال شرق أميركا وأوهايو وأنديانا بشمال أميركا, أصبحت منتشرة الآن في 28 ولاية أميركية إضافة إلى مقاطعة أونتاريو الكندية.

ومنذ 1992 وبحثا عن أراض زراعية منخفضة الأسعار والابتعاد عن حضارة المدن استقر الأميش في سبع ولايات جديدة مثل: أركنسو وكولورادو ومين وميسيسيبي وفرجينيا الغربية, وقد ارتفع عدد الأميش في عشر ولايات بشكل كبير مثل فرجينيا (40%) وكنتاكي (20%) ومونتانا (15%), وقد بلغ عددهم 231 ألفا خلال عام 2008م مقابل 125 ألفا عام 1992م أي بزيادة قدرها 84% حسب الدراسة.

وتظهر ازدواجية الغرب في تعامله في أكثر من وجه: فبينما يعترف بالأميش وبما تقوم به من أفعال, معتبرا أن ذلك من حرية التدين وإقامة الشعائر الدينية, رغم أن بعض هذه الأفعال من الغرابة والبدائية بمكان, نراه يظهر النقد والقدح والهجوم لكل مبدأ أو فعل إسلامي, سواء كان عقيدة أو عبادة مفروضة أو مسنونة.

فما يقوم به النصارى واليهود من أهل الكتاب, وما يقوم به الوثنيون من البوذيين والهندوس وغيرهم, وما يمكن أن تؤمن به أي طائفة أو مجموعة على وجه الأرض, وما يترتب على ذلك الإيمان من طقوس, فهو معترف به من قبل الغرب ومحترم من باب ما يسمى الحرية الدينية, أما ما يعتقده المسلمون وما يقومون بفعله من عبادات وشعائر إلهية راقية فهو منتقد ومنبوذ, فهل هناك ازدواجية في التعامل أفظع وأشنع من هذا؟!!

ويمكن تلخيص أبرز نقاط ازدواجية تعامل الغرب مع كل من (الأميش والمسلمين) كنموذج في النقاط التالية:

1- لم يعلق المجتمع الغربي على معتقدات طائفة الأميش الغريبة والعجيبة, حيث لا تؤمن هذه الطائفة بالتكنولوجيا الحديثة ولا بالتغيير, بل يؤمنون بالإلتزام بالعيش كما جاء بالإنجيل الذي بين أيديهم بحذافيره!! ومن المحرمات عندهم استخدام الكهرباء والسيارات إلا في الحالات الطارئة جدا, وهم يستخدمون الأحصنة للتنقل, كما أنهم لا يستخدمون الهواتف النقالة بل ولا حتى الهواتف الأرضية!! وإذا إضطروا للإتصال فقد تبرعت الحكومة وبنت لهم خارج بيوتهم كبائن على شكل أكواخ للإتصال في حالة وجود طاريء أو ماشابه.

فلو أن مجموعة من المسلمين فعلت ذلك في العصر الحديث لاتهم الإسلام بالتخلف والرجعية وعدم مواكبة الحضارة الإنسانية, ولشنت وسائل الإعلام حملة شعواء على هذه المجموعة وعلى دينها, وقد اتهم المسلمون غير مرة بأنهم يريدون أن يعيدوا الناس إلى القرن السادس الميلادي, في إشارة إلى أن القرآن والالتزام به غير ممكن في العصر الحديث, بينما لم يتهم الأميش بالرجعية والعودة للقرن الأول الميلادي حين يدعون أنهم تمسكوا بتعاليم الإنجيل بحذافيرها, ولم توجه لهم الانتقادات بسبب انعزالهم وتركهم لأبسط أدوات المدنية الحديثة.

2- لم تحرك مؤسسات ما يسمى بتحرير المرأة الغربية ولا العربية ساكنا تجاه البنات البالغات والنساء عند الأميش اللواتي يلبسن زيا محافظا جدا!! فهن لا يلبسن إلا الأكمام الطويلة واللباس الفضفاض الطويل، وأيضا هن متحجبات ولا يسمح لهن بقص شعورهن أبداً!! فهن يلبسن غطاء الرأس الأبيض إذا كن متزوجات وأسود إذا كن غير متزوجة!!

فلماذا لم تتحرك تلك المؤسسات والجمعيات الغربية لرفع هذا الضيم والظلم عن المرأة الأميشية كما يفعل مع المرأة المسلمة حين ترتدي الحجاب أو اللباس الساتر الوقور؟ ولماذا الهجوم الشرس على حجاب المرأة المسلمة في كل من أوربا وأمريكا؟ والسكوت المطبق على حجاب المرأة الأميشية؟ إنها الازدواجية في التعامل الذي لا يمكن تفسيره إلا بعداء العقول والنفوس في الغرب للإسلام والمسلمين.

3- بينما قامت الدنيا ولم تقعد تعليقا وانتقادا من معظم الدول الغربية وأتباعهم من الليبراليين العرب لمنع المرأة المسلمة من قيادة السيارة في بعض دول الخليج, لم نسمع كلمة واحدة من الغرب أو من أتباعهم في الشرق بخصوص منع المرأة الأميشة من قيادة العربة.

كما لم نسمع كلمة تقال من الغرب عن إشترط وجود محرم وهو الأخ أو الإبن لقيادة المرأة الأميشية العربة في حال غياب الزوج, بينما اخترقت أصواتهم العالية جدار آذان المسلمين انتقادا وقدحا لاشتراط الشريعة الإسلامية وجود محرم للمرأة المسلمة إن أرادت السفر.

4- وإذا تكلمنا عن ترك اللحية وحلق الشارب فإن هذا المظهر يثير حفيظة الغرب وحنقه وانتقاده إن كان صاحب اللحية مسلما, بل يربطون بين لحية المسلم والأعمال الإرهابية في العالم عبر وسائل الإعلام, أما إن كان غير مسلم فلا بأس بذلك, بل هو عنوان التدين والحرية الدينية الفردية الخاصة, فرجال الأميش مثلا لا يحلقون لحاهم ويحلقون شاربهم دون نقد أو استهجان ( معروف طبعا أن قساوسة الأرذوسوكس يطلقون لحاهم وشواربهم بغير نكير بل يلقى ذلك كل توقير وقبول عند هؤلاء المتشدقين بالحرية ).
5- وإذا تحدثنا عن الفن فهو باب واسع لنقد المسلمين, حيث يتهمون بعزوفهم عن الفن الموسيقي والتصوير وتحريمه, بينما يحرم الأميش التصوير كما يحرمون الموسيقى والمعازف, دون أن تكال لهم الاتهامات بمحاربة الفن كما تكال للمسلمين.
6- وحين رغب الإسلام بالزواج المبكر للشباب وحث عليه حفاظا على سلامة المجتمع من الرذيلة والفاحشة ثارت ثائرة الغرب وأعوانه, بينما لم تعلق هذه اللجان على زواج الأميش المبكر (16- 18).

لا يمكن حصر النقاط التي تثبت افتضاح ازدواجية الغرب المقيتة في تعامله مع شعاراته ومبادئه الكاذبة العنصرية, وهو ما يثير تساؤلا حول جدوى وقوف المسلمين دائما في موقف المدافع والمنافح عن تطبيقه لأحكام دينه وعقيدته, في مواجهة اتهامات الغرب وانتقاداته التي لا تنتهي ولن تنتهي, لأن المشكلة لا تكمن في مدى موافقة وتطابق أحكام الإسلام مع العلم أو شعارات الغرب, وإنما تكمن في عقلية الغرب المعادية للإسلام.

فهل سنطبق أمر الله ورسوله دون الالتفات لانتقادات الغرب وشعاراته؟!

أم سنبقى أسرى لشعارات الغرب المخادعة ومعاييره المزدوجة؟!


----------------------------------------------