المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمريكا.. ونظرية السوبرمان!


Eng.Jordan
01-30-2014, 03:40 PM
بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

أمريكا، أو الولايات المتحدة الأمريكية أكثر الدول استفادة من الأيديولوجيات والنظريات المعاصرة التي توصل إليها العلماء مثل: نظرية دارون، والنظرية النسبية لانشتاين، ونظرية السوبرمان لفريدريك نيتشة، والاستفادة كذلك من النظريات السياسية مثل: النظرية الميكيافيلية لنيكولو دي برناردو دي ماكيافيلي (1469-1527)، وهذه النظرية تقوم على مقولة:( الغاية تبرر الوسيلة).
ورغم أن هذه الأيديولوجيات جميعها نظريات لم تبلغ درجة الحقائق العلمية، ولم ينته العلماء والمنظرون فيها إلى قول جامع مانع، فإن أمريكا استطاعت أن توظفها لمصالحها الخاصة ولمصالح دولة العصابات الصهيونية، وأن تبني عليها علاقاتها مع غيرها، وأن تسلب من الآخرين أقصى ما تستطيع من خيراتهم، وتترك لهم الفتات يقتاتون به ليسد بالكاد رمقهم.
وحديثنا اليوم عن نظرية السوبرمان التي جاء بها العالم الألماني فريدريك نيتشه (1844م-1900م) وعلاقة أمريكا أو الولايات المتحدة الأمريكية بها وما المنافع والمصالح التي جنتها من ورائها.
كلنا يعلم أن أمريكا كانت في يوم من الأيام مستعمرة بريطانية، ولقد ذاقت الأمرّين من هيمنة الاستعمار البريطاني وويلاته، وكان الأحرى بها ألا تقع فيما وقعت فيه بريطانيا التي طغت وتجبرت واستبدت، وبلغت هيمنتها معظم دول العالم الثالث حتى أنها اشتهر عنها أنها لا تغيب عنها الشمس رغم أن بريطانيا يلفها الضباب أغلب أوقات السنة، فإن لضخامة عدد مستعمراتها وتنوع مواقعها صارت الشمس التي تشرق على هذه المستعمرات كأنها تشرق على بريطانيا نفسها.
فهي بهذه العبارة المشبعة بروح السيطرة والاستعلاء تجسم أمر ملكيتها لهذه الدول من دون أن تعير شعوب هذه الدول أي قدر من الاهتمام.
بريطانيا هذه كانت في يوم من الأيام تستعمر أمريكا، وكانت تذيقها من العذاب والهوان ألوانا، فلما اشتد ساعد أمريكا، واستطاعت أن تتخلص من الاستعمار البريطاني كان من المتوقع أن تكون نصيرة للمظلومين، حامية لحقوقهم، وأن تتذكر دائماً ما كانت عليه تحت السيطرة البريطانية، وألا تقوم بنفس الدور الاستعماري الذي قامت به بريطانيا، ولكن لغة المصالح لا تعترف بهذه الحقائق، ولا تقيم وزناً لكرامة الشعوب وحقوقهم، فبمجرد أن نالت أمريكا استقلالها من بريطانيا تحولت إلى غول ضخم يلتهم كل من حوله، واستعانت بتقدمها في مجال الاقتصاد والتكنولوجيا لتخضع الدول الصغيرة لها إما بالترغيب أو بالترهيب، وتبنت نظرية السوبرمان التي جاء بها العالم الألماني فريدريك نيتشه التي تمجّد القوة، وتجيز لها ما لا تجيزه للحق، فصارت لغة القوة هي اللغة المسموعة، وهي اللغة المعتبرة عند الولايات المتحدة الأمريكية، لهذا تقمصت أمريكا دور السوبرمان الذي وصلت إليه بعد ترقيها من الإنسان العادي الى الإنسان الأعلى (superman) ولم توظفه في الرفق بالشعوب المغلوبة على أمرها، ولم ترحم الدول الصغيرة من بطش الدول القوية القادرة، بل تفوقت على بريطانيا في أنها تختلق الأزمات في هذا البلد أو ذاك، فلا يجد هذا البلد الذي تعرض للأزمة مفراً من الاستنجاد بها، وطلب نصرتها، فإذا استجابت لذلك فرضت شروطها، وحددت مكاسبها، وتجعل أمر الخروج من هذا البلد في يدها تحدده بحسب ما تقتضي مصالحها، وبدل أن يكون الإنسان الأعلى (السوبرمان) إنساناً أعلى في أخلاقه وقيمه ومبادئه، صار إنساناً أدنى بتجبره وطغيانه واستبداده.
إذاً، فتطور الإنسان من الإنسان العادي إلى الإنسان الأعلى- كما تقول النظرية- لم يكن الى الأحسن في أخلاقه ومبادئه، بل صار الإنسان الأسوأ والأدنى، وهذا يصح تطبيقه على الدول كما صح تطبيقه على الأفراد.
إذاً، فأمريكا كانت دولة عادية ومستعمرة من قبل بريطانيا (العظمى) فكافحت حتى استقلت من الهيمنة الاستعمارية، وعبرت من أمريكا العادية إلى أمريكا السوبر دولة - إذا صح التعبير - وصارت الدولة العظمى التي تقود العالم، وتتحكم في مصيره ومصير الاقتصاد العالمي، وبدل أن تترقى في أخلاقها وقيمها ومبادئها، فإنها على العكس من ذلك صارت أسوأ أنواع الاستعمار، وأخذت أحط صفات فرعون مصر الذي قال: «أنا ربكم الأعلى»، وقال أيضاً: «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد»، وقال كذلك: «يا أيها الملأ ما علمت لكم إلهاً غيري» لقد سارت أمريكا على نفس النهج الفرعوني الذي جعل الله تعالى صاحبه آية لمن خلفه، فكذلك سوف تكون أمريكا آية لمن خلفها من الدول والحضارات.
وإذا كان فرعون مهما علا في الأرض شخصاً واحداً ينتهي طغيانه واستبداده بموته، فإن أمريكا دولة عظمى تملك في يديها خزائن الاقتصاد العالمي، ومخازن الأسلحة المدمرة، فإذا رضيت على دولة رفعت من مكانتها بين الدول، وإذا غضبت عليها جعلتها في أسفل سافلين.
إذاً، فنظرية السوبرمان للعالم الألماني فريدريك نيتشه بدل أن توجه إلى الخير، وتسعى في إنصاف المظلوم ورد الظالم، والوقوف مع الضعفاء ضد الأقوياء تخلت عن هذا الدور النبيل واستغلت أمريكا إمكاناتها الاقتصادية، وقوتها السياسية والعسكرية في إذلال الشعوب، وسلب حقوقهم من دون وجه حق.
وبسبب تنامي قوة أمريكا في كل مجال من مجالات القوة والسيطرة صارت تفتعل الأزمات في دول العالم، وترشح نفسها لحل هذه الأزمات ليكون ذلك سبيلها إلى السيطرة والاستعلاء، وكما قال المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي: إن أمريكا تصدر أزماتها إلى الخارج، وتشغل نفسها بحل هذه الأزمات، ولسان حالها يقول: لا صوت يعلو على صوت الانشغال بحل أزمات الشعوب الأخرى التي صنعتها هي بنفسها ليكون ذلك مبرراً لإسكات الأصوات في الداخل المطالبة بالإصلاح وحل أزمات البطالة والصحة والتعليم والإسكان.
هذه هي أمريكا السوبرمان، أو هذه هي أمريكا الفرعون، أو هذا هو السوبرمان في شكل دولة، أو هذا هو فرعون حين يتقمص دور الدولة.

@aalbinfalah
aalbinfala@gmail.com