المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المفاوضات ونظرية "الغموض الخلاق"..!!


Eng.Jordan
01-30-2014, 08:41 PM
بقلم: د.ناجي صادق شراب




يقال دائما أن الدخول في الحرب أسهل من الخروج منها، لأنه من السهل إتخاذ قرار الحرب، والأصعب منه إتخاذ قرار السلام. هذا القول ينطبق إلى حد بعيد على المفاوضات بالقول من السهل الدخول في المفاوضات، ولكن الأصعب هو الخروج منها، لأن الفشل له خيارات قد لا يقوى على مواجتها لا الفلسطينيين ولا الإسرائيليين، ولا حتى الدولة الراعية لها وهي الولايات المتحدة. والسؤال هنا من يتحمل فشل المفاوضات؟ ومن يملك القدرة على تحمل تبعات الذهاب لخيارات الحرب والمواجهة العسكرية؟
بعد زيارات متعددة قام بها جون كيرىي نجح اولا في إستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد إنقطاع دام اكثر من ثلاث سنوات، والآن يعود من جديد في زيارته العاشرة حاملا معه إطارا عاما للمفاوضات، وبقدر من التفاؤل بإمكانية الوصول إلى تسوية تفاوضية والتوقيع على الإطار المقترح الذي قد يحكم العلاقة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لوضع حلول نهائية للقضايا الرئيسة التي تحكم الصراع.
ويعتمد جون كيرى على نهجين: الأول ما يسمى بنهج "الحوافز الإقتصادية" الكبيرة التي يعد بها الفلسطينيين لتنقلهم من حياة المعاناة الدائمة إلى حياة أفضل إقتصاديا، وهذه السياسة ايضا مقدمة لإسرائيل.
والنهج الثاني والأهم وهو ما يسمى بنظرية "الغموض الخلاق". وهذه العبارة او النظرية تنسب لوزير الخارجية الأمريكى جيمس بيكر الذي قاد المفاوضات في مؤتمر مدريد 1991، في أعقاب حرب الخليج الثانية وتراجع القضية الفلسطينية كقضية أمن عربي، وبداية التحول في موازين القوى لصالح قوى إقليمية وليس عربية، وقتها كانت الفرصة سانحة لعقد هذا المؤتمر رغم التحديات والصعوبات التي واجهتها، وقد تكون أصعب بكثير من الوضع التفاوضي الحالي. وبناء على هذه النظرية نجح بيكر في حل إشكالية تشكيل الوفد الفلسطينى وتمثيله في المؤتمر حيث رفضت إسرائيل أن يكون له تمثيلا مستقلا، فتم حل هذه الإشكالية من خلال الوفد الأردني.
وبعد عامين من المفاوضات وما يقارب 11 جولة توصل الطرفان إلى "إتفاق أوسلو" الذي يعتبر ثمرة نظرية "الغموض الخلاق"، فإتفاقية إوسلو نموذجا لها، حيث تتسم بقدر من الغموض، ويمكن لكل طرف أن يفسر بنودها كما يرى، لأنها إتسمت بالعمومية دون التفاصيل، وتمت إحالة كثير من القضايا الرئيسة إلى مراحل لاحقة، وما زالت حتى الآن دون حل.
هذا المنهج قد يبدو ملائما في بدايات المرحلة الأولى من المفاوضات، والسؤال هل ما زال هذا المنهج صالحا للتطبيق الآن بهدف الوصول إلى إطار عام للمفاوضات، ومن ثم الدوران من جديد في دائرة حلزونية من المفاوضات؟
وزير الخارجية كيري يعتمد على نفس المنهج، بتقديم حزمة من الحوافز، مستفيدا من التراث التفاوضي السابق، ولا يمكن له تجاوز العديد من التفاهمات التي تم التوصل إليها بين الطرفين وخصوصا تصورات الرئيس السابق كلينتون، والتفاهمات التي تم التوصل إليها في زمن حكومة أولمرت وليفني، إلا أن المفاوضات هذه المرة تتم في ظل بيئة تفاوضية جديدة، وفي ظل تحولات في موازين القوى، وفي ظل تراجع واضح للقضية الفلسطينية، وفي ظل إنقسام سياسي فلسطيني، وفي ظل حكومة إسرائيلية متشددة ويحكم إئتلافها أحزاب إستيطانية، وقوى عسكرية ترفض التسليم بقيام الدولة الفلسطينية، والإنسحاب من الأراضي الفلسطينية كمنطقة غور الأردن. لكن في الوقت ذاته توجد تحولات تعمل لصالح القضية الفلسطينية، فالقناعات الدولية تتزايد المؤيدة لقيام دولة فلسطينية كاملة العضوية في الأمم المتحدة، وفي الوقت ذاته فإذا لم يكسب الفلسطينيون من المفاوضات لن يخسروا شيئا، لكن خسارة إسرائيل ستكون أكبر، وهذا ما ينبغي التأكيد عليه.
في هذه الأجواء تأتي مبادرة جون كيرى والدور الأمريكي في السنة قبل الأخيرة لنهاية الرئاسة الأمريكية، وأعتقد أن جون كيرى يدرك حجم المشاكل والتحديات، وحجم الهوة بين الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي بسبب تحديات الحدود والأمن، ومطالبة إسرائيل الفلسطينيين بالإعتراف بيهودية إسرائيل. وهذا النهج الذي يقدمه كيري وإن كان امتداد لتصور من سبقه، لكن لا شك توجد تصورات وتراث وتفاهمات تفاوضية لا يمكن تجاهلها، وهو هنا يعتمد على نفس النهج في "الغموض الخلاق" فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية والإنسحاب لحدود 1967، وفيما يتعلق بمبدأ تبادل الأراضي، والضمانات الأمنية، وهنا قد يقدم تصورا أوسع واشمل للموقف الأمريكي، وفي هذا تطور إلى حد ما مقارنة بالمواقف الأمريكية السابقة.
هذا النهج في حد ذاته كان سببا وراء عدم نجاح إتفاقات أوسلو، وبعد اكثر من ستة عشر من المفاوضات لا تحتاج المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية إلى "غموض خلاق" بقدر ما تحتاج إلى دور امريكى أكثر فعالية وإنغماسا في العملية التفاوضية، والتخلي عن نهج "الغموض الخلاق" ونهج إدارة الصراع وليس حله، والتقدم خطوة متقدمة باتجاه تطبيق إطار يحقق التوازن بين الأمن والعدالة، ورؤية حل يقوم على الإبداع والوضوح لا الغموض.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com