المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ورقة الأقليات والطائفية في الأزمة السورية


عبدالناصر محمود
02-02-2014, 08:19 AM
ورقة الأقليات والطائفية في الأزمة السورية*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ

2 / 4 / 1435 هــ
2 / 2 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3687.jpg


منذ الشرارة الأولى التي أدت لانطلاق الثورة السورية المباركة في مارس/آذار 2011م, والتي تمثلت باعتقال 15 طفلا من درعا كتبوا على جدران مدارسهم شعارات تنادي بالحرية بتاريخ 26/فبراير/2011, والذي أدت إلى توالي خروج المظاهرات المطالبة بالحرية والكرامة, ثم تحولت اضطرارا بعد حوالي ستة أشهر إلى ثورة شعبي مسلحة ضد بشار الأسد وزبانيته, وورقة الأقليات والطائفية على رأس أولويات اللعبة السياسية للنظام السوري.

وبما أن هذه الورقة قد لاقت قبولا ضمنيا من الغرب وأمريكا, نظرا للصبغة الإسلامية التي ظهرت جليا في الحراك الثوري السوري, بدءا من المظاهرات التي كانت تخرج في غالبها من المساجد, وانتهاء بالكتائب والتشكيلات المقاتلة على الأرض, والتي لا يخفى انتماؤها ومرجعيتها الإسلامية, فإن النظام السوري قد تمادى في استخدام هذه الورقة إلى أقصى حدودها.

وفي هذا التقرير سأحاول أن أتلمس أهم المحطات التي استخدم فيها النظام السوري ورقة الأقليات لتشويه صورة الثورة السورية و المجاهدين السوريين, لندرك مدى خطورة هذه الورقة, ومدى تواطؤ الغرب مع بشار في هذا الأمر, ومدى تسامح المسلمين مع تلك الأقليات, وحرصه الشديد على حمايتهم وعدم المساس بهم.

تعريف الأقليات
----------

عرفت الموسوعة العربية الأقليات بأنها: مجموعة بشرية ذات سمات وخصائص تختلف عن مثيلاتها في مجتمع الأكثرية, ولكل أقلية منها سمات قومية أو إثنية أو دينية مشتركة بين أفرادها.

وتختلف الأقليات فيما بينها نوعا وهوية وانتماء, كما تأخذ تسميات مختلفة مثل: جلية أو فئة أو طائفة أو ملة أو فرقة أو مجموعة, وهي في الغالب تسميات تدل على جذور الأقلية وأصولها وهويتها الاجتماعية والبشرية.

وتنضوي تحت مفهوم الأقليات أنماط وأنواع مختلفة منها: الأقليات العرقية والدينية واللغوية والمذهبية والقبلية العشائرية والثقافية والسياسية.

ولم يعرف الإسلام ولا المسلمون هذا المفهوم, وإنما هو صناعة أجنبية غربية بامتياز, استخدمته الدول الاستعمارية كسلاح فعال للتدخل في شؤون الدول الأخرى, وخير شاهد على ذلك تدخل الدول الغربية في شؤون الدولة العثمانية باسم حماية الأقليات, حيث كانت السبب الأبرز في حصوله على الامتيازات, ومن ثم العمل على إسقاط الخلافة.

التركيبة السكانية في سوريا
---------------

وقبل أن نذكر تلك المحطات, لا بد أن نلقي نظرة على التركيبة السكانية في سوريا, ومع غياب إحصائيات دقيقة للتوزع الديني، فلا مفر من الاعتماد على العديد من الدراسات و الإحصائيات المختلفة, ومنها: إحصاء عام 1985 الذي يعدد النسب على الشكل التالي: 76.1% مسلمون سنة، و11.5% علويون، و3% دروز، و1% إسماعيليون، وبين 4.5% و0.4% شيعة إثنا عشرية.

إلا أن بعض الباحثين شكك في دقة هذه النسب والأرقام، ويرى أن نسبة السنة في سوريا لا تقل عن 80% وتصل إلى 85% إذا أضيف إليها نسبة السنة الأكراد، إلى جانب 9% من العلويين و5% من المسيحيين الذين هاجر كثير منهم إلى الخارج.

وإلى جانب ما سبق يذكر تقرير وزارة الخارجية الأمريكية للحريات الدينية أن نسبة المسلمين السنة في سوريا تبلغ 77%، و10% علويون، و3% دروز وإسماعيليون وشيعة إثنا عشرية، و8% من السكان مسيحيون من طوائف مختلفة, إضافة لأقلية يزيدية في منطقة جبل سنجار على الحدود مع العراق.

وعلى أي تقدير من هذه التقديرات اعتمدنا, فإن نسبة المسلمين السنة لا تقل عن 77% من عدد السكان, مما يعني أنهم الأكثرية الساحقة في البلاد, ومع ذلك فهم المهمشون والمحرومون من معظم حقوقهم السياسية.

محطات استخدام النظام السوري لورقة الأقليات
--------------------------

1- كانت المرة الأولى التي استخدم فيها نظام الأسد لورقة الطائفية في بدايات الثورة السورية, وتحديدا في 26 مارس 2011م, أي بعد أسبوعين فقط من انطلاق المظاهرات والاحتجاجات ضد ممارسات الأمن مع أطفال درعا, حيث اتهمت بثينة شعبان مستشارة بشار والقصر الجمهوري إعلاميا الحراك الشعبي بأنه يهدف إلى (بث الفتنة الطائفية), رغم أن الحرك يومها لم يكن قد تجاوز الاحتجاج على جرائم الأمن وتعذيبهم لأطفال درعا, الأمر الذي يؤكد وجود نية مسبقة للنظام السوري لاستخدام هذه الورقة في أي احتجاجات أو اضطرابات تحدث بالبلاد.

2- وفي أعقاب هذه التصريحات والاتهامات, عمدت مليشيات الأسد مباشرة إلى اللعب على وتر الطائفية لإيهام الأقليات في سوريا بأنه الحامي الوحيد لهم من الأكثرية السنية.

وقد قام النظام بأبشع المجازر والجرائم من أجل تحقيق تأجيج الطائفية في النفوس, حيث كان يقوم بقتل مجموعة من الأشخاص من طائفة معينة, ليلقي بجثثهم في أحياء الطائفة الأخرى, وقد حدث ذلك أكثر من مرة في مدينة حمص وغيرها, ليزرع الحقد والكراهية في النفوس, وليوهم العالم بأن الثورة في سوريا ما هي إلا حرب طائفية, إلا أنه لم ينجح في تحويل مسار الثورة السورية عن وجهتها بإسقاط النظام وتحييدها عن الطائفية.

3- بدأ النظام السوري في هذه المرحلة باستخدام ورقة المذابح والمجازر الطائفية, وذلك من أجل إقحام الصبغة الطائفية على الصراع حتى لو لم يكن كذلك, وقد ارتكب النظام في سبيل الوصول إلى هذه الغاية الكثير من المجازر, التي استهدفت بشكل خاص أهل السنة في سوريا, والتي لا يمكن في الحقيقة حصرها بهذا التقرير, وإنما سأورد عناوين أبرزها وأهمها:

· مجزرة كرم الزيتون بمدينة حمص في 11 /3/2012م راح ضحيتها أكثر من 53 امرأة وطفلا ذبحا بالسكاكين.

· مجزرة الحولة المشهورة بريف حمص في 25/5/2012م وراح ضحيتها مئات الأطفال والنساء, وقد اتسمت بطابع طائفي ظاهر, حيث تمت المجزرة بمشاركة شبيحة من سكان القرى العلوية (النصيرية) المجاورة لقرية الحولة, كما أنها تزامنت مع وجود بعثة المراقبين الدولية, وقد أكد حينها رئيس البعثة الجنرال روبرت مود مقتل 92 شخصا بالحولة من بينهم أكثر من 30 طفلا, كما أكد استخدام الدبابات في العملية.

· مجزرة التريمسة بريف حماة في 13/7/2012م والتي راح ضحيتها أكثر من 305 شهداء بينهم نساء وأطفال وشيوخ.

· مجزرة داريا بريف دمشق في 26/8/2012م والتي خلفت مئات الشهداء, وقد أوصل بعض الناشطين العدد إلى أكثر من ألف شهيد.

· مجزرة بانياس في 6/5/2013م, والتي راح ضحيتها أكثر من ألف مسلم سني جلهم من النساء والأطفال, والتي كشف تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش عن تفاصيلها, وقد وصفت من قبل كثير من المحللين والباحثين بأنه تطهير عرقي بكل معنى الكلمة.

· مجزرة الغوطة الشرقية بريف دمشق بواسطة السلاح الكيماوي في 21/8/2013م, والتي راح ضحيتها أكثر من 1500 شهيد ناهيك عن آلاف الإصابات والاختناقات, والتي كان لها ضجة إعلامية كبيرة تمخضت في النهاية بمعاقبة السلاح الكيماوي السوري بدلا من معاقبة الفاعل والجاني.

وهناك مجزرة جديدة الفضل بريف دمشق ومجزرة الذيابية بجنوب دمشق وغيرها الكثير الذي لا يحصى, والذي كان يهدف بالدرجة الأولى لتحويل الموضوع من ثورة شعبية ضد نظام حكم ظالم وجائر, إلى حرب طائفية يستطيع النظام من خلالها تخويف الأقليات في سوريا من الأكثرية السنية.

4- استخدام ورقة الأقلية النصرانية في سوريا, وهي ورقة ذات أهمية كبيرة دوليا نظرا لادعاء الغرب حمايته لها, وقد حاول النظام أكثر من مرة تشويه سمعة الثورة السورية والمجاهدين من خلالها, ولعل من أهم الأحداث الأخيرة التي تؤكد هذا الأمر ما جرى في الأيام القليلة الماضية في معلولا بريف دمشق, وهي قرية ذات غالبية نصرانية, وفيها الكثير من الآثار والكنائس التي تهم النصارى بشكل عام.

وضمن معارك القلمون الأخيرة, استطاع الثوار في 3/12/2013م من دخول هذه البلدة, وهو الأمر الذي استغله النظام السوري إعلاميا, للتشهير بسمعة الثورة السورية من خلال الزعم بقيام الجيش الحر بأعمال تخريبية طالت الكنائس ومنازل المدنيين الآمنين، وأن عناصر الحر دمروا بعض الصلبان والإيقونات في الأديرة، إلا أنه تبين أن الكنائس والأماكن المسيحية لم تتعرض للتخريب بشهادة رئيسة الدير هناك الأم بيلاجيا سياف.

وكانت وزارة خارجية النظام السوري قد بعثت فور دخول الجيش الحر البلدة برسالتين متطابقتين إلى رئيس مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة حول معلولا قالت في الرسالتين أن “مجموعات إرهابية تكفيرية” هاجمت بلدة معلولا في ريف دمشق ونفذت فيها أعمالا تخريبية طالت الكنائس وبيوت المدنيين الآمنين، وأوضحت خارجية النظام أن “المجموعات الارهابية التكفيرية” قامت باقتحام دير مار تقلا واحتجاز رئيسة الدير الأم بلاجيا سياف وعدد من الراهبات اللواتي يعملن في الدير كما استهدفت الميتم التابع له والذي يؤوي العديد من الأطفال الايتام.

كما أن إذاعة الفاتيكان ساندت رواية النظام السوري بادعاء احتجاز الراهبات كرهائن بيد الجيش الحر, حيث قالت الإذاعة: إن مسلحين أخرجوا بالقوة الراهبات من الدير وتم اقتيادهن نحو بلدة يبرود, وأكدت وكالة "سانا" السورية الرسمية الخبر.

بينما الحقيقة أن النظام السوري كثف من قصفه للبلدة بعد دخول الحر إليها, أملا بقتل بعض الراهبات وإلصاق التهمة بالثوار والجيش الحر, وقد أفاد ناشطون بأن البلدة تتعرض لقصف براجمات الصواريخ من مدينة القطيفة التي تتمركز فيها قوات النظام, وقد حاول الجيش الحر إجلاء الراهبات من داخل الدير وإخراجهن إلى خارج البلدة, إلا ان المحاولات باءت بالفشل بسبب قنص قوات النظام المتواصل، والذي أوقع عدداً من الجرحى من الجيش الحر.

وقد أكد الناشط عامر القلموني الناطق باسم الهيئة العامة للثورة السورية محاولات الجيش الحر إجلاء الرهبات من معلولا خوفا على سلامتهن جراء القصف العنيف من النظام, لتأخذ القضية أبعادا طائفية أرادها النظام, من خلال رواج شائعات عن خطف الراهبات أو ما شابه ذلك, حيث طالب بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر المجتمع الدولي وسائر حكومات العالم بالتدخل لإطلاق الراهبات واليتامى المحتجزين في دير مار تقلا في معلولا.

ليأتي خبر استقرارهن في بيت نصراني بيبرود من مصادر متعددة, فقد أكد نشطاء معارضون لوكالة رويترز أن الراهبات في أمان, كما قال موفد الفاتيكان إلى سوريا (ماريو زيناري): إنه تم إجلاء الراهبات الاثنتي عشرة من دير مار تقلا من قبل مقاتلين إسلاميين، على حد تعبيره.

وأضاف: إن بطريركية الروم الأرثوذكس أبلغته أن الراهبات أخرجن نحو بلدة يبرود, ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن رئيسة دير صيدنايا سيفرونيا نبهان أنها تحدثت إلى رئيسة دير مار تقلا الأم بيلاجيا سياف مساء الاثنين، وأكدت لها أن الراهبات ومعهن ثلاث عاملات يقمن في جو مريح في منزل ببلدة يبرود، و"لا أحد يعكر صفوهن".

وقال محمد الزهوري مراسل أورينت نيوز في بلدة معلولا لأورينت نت أن الراهبات البالغ عددهن 16 راهبة قد تحصن بأقبية تحتانية لدير مارتقلا, حين كان النظام يقصف الدير ومحيطه بقذائف الهاون، ما اضطر الراهبات للطلب من جبهة النصرة وكتيبة خاصة من معلولا إخراجهن من الدير.

إن كل ما ذكرناه من وقائع وأحداث يؤكد حرص النظام السوري على استخدام ورقة الأقليات والطائفية منذ اليوم الأول من انطلاق الثورة السورية وحتى الآن, أملا في حرف مسار الثورة المباركة, ورغبة منه في تشويه سمعة المجاهدين الأبطال, وبالمقابل وفي كل مرة يتأكد للعالم أجمع براءة الثوار من لوثة الطائفية, وطهارة الثورة السورية من تهمة الحرب الأهلية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــ