المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في أحراش يعبد


عبدالناصر محمود
02-10-2012, 08:27 AM
في أحراش يعبـد
ــــــــــــــــــــــ

ـ هل هناك توافق بين اسم المكان ( يعبد ) وبين ما وقع على أرض هذه
القرية الصغيرة من عمل يعد في صلب العبادة لله؛ وسيكون لهذا العمل
أثر بالغ فيما بعد في الصراع على أرض فلسطين ؟ إن اسم هذه القرية
اسم جميل ، وكأنه في اشتقاقه العربي مأخوذ من ( العبادة ) التي هي
رمز العلاقة بين المسلم وبين ربه سبحانه وتعالى .

ـ في هذه القرية كان أول صدام مسلح بين المسلمين واليهود ، ولنبدأ
القصة من أولها : إن أرض فلسطين جزء من بلاد الشام ، وفيها القدس
والمسجد الأقصى الذي بارك الله فيه وفيما حوله، تعرضت هذه المنطقة
بعد الحرب العالمية الأولى لمشروع استيطاني احتلالي يهودي تحت
رعاية وتعاطف بريطانية التي كانت دولة منتدبة ( وصية ) على فلسطين
من قبل عصبة الأمم . بدأت الهجرة اليهودية تزداد ، وشعر الفلسطينيون
بالخطر لكثرة أعداد المهاجرين واستقرارهم في فلسطين ، ثم تهريب
الأسلحة والتدرب عليها .

ـ قاوم الزعماء السياسيون هذه الخطوات بالاحتجاج والشكوى لدى الحاكم
البريطاني على فلسطين ولكن دون جدوى .

ـ إنها قصة صراع طويل منذ أن جاء ( نابليون ) لاحتلال مصر ثم
ارتداده عند أسوار عكا في فلسطين ، ثم مجيء بريطانية وفرنسا
وتقسيمهم لبلاد الشام ووضعها تحت الوصاية ، وكأن شعوب هذه
المنطقة لا تستطيع أن تقوم بنفسها . قاوم السوريون الاحتلال الفرنسي
لبلدهم وكان من الذين حملوا عبء المقاومة عالم ديني من مدينة (جبلة)
الواقعة على ساحل البحر المتوسط، إنه عزالدين القسَّام (1880 ـ 1935م )
ولكن فرنسا استطاعت بسط نفوذها على سورية ، وحكمت على الشيخ
وغيره من الزعماء بالإعدام . فخرج القسام من سورية متوجهاً إلى
فلسطين عام 1921م واستقر في مدينة حيفا ، ومن حيفا كانت البداية :
كان مشروع الشيخ واضحاً،وهو تحرير الوطن من الاحتلال الأجنبي ،
وفي حيفا عمل في التدريس ، وخطب في مسجد الاستقلال ، وكان يهيئ
النفوس ويعدها لمقاومة الأعداء . سكن في حي شعبي فقير ، معظم
سكانه من العمال والفلاحين الذين اضطروا إلى بيع أراضيهم بسبب
فداحة الضرائب والديون . وكان الشيخ يعلمهم دينهم ، ويجلس معهم
ويزورهم، فألفوه وألفهم ، وأحبوه وأحبهم، وشاركهم أفراحهم وهمومهم،
واهتم بالفقراء ، وسعى جاهداً لمحو الأمية من بين صفوفهم . كانوا
على الفطرة السليمة ، وكانوا أحب إليه من الزعماء السياسيين الذين
يحضرون حفلات المندوب البريطاني ، ويتمنون على بريطانية أن
تعطيهم حقوقهم .

ـ أقام القسام علاقات قوية مع أهالي الشمال وكان يزورهم ويعلمهم
ويدعوهم لمقاومة بيع الأراضي لليهود ، وكان يرى في هؤلاء الفلاحين
علامات القوة والشجاعة ، والبعد عن الترف وأنهم أقرب إلى الإيمان
والتضحية ، بل كان يرى فيهم أنهم أقوى بنية وأكثر احتمالاً للمشاق
والمتاعب ؛ فغالبية الذين انضموا مع القسام لتحرير الوطن من المحتلين
هم من العمال أو الفلاحين أو أصحاب المحلات الصغيرة ، وإن واجب
الذكرى لهؤلاء التلامذة أن نذكر بعض أسمائهم :
1ـ فرحان السعدي : جندي من جنود الدولة العثمانية ، عمل بعدئذ في
سلك الشرطة، ثم استقال ورجع إلى قريته ( المزار ) وهو من
الأبطال الشجعان .

2ـ حسن الباير : فلاح من قرية ( برقين ) يقول : كنت قبل أن أتعرف
على الشيخ القسام أسرق وأرتكب المحرمات ، فنهاني الشيخ عن ذلك
وعلمني الصلاة .

3ـ نمر السعدي : فلاح من قرية ( شفا عمرو ) .

4ـ العبد قاسم : بائع السولار ( الجاز ـ الكاز ) في حيفا .

5ـ خليل محمد عيسى : بائع في دكان صغير في حيفا ، إلى عشرات
ومئات من تلامذته ومؤيديه .

*ـ بدء قتال العدو :
ــــــــــــــــــــــــــ

في عام 1928م ادعى اليهود أن لهم حقاً في حائط البراق وهو الحائط
الغربي من المسجد الأقصى ، فقامت المظاهرات من المسلمين احتجاجاً
على هذا الادعاء ، ولكن تلامذة القسام رأوا أن الشكاوى لا تنفع ، وأن
الإنجليز وعصبة الأمم لا يسمعون للضعفاء ، وقرروا مقابلة القوة بالقوة
وتحرير الأرض المقدسة .

ـ خطب الشيخ آخر خطبة له في حيفا ، وأحس الحاضرون بالوداع
وأجهشوا بالبكاء ، وودع الشيخ أهله ، وكذلك فعل الذين سيذهبون معه
للقتال وباعوا كل ما يملكون ليشتروا به عتاداً للمقاومة ، واتجه الجميع
نحو قرى الشمال التي كانت تعرف الشيخ وتلامذته ، ووصل المجاهدون
إلى قرية يعبـد ، واتخذوا أحراشها مكاناً لهم ، وكانت الخطة تحريض
الناس وتجميعهم والتهيؤ لمعركة طويلة مع المحتلين ، ولكن أخباراً
وصلت إلى حاكم فلسطين البريطاني بأن هناك أناساً مسلحين في الشمال
فأرسل ( 150 ) من أفراد الشرطة وتعجل بالصدام حتى لا يجتمع حول
الشيخ أعداد كبيرة ، وفي صباح 20 ـ 11 ـ 1935م دارات معركة
كبيرة ، واستبسل الشيخ والذين معه ، واستمرت المعركة إلى منتصف
النهار ، استشهد الشيخ القسام على أثرها وخمسة من رفاقه وجرح
آخرون .

ـ كانت معركة يعبد أول مواجهة بين مسلمي فلسطين والاحتلال الإنجليزي
الصهيوني، كانت معركة صغيرة ولكن آثارها كبيرة جداً ، لقد أعادت
الثقة والأمل إلى نفوس أهل فلسطين ، وعملوا أن استجداء الحقوق من
العدو لا يجدي نفعاً . كانت معركة يعبد مقدمة لثورة كبيرة ستقوم ما بين
1936 ـ 1939م ، وسيقودها تلامذة القسام .

ـ كتب أحد زعماء فلسطين : إن أشد ما يؤسفني أنني تلقيت خبر
استشهاده ونحن جلوس ؛ فخجلت من أن نحرم من ميتة كميتته .
وقال آخر :
( إننا لا نؤبن ملكاً ولا زعيماً ولا رئيساً ، ولكن رجلاً من صميم الشعب،
شغل دولة بأسرها ) .
وكتب رئيس تحرير صحيفة الدفاع :
( في يعبد لنا جامعة ، لنا أساتذة ، لنا شهداء ) .
{ رحم الله الشيخ عز الدين القسّام ورفاقه ومن سار على الدرب } .:Palestine:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ م: كتاب المنتدى الإسلامي ـ لندن
وذكرهم بأيام الله ـ محمد العبدة ]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ