المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السنن الإلهية في نهوض الحضارة ونكوصها في ضوء نصوص الكتاب وفقه التاريخ


عبدالناصر محمود
02-08-2014, 09:11 AM
السنن الإلهية في نهوض الحضارة ونكوصها في ضوء نصوص الكتاب وفقه التاريخ*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ

8 / 4 / 1435 هــ
8 / 2 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3193.jpg


السنن الإلهية في نهوض الحضارة ونكوصها في ضوء نصوص الكتاب وفقه التاريخ / الجانب الفكري نموذجا /

بحث مقدم لنيل درجة الماجستير في العلوم الإسلامية / الجزائر

إعداد : يونس ملال / إشراف الدكتور : محمد دراجي

=================================

بعد أن وقع المسلمون على صفحات التاريخ إنجازات ومواقف جليلة زهاء عشرة قرون من الزمان, ها هي اليوم تقف عاجزة في مواجهة التحديات الحضارية الداخلية والخارجية, ولكن مزية هذه الأمة أن مصدر عزتها وتمكينها محفوظ, وأن مكمن نهوضها ونكوصها متعلق بمدى قربها أو بعدها عنه, وهو ما يجعل أمر استعادة النهوض ممكنا وميسرا.

وهنا يبرز السؤال الأهم : كيف الرجوع إلى منهج الله في ظل ظروف الحياة الجديدة, وأكثره لا نصنعه بأيدينا ولا درج عليه أسلافنا؟؟ وبالإجابة على مثل هذه الأسئلة يرى الباحث جدوى عمل الباحثين والمجددين والمجتهدين والمفكرين, ومنه يمكن كشف المعالم والضوابط وسنن السير, وتحديد مكامن الضعف في مجال الفكر أو الاجتهاد أو النفس أو الأخلاق أو العلاقات الداخلية والخارجية, واستجلاء منابع القوة المستمدة من الإسلام في جميع المجالات.

ولأن الأفكار تعد هي المدخل والأساس, فإن الأمة إذا أصيبت بانحراف في فهم الإسلام, فلا بد من الانحراف في تطبيق, وربما تحول فهمها السقيم للدين مصدر عجز في الدنيا, فكيف كان الإيمان بالله والتوكل عليه والتسليم بقدرته مصدر قوة عند السلف, وكيف تحولت هذه المعاني إلى نافذة مفتوحة على مصراعيها يطل منها المسالى والعاجزين؟؟

بهذه المقدمة يفتتح الباحث رسالته التي قسمها إلى ثلاثة أقسام, جعل الأول منها لدراسة ظاهرة الحضارة, مفهومها وعناصرها وأبعادها في اللغة والاصطلاح والقرآن والتاريخ, بينما خصص القسم الثاني لدراسة السنن الإلهية في الكون المادي والحياة الإنسانية, مع التركيز على الارتباط الوثيق بينها وبين التحضر, أما القسم الثالث فجعله أشبه بالتطبيق للجانب الفكري.

بعد التمهيد الذي أوضح فيه صعوبة التعريف بكلمة الحضارة لشموليتها ودقتها, بدأ الباحث بتعريف الكلمة لغويا, فبين معنى المدنية ثم الثقافة, ثم أكد العلاقة بينهما, كما أكد تجاوز معنى كلمة الحضارة السكنى في الحضر كما يراه بعض العلماء, إلى معنى حضور القوم أو الأمة حضورا مميزا يصير لهم به ذكر.

وبعد استعراض تعريفات كثير من المفكرين المسلمين كمالك بن نبي وأبو الأعلى المودودي وغيرهم, خلص الباحث إلى تعريف الحضارة اصطلاحا بأنها: خلاصة التفاعل الإيجابي الحاصل بين المبادئ والقيم التي نؤمن بها وجهودنا في بسطها على صفحة التاريخ.

وعن أبعاد لفظ الحضارة في التاريخ, لم ينس الباحث ذكر الكثير من علماء المسلمين ومفكريها الذين اهتموا بحضارة الأمة الإسلامية, وهالهم البون الشاسع بينها وبين الغرب الذي تفوق عليها ماديا وعلميا, وراحوا يؤلفون الكتب للبحث عن جواب للسؤال الذي أرقهم: لماذا نهض الغرب وتأخر المسلمون؟؟!!

أما أبعاد الحضارة في القرآن الكريم ومدلوها فهو واضح في كثير من آيات القرآن الكريم, فقد أكثر القرآن من ذكر المدن والعمارة في قصص عاد وسبأ وغيرها, بل وفضلها على البادية والأعراب والقرى في كثير من المواطن, وقد أرسل الله لهم الرسل لبناء الحضارة من جديد, كما دعا القرآن لعمارة الأرض واستخلافها بالخير والصلاح.

فالحضارة التي يدعو إليها القرآن الكريم هي عمارة الأرض والإصلاح فيها بأمانة ومسؤولية حسب أحكام الله تعالى التي يحددها نظام الخلافة, وبحفظ التوازن بين الدين والدنيا, فالحضارة ابتلاء وعبادة, وعمل حيوي متجدد القصد, غايته مرضاة الله تعالى, مما يعلو بالحضارة القرآنية عما عرفه الإنسان عنها وعن حقيقتها.

في القسم الثاني من الرسالة التي خصصها الباحث للسنن الإلهية, وبعد تعريف السنن الإلهية لغة واصطلاحا, خلص الباحث لتعريف جامع هو: القانون العام الصارم الثابت المطرد الشامل, وهو النظام الكلي الذي تنضوي تحته سائر الجزئيات والمفردات المكونة لجميع عناصر ومظاهر الحياة, وكلما ازداد الناس معرفة بدقائق هذه القوانين, وربط جزئياتها بكلياتها وسبر أغوارها, كلما كانوا أقدر على استثماره لصالحهم في العاجل والآجل.

وقسم قسم الباحث السنن الإلهية إلى عدة أقسام باعتبارات مختلفة, فباعتبار الإرادة السنن إجبارية: لا تحكم لإرادة الإنسان بها بها وتجري على كل الكائنات الحية بما فيها الإنسان, كالولادة والحياة والموت ..., واختيارية: ضمن القدرة الإنسانية وما يمكن أن يناله الإنسان ويسخره في الحياة باستخدام قدرته العقلية.

وباعتبار الأخذ بالأسباب والمسببات فهي جارية تجري بالأسباب والمسببات التي وضعها الله تعالى للوصول إلى النتائج, وخارقة تتجاوز تلك الأسباب بقدرة الله تعالى.

وباعتبار الموضوع المتعلق بالسنن فهي شرعية وكونية: فالأولى يسير عليها نظام الشرع, والثانية يسير عليها نظام الكون, إضافة لتقسيمات أخرى كالسنن الكلية والجزئية وغيرها من التقسيمات القرآنية.

وللمتشكك بكون القرآن الكريم مصدرا للسنن الإلهية, يعود الباحث للقرآن نفسه, ليستعرض تناوله لموضوعات السنن من عدة وجوه, فقد عبر القرآن عن وجود السنن التاريخية بقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} غافر/82

ولم يكتف القرآن بتأكيد وجود تلك السنن, بل عبر عنها في سياق الحديث عن نماذج منها, ونسب الخطاب الإلهي السببية لها, فبالماء تحيى الأرض, والقرآن سبب للهداية, ثم ذكر القرآن مجموعة من خصائص ومميزات هذه السنن, كالإلهية في الوضع والشمول للخلق والاطراد وعدم المحاباة والاستثناء.

وقد ذكر الباحث دواعي البحث في الأسس المنطقية والشرعية للسنن الطبيعة والتاريخية, ومنها اعتقاد بعض الناس أن ثبات هذه السنن, وجريان الأمور على وفقها يعارض قدر الله تعالى, ويلغي التوكل عليه, مما حدا بهم إلى ضعف ثقتهم بالأسباب ظنا منهم أن ذلك يزيد من إيمانهم, فكانت النتائج وخيمة في الدنيا والآخرة.

وكان من دواعي البحث في الأسس المنطقية أيضا تسلل بعض الاتجاهات الوثنية إلى بعض المسلمين, التي تجعل من الأسباب كل شيء, بما يعني عدم الحاجة لقيومية الله تعالى على شؤون الكون والحياة, ثم ذكر الباحث هذه الأسس المنطقية التي تعتمد على الاستنباط والاستقراء, كما ذكر الاسس الشرعية لتلك السنن.

وفي الفصل الثاني من هذا القسم ذكر الباحث أهمية دراسة السنن عامة والحضارية خاصة, من حيث أن علم الإنسان متوقف عليها, إضافة للاستزادة من الخير واجتناب الشر بدراستها, ناهيك عن توفير الوقت والجهد في بلوغ الأهداف بمعرفتها.

كما ذكر خصائص هذه السنن, من كونها إلهية الوضع, إضافة لشمولها وتكاملها وثباتها وإطرادها, ثم ذكر الصيغ التي تجيء عليها السنن الإلهية, كصيغة الحقيقة الكلية ذات الدلالات الجزئية, والسنن ذات الصيغ الشرطية.

وفي الفصل الثالث عرض الباحث لشبهات حول السنن الإلهية والرد عليها, فعرض لشبهة السنن الإلهية وتأثيرها من عدمه على إرادة الإنسان ورد عليها, كما عرض لموضوع اتخاذ الأسباب والتوكل على الله, ولم ينس ذكر قراءة كل المسيحية والمادية للسنن.

ثم ختم الباحث دراسته بقراءة للسنن الإلهية من خلال النقاط التالية:

1- خلق الله تعالى الإنسان لغاية وحكمة عظيمة بالغة.

2- الكون والإنسان وإن استويا بالمخلوقية لله تعالى فلم يستويا بالاستخلاف, فقد خص الله تعالى الإنسان بحمل الأمانة وتحملها, وزوده بالعقل وأدوات المعرفة الحسية والمعنوية ليكون أهلا للمهمة التي كلفه الله بها.

3- الاتساق الكامل بين خلق الكون والإنسان والغاية التي من أجلها خلق الإنسان, مما يؤكد عظيم حكمة الله وقدرته.

4- في الإنسان نوازع خير ونوازع شر وإن كان ميله للخير والفطرة أقرب, وجعل من سننه أن عمل الخير عواقبه خير, وأن فعل الشر عواقبه شر.

5- وحتى لا يكون للإنسان حجة على الله تعالى أرسل إليه الرسل والأنبياء ليدلوه على الله وعلى الطريق الصحيح.

الدراسة بحق رسالة علمية رصينة, ذات مضمون وفائدة كبيرة, لا يمكن ضغطها واختصارها في هذه الدراسة, إذ لا بد من قراءة هذه الدراسة قراءة متأنية واعية, ففيها من العلم واللفكر والخير الكثير.

جزى الله تعالى الباحث على جهده, وجعل جزاءه من جنس عمله, إنه سميع قريب مجيب, والحمد لله رب العالمين.

---------------------------------