المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا اشتعل العالم العربي بالأزمات؟


عبدالناصر محمود
02-16-2014, 08:43 AM
لماذا اشتعل العالم العربي بالأزمات؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ

(السيد أبو داود)
ــــــــــــــــــــ

16 / 4 / 1435 هــ
16 / 2 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3945.jpg





بدلاً من أن تؤدي ثورات الربيع العربي إلى شيوع الأمن والاستقرار في العالم العربي، أدت إلى عكس ذلك ونقيضه، ووجدنا التوترات السياسية والاجتماعية وأعمال العنف والقتل والتفجير تجتاح عالمنا العربي بلا هوادة، مما جعل قطاعات غير قليلة من الناس تلقي باللوم والمسئولية على هذه الثورات، مبرئة أنظمة القمع والاستبداد والديكتاتورية من المسئولية وملقية بهذه المسئولية على ملايين الشباب العربي الذي خرج منتفضًا على أوضاعه البائسة ومطالبًا بحقه في مستقبل أفضل.

ونسي المنتقدون لهذه الثورات أن الأنظمة السياسية الاستبدادية التي انهارت والتي تصارع من أجل البقاء والاستمرار، كانت تحمل عوامل هلاكها وتفككها وانهيارها، ذلك أنها أسست على غير قبول الناس ورضائهم، أي لم يكن لها شرعية سياسية واجتماعية، وإنما قامت على أساس الجبر واغتصاب السلطة والتحكم، ثم أهملت الجماهير إهمالاً كاملاً ونظرت إليهم كالقطيع الذي لا حقوق له.

أقامت أنظمة الاستبداد العربية، سواء منها المنهارة أو التي تصارع من أجل البقاء، نظمًا سياسية مغلقة، أي غير قابلة للتغيير من داخلها ومن تلقاء نفسها، وكذلك غير مستجيبة لآمال الناس وتطلعاتهم، وحتى الأنظمة التي تحدثت عن الانتخابات وتداول السلطة كانت أنظمة مخادعة، إذ احترفت هذه الأنظمة تزوير الانتخابات أي تزوير إرادة الجماهير والشعوب، وحماية نفسها من أي تغيير.

تحدثت هذه الأنظمة السياسية كثيرًا عن محاربة الفساد، لكنها في الواقع كانت مدمنة للفساد وقائمة على أساسه، فرموزها احتكروا ثروات شعوبها عبر الصفقات التجارية والت****ات، وعبر الاستيلاء على الأراضي وحرمان الشعوب منها، وأصبح الواحد منهم يمتلك عشرات القصور والشركات والمحلات التجارية ومئات وربما آلاف الأفدنة والملايين في البنوك المحلية والأجنبية، في الوقت الذي زادت نسبة المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وانتشرت البطالة وسط الشباب، فأصبحت المجتمعات التي شهدت الثورات قسمين: قسم ضئيل ينعم في الثروات وكل التسهيلات والفرص، وقسم ثان هو غالبية الشعب .. تئن تحت الفقر ولا تجد فرص العمل ولا التعليم الجيد ولا العلاج.

وسلمت الأنظمة السياسية المنهارة والتي تقاوم من أجل البقاء، السيادة الوطنية إلى القوى الغربية والشرقية، وأصبحت السيادة الوطنية مخترقة، وأيقن المواطنون العرب في بلاد الثورات العربية أن أنظمتهم السياسية ولاؤها للغرب والولايات المتحدة والكيات الصهيوني وليس ولاؤها لشعوبها، فوجدنا الصفقات المشبوهة بين هذه الأنظمة وبين اليهود والأمريكان.

وهكذا ثارت الجماهير العربية من أجل استعادة شرعيتها وإعادة كتابة عقد اجتماعي جديد واستعادة السلطة التي هي مصدرها واستعادة ثرواتها المنهوبة، أي أنها ثارت من أجل أهداف نبيلة ومشروعة لا يستطيع أحد أن يجادل فيها.

لكن على الجانب الآخر كانت الأنظمة السياسية التي انهارت والتي تقاوم الانهيار، لها رؤيتها ومخططها من أجل إفساد ثورات شعوبها، فحشدت كل قوتها العسكرية والأمنية، وجندت القطاعات الشعبية المستفيدة من فسادها، كما جندت وسائل إعلامها التي تربت على موائدها، وجندت أيضًا النظام القضائي والقانوني الذي أفسدته ليعمل لحسابها .. جندته من أجل مواجهة وتفكيك ثورات الشعوب والقضاء عليها ومنعها من الوصول إلى نقطة النهاية بتغيير النظام الحاكم.

ولم تكن القوى الإقليمية والعالمية بعيدة عن الساحة، ولكننا وجدنا تدخلات مباشرة في شئون الثورات العربية من أجل إفسادها ومن أجل منعها من تكوين نظم سياسية حرة، ومفتوحة تحقق العدالة ولمساواة والرخاء للشعوب، فالغرب وبنو صهيون لا يريدون ذلك، وإنما يفضلون النظم العربية التي تنسق معهم وتأتمر بأوامرهم، من أجل أن يبقى الكيان الصهيوني هو المسيطر على الأمور في العالم العربي قاطبة. ولا يمكن أن نغفل قضية على جانب كبير من الأهمية، ألا وهي معركة الهوية بين الأصالة العربية الإسلامية والتغريب،

فقضية تغريب العالم العربي وسلبه هويته الثقافية والروحية مستمرة منذ أيام الاستعمار الغربي لبلادنا العربية، وقد حاولت الدول الغربية بكل الأساليب فرض التغريب على العالم العربي ولكنها فشلت، ووجدت الهوية العربية الإسلامية الأصيلة قطاعات واسعة تدافع عنها وتحتضنها. وإذا كان الغرب قد عمل على أن تظل مقاليد الأمور السياسية والثقافية والإعلامية والمؤسساتية في يد الطائفة المنهزمة أمام ثقافته، فقد عبرت هذه القضية عن نفسها أثناء ثورات الربيع العربي، ذلك أن القلة العلمانية المتحكمة في أجهزة الدول في الأنظمة المنهارة أو التي تصارع من أجل البقاء، كانت تتآمر وتفعل كل شيء من أجل ألا يئول الأمر إلى قطاع جديد غير منهزم أمام الغرب ألا وهو التيار الإسلامي.

وإذا جئنا لتطبيق هذه الأسس على الأنظمة السياسية التي انهارت (مصر – تونس – ليبيا – اليمن)، أو النظم السياسية التي تقاوم من أجل البقاء (النظام السوري)، فإننا نرى أن استجابة هذه الأنظمة للثورات العربية لم تكن واحدة، بسبب الاختلافات في بنية كل نظام على حدة، وفي تكويناته الجزئية: - كان النظام المصري أعتي هذه الأنظمة، لحجم مصر من ناحية ولتاريخها من ناحية ثانية ولتركيز الغرب عليها من ناحية ثالثة ولقوة التيار الإسلامي فيها من ناحية رابعة. ورغم إن ثورة مصر كانت الأكبر والأروع، إلا إن النظام السياسي تمكن من تفكيكها والتغلب عليها،

إذ راوغ الجيش وخطط منذ اليوم الأول للتضحية برأس النظام شكلاً لحين امتصاص غضب الناس، لكنه موضوعًا حاكمه محاكمة شكليًا أدت إلى تبرئته في النهاية، وكأنه لم يرتكب جرمًا، في الوقت الذي تم التخطيط لمؤامرة كبرى ضد الطرف الرئيس الذي حمل الثورة على أكتافه وهو التيار الإسلامي، حتى آلت الأمور إلى استهدافه ومحاكمة رموزه الذين هم رموز الثورة، والانقضاض على كل مكسب ديمقراطي لثورة 25 يناير، وعاد النظام يسير سيرته الأولى في الفساد والتعذيب وعدم الاستجابة لإرادة المصريين وفي الرضوخ لإرادة اليهود والأمريكان.

وفي الحالة المصرية أيضًا كان التنسيق كبيرًا بين الولايات المتحدة وبين أقطاب النظام الذين ناصبوا مكتسبات ثورة 25 يناير العداء، وسمعنا محللين عسكريين بل ومسئولين عسكريين يتحدثون عن التناغم والتطابق بين مصر والكيان الصهيوني وأن على مصر الدفاع عن هذا الكيان.

كما كانت معركة التغريب والأصالة موجودة بشدة، فالاتجاهات العلمانية تآمرت وعملت كل ما بوسعها من أجل ألا يصل الإسلاميون إلى الحكم، فالعلمانيون يدركون أنهم لا يملكون مواجهة الإسلاميين سياسيًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا، لذلك لم يجدوا أمامهم إلا التآمر ضدهم مع الجيش ومع أمريكا بل ومع الكيان الصهيوني.

- وفي تونس كانت المعركة أخف نسبيًا، حيث إن التركيز كان على مصر ولم يكن على تونس، وهناك حارب العلمانيون بكل شراسة حتى لا يروا الإسلاميين هم الحكام الجدد، ولكن إسلاميي تونس كانوا أكثر وعيًا واستفادوا من الدرس المصري، وأفسدوا خطط العلمانيين. كما إن الجيش التونسي سهل المأمورية على أهل السياسة والثورة بعدم تدخله في الشأن السياسي. وهكذا لأنه غاب تدخل الجيش، وقل تدخل الغرب وبني صهيون، فإن مؤشرات الثورة التونسية تؤشر على النجاح البطيء.

- أما في ليبيا فإن حجم العنف الذي تشهده بلاد عمر المختار كبير لأن مؤسسات الدولة انهارت بالكامل، لأنه لم تكن هناك مؤسسات دولة، وإنما وجدنا مؤسسات لخدمة القذافي فقط، وقد أقام هذا الحاكم دولته على أسس شديدة الاختلال. وكانت معركة التغريب والأصالة خفيفة وربما غير موجودة، لأن الإسلام متجذر في ليبيا بشدة، ولأن التغريب لم يفسد فيها كما أفسد في مصر وتونس.

ومؤشرات النجاح في ليبيا غير جيدة ولكنها موجودة، وأهم عنصر فيها أنه لا توجد مؤسسة عسكرية تتآمر على الثورة، لذا فإن قوى الشعب الليبي سوف تتمكن في النهاية من تصحيح المسار وضمان نجاح الثورة. - وفي اليمن فإن نظام علي عبد الله صالح كان قد أجرم بشكل غير مسبوق، فأورث البلاد تلالاً من المشاكل والملفات التي تهدد وحدة وسلامة البلاد، لكن كان أهم شيء في الثورة اليمنية أنها أزالت هذا النظام بالتدريج وأدت إلى تشكيل هيئة مؤتمر الحوار الوطني بشكل حضاري يعبر عن كل أطياف الشعب اليمني، ولذلك كانت النتائج مبهرة.

سيكون الطريق وعرًا أمام الثورة اليمنية، ولكن بنهاية الاستبداد والديكتاتورية والفساد، وباستحضار إرادة الشعب اليمني، ومع أعادة كتابة الدستور والنجاح في انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة شفافة ونزيهة، يكون اليمن قد وضع قدميه على طريق الصعود التدريجي لنجاح ثورته.

- أما في سوريا، فقد تجمعت فيها كل العوامل السلبية التي أفشلت أو عطلت الثورات العربية، فهناك أولاً التناقض الثقافي والفكري والسياسي بين فصائل الثورة السورية السياسية والعسكرية، وهناك ثانيًا المؤامرة الإقليمية والدولية على الثورة السورية، وهناك ثالثًا انحياز الجيش السوري إلى نظام بشار وتوجهات حزب البعث الاستبدادية المعادية للشعب السوري. كل هذه العوامل مجتمعة أخرت نجاح الثورة السورية التاريخية الكبرى، لكن مع إرادة الشعب السوري الصلبة وتواصل ثورته، ستكلل الثورة في النهاية بالنجاح .. هكذا يؤكد المنطق والتاريخ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ