المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عطوان :الاردن واخطر الملفات


Eng.Jordan
02-17-2014, 09:55 AM
في كانون الاول (ديسمبر) 2002 قام الملك عبد الله الثاني بزيارة الى واشنطن، اي قبل الحرب الامريكية على العراق بثلاثة اشهر تقريبا، في طريقه الى العاصمة الامريكية عرج الملك عبد الله على باريس والتقى صديقه جاك شيراك الرئيس الفرنسي في حينها، واتفق الاثنان، اي الملك الاردني ومضيفه الفرنسي، على خطورة الحرب الامريكية المقبلة ليس على العراق فقط، وانما على المنطقة العربية باسرها من حيث توسيع دائرة «الارهاب» وجماعاته وزعزعة الاستقرار في منطقة لا تعرفه اصلا.

الملك عبد الله الثاني عند ما التقى الرئيس الامريكي في البيت الابيض، وقد روى لي القصة اثناء لقاء لي معه بعد عودته مباشرة، لم يتردد في نقل مخاوفه الى الرئيس جورج بوش، والتحذير من النتائج الكارثية لاي غزو امريكي للعراق، ولكن الاخير لم يستمع للنصيحة، وبدا غاضبا طوال اللقاء، واكد انه بصدد «ركل صدام حسين في مؤخرته»

I will kick his ass وهو تعبير بذيء غير مستغرب من صاحبه الاكثر بذاءة ودموية. امريكا خسرت الحرب في العراق، وانسحبت مهزومة ذليلة بفعل ضربات المقاومة القوية، ورفض الشعب العراقي لاحتلالها، وتعلمت درسا لن تنساه وهو ان الانتصار العسكري شيء، والحفاظ عليه وحصد نتائجه سياسيا شيء آخر.

***

اتذكر هذه الزيارة جيدا، وانا اتابع تطورات الزيارة الاخيرة التي انتهت امس للملك عبد الله الى واشنطن، ولقاءه الودي والمطول مع الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي يعكس «توافقا كيميائيا» بين الرجلين المتقاربين في السن والثقافة وهذان عاملان مهمان على اي حال الى جوانب عوامل اخرى في بلورة هذا التقارب.

توقيت الزيارة على درجة كبيرة من الاهمية، من حيث تزامنها، اولا مع انهيار «مؤتمر جنيف2» حول سورية، وتحميل امريكا وبريطانيا وفرنسا مسؤولية هذا الفشل للنظام السوري، وما قد يترتب على ذلك من تبعات سياسية وعسكرية، وقرب زيارة جون كيري وزير الخارجية الامريكي للمنطقة، لعرض تصوره النهائي لاتفاق الاطار الذي سيحدد هوية ومضمون التسوية الامريكية للصراع العربي الاسرائيلي ثانيا.

الرئيس اوباما يرى ويريد دورا اردنيا قويا وفاعلا في الملفين الفلسطيني والسوري، مثلما كان هناك دور مماثل، وغير معلن، للاردن في الحرب على العراق عام 2003. ولهذا لم يتردد في تقديم مليار دولار كضمانات قروض للاردن «مكافأة» ، ولامتصاص اية خسائر قد يتعرض لها، ومن المحتم انه يريد مقابلا لهذا الكرم المفاجئ ما يمكن اختصاره كالتالي:

*الملف الفلسطيني: دور الاردن سيتلخص في توطين اللاجئين الفلسطينيين واغلاق ملف حق العودة نهائيا، والقبول بقوات من حلف الناتو واسرائيل على حدود الدولة الفلسطينية المزعومة مع الاردن، ووجود عسكري اسرائيلي طويل في منطقة الاغوار الفلسطينية، والقبول، او عدم معارضة، الاعتراف الفلسطيني باسرائيل كدولة يهودية بل تشجيعه، والاقرار ببقاء القدس المحتلة موحدة وعاصمة لدولة اسرائيل واقامة عاصمة فلسطينية رمزية في شعفاط او ابو ديس مع استمرار الرعاية الهاشمية للمسجد الاقصى والكنائس المسيحية.

*الملف السوري: مرحلة ما بعد انهيار مؤتمر جنيف تؤشر الى عودة للخيار العسكري، فقد طالب روبرت فورد سفير امريكا في سورية ومسؤول ملفها في الادارة من المعارضة السورية تسخين الجبهة الجنوبية السورية اي منطقة درعا السورية المحاذية للاردن، وقالت السيدة ويندي تشيرمان مساعدة وزير الخارجية الامريكي لوفد المعارضة السورية في جنيف ان امريكا لديها «خطة ب» في حال فشل الجولة الثانية من مفاوضات جنيف، في الاطار نفسه كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن ان السعودية بصدد تزويد المعارضة السورية بصواريخ مضادة للطائرات.

الاهم من ذلك كله ان صحفا بريطانية تحدثت الاحد عن خطة امريكية بريطانية لارسال قوات خاصة لقتال الجماعات الجهادية داخل الاراضي السورية على غرار ما فعلت في افغانستان والعراق.

الاردن يقف في مواجهة ضغوط هائلة تطالبه بادوار غاية في الخطورة، فتسخين الجبهة الجنوبية يعني مرور المقاتلين والاسلحة عبر حدوده، وارسال قوات امريكية وبريطانية خاصة لقتال الجهاديين يعني الشيء نفسه، اي ان الاردن سيكون قاعدة انطلاق اساسية لتحرك عسكري محتمل ضد سورية.

***

ديون الاردن تصل الى 20 مليار دولار، والعجز في الميزانية يقدر بثلاثة مليارات دولار، وازمة اللاجئين السوريين تتفاقم (وصل عددهم الى مليون)، والدول الغربية، ومعها دول عربية خليجية تتآمر معا لتجويع الاردن حتى الرمق الاخير لاجباره، وبسبب الحاجة الملحة، للرضوخ لضغوطها.

الاردن استطاع، وبذكاء شديد، تجاوز ازمة غزو العراق، مثلما نجح في امتصاص ازمة غزو العراق للكويت قبلها وباقل الخسائر ايضا، ولكن قد يكون من الصعب عليه عبور المرحلة المقبلة من الازمة السورية بالسهولة نفسها، لان سورية تشكل دائما الملف الاكثر خطورة على الامن الاردني والسلم الاجتماعي في البلاد، والملك الراحل الحسين كان يؤكد هذه الحقيقة المرة في كل المناسبات ويضرب مثلا بالضرر الكبير الذي لحق الاردن من جراء تبعات مجزرة حماة واحتضان بلاده للاخوان المسلمين وعمليات النظام السوري الانتقامية في الاردن.

ايام الاردن المقبلة صعبة جدا، وسيجد نفسه في مواجهة صداعين مزمنين، الصداع السوري، والصداع الاسرائيلي والدور الامريكي في تأجيجهما، ولا نعتقد ان كل المسكنات في صيدليات الاردن كفيلة بتقليص آلامهما ناهيك عن القضاء عليهما. الاردن الآن مقابل فكي رحى، الفك الاول اتفاق اطار امريكي يريد تصفية قضية العرب الاولى.. والثاني عودة الملف السوري الى المربع العسكري الاول بعد فشل الحل السياسي في مؤتمر جنيف.. انه حقل الغام شديدة الانفجار في زمن تتقدم فيه المعجزات.




عبدالباري عطوان