المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمريكا نصيرة الجماهير!


Eng.Jordan
02-11-2012, 06:14 PM
أمريكا نصيرة الجماهير!
د. فيصل القاسم

تحاول الولايات المتحدة الأمريكية تسويق نفسها إعلاميا منذ فترة على أنها صديقة الشعوب وخاصة تلك القابعة تحت نير الديكتاتورية والاستبداد في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وحتى في أوروبا الشرقية سابقاً. لهذا نراها تعلن عن برامج ومشروعات وخطوات تزعم أنها تهدف إلى نشر الحرية والديموقراطية والإطاحة بالأنظمة الشمولية وتمكين الجماهير. وهذه بلا شك أهداف نبيلة لو كانت فعلاً موضوعة من أجل خير الشعوب وحريتها لا من أجل مخططات الهيمنة. هل تختلف هذه المزاعم الأمريكية كثيراً عن العناوين الكبيرة التي كان يطلقها المستعمر الغربي في الماضي كبريطانيا وفرنسا لبسط النفوذ على البلدان التي كان ينوي استعمارها والسيطرة عليها؟ ألم تزل شعارات حماية الأقليات والتنوير وانتشال الشعوب الفقيرة من الفقر والفاقه والتخلف ماثلة في أذهان كل من قرأ التاريخ الحديث؟ فقد أسمعنا السمتعمرون على مر القرون كلاماً لا أجمل ولا أحلى بينما كان هدفهم االمخفي نهب خيرات الشعوب. ولو قارنا الخطبة العصماء التي ألقاها الجنرال البريطاني ستانلي مود قبيل غزوه للعراق عام 1917 بالخطابات التي كانت تلقيها القوات الأمريكية اثناء اجتياحها للعراق عام 2003 لوجدنا نفس العبارات والجمل الجميلة تقريباً. فعلى ما يبدو أن شعار "عبء الرجل الأبيض" الذي يأخذ على عاتقه النهوض بالشعوب "المتخلفة" يعود إلينا هذه المرة من البوابة الأمريكية لكن تحت لافتات براقة تناسب العصر كالحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. إنها نفس اللعبة الاستعمارية القديمة مع تغيير بسيط في الشعارت والأساليب التي تتراوح بين التدخل العسكري المباشر كما في العراق وأفغانستان والتحريض الشعبي كما في جورجيا وصربيا وأوكرانيا ولبنان والحبل على الجرار.

لقد فرحنا جميعاً بالدعم الغربي الهائل لشعب أوكرانيا مثلاً في صراعه من أجل تحقيق الديموقراطية والقضاء على الديكتاتورية. لا بل طبـّلنا وزمّرنا لتلك الهبة الشعبية العارمة التي تحدت الثلوج والرياح العاتية للمطالبة بإعادة إجراء الانتخابات التي كانت تشك في نزاهتها. لا شك أن المثال الأوكراني كان يبدو جميلاً جداً من الناحية النظرية، فقد رأينا الشعوب الخارجة من تحت ربقة الأنظمة الشيوعية تمارس الديموقراطية الشعبية بأحلى صورها. لكن كواليس "الانتفاضة" الأوكرانية كانت تخفي شيئاً آخر بشهادة كبريات الصحف الغربية كصحيفة الغارديان البريطانية ذائعة الصيت والمميزة بدقتها وموضوعيتها، فقد تنبهت إلى بعض الحقائق المحيطة بتلك الثورات ذات الألوان الزاهية، فكتبت الصحيفة مقالا عقب انتشار اللون البرتقالي ليغطي شوارع مدينة كييف الأوكرانية احتجاجا على نتائج الانتخابات قائلة: "إن فكرة الثورة الشعبية في البلدان الخارجة من الحكم الشيوعي ليست أكثر من أسطورة" كاشفة الدور الذي قامت به منظمات أميركية مثل منظمة "يورا" التي تزعم أنها جماعة مؤيدة للديمقراطية في تزويد المتظاهرين بالملصقات. وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن "يورا" ليست سوى واحدة من عدد من المنظمات الأميركية المماثلة التي تقوم بتزويد "الثورات الشعبية" في تلك المنطقة بمستلزمات نجاحها، تماما مثل منظمة "كمارا" التي جهزت "ثورة جورجيا" على شيفارنادزة بمستلزماتها الوردية ومثل منظمة "تبور" التي جهزت "ثورة صربيا" على ميلوسوفيتش، وغيرها من المنظمات التي أنشأتها ومولتها واشنطن في واقع الأمر.



أما مجلة "كاونتر بنتش" الأميركية فقد كانت أكثر مباشرة في وصف أحداث أوكرانيا إذ قالت: "إن ما جرى في أوكرانيا ليس أكثر من انقلاب أميركي مدبر تماما مثل ذلك الانقلاب الذي دعمته الولايات المتحدة ضد إدوارد شيفارنادزة." وكشفت المجلة اليسارية الأميركية دور منظمات مهمتها صناعة الثورات الشعبية ومن بينها منظمة (العطاء الوطني من أجل الحرية) ومؤسسة (كارنيجي للسلام الدولي) و(بيت الحرية) و(معهد جورج سوروس للمجتمع المفتوح) والتي ساهمت بصورة أو بأخرى في تمويل حملة فيكتور يوتشنكو المرشح المؤيد للغرب في انتخابات الرئاسة الأوكرانية، فيما كانت منظمات أخرى أقل شهرة توزع على "الجماهير" الأوشحة والأعلام والقبعات والخيام البرتقالية لتنصب في وسط ساحات وشوارع كييف متحولة رموزا للثورة البرتقالية الأوكرانية.

أما أهم ما تم تجاهله فهو الهدف الحقيقي الذي جعل الولايات المتحدة تسارع إلى دعم الثورات الملونة في مناطق مثل أوكرانيا وجورجيا وصربيا وغيرها بالأموال وبمستلزمات الثورة برتقالية اللون وبالتغطية الإعلامية الكثيفة، إذ هو سيطرة الولايات المتحدة على الطرق المؤدية إلى نفط بحر قزوين من العراق مرورا بأفغانستان إلى آسيا الوسطى حيث أكبر احتياطات النفط العالمية، كما تم تجاهل حقيقة أن أحد أهم أهداف تلك الثورات هو تطويق روسيا التي مازالت العدو الحقيقي للولايات المتحدة والغرب. لقد كان الصراع بين أمريكا وروسيا على أوكرانيا المحرك الأول لما سمي بالثورة البرتقالية.

ليست القضية قضية جماهير إذن كما يلاحظ الكثير من المراقبين لمجرى الانتفاضات الشعبية الأخيرة في العالم كالمعلق صلاح حزين، "فلو كانت كذلك لتم على الأقل احترام الجماهير التي خرجت في تظاهرات حاشدة في بلدان العالم كله لتعلن مناهضتها للحرب على العراق قبل الغزو الأميركي، بما في ذلك الولايات المتحدة التي قادت ذلك الغزو وبريطانيا التي خرجت في عاصمتها أضخم مظاهرة في تاريخها الطويل منددة بالحرب التي كانت أميركا وبريطانيا تقرعان طبولها، وكذلك في أسبانيا في عهد حكومة أزنار السابقة حيث أشارت استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من 80 في المئة من الشعب الإسباني عارض الحرب، ولكن أيا من هذه الحكومات لم تكترث بتلك الأعداد وبرغبات جماهيرها ومضت في هجومها على العراق". لكنها بقدرة قادر توقفت كثيرا عند جماهير أوكرانيا البرتقالية وحولت حركتها إلى ثورة على غرار الثورات السابقة في جورجيا وصربيا وألبانيا وغيرها. وها هي الآن ترفع من شأن المظاهرات الشبابية في لبنان التي لم يتجاوز عدد أفرادها الآلاف بينما لا تعير أي اهتمام للمظاهرات المليونية التي أخرجها حزب الله وبقية القوى الوطنية اللبنانية لمجرد أنها ترفع شعارات معادية للتدخل الأمريكي في المنطقة تماماً كما حصل مع مظاهرات أوكرانيا الأخرى التي كانت تؤيد المرشح المعارض للغرب والتي لم تحظ بتغطية إعلامية تـُذكر ،بينما انصب الاهتمام الإعلامي الغربي على المظاهرات البرتقالية التي كان يقودها المرشح الذي تباركه واشنطن.

من السذاجة بمكان تصوير القوى الغربية على أنها مناصرة لحق الشعوب في الحرية والديموقراطية. فإذا كانت النخب التي تقود الانتفاضات الشعبية في هذا البلد أو ذاك مؤيدة لأمريكا لجازت مساعدتها في إنجاح ثوراتها ودعمها بالغالي والرخيص. أما إذا كانت مناهضة للنفوذ الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً فلا يجوز في تلك الحالة إلا ضربها والتخلص منها كما هو الحال مع المحاولات الأمريكية هذه الأيام لتجريد حزب الله من أسلحته ووضعه على قوائم الإرهاب الدولية بالرغم من أنه حركة شعبية تحظى بتأييد الملايين من الشعب اللبناني.

ولا يمكن أن ننسى أيضاً أن واشنطن لم تحترم مشاعر الشعب الفنزويلي الذي كان قد انتخب الرئيس تشافيز، فتآمرت هي وبعض القوى الداخلية على الرئيس المنتخب وأطاحت به ضاربة عرض الحائط بإرادة الفنزويليين. لكن الشعب الفنزويلي لم تنطل عليه اللعبة فخرج بشيبه وشبابه ليعيد تشافيز إلى سدة الحكم بعد سبع وأربعين ساعة فقط. وقد رأى الكثيرون أن انتفاضة لبنان الثانية التي قادها السيد حسن نصرالله كانت أشبه بانتفاضة الشعب الفنزويلي التي أعادت تشافيز إلى الحكم. صحيح أن الهبة اللبنانية لم تخرج تأييداً لزعيم مطاح به إلا أنها خرجت لتصحح الصورة وتضع النقاط على الحروف وتؤكد على الثوابت الوطنية وترفض التدخل الأمريكي الذي تمثل بما أسماه نصرالله بالقائد الميداني الأمريكي ساترفيلد مساعد وزيرة الخارجية الذي اتهم بأنه كان يدير المظاهرات الشبابية في بيروت من السفارة الأمريكية بالتعاون مع السفير الفرنسي. وفي رسالة موجهة للذين ساهموا في تحريك انتفاضات أوكرانيا وجورجيا لمصالحهم الخاصة صاح نصرالله بأعلى صوته منبهاً أن "لبنان ليس كأوكرانيا وجورجيا". إنه أشبه بفنزويلا وكأنه بذلك يعلن فشل المحاولة الأمريكية في لبنان. لا شك أنه سؤال محير فعلا،ً فكيف نصدق بعد كل ذلك أن الذين يعدوننا بالحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان صادقون فعلاً عندما نراهم يتعاملون مع الشعوب على مبدأ "خيار وفقـّوس"، فالخيار هو الذي يقبل بالهيمنة الأمريكية عليه والفقـّوس هو الذي يريد تأمين حكم وطني لبلاده ويناهض الهيمنة الأجنبية وبالتالي لا بد أن تحل عليه اللعنات والعقوبات.

وإذا كان الشعبان اللبناني والفنزويلي قد قالا "لا" لدعاة الديموقراطية الملغومة من خلال مظاهرات مليونية عارمة فإن بقية الشعوب تقولها بصوت خافت لكن لا يقل تأثيراً عن هتافات المتظاهرين في شوارع بيروت وكراكاس، فقط أظهر استطلاع للرأي في تركيا (حليفة أمريكا) قبل أيام فقط أن اثنين وثمانين بالمئة من الشعب التركي يكنون مشاعر العداء للولايات المتحدة وسياساتها الدولية، وهو الشعب الذي كانت تعتبره واشنطن الشعب المسلم المثالي الذي ينبغي على بقية المسلمين أن يحذو حذوه في الاعتدال والحداثة. فإذا كان هذا هو رأي المسلمين المعتدلين الحداثيين بسادة العالم الجدد فما بالك بالمسلمين "المتخلفين" المتهمين بالتشدد؟!
إن الشعوب العربية بحاجة لكل الجهود لمساعدتها في الانتقال إلى الديموقراطية بما فيها الجهود الأمريكية لكن بشرط أن تكون هناك نية صادقة لدمقرطة المنطقة لا مجرد استغلال لأحلام الشعوب وآمالها في التحرر من أجل تحقيق غايات استعمارية. إن أكثر ما يخشاه دعاة الديموقراطية الوطنيون في العالم العربي أن تكون الدعوات الأمريكية لتحرير المنطقة من الاستبداد بمثابة إجهاض للحراك الشعبي المتزايد كي لا يبلغ مداه لأنه لو بلغ فلن يكون أبداً في مصلحة أمريكا. ولهذا السبب تحديداً يرى الكثيرون أن واشنطن ركبت موجة الديموقراطية في منطقتنا ليس كرماً منها في مساندة الشعوب ومعاقبة طغاتها بل التفافاً على الحلم الديموقراطي العربي وتطويقاً له. لهذا تـُقابل دعواتها لتخليص عالمنا من الديكتاتورية بكثير من الشك والريبة حتى من طرف الشعوب المبتلية بأنظمة شمولية كما شاهدنا في تظاهرات لبنان وسوريا التي قالت لا للتدخل الأمريكي. وبالتالي هيهات أن تتمكن أمريكا من إقناع الجماهير العربية بأنها نصيرة لها ومحط ثقتها إذا ظلت تتاجر بالديموقراطية وحقوق الإنسان وتستخدمهما طـُعماً لتحقيق أغراضها الخاصة!