المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المثقف العربي بين العصرانية والإسلامية


عبدالناصر محمود
02-20-2014, 08:52 AM
المثقف العربي بين العصرانية والإسلامية*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ

20 / 4 / 1435 هــ
20 / 2 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3857.jpg




المثقف العربي بين العصرانية والإسلامية

أ . د . عبد الرحمن بن زيد الزبيدي - أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

طباعة : دار كنوز إشبيليا – الرياض – 1430 هجري / 2009م .

ـــــــــــــــــ

منذ قرن ونصف ظهرت في الأمة العربية والإسلامية توجهات انفعال المثقف العربي بحضارة الغرب المادية, إلا أنه على الرغم من ذلك كان يركن إلى هويته الإسلامية, أو على الأقل لا يقطع معها تماما فضلا عن أن يصادمها, كما يفعل خلف هذه المدرسة, الذين انخرطوا في مسار الفكر العصراني الغربي, لتظهر على الساحة نخبتان ثقافيتان: عصرانية وإسلامية.

ومع وجود الصحوة الإسلامية التي لا ينكرها أحد, ومع إفلاس النخبة العصرانية في العالم العربي, أصبحنا أمام محاولات العصرنة اختراق الصحوة الإسلامية, ومواصلة التفكيك الثقافي للمجتمع العربي.

بعد هذه المقدمة ذكر المؤلف أن كتابه هذا يدور حول محورين وبعدين في فصلين: الأول نظري تحدث فيه عن الثقافة وموقعها الأساس في المجتمع, كما تحدث عن المثقف والعناصر التي لا بد أن تكون فيه ليكون كذلك, والنخبة المثقفة والمقصود منها.

أما البعد الثاني فهو تطبيقي, تحدث فيه عن مقومات ثقافية المثقف المسلم, متناولا الصنعة الفكرية ومرجعية القرآن والسنة, ومفهوم فقه الدين وفقه الواقع في هذه الثقافة, من خلال أربعة مباحث تناولت الفصل الثاني من هذا الكتاب.

وبعد تعريف الثقافة لغة وبيان مدلولاتها التي تعني التفوق الفكري لدى الإنسان هبة أو اكتسابا, كما تعني تقويم الأشياء لتستوي معتدلة, استعرض المؤلف بعض التعريفات الاصطلاحية للثقافة, ومن أبرزها: طريقة الشعب الخاصة في الحياة وموقفه منها, وآراؤه فيها وفلسفته تجاه مشاكلها, ثم تصوره لوضعه في الحياة.

ثم تناول المؤلف بعد ذلك العناصر الأساسية التي تشكل "الثقافة" وتحدد شخصية المجتمع وهي: تفسير الوجود من خلال التصورات الذهنية التي تكون إجابات على الأسئلة الكبرى الفطرية لدى الإنسان, والقيم التي يتعامل بها الإنسان مع الحياة, والنظم التشريعية في جوانب الحياة.

كما تناول المؤلف مصطلح "الثقافة الإسلامية" ذات العناصر الثلاثة السابقة بصورتها الشمولية المترابطة من حيث هي مستمدة من تعاليم الإسلام التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله, ومدى اقتراب الدعوات المعاصرة من هذه الثقافة أو البعد عنها.

كما نوه المؤلف لمحاولات السعي المعاصر لحل العلاقة ما بين الثقافة والدين, من خلال حصر الثقافة بالأدب والفن في صوره المنصمة عن الدي , لتصبح غالب وزارات الثقافة ومجالسها وجمعياتها في معظم بلاد العالم العربي أبعد المؤسسات عن الدين, والفاعلون فيها أشد الناس انفصاما عن دينهم.

في المبحث الثاني من هذا الفصل تناول المؤلف مفهوم المثقف كوصف أو لقب فيه أفضلية , يطلق على شخص أو فئة في المجتمع, يعطيه موقعا قياديا متقدما, وبعد تناول هذا المصطلح في اللغة العربية والفكر الغربي والعربي, تناول المؤلف العناصر الأساسية لشخصية المثقف وهي: الصنعة الفكرية كقاعدة يقوم عليها تميز المثقف عن غيره, والتكيف الشخصي وفق المستوى المعرفي الذي يحمله, وامتلاك رؤية تشتمل على منظومة مفاهيم في تفسير الوجود والكون والإنسان, والواقعية الاجتماعية, والنزعة النقدية.

بعد ذلك تناول المؤلف مصطلح النخبة المثقفة والمثقف المسلم, كما تناول وظيفة المثقف كما يراها البعض, كتغيير العالم بعد تفسيره, أو الإسهام بأدوات القوة العلمية, أو صنع الحوافز الضرورية التي تجعل أبناء المجتمع يفكرون, كما ذكر المؤلف الألقاب المتداخلة مع لقب مثقف, "عالم ومفكر وداعية" شارحا هذه الألقاب بشيء من التفصيل, ذاكرا الفرق بينها وبين مصطلح المثقف.

أما المبحث الثالث والأخير من هذا الفصل, فقد تناول فيه المؤلف النخب المثقفة في العالم العربي, بادئا بذكر أثر ظهور الإسلام في الأمة العربية, الذي أحدث تحولا إنسانيا في تصور العرب – والعالم – للوجود والحياة, وفي فكرهم وشعورهم برسالتهم الحضارية, ثم ما لبثت أن تراجعت في ظل تطور غربي واضح, ليبدأ التفاعل بين الغربي في عنفوان نهوضه وتطوره, مع الأمة الإسلامية التي تعاني من تخلف حضاري مقارنة بماضيها العريق في تصدير الحضارة للعالم أجمع.

بدأ التفاعل عبر الحملات الاستعمارية الغربية لبلاد المسلمين, ثم تطور التفاعل من خلال ابتعاث أبناء المسلمين إلى الغرب, لتظهر فئة سميت بالنخبة المثقفة في المجتمع العربي تجلت فيها صورتين أولاهما: الانبهار بالوضع الحضاري الغربي إلى درجة محاولة استنساخ تجربتها الحضارية وتطيم ما يعارض ذلك حتى لو كان دينا, أما الصورة الثانية فقد حاول أصحابها التماسك أمام ضغط وهج تلك الحضارة, محاولين استثمار المعطى الحضاري الغربي بتكييفه لينسجم مع التوجيه الإسلامي, من خلال التوفيق بينه وبين الأسس الدينية الإسلامية.

ثم بين المؤلف أن خلف الفئة الثانية ساد الساحة العربية, إلا أنها تختلف عن سلفها بمرجعيته الغربية وافتقارها للتأصيل العلمي الشرعي الصحيح, وعدم اعتبار الإسلام قيمة في البناء الحضاري, والتعامل مع التراث انطلاقا من المرجعية الغربية, دون أن تفقد الأمة بعض الغيورين على دينهم ممن لا يزالون يواجهون هذا التيار التغريبي والغزو الثقافي, لتظهر بالتالي نخبة عصرانية ونخبة إسلامية.

أما النخبة العصرانية فهي متفاوتة في مقدار الانفعال بالغرب, بين منتحل لمذهبيات مصادمة الإسلام في أسسه العقدية كالماركسية والفلسفة الوضعية, وبين متحرك خارج دائرة الدين ويحاذر الصدام معه, وبين من يحاول تأويل الدين تأويلا تحريفيا يقود إلى زرع ألوان من الفكر المناقض له في أرضه.

ثم أكد المؤلف فشل النخبة الثقافية العصرانية في المجتمع العربي, وقد سرد اعترافات بعضهم بهذا الفشل, وأورد شواهد على ذلك كدليل على ذلك الفشل, من خلال اختلال العناصر الأساسية لشخصية المثقف, المتمثلة بالإبداع المفقود عند المثقفين العصرانيين الذين لا يزالون في دوامة التقليد والنقل, أو على مستوى السمت الشخصي الذي يجب أن يكون قدوة في تمثله بما يدعو أو تطهره فيما ينقد, أو في العلاقة بالمجتمع التي تزداد بعدا عند المثقفين العصرانيين.

ثم ركز المؤلف على علاقة العصرانيين العرب بالإسلام الذي من المفترض أن يرتبطوا به من خلال: علاقتهم به بصفتهم مسلمين لم يعلنوا بعد ارتدادهم عنه وانسلاخهم منه, وإن تبنوا ما يعد في الإسلام كفرا وارتدادا كالسخرية بأحكامه وما شابه ذلك, أو من خلال علاقتهم بالمجتمع الذي هو مجال فعلهم الثقافي المفترض, حيث يمثل الإسلام أكبر مؤثر في هذا المجتمع, بل هو صبغته الأساسية.

ثم يقرر المؤلف إفلاس النخبة المثقفة العصرانية, ويرسم مسارات ما بعد سقوطها, حيث تفرق المثقفون العصرانيون إلى طرائق مختلفة, بين ما يزال مندفع نحو مساره العصراني السابق على الرغم من انكشاف زيفه, وبين من انسحب ولاذ بالصمت لشوره بالخزي أو تحاشيه أن يبذل نفسه في سوق النخاسة, وثالث وقع في الإدمان وانتحر هربا من عار السقوط المدوي, ورابع هجر موقعه الثقافي إلى مجالات الأدب, ومنهم من رجع إلى دينه الإسلامي بعد أن أيقن أنه هو الحل.

وأما عن النخبة الثقافية الإسلامية فقد بين المؤلف أنها سابقة على وجود النخبة الثقافية العصرانية, مستشهدا بأن إرهاصات النهوض الذي بدأ بها العالم العربي كانت إسلامية, كدعوة محمد بن عبدج الوهاب في الجزيرة العربية, والمهدية في السودان, والسنوسية في شمال إفريقيا ...الخ.

ثم تناول المؤلف ثقافة النخبة الإسلامية, والتي يقصد بها النخبة الحاضرة البارزة اليوم بعد سقوط النخبة العصرانية, التي أوجدت ثقافة شرعية حررت المجتمع من الخرافات, كما أنها قاومت الغزو الثقافي الغربي, وسعت للنهوض الحضاري نحو العتبة الأولى في هذا المدرج, وغير ذلك من الإنجازات.

كما استعرض المؤلف أهم وأبرز ما تعانيه النخبة الإسلامية في هذا العصر, ليختم هذا الفصل بموضوع النخبة الإسلامية والمستقبل, والذي تفاءل المؤلف بنجاح النخبة فيه بشرط تحقيق بعض المتطلبات وأهمها: مرجعية القرآن والسنة لهذه النخبة, لملمة عناصر التشتت الذي يتوازع أفرادها, تجاوز السلبيات والشجاعة في ممارسة الاجتهاد والتجديد بما يحدث نقلة نوعية فعلية, والانفتاح على مختلف قوى الأمة.

في الفصل الثاني من الكتاب والذي خصصه المؤلف للبعد العملي للمثقف العربي, والذي جعله في مدخل وأربعة مباحث, تناول في المدخل تبلور ثقافية المثقف المسلم في عنصرين هما: إسلاميتها وواقعيتها شارحين لهذين العنصرين.

أما المبحث الأول فقد خصصه للحديث عن الصنعة الفكرية التي تعد بطاقة دخول الشخص إلى نادي المثقفين, مبينا أن الصنعة الفكرية تتجلى في أمور هي: المعرفة التخصصية, والمنهجية العلمية, والاجتهاد والإبداع.

أما المبحث الثاني فقد تناول فيه المؤلف مرجعية القرآن والسنة بالنسبة للثقافية الإسلامية, معتبرا أن هذه القضية مبدئية ومنهجية, أي أنها تتمثل في تبني تصورات محددة, وانضباط فكري بها في العمل الثقافي, كما تتحدد من خلال أسئلة تتطلب إجابات حاسمة, من مثل: ماذا يمثل لك الإسلام في قرآنه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟؟ وهل تتبنى هذه المصادر باعتبارها مرجعيتك الأساسية؟؟ مفرقا بين الانتماء الشخصي للإسلام, وبين الانتماء الثقافي له.

كما فرق المؤلف بين الإسلام النظري المتمثل بمقررات نصوص القرآن والسنة, من مبادئ إيمانية وقيم خلقية ونظم تشريعية, وبين الإسلام العملي التطبيقي "التدين" الذي يمثل ما يقوم به المسلم سلوكا.

ثم بين المؤلف أهم مرتكزات الانتماء الثقافي للإسلام من خلال النقاط التالية: تفسير الوجود, والتوحيد الذي يمثل العدل الكامل الذي تصبح حياة الناس من دونه ظلما, وهيمنة الوحي على التفكير باعتبارها النصف الثاني من الشهادتين, وليس العقلانية التي يقدم كل طرف في ضوئها آراءه ومعتقداته وأحكامه على الوحي الإلهي, والشمولية كخاصية منهجية للثقافة بشكل عام, وفي الإسلام بشكل خاص, وثبات المعيارية والإطلاق من حيث اختلاف الثقافة والعلم في الإسلام عنه في الغرب, من حيث الطبيعة والمنطلق, فالغربي وضعي بينما الإسلامي إلهي, والغربي نسبي بينما الإسلامي مطلق.

في المبحث الثالث تناول المؤلف مفهوم الفقه وأنواعه الثلاثة: فقه النصوص الشرعية من خلال التأمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, والذي انقسم للفقه الأكبر الشامل, والفقه الأصغر المنحصر بمعرفة أحكام الشرعية العملية, وفقه الكون والحياة من خلال سنن الله الثابتة في خلقه, والفقه الذي هو ثمرة الفقهين السابقين من خلال قدرة الإنسان على تكييف حياته وفق منهج الله تعالى.

كما تناول المؤلف في هذا المبحث منهج التفقه في الدين, من خلال ذكر بعض الأطر التي تحقق هذا الفقه وهي: التثبت من صحة نسبة النص إلى الشارع " ثبوت النص", ومن خلال التثبت من صحة دلالة النص على الحكم الشرعي "دلالة النص", إضافة للاجتهاد المنضبط بضوابط الاستدلال المعروفة عند العلماء, ومعرفة مقاصد الشريعة وقاعدها الفقهية الكلية.

أما المبحث الرابع والأخير فقد خصصه المؤلف للحديث عن فقه الواقع كحاجة ضرورية وعملية للثقافة والمثقف العربي المسلم, بدءا بمفهوم فقه الواقع من خلال تعريفه بصفته علما على منهجية معينة, كتعريف ابن القيم: علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما.

وذكر المؤلف أنواعا ثلاثة لفقه الواقع هي: التصور الصحيح المتماسك لمجريات الحياة في وقائعها الفردية, إضافة لفقه الواقع في جوانب الحياة المتغيرة, إضافة لسنن الله في الآفاق والأنفس في الكون والحياة الإنسانية.

كما تناول المؤلف فقه الواقع تاريخيا, والتي تمثلت في الثقافات البشرية الزائغة عن منهج الله بأحد طريقين: إما ابتعاد عن الواقع وعزوف عنه لتحقيق سمو روحي متوهم, أو ارتكاس في حمأة الواقع وانفعال استخذائي لمتطلباته على حساب القيم الإنسانية.

ثم تناول المؤلف العناصر المهمة في فقه الواقع للمثقف المسلم, والتوازنات المطلوبة في التعامل مع الواقع, وبعض الاشكالات في فقه الواقع التي ما يزال المسلمون متعثرين بشأنها عاجزين عن الارتقاء بها إلى الوضع السوي, مختتما كتابه بفقه الأوليات أو فقه المرحلة كما يسميه بعض العلماء.

جزى الله المؤلف على هذا الكتاب القيم ونفع به وبأمثاله المسلمين إنه سميع قريب مجيب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
*(التأصيل للدراسات)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ