المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلم الشرعي الذي يجب تحصيله


ام زهرة
02-23-2014, 09:05 PM
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن حد العلم الشرعي الواجب معرفته والذي ينبغي صرف الهمة إلى تحصيله والبحث عنه هو ما قاله الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: « والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عبادته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته وما يجب له من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص ».
فالعلم الذي رغّب فيه الشارع هو علم الفقه؛ إذ به يتوصل إلى الحلال والحرام، وهو أيضا علم الكتاب والسنة؛ إذ بهما يتوصل إلى العلم كله، إضافة إلى ذلك أنه علم معاملة العبد لربه.
والمعاملة التي كلّفها العبد على ثلاثة أقسام: « اعتقاد، وفعل، وترك »
فأما الفعل: فإذا بلغ الصبي سن التمييز، فيجب أن يتعلم كلمتي الشهادة وفهم معناها، فإذا جاء وقت الصلاة، عُلّم الصلاة والصيام والحج، وهكذا يتعلم كل حكم في وقته.
وأما التروك: فهو بحسب ما يتجدد من الأحوال؛ فلا يجب على الأعمى تعلم ما يحرم النظر إليه، ولا على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام.... وهكذا.
وأما الاعتقاد: فيجب عليه معرفة ربه، ويجب أن يتعلم التوحيد الصافي؛ كتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ويكون اعتقاده كعقيدة السلف الصالح، ويجب عليه مجانبة أهل البدع والأهواء، وينبغي أن يتعلم الإيمان بالبعث وبالجنة والنار؛ فهذا هو المراد بطلب العلم الذي هو فرض عين.
وأما فرض الكفاية: فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب والحساب والصيدلة والهندسة، وغير ذلك، وقد يكون بعض العلم مباحًا كالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها ولا طعن فيها بالدين أو العقيدة، وكذلك تواريخ الأخبار.
وقد يكون بعض العلوم محرمًا كعلم ***** والشعوذة وأمثالهما.
وأما الآثار التي تترتب على من طلب العلم فمنها:
· الخشية: وكما قيل: )إنما العلم الخشية(، فحقيقة العلم النافع وثمرته النهائية هي معرفة الله والعلم به، وما يقّرب منه، ثم العمل بالعلم؛ فإن أخلص القصد فيه لوجه الله واستعان بالله أعانه وهداه ووفقه وسدده وفهمّه، وألهمه، وحينئذ يثمر له هذا العلم ثمرته الخاصة به وهي خشية الله.
وقد سُئل الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -: هل كان مع معروف الكرخي شيء من العلم؟ فقال: « كان معه رأس العلم، خشية الله تعالى».
· اكتساب الفضائل بشتى أنواعها: من فعل للطاعات وترك للمنكرات والاجتهاد في العمل الصالح، كما ورد عن الإمام أحمد - رحمه الله - أنه قال: « ما حفظت حديثًا عن رسول الله إلا عملت به ولو مرة ».
فمن قرأ مثلا سير العلماء العاملين يجد أنهم نتيجة علمهم كانوا يتسابقون في الخيرات، وكان الواحد منهم مقدمًا في جميع أعمال الخير، فهذا مثلا أبو عمر المقدسي - رحمه الله - قال عنه الذهبي: « كان قدوة صالحًا عابدًا قانتًا لله، ربانيًّا، خاشعًا مخلصًا عديم النظير، كبير القدر، كثير الأوراد والذكر والمروءة والفتوة والصفات الحميدة، قلّ أن ترى العيون مثله، كان كثير التهجد وكان يكثر الصيام، ولا يكاد يسمع بجنازة إلا شهدها، ولا مريض إلا عاده، ولا جهاد إلا خرج فيه، ويتلو كل ليلة سُبعًا مرتلا في الصلاة، وفي النهار سُبعًا بين الصلاتين، وإذا صلى الفجر تلا (يس)، و(الواقعة)، و(تبارك)، ثم يُقرئ ويُعلم الناس إلى ارتفاع النهار، ثم يصلي الضحى، فيطيل ويصلي طويلا بين العشائين، ويصلي صلاة التسبيح كل ليلة جمعة، فقيل: كانت نوافله في كل يوم وليلة اثنتين وسبعين ركعة، وله أذكار طويلة، وله أوراد عند النوم واليقظة وتسابيح، ولا يترك غسل الجمعة، وله معرفة بالفقه والعربية والفرائض، وكان قاضيًا لحوائج الناس، ومن سافر من الناس يتفقد أهاليهم، وكان الناس يأتونه في القضايا فيصلح بينهم وكان ذا هيبة ووقع في النفوس، وكان ربما تصدق بالشيء وأهله محتاجون إليه - رحمه الله - ».
هذه الفضائل التي نالها الشيخ أبو عمر المقدسي - رحمه الله - إنما نالها بالعلم والعمل والجد والمثابرة محتسبًا الأجر عند الله تعالى.
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.