المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصيدة النثر : قصيدة بلا متلق


Eng.Jordan
02-12-2012, 08:30 PM
د . أحمد صبرة

أستاذ النقد الأدبي المساعد
كلية الآداب – جامعة الإسكندرية

قصيدة النثر : قصيدة بلا متلق (1)

يثير الجدل حول قصيدة النثر دهشة كثير ممن يهتمون بأمر الشعر العربي ، فما يزال هذا الجدل ساخنا ، على الرغم من مرور وقت طويل على الظهور الأول لهذا المصطلح المشكل ، والمفترض – حسب طبائع الأشياء – أن تبرد حرارة النقاش بمرور الوقت ، لا أن تزداد سخونة ، حتى وإن وصلت إلى درجة الغليان ، لكن ما نراه أن النقاش حول قصيدة النثر بدأ عند درجة الغليان ، واستمر كذلك حتى الآن ، وهذا له سببه أو أسبابه ، كما أعطى هذا الجدل انطباعا بأن قضية الشعر قد اختزلت في الصراع حول قصيدة النثر ، على الرغم من أن المشكلات التي تواجه الشعر أكثر تعقيدا مما يظن كثير ممن يهمهم أمر هذا الشعر ، وأولها – وربما أهمها – هو قدرة الشعر كنوع أدبي على الاستمرار في ظل تحديات كثيرة ، ومواجهات خرج في بعض منها مثخنا بالجراح تاركا الساحة لأنواع أدبية أخرى . وأزمة الشعر هنا ليست خاصة بالشعر العربي ، فالشعر في أوربا يعاني من أزمة شبيهة ، وربما تكون أشد استحكاما مما يواجهه الشعر هنا ، لذلك يبدو جدل قصيدة النثر نوعا من الترف الفكري نمارسه بعد أن فرغنا من قضايا الشعر الكبرى .
وقصيدة النثر منذ نشأتها الأولى المختلف عليها حتى الآن ظلت تيارا هامشيا في مسيرة الأدب العربي ، وستظل كذلك لأسباب تخصها كنوع أدبي هجين ، وهذا الحكم المسبق بالقيمة يحاول أن يضع إشكاليتها في حجمها المناسب ، كما يحاول – وهذا هو المهم – أن يبحث عن أسباب هامشيتها التي يبدو أنها سمة قدرية لها .
إن البحث حول قصيدة النثر يجب أن يبدأ بالإجابة عن السؤال المهم حول الكيفية التي تظهر بها الأنواع الأدبية وتختفي ، كما يبحث عن الخصائص الكامنة في النوع الأدبي التي تجعل هذا النوع صامدا أمام التغيرات الدرامية التي يواجهها عبر التاريخ ، وربما تبدو هذه البداية شديدة العمومية ، كما تبدو كذلك نقطة متعالية على موضوع قصيدة النثر ، لكنها مدخل قد يساعد على إيضاح بعض الالتباسات المرتبطة بهذه القصيدة ، ولا يمكن الحديث هنا عن أسباب عامة لظهور الأنواع الأدبية ، ولا الحديث كذلك عن خصائص كامنة قد تصدق على أي نوع ، فهذا عمل لا يمكن إنجازه إلا بعد استقراء واسع للأنواع الأدبية التي ظهرت في الأدب العربي ، لكن حصر النقاش حول قصيدة النثر كنوع أدبي ظهر في منتصف الخمسينيات تقريبا ، واستمر بحضوره الطاغي المثير للجدل قد يخدم هذه البداية .
لماذا ظهرت قصيدة النثر ؟ هل ظهرت لأن الشكل الشعري السابق عليها استنفد كل أغراضه بحيث أصبح عاجزا عن التعبير عن الحاجات المتجددة للمجتمع ، وأصبحت هناك حاجة ماسة لنوع أدبي جديد يفي بهذه الحاجات ؟ أم ظهرت كنتيجة طبيعية لتطور الأنواع الأدبية التي تبحث في كل وقت عن ضروب جديدة ، وأشكال تزيدها غناء ، وهذه لا يرتبط بعجز الأشكال السابقة عليها أو قدرتها على التعبير ؟ والذي يتأمل الطريقة التي ظهرت بها قصيدة النثر في منتصف الخمسينيات تقريبا ، يكتشف أن هناك عقلا واعيا ، خطط لها ، ورسم ملامحها ، وحاول تكريسها في الواقع الأدبي ، وهو عقل لم يستنبطها ، أو يستقرؤها من التاريخ الأدبي العربي السابق عليها ، وإن ادعوا ذلك في بعض الأحيان ، وتلمسوا أصولا لها في كتابات السابقين عليهم ، أو في الكتابات التراثية ، بل هو عقل ناقل لها من بيئتها الغربية – الفرنسية تحديدا – يحاول أن يزرعها في تربة لا يدري معها قدرتها على التكيف والاحتضان والاستنبات ، والنوع الأدبي قد يكون ملاكا في بيئته الأصلية ، لكنه قد يتحول إلى شيطان حين ينقل إلى بيئة غريبة عليه .

Eng.Jordan
02-12-2012, 08:34 PM
قصيدة النثر : قصيدة بلا متلق ( 2 )

قبل ظهور قصيدة النثر بفترة وجيزة ظهر الشعر الحر في منتصف الأربيعينيات تقريبا ، وكان زلزالا في تربة الشعر العربي ـ أعاد تشكيل هذه التربة ، وجعلها أكثر خصوبة ، على الرغم من هذه الحرب الضروس التي ووجه بها ، ويعرف كثير من الناس تأشيرة العقاد الشهيرة حول الشعر الحر حين أشر على إحدى القصائد – وقد كان مقررا للجنة الشعر – بأن تحول إلى لجنة النثر ، وبعد استقرار التربة ظهر أن هذا الشكل من الشعر قادر على التكيف مع المذاق التراثي للشعر العربي ، وظهر في كثير من نماذجه المتألقة على أنه تطور طبيعي للشعر العربي ، برغم جذوره التي تمتد خارج هذا الشعر ، ولعل رصد ردود أفعال المتلقين في الأمسيات الشعرية ما يعزز هذا الرأي ، وهو ما لم يحدث حتى الآن مع قصائد النثر ، أما قصيدة النثر ، فلم تستطع أن تكون طرفا فاعلا في الأمسيات الشعرية ، وهذا موضوع لا يجب النظر إليه على أنه هامشي في إشكالية قصيدة النثر ، فالمزاج العربي حتى الآن ما يزال مزاجا شفاهيا ، يطرب للكلمة المسموعة ، ويتفاعل مع الإيقاع ذي النغمة العالية ، ومسألة المزاج الكتابي الذي يتفاعل مع الأشياء من خلال العين لا الأذن تتطلب شروطا حضارية في المتلقي العربي لا يبدو أنها قابلة للتحقيق في مدى قريب ، كما أنه ليس مطلوبا لهذه الشروط أن تتحقق ، فهذا المزاج الشفاهي للمتلقي العربي لم يتشكل في لحظة ، كي يمكن التخلي عنه في لحظة أخرى ، بل تشكل عبر مئات السنين ، ومن خلال تجارب في التلقي لا حصر لها ، وقد أثبت هذا المزاج قدرة على التكيف مع الشخصية العربية بحيث عد أحد العناصر المهمة في تركيب هذه الشخصية ، والنقلة التي يراد لها أن تتحقق من الشفاهية إلى الكتابية ليست نقلة نوعية في حقيقتها ، بل إنها ربما تكون شديدة الوطأة على الشخصية العربية .
وهذا أمر يصيب قصيدة النثر في مقتل ، فهذه القصيدة تنتمي إلي المزاج الكتابي ، بينما ينتمي المجتمع الذي تكتب فيه إلى المزاج الشفاهي ، هذا التعارض يجعلها قصيدة بلا متلق ، أو يحصر متلقيها في نطاق محدود ، ولا يفيد هنا اتهام المتلقي العربي بالقصور ، فهو اتهام عنصري على أي حال .
هناك شيء آخر يجعل هذه القصيدة بلا متلق ، وهو موضوع الغموض فيها ، وهو موضع يبدو وثيق الصلة بالطابع الكتابي لها ، إن غموض قصيدة النثر ليس من نوعية الغموض في الشعر القديم ، عند أبي تمام والمتنبي مثلا ، أو حتى في بعض أشعار الصوفية ، وهو غموض يكفي معه – في بعض الأحيان – تفكيك الدلالت بالمعنى البسيط لكلمة تفكيك كي تحصل على ما تريد ، وعملية التفكيك قد تقوم على المنطق أو التاريخ أو الأعراف أو الأديان ، وفي كل الأحوال ، فإن هناك معالم تهديك في الطريق ، أما غموض قصيدة النثر فهو من نوع مختلف ، غموض لا يخاطب العقل ولا يجابهه ، كما يفعل الشعر القديم في كثير من الأحيان ، بل يخاطب جوانب قارة في نفس المتلقي تحتاج إلى حساسية جديدة ، واستجابة من نوع آخر ، إن غموض قصيدة النثر جو عام فيها ، أو بنية بحسب تعبير جون كوين ، والمعنى فيها لا يختفي خلف الأكمة أو أمامها ، فقد لا يكون هناك معنى أبدا في القصيدة ، وهو عائق لا يمكن تجاهله أمام تحقيق استجابة صحيحة وطبيعية لقصيدة النثر في البيئة العربية .

Eng.Jordan
02-12-2012, 08:35 PM
قصيدة النثر : قصيدة بلا متلق ( 3 )

ارتبطت قصيدة النثر بالحداثة ، والحداثة كلمة يتحسس الناس مسدساتهم حين يسمعونها ، وعلى الرغم من ظهور إبداعات نسبت فيما بعد إلى قصيدة النثر أوائل القرن العشرين ، فإن من روجوا لمصطلح قصيدة النثر وإبداعاتها هم الذين روجوا لتيار الحداثة في البيئة العربية ، أصحاب مجلة " شعر " وكتابها بدءا من عام 1957 ، روجوا لها على أنها الحلقة الأكثر تطورا في تطور الكائنات الأدبية ، مثل الإنسان ، في الوقت الذي كانوا يروجون فيه للحداثة على أنها تحطيم للمقدسات والثوابت وكل الركائز التراثية التي يقوم عليها المجتمع ، لقد قدم هؤلاء الحداثة في أقبح صورة لها ، قدموها على أنها : إما أن تكون حداثيا أو متدينا ، وشاع ذلك في كتاباتهم شيوعا مخيفا ، ويمكن في هذا الصدد الاستشهاد بعشرات النصوص من كتاباتهم .
لا يمكن بالطبع محاكمة تيار الحداثة في هذه العجالة ، فالحداثة ليست تيارا أدبيا فقط ، وإنما هي توجه فكري ، أو موقف متمرد من الحياة يشمل كل ما يمكن تخيله من أنشطة يعنى بها الإنسان : سياسة اقتصاد ، اجتماع ، فن ، وهي في حاجة إلى إعادة تقديم إلى المجتمع العربي تقديما يكون مقبولا ، وهو تقديم يمكن تصوره ، مثلما فعل المجددون الأوائل حين نزعوا عن الرومانسية جانب الإلحاد فيها ، وقدموها للمتلقي العربي تقديما جميلا .
ارتبطت قصيدة النثر بهذه الصورة الكئيبة للحداثة ، والنتيجة ليست في حاجة إلى توقع ، فقد بدأ الناس يتحسسون مدافعهم وصواريخهم حين يسمعون كلمة " قصيدة النثر " ، وأنا أرجو من الشعراء أن يقدموا لنا إحصاءات عن عدد قرائهم من واقع أرقام التوزيع لدواوينهم مقارنة بدواوين الشعراء الآخرين ، ولن نطلب منهم الحديث عن طبيعة الاستجابة لقصائدهم في الندوات الشعرية ، فنحن نعرفها جيدا .
لا يحاول هذا الهجوم المبرر النيل من قصيدة النثر كتجربة في الإبداع ، بل يحاول وضعها في مكانها الصحيح ، وهو مكان هامشي في مسيرة الأدب العربي ، إن إشكاليتها الأساسية جاءت من التعامل معها على أنها أحد أطوار الشعر العربي ، وهي إشكالية أحدثها المصطلح ذاته ، هذا المصطلح الذي جعل كثيرين يشحذون أسلحتهم مستبعدين إياه من حظيرة الشعر ، لكني أظن أن هذه الإشكالية يمكن أن تحل تماما إذا عوملت قصيدة النثر على أنها نوع أدبي قائم بذاته يضاف إلى الأنواع الموجودة من قبل : الشعر والمسرح والرواية والقصة والمقال ...إلخ ، نوع يعتمد على تراسل الأنواع الأدبية وغير الأدبية ، يستفيد منها ، وقد يفيدها ، ووفق هذا المنظور ، فإنها تحتاج إلى موقف نقدي آخر غير الذي نقفه منها الآن ، موقف أكثر تسامحا وتقبلا لها ، ولا أستبعد – تبعا لذلك – أن ينحت لها مصطلح آخر ، فهذا المصطلح " قصيدة النثر " يغري بالخلاف ، بل يجعله ساخنا ، مصطلح يحوي في نفسه على ثنائية جدلية ، والجدل حوله يبدو أنه مما يناسب المزاج الشرقي ، وهو استمرار للثنائيات التي شاعت في معركنا القديمة أو الجديدة " الطبع والصنعة ، القدماء والمحدثون ، الأصالة والمعاصرة ، زمن الشعر أم زمن الرواية ، المحلية أو العالمية " إنك في هذه الحالة لن تفكر كثيرا ، لأنه لا اختيارات متعددة أمامك ، إنك في كل حالة إما أن تنتسب إلى هذا الطرف أو ذاك .
من أجل ذلك لا أتوقع للجدل حول قصيدة النثر أن ينتهي ، كما أتوقع أن يكون هذا الجدل دائما عودا على بدء .

صلاح ريان
02-15-2012, 12:46 AM
اشكرك اختي الكريمه نور الاسلام على هذا الطرح الواسع والمفيد
لكن من وجهة نظري الخاصه
ارى ان هذه المسميات لم يطلقها اهل الحل والعقد في الادب العربي خصوصا انها جائت في زمن غياب المسؤليه الحقيقيه لكل ما هو عربي واصبح الأجنبي هو المسؤل الحقيقي عن كل ما نملك وما نريد وما يلزمنا .
لذلك لا قيمة في نظري لكل ما يقدم في هذا العصر من ناحية المصداقيه والحقوق
أنا كشاعر لا استصيغ ما لا معنى له او مالا يفهمه قارئه
وقد دعيت الى مسابقة قصيدة النثرفي تجمع الشعراء
وكتبت قصيده نثر واحده بعنوان ( خمسون عاما في رحم أمي ولم اولد )
لكن لجنة التحكيم ترى ان النجاح يكمن في اللامفهوم او اللاواضح
ربما آتي بها الى هنا يوما



لك تحيتي وتقديري
دمت كما تحبين

صلاح ريان
02-15-2012, 12:46 AM
اشكرك اختي الكريمه نور الاسلام على هذا الطرح الواسع والمفيد
لكن من وجهة نظري الخاصه
ارى ان هذه المسميات لم يطلقها اهل الحل والعقد في الادب العربي خصوصا انها جائت في زمن غياب المسؤليه الحقيقيه لكل ما هو عربي واصبح الأجنبي هو المسؤل الحقيقي عن كل ما نملك وما نريد وما يلزمنا .
لذلك لا قيمة في نظري لكل ما يقدم في هذا العصر من ناحية المصداقيه والحقوق
أنا كشاعر لا استصيغ ما لا معنى له او مالا يفهمه قارئه
وقد دعيت الى مسابقة قصيدة النثرفي تجمع الشعراء
وكتبت قصيده نثر واحده بعنوان ( خمسون عاما في رحم أمي ولم اولد )
لكن لجنة التحكيم ترى ان النجاح يكمن في اللامفهوم او اللاواضح
ربما آتي بها الى هنا يوما



لك تحيتي وتقديري
دمت كما تحبين

Eng.Jordan
02-15-2012, 10:21 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أخي الكريم نقلت هذا الطرح كأحد الآراء المطروحة في الشأن الأدبي وهو لا يعبر عن وجهة نظري بل وجهة نظر الكاتب ...من المهم التعرف على مختلف وجهات النظر...ونترك الفصل والرأي للمتلقي ...

أشكرك على إبداء رأيك كشاعر وأديب

ودمت بخير