المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البدعة إفساد للدين أم تجديد له؟


عبدالناصر محمود
02-26-2014, 08:49 AM
البدعة؛ إفساد للدين أم تجديد له؟*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

26 / 4 / 1435 هـــ
26 / 2 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3789.jpg


اختلف الناس في شأن البدعة كاختلافهما في غير ذلك من مسائل الشريعة والاعتقاد، لكن أمر الاختلاف في هذا الشأن أمر جلل، قد يخرج أحد المختلفين من ساحة الإيمان والاتباع إلى ساحات الكفر والشرك بالله- عياذا بالله- وهذا ما نلحظه في بعض الفرق الخارجة عن نسق أهل السنة والجماعة، مع اعترافنا بوجود تفاوت- من حيث التعاطي- مع هذا الأمر، وأنهم ليسوا سواء من حيث الحكم.

جدير بالذكر بيان أن المسلمين لم يتنازعوا قديمًا ولا حديثًا في كون البدعة في الدين محرمة مذمومة، وإنما وقع النزاع في الأعمال المعينة: هل تعتبر بدعة، أو أنها صحيحة مشروعة، ومنشأ هذا النزاع عدم اعتبار القواعد والضوابط(1).

وفي هذا التقرير المختصر سنسلط الضوء على تعريف البدعة، وضوابط اعتبار الأمر بدعة، مع ذكر أخطارها وبيان إن كان في الدين بدعة حسنة- كما يدعي البعض- أم أن كل بدعة خروج وضلال، وإن خف ضررها وضعف أثرها.

تعريف البدعة:

يقول الشاطبي :" البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يُقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية"(2).

قال الشاطبي في بيان هذا التعريف: "قوله في الحد: (تضاهي الشرعية) يعني: أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة. منها وضع الحدود: كالناذر للصيام قائما لا يقعد. ومنها: التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيدا وما أشبه ذلك. ومنها: التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته"(3).

وعلى هذا فظاهر البدعة ليس شراً محضاً، وإلا لتركت وما تبعها أحد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن "البدعة لو كانت باطلاً محضاً لظهرت وبانت وما قُبلت، ولو كانت حقاً محضاً لا شوب فيه لكانت موافقة للسنة؛ فإن السنة لا تناقض حقاً محضاً لا باطل فيه"(4).

القول في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة:

البدعة لها إطلاق لغوي وإطلاق شرعي، أما من حيث الإطلاق اللغوي فيجوز أن تقسم إلى بدعة حسنة وأخرى سيئة، لأن البدعة من بدع فلان الشيء يبدعه بدعاً، وابتدعه إذا أنشأه وفعله ابتداءً، وقد يكون ذلك الابتداع إبداعاً مستحسناً فتكون البدعة حسنة وقد يكون مستهجناً فتكون البدعة سيئة.

وأما الإطلاق الشرعي للبدعة فلا يصح فيه هذا التقسيم لأن البدعة بهذا المعنى هي الأمر المحدث في الدين، ولا شك أن ذلك سيئ مذموم على كل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"(5) وفي رواية "من عمل عملاً"(6)، وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبه "وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"(7) كما في صحيح مسلم وغيره.(8).

فالقول في المسألة كما قال الشافعي رحمه الله: "البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنّة فهو مذموم"(9).

قال ابن رجب قال ابن رجب: "وأمّا ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنّما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لمّا جمع النّاس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: (نعمت البدعة هذه)"(10).

وقال في موضع آخر تعليقا على قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة)

الرد على من احتج بحديث من سن في الإسلام سنة حسنة، على وجود البدعة الحسنة:

يقول الشيخ الفوزان: أما قوله صلى الله عليه وسلم : "من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها"(11) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه؛ فهذا لا يدل على ما يقوله هؤلاء؛ لأن الرسول لم يقل من ابتدع بدعة حسنة، وإنما قال: "من سن سنة حسنة"، والسنة غير البدعة، السنة هي ما كان موافقًا للكتاب والسنة، موافقًا للدليل، هذا هو السنة؛ فمن عمل بالسنة التي دل عليها الكتاب والسنة؛ يكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ يعني: من أحيا هذه السنة وعلمها للناس وبينها للناس وعملوا بها اقتداءً به؛ فإنه يكون له من الأجر مثل أجورهم، وسبب الحديث معروف، وهو أنه لما جاء أناس محتاجون إلى النبي صلى الله عليه وسلم من العرب، عند ذلك رق لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأصابه شيء من الكآبة من حالتهم، فأمر بالصدقة وحث عليها، فقام رجل من الصحابة وتصدق بمال كثير، ثم تتابع الناس وتصدقوا اقتداءً به؛ لأنه بدأ لهم الطريق، عند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها"؛ فهذا الرجل عمل بسنة، وهي الصدقة ومساعدة المحتاجين، والصدقة ليست بدعة؛ لأنها مأمور بها بالكتاب والسنة، فهي سنة حسنة، من أحياها وعمل بها وبينها للناس حتى عملوا بها واقتدوا به فيها؛ كان له من الأجر مثل أجورهم(12).

أسباب الابتداع في الدين:

للابتداع في الدين أسباب كثيرة يمكن وضعها تحت أصول عامة وهي:

- عدم العلم بكلام العرب وأساليبهم في الخطاب.

- الإيقان بأن لا تعارض بين العقل الصريح والنص الصحيح.

- عدم التسليم للنصوص الشرعية والانقياد لها.

- إحداث قواعد ونظريات عقلية أو ذوقية أو سياسية يسير عليها المبتدع وينقاد لها.

- اتباع العوائد والمشائخ.

- سوء الفهم للقرآن والسنة، وعدم معرفة أقوال السلف.

- حكاية إجماعات لم تقع، وجعلها أصولا يعتمد عليها، وعدم قبول الحق إلا من طائفتهم(13).

- البُعدُ عن أهلِ العِلم وَعَدَم سؤالِهم عن أمورِ الدّين وسؤالُ ذوي الجهل بالدين.

- إيثارُ الدنيا على الآخرة وتقديمُ محبّتها على النعيم المقيم الذي أعدَّه الله للمتقين(14).

أقسام البدعة:

قسم العلماء البدعة إلى ثلاثة أقسام : عملية، واعتقادية، وقولية.

- فالبدعة في العمل: تكون في العمل الظاهر، كصلاة تخالف ما ورد عم النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من الأعمال.

- والبدعة في الاعتقاد: إذا كان اعتقادا للشيء على خلاف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، كبدعة الخوارج في اعتقادهم تكفير العصاة من المسلمين.

- والبدعة القولية: إذا كانت تغييرا لما جاء في كتاب الله عز وجل ، ولما ثبت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- كأقوال المبتدعة من الفرق المشهورة(15).

خطورة الابتداع في الدين (16):

لقد ذم الله عز وجل في كتابه الابتداع في الدين وسماه تشريعاً لم يأذن به الله فقال سبحانه: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(17).

وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم خطر الابتداع في الدين في أكثر من حديث، وحض أمته على وجوب اتباعه، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الحلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) (18).

ولقد صدق واقع الأمة قول النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يحـدث فيها الضـلال والانحراف الفكري إلا بسبب البدع في الدين، وكـلما ازداد الناس من البدع في الدين ازدادوا ضلالا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . ولم يفسد على الأمة دينها شيء مثلما أفسدته البدع ، ولم تتسـع دائرة الانحراف عن الدين الحق إلا بسبب البدع.

ولهذا قال أئمة الإسلام كسفيان الثوري وغيره : "إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها ، ومعنى قولهم إن البدعة لا يتاب منها : أن المبتدع الذي يتخذ دينا لم يشرعه الله ولا رسوله قد زين لـه سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنا ، لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه أو بأنه ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله ، فما دام يرى فعله حسنا وهو سيئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب، ولكـن التوبة منه ممكـنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين لـه الحق ، كما هدى سبحانه وتعالى من هدى من الكفار والمنافقين"(19).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) ضابط البدعة وما تدخله- الشيخ سليمان بن عبد الله الماجد: (ص:1).

(2) الاعتصام للشاطبي: (1/37).

(3) المرجع السابق: (1/39).

(4) درء تعارض العقل والنقل: (1/137).

(5) البخاري: (2/959/2550)؛ ومسلم: (3/1343/1718).

(6) مسلم: (3/1343/1718)]

(7) مسلم: (2/592/867)]

(8) مركز الفتوى- الشبكة الإسلامية- تقيم البدعة إلى حسنة وسيئة.

(9) انظر: فتح الباري (13/253).

(10) جامع العلوم والحكم لابن رجب: (2/128)].

(11) رواه الإمام مسلم في "صحيحه" (2/705/1017)]

(12) المنتقى من فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان: (1/173)، رقم الفتوى في مصدرها: 96.

(13) حقيقة البدعة وأحكامها- سعيد بن ناصر الغامدي: (1/338-350).

(14) ينظر: التحذير من التوسع في مفهوم البدعة- د. بدر عبد الحميد هميسه- موقع صيد الفوائد.

(15) ينظر المرجع السابق.

(16) ينظر مجلة البحوث الإسلامية، جزء77 صفحة265.

(17) سورة الشورى، الآية: (21).

(18) سنن ابن ماجة: (1/15/42).

(19) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: (10/9).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــ