المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الهزيمة الروسية في أوكرانيا


عبدالناصر محمود
03-02-2014, 08:37 AM
الهزيمة الروسية في أوكرانيا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(السيد أبو داود)
ـــــــــــــــــــــــــ



https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRiAYQAlTmoWH8da1VFsXuItH_KVcK84 0zE8lD06Ys7WUGR80TA


جاء نجاح الثورة الأوكرانية الحالية ليعيد رسم خريطة العلاقات بين روسيا والدول الغربية، وليفتح الباب واسعًا للربط بين الثورة الأوكرانية والثورة المصرية من جهة، وبين الثورة الأوكرانية والثورة السورية من جهة ثانية.

وليس من قبيل المصادفة أن يكون الرئيس الأوكراني المخلوع يانوكوفيتش، هو هدف الثورة الأوكرانية مرتين: المرة الأولى كانت عام 2004 حيث أدى تزوير الانتخابات التي فاز بها للثورة البرتقالية، والمرة الثانية هي هذه المرة في عام 2014 وبعد 10 أعوام كاملة.

التشابه كبير بين ما حدث في أوكرانيا وما حدث في مصر، فبعد نجاح الثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004، لم تلبث الدولة العميقة هناك بمؤسساتها الشيوعية، وبمساعدة روسيا، أن تفرغ ثورة الأوكرانيين من مضمونها، وأن تلتف عليها وتعيد كل الرموز الشيوعية السابقة، وكأن الثورة لم تقم، وهو مشابه تمامًا لما حدث في مصر بعد نجاح الثورة المصرية الملهمة، حيث استطاع الجيش تبريد الثورة وتفريغها من مضمونها، وأخيرًا الانقلاب عليها.

ومن هنا فإن نجاح الثورة الأوكرانية الثانية يعيد الأمل إلى الثوار المصريين، فبعد أن بدا أن الثورة المضادة انتصرت على الثورة الأوكرانية، ولم تكد أوكرانيا تهدأ طيلة هذا العقد، حتى انفجرت الأوضاع وانتصر الشعب الأوكراني على الثورة المضادة التي قادتها الدولة العميقة.

أما الثورة السورية فتتشابه مع الثورة الأوكرانية، في أن روسيا كانت هي الداعم الأكبر للنظام الأوكراني: سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وإعلاميًا واستراتيجيًا، حيث تعتبر روسيا أوكرانيا حديقة خلفية وعمقًا إستراتيجيًا لها، وشريكا اقتصاديًا كبيرًا، ووقفت روسيا طويلاً وبقوة لمنع نجاح أي اتفاق تجاري يربط أوكرانيا بالاتحاد الأوروبي، ولذلك فقد تزلزلت روسيا تمامًا بعد نجاح الثورة الأوكرانية في الإطاحة بيانوكوفيتش، لأن هذا معناه أن أوكرانيا ستنقطع أواصرها بروسيا وستذهب إلى الحضن الأمريكي الغربي.

في العلاقة بين ما حدث من زلزال سياسي في أوكرانيا وما يحدث في الساحة السورية، سنجد أنه بالتزامن مع تهاوي النظام الأوكراني الموالي لروسيا وسقوط رجلها المعتمد يانوكوفيتش، نقلت وكالات الأنباء خلال الساعات الماضية خبرًا مفاده أن عشرات الضباط والمستشارين الروس من أعلى الرتب العسكرية وصلوا الى سوريا في الأسابيع الأخيرة وانضموا للقتال الى جانب الجيش السوري ضد المعارضة، كما أن موسكو زادت المساعدات اللوجستية والاستخباراتية والأسلحة بشكل كبير ووضعت بتصرف الجيش السوري قدرات استخباراتية كبيرة لتعقّب مقاتلي المعارضة السورية وتوجيه ضربات لهم.

ومعنى هذا أن روسيا ستزيد من دعمها المطلق لنظام بشار الأسد لمنع نجاح الثورة السورية، حتى لا تخسر خسارة جديدة بعد الخسارة على الأرض الأوكرانية. لكن هناك نقطة ينبغي عدم إغفالها وهي أنه لولا الضغط الغربي على روسيا وعلى النظام الأوكراني البائد، ورغم المساعدة السياسية الغربية الصادقة وغير المراوغة للمعارضة الأوكرانية، ما استطاعت هذه المعارضة أن تزيح الطاغية الفاسد، بينما كان الحال في سوريا مغايرا تمامًا، حيث الغرب مراوغ ولا يريد أن يساعد الثورة السورية بصدق، بل إنه يوازن الأمور مع روسيا ومع بشار ونظامه ولا يضغط عليهما، بل هو يعجبه استمرار هذا الوضع خدمة لبني صهيون.

وفي العلاقة بين الثورة الأوكرانية والثورات العربية، تأكيد مشترك على أن الأنظمة السياسية مهما كان ضراوة قمعها واستبدادها وفسادها وتترسها بالأطراف الخارجية، فإنها لم تستطع الاستمرار، وإنما انتصرت إرادة الشعوب الحية، التي لا تيأس، وإنما إذا هزمت في جولة عادت لتحقق الانتصار والنجاح في الجولة الثانية. بل تأكد أيضًا أنه كلما زادت قسوة القمع.. كلما زادت ضراوة المقاومة، وفقد النظام غطاءه الشعبي.

في العلاقة بين الثورة الأوكرانية والثورات العربية أيضًا أن حلم أنظمة الفساد والطغيان والاستبداد، بالعودة إلى الماضي على حساب طموحات وتوقعات أجيال شابة جديدة تحمل ثقافة جديدة وطموحات عالية، إنما هو حلم كاذب، وأنه عادة ما يسقط ويتحطم أمام وعي وإرادة الشعوب الحية التي تصر عل أخذ حقها. ولا يمكننا إنكار أنه رغم الموقف الغربي الصارم والمؤيد للثورة الأوكرانية، ورغم المساعدات الجبارة من روسيا للنظام الأوكراني البائد، ورغم أن الساحة الأوكرانية كانت مرتعًا للحرب الخفية بين روسيا والغرب، فإن المؤكد أن أيًا من القوتين لم تكن لتحسم الأمور لصالحها بدون الأوكرانيين أنفسهم، الذين هم الفاعل الأول والأساسي الذي حسم الموقف.

والمؤكد أن روسيا لن تستسلم وإنما ستفعل كل ما بوسعها، وسوف تلعب بكل أوراقها الاقتصادية والسياسية والعسكرية لإفشال الثورة الأوكرانية، وهو أمر سيزيد الاستقطاب السياسيّ الكبير هناك وقد يفتح الأفق على حرب أهلية طويلة، وهو الخطّ السياسي الذي تم اتباعه مع سوريا.
القادة الأمريكيون والأوروبيون يعتقدون أن روسيا سترتكب خطأ جسيمًا إذا أرسلت قوات عسكرية إلى أوكرانيا، وأن انقسام أوكرانيا لن يكون في مصلحة روسيا أو أوروبا أو الولايات المتحدة، ويشيد هؤلاء القادة الغربيون ببيان الجيش الأوكراني الذي قال فيه إنه لن يتدخل بأي شكل في الأزمة السياسية.

إلا إن النجاح السياسي الذي حققته الثورة الأوكرانية تهدده الأوضاع الاقتصادية الصعبة، فقد باتت أوكرانيا على شفير الإفلاس، لذلك فقد عرض الاتحاد الأوروبي عليها إحياء اتفاق الشراكة الذي كان رفض يانوكوفيتش توقيعه في تشرين الثاني / نوفمبر الماضي، هو الشرارة التي أشعلت الثورة الحالية الحالية، وأعلن صندوق النقد الدولي فور سقوط يانوكوفيتش استعداده لمساعدة أوكرانيا، وكذلك فعلت واشنطن، من دون ذكر مبلغ محدد أو شروط معينة، كما أعلن وزير المال البريطاني جورج أوزبورن أن الاتحاد الأوروبي مستعد لمساعدة أوكرانيا على الإيفاء بالتزاماتها المالية والتفاوض بشأن انعطافها السياسي بعد عزل يانوكوفيتش.

حجم الخطر يعكسه تحذير وكالة ستاندارد آند بورز للتصنيف الائتماني من أنه في حال تخلت روسيا عن دعمها لأوكرانيا فإن أوكرانيا التي يتوجب عليها تسديد 13 بليون من الديون هذه السنة، ستتخلف عن السداد.

القيادة الجديدة في أوكرانيا تدرك المأزق الاقتصادي الذي تمر به البلاد، لذلك أعلنت إنها تحتاج مساعدات خارجية بقيمة 35 مليار دولار على مدى العامين المقبلين، وطلبت الحصول على مساعدة عاجلة بعد عزل يانوكوفيتش، وقد عبر الرئيس المؤقت أولكسندر تيرتشينوف، الذي تم تعيينه بعد أن عزل البرلمان الرئيس يانوكوفيتش، عن ذلك بقوله "إن أوكرانيا توشك على التخلف عن سداد ديونها وإن الاقتصاد يتجه نحو الهاوية".

لكننا نستطيع أن نؤكد أن المساعدات الغربية لأوكرانيا ستكون سخية، لأن الغرب لا يريد أن يخسر معركته مع روسيا من أجل بضعة مليارات من الدولارات، فالشراكة الأوكرانية الغربية ستحقق على المدى الطويل مكاسب اقتصادية أكبر بكثير مما ستدفعه الدول الغربية الآن، بل إن ما سيتم دفعه سيكون أكثره استثمارات وليس مساعدات وإعانات لا ترد.

--------------------------------------