المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رثاء مفتي حماة


عبدالناصر محمود
03-02-2014, 09:03 AM
رثاء مفتي حماة
ـــــــــــــــــــــ

(د. محمد منير الجنباز)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 / 5 / 1435 هــ
2 / 3 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــ


مفتي حماة العلامة الشيخ محمد بشير بن أحمد بن محمد سليم مراد، قتل إثر التعذيب الشديد بدق المسامير على رأسه! وتناثر مخه الطاهر، في أحداث مجزرة حماة الكبرى الأليمة عام 1982م، فكان الشيخ أنموذجاً للعالم العامل المجاهد، تقبله الله في الشهداء، ورفع منزلته في المهديين.

وقد رثاه الدكتور محمد منير الجنباز بقصيدة يحكي فيها الحادثة وما تعرض له الشيخ من التعذيب حتى الموت .

https://encrypted-tbn3.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTebToLq6fBeoyjYcQdmfaIQVAkO2ExR 7uZE061sDXOEGUNBiZ73A


سِيما الوقارِ بصبح وجهكَ قد بدا
والبشرُ في عينيكَ يُوحي بالندى

ونهلتَ من زاد الفضائل والتقى
وَرَقَيتَ فيها مسرعاً ولك الرضا

وجعلتَ قلبك نابضاً لإلههِ
ووقفتَ صَلْباً لا تَلينُ إلى العدا

حمّلتَ نفسكَ والصِّحَابَ مصاعباً
ووجدتَهَا مَهْدَاً لتحقيق المنى

وبليلةٍ كان السُّهادُ حَليفَكُمْ
والبَرْدُ أقبل والعدُوُّ لكم دنا

فخرجتمُ بالنار تدفع شرّهم
وجمعتمُ من حولكم أهل الحِمى

فاستنفد الجُهْدُ الذخيرةَ وانقضتْ
وَحَزِنْتَ أنَّكَ مَا التَقَيْتَ معَ الرّدَى

لتنالَ خيرَ شهادةٍ تمضي بها
نحو الجِنَانِ وتستريحَ مِنَ الدُّنى

لكنّما الأقدارُ خُطّتْ سرمداً
حتى إذا نَفِدَتْ عَلِمْنَا مَا جَرى

واللهُ قد خصَّ المُغَيَّبَ نفسَه
وقضى امتحاناً وابتلاءً للورى

فوقعتَ في أسْرِ العصابة مُثْقلاً
بالقَيْدِ حتى ما استطعتَ بهِ الخُطَا

وحُمِلتَ للسجن الرهيب لِتُبتلى
بأشدِّ ما شَهِدَ الخلائقُ من بِلى

لَسْعُ السياط يهونُ لولا أنها
بَدْءٌ وتقدِمَةٌ لحرقٍ باللظى

ولدقّ مسمارٍ برأسك كي تَرَى
سجَّانَكَ العاتي إليه المنتهى

لكنْ جَنَانُكَ ظَلَّ يَذْكر دَائماً
رَبَّاً يُعينُ المُبْتَلِينَ بما يَرى

فأفاضَ ذِكْراً منْ لِسَانِكَ طَيِّبَاً
فاغتاظ مِنْ ذِكْرِ الإلهِ مَنِ افْتَرى

فأتى لسانَكَ قاطعاً ذكرَ الهُدى
فاشْتَدَّ خَفْقُ القلبِ منْ ذِكْرٍ عَلا

وتزايدت دقاتُه لمسامعٍ
"سبحانَ ربي" أفصحتْ عنها اللّمَى

فارتاع سجّانُ الغِوايَةِ وانتحى
ركناً وسدَّ السَّمْعَ عنْ أُذُنِ الهوى

وارتدَّ للشيخ المسلسل ضَارباً
ويصيحُ: أسْكِتْ كلَّ صوتٍ إنْ بدا

والشيخُ مقطوع اللسان وقلبُه
خفقٌ فأظهر ما به رجعُ الصدى

وإذا البهائمُ والطيورُ لخفقهِ
سَمْعٌ فترجَمَتِ النداءَ كما سَرَى

أنشودةُ العصر الجريح لمسلمٍ
تسري وتخترقُ السجونَ منَ الكُوى

فتهزُّ أعماقاً وتصفعُ تائهاً
وتُزيلُ أحلاماً يُزَيّنُهَا الكرى

وغدا الزمانُ وما بهِ منْ نُخْبَةٍ
تُبدي التآزر والتلاحمَ في القوى

كَثُرَ القِطافُ منِ الرؤوسِ لإخْوَةٍ
وغدتْ جماجمُهم تُصَفُّ مع الدمى
سُكبت دماءٌ لو جمعتم سيلها
لغدت بحاراً أغرقت أهل الغوى
فإلامَ تخشون المماتَ وحاقداً
إن تطلبوا موتاً تروا عيش الرضا

والشيخ يرسُفُ في القيود ورأسُه
دَقَّ الطغاةُ به مساميرَ الأذى

أضحى يرى خُصَمَاءه لكنّه
فقد الحِراك ودمعُهُ سيلٌ هَمَى

يدعو على الظلْم العَتِيِّ لحاقدٍ
ورثَ العَدَاءَ لديننا مِمَّا مَضى

وأحسَّ جلادوه أنَّ دُمُوْعَهُ
كَتبتْ على خَدٍّ " سَيُخْذَلُ مَنْ بَغَى"


فاسْتُلَّتِ العينانِ منه بمنجل
هل منْ دموعٍ للتحدي تُرتجى

فإذا مغاراتُ العيونِ بَدَتْ لهمْ
كهفاً يُعِدُّ شبابَ أحمدَ للوغى

هَلَعٌ أصابَ الحاقدينَ بما رَأوا
قالوا اهْدموه وَمَزّقُوا مَنْ قد أوَى

وتقدموا بالشيخ نحو مدقّة
في فكِّها أسنانُ ذئبٍ قد عوى

شَدُّوا عليها رأسَهُ وبشدَّةٍ
فتلوا أسِنَّتَها فعضَّتْ وارتمى

وتناثر المُخُّ الطَّهُورُ لعَالِمٍ
فيه العلومُ وفيهِ قُرآنُ الهُدى

وتضاحكَ الأشرارُ هذا رأسُهُمْ
إنَّا كسرنا الرأسَ والأمْرُ انتهى

وخلتْ لنا الدارُ الشَّمُوسَ وطأطأتْ
رأساً وكانتْ شَوْكَةً تؤذي الدجى

وقفتْ قروناً ضِدَّنا بصلابةٍ
وتعاورتنا بالسيوفِ وبالقنا

واليومَ نَسْحَقُ كلَّ مَنْ سَيُريبُنَا
كيلا يفاجئنا الصلاحُ إذا انتضى

سنسوّر الدارَ التي نأوي بها
ونقيمُ خطَّ تنصُّتٍ فوقَ الذرا

ونوزّع الأغلال فيما بيننا
ونُجيعُ كل مُواطنٍ يأبى النوى

يكفي بأنا قلةٌ من أعصرٍ
واليوم يَكْثُرُ عَدُّنا ولنا القوى

سنشيّب الأطفالَ حتى لا نَرى
إلا وليداً شابَ همّاً وانبرى

كُنَّا نحاسَبُ إنْ أبَدْنَا بلدةً
واليوم ندفنُ أمّةً تحتَ الثَّرَى

فلنا الحجازُ ومصرُ كانت مُلْكَنَا
والمغربُ الأقصى وحتى المنتهى

سنعيدها وإنِ الزمانُ بدا لنا
مستعصياً مهما تقلّب وارتدى

عاد ابنُ قُرْمُطَ في ثيابِ حَدَاثَة
بل عاد مدعوماً بإخوان الصفا

يا رب كم صاغ الذين تزندقوا
ضد العباد مؤامراتٍ تُفترى

وتراهمُ عينٌ لذاتك لا تنم
كم خططوا للدين في نزع العُرى

رُدَّ السهام لنحرهم يا ناصراً

وأعِنْ عبادَك يا قويُّ بما ترى

فجنودُكم يا رب لا يُحصى لها
عَدٌّ ولا نوعٌ فدمّرْ مَنْ طغى.

-------------------------