المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شعر المعارضات .. دراسة


مطر وقمح
02-13-2012, 10:41 AM
شعر المعارضات في الأدب العربي الحديث

الفصل الثالث من رسالة دكتوراه دولة بعنوان:

المعارضات الشعرية في الأدب العربي الحديث

( الشعر الموريتاني نموذجا )

دراسة نقدية فى وصف الأسلوب الشعري فى الأدب العربي الحديث


الدكتور ابوه ولد أعمر

رئيس قسم اللغة العربية وآدابها

كلية الآداب _ جامعة انواكشوط


يتناول هذا الفصل تمهيدا ومبحثين، على النحو التالي:

• تمهيد: يعرض لشعر المعارضات في الأدب العربي الحديث
• المبحث الأول: شعر المعارضات في الأدب العربي الحديث
• المبحث الثاني: شعر المعارضات في الأدب الموريتاني الحديث.


تمهيد:

هذا التمهيد محاولة إلى التعرف على الأشواط التي قطعها الشعر العربي بشكل عام عبر تاريخه الطويل، وشعر المعارضات في الأدب العربي الحديث بشكل خاص.

فقد مر الشعر العربي بمراحل صعبة من حيث الركود وعدم الاهتمام به خاصة عصر الانحطاط، وبشكل أكثر تحديدا أثناء مراحل الهيمنة الأجنبية وعهود الاستعمار التي مر بها مشرقنا العربي، كما مر بها بلدان مغربنا العربي كذلك، وإن كانت أقل تأثيرا على الموروث الفكري والثقافي، مما هو الحال بالنسبة لمشرقنا العربي.

ولعل ذلك يعود إلى انشغال بعض بلدانه بالصراعات المتعددة كالطائفية، والعرقية، وغيرها من مظاهر النزاعات والنعرات التي كانت أقرب إلى إذكاء للفتن والحروب، أكثر من اهتمامها بكل ما له صلة بالتراث والثقافة.

ومع حلول أواخر القرن التاسع عشر ظهرت بوادر تجديدية للشعر العربي تمثلت في وجود ما يعرف {بظاهرة المعارضات الشعرية}.

تلك المعارضات التي كان لها إسهام كبير في النهضة الأدبية، وإن كانت على الأساليب الشعرية القديمة، حيث أرجع الشعراء المعاصرون الشعر إلى عصوره الذهبية.

ربما تكون محاولة من أولئك الشعراء للاستفادة مما حقوق أسلافهم من شهرة، أو مكانة اجتماعية في عصر ما قبل الإسلام، أو العصور الأدبية المتتال


المبحث الأول:

شعر المعارضات فى الأدب العربي الحديث

يتناول هذا المبحث نماذج من شعر المعارضات فى الأدب العربي الحديث، وفقا لما هو مبين فى النقاط التالية:

1- معارضة محمود سامي البارودي لأبى فراس الحمداني

2- معارضة محمود سامي البارودي للشريف الرضي

3- معارضة أحمد شوقي للبوصيري

4- معارضة أحمد شوقي لابن زيدون

5- معارضة أحمد رفيق المهدوي لأحمد شوقي

6- معارضة أحمد رفيق المهدوي لحافظ إبراهيم

7- معارضة د.عبد المولى البغدادي للبوصيري



شعر المعارضات في الأدب العربي الحديث

لقد مر الشعر العربي بمراحل صعبة من حيث الركود وعدم الاهتمام به خاصة عصر الانحطاط، الذي كانت له انعكاسات سلبية على المشرق العربي، حيث انشغل أهله بالصراعات المتعددة كالطائفية، والعرقية، وغيرها من الصراعات التي كانت أقرب إلى إذكاء للفتن والحروب، أكثر من اهتمامها بكل ما له صلة بالتراث العربي والثقافة.

ومع حلول أواخر القرن التاسع عشر ظهرت بوادر تجديدية للشعر العربي تمثلت في وجود ما يعرف {بظاهرة المعارضات الشعرية} التي كان لها إسهام كبير في النهضة الأدبية، وإن كانت على الأساليب الشعرية القديمة، حيث أرجع الشعراء المعاصرون الشعر إلى عصوره الذهبية.

ربما تكون محاولة من هؤلاء الشعراء لغرض الاستفادة مما حققه أسلافهم من شهرة، ومكانة اجتماعية في عصر ما قبل الإسلام، والعصور الأدبية المتتالية.

فقد تنوعت ظاهرة المعارضات، وتعددت بين شاعر وآخر، وبين شاعر واحد وعدد من الشعراء، نذكر من ذلك على سبيل المثال: معارضة أحمد شوقي([1])، ومحمود سامي البارودي([2])، وأحمد رفيق المهدوي([3])، وحافظ إبراهيم([4])، وناصف أليا زجي([5])، وعبد المحسن ألكاظمي([6]).

وقد يكون هناك آخرون كانت لهم معارضات شعرية لا تقل أهمية عن هؤلاء، في الأدب العربي بشكل عام.

أما في الشعر الموريتاني فيمكن أن نأخذ بعضا من الشعراء أنموذجا لظاهرة شعر المعارضات، مثل: محمد بن الطلبة اليعقوبي([7])، والشيخ محمد المامي([8])، وحرمة ولد عبد الجليل([9])، ومحمد بن حنبل بن الفال([10]).

ولنأخذ مثلا نماذج لبعض من الشعراء الذين كانت لهم إسهامات في المعارضات، نذكر من هؤلاء، معارضات الشعراء الذين تقدمت أسماؤهم، مستهلين هؤلاء بمحمود سامي البارودي:
1.معارضة محمود سامي البارودي{1838-1902م}.لأبى فراس الحمداني
· نبذة عن أبى فراس الحمداني

هو: الحارث بن سعيد بن حمدان ألتغلبي الربيعي، أبو فراس، عاش في الفترة ما بين: 320 - 357 هـ / 932 - 967 م ،شاعر أمير، فارس، ([11]).

ابن عم سيف الدولة. له وقائع كثيرة، قاتل بها بين يدي سيف الدولة، وكان سيف الدولة يحبه ويجله ويستصحبه في غزواته ويقدمه على سائر قومه، وقلده منبج وحران وأعمالها، فكان يسكن بمنبج ويتنقل في بلاد الشام.

جرح في معركة مع الروم، فأسروه وبقي في القسطنطينية أعواماً، ثم فداه سيف الدولة بأموال عظيمة.

قال الذهبي: كانت له منبج، وتملك حمص وسار ليتملك حلب فقتل في تدمر، وقال ابن خلّكان: مات قتيلاً في صدد (على مقربة من حمص)، قتله رجال خاله سعد الدولة.



قام محمود سامي البارودي بمعارضة أبى فراس الحمداني في قصيدته التي يقول في مطلعا:([12])

{الطويل}

أراك عصي الدمع شيمتك الصبـر أما للهوى نهي عليك ولا أمـر

بلى أنا مشتاق وعندي لوعـــة ولكن مثلي لا يذاع له ســـر([13])

أما محمود سامي البارودي، الذى نقدم عنه النبذة التالية ([14]):

هو: محمود سامي باشا بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري، عاش في الفترة مابين:- 1255 1322هـ / 1839 - 1904م.

أول ناهض بالشعر العربي من كبوته، في العصر الحديث، وأحد القادة الشجعان، جر كسي الأصل من سلالة المقام ألسيفي نوروز الأتابكي (أخي برسباي).

نسبته إلى (آيتاي البارود)، بمصر، وكان لأحد أجداده في عهد الالتزام مولده ووفاته بمصر، تعلم بها في المدرسة الحربية.

ورحل إلى الآستانة فأتقن الفارسية والتركية، وله فيها قصائد دعاء إلى مصر فكان من قواد الحملتين المصريتين لمساعدة تركيا، الأولى في ثورة كريد سنة1868، والثانية في الحرب الروسية سنة 1877، وتقلب في مناصب انتهت به إلى رئاسة النظار، واستقال.

ولما حدثت الثورة العرابية كان في صفوف الثائرين، ودخل الإنجليز القاهرة، فقبض عليه وسجن وحكم بإعدامه، ثم أبدل الحكم بالنفي إلى جزيرة سيلان،حيث أقام سبعة عشر عاماً، أكثرها في كندا.

تعلم الإنجليزية في خلالها وترجم كتباً إلى العربية وكفَّ بصره وعفي عنه سنة 1317ه‍فعاد إلى مصر.

أما شعره فيصح اتخاذه فاتحة للأسلوب العصري الراقي بعد إسفاف النظم زمناً غير معتبر، له (ديوان شعر، ط)، جزآن منه، (ومختارات البارودي ،ط) أربعة أجزاء.

فقد تمثلت معارضة محمود سامي البارود في قصيدته الفخرية، التى تقع فى:[25 بيتا ] ، يقول فيها: [15]

{الطويل}

طربت وعادتني المخيلة والسكـر وأصبحت لا يلوى بشيمتي الزجر

كأني مخمور سرت بلســانـه معتقة مما يضمن بها التجـــر

صريع هوى يلوي بي الشوق كلما تلألأ برق أو سرت ديم عـزر([16])

من النفرالغر الذين سيوفهـــم لها فى حواشي كل داجية فجر

إذا استل منهم سيد غرب سيفـه تفزعت الأفلاك والتفت الدهر

لهم غمد مرفوعة ، ومعاقــل وألوية حمر، وأفنية خضر[17]



2- معارضة محمود سامي البارودي للشريف الرضى
· نبذة عن الشريف الرضي

هو: محمد بن الحسين بن موسى، أبو الحسن، الرضي العلوي الحسيني المسوي،([18])، عاش في الفترة ما بين: 359 - 406 هـ / 969 - 1015 م ،أشعر الطاليين على كثرة المجيدين فيهم.

مولده ووفاته في بغداد، انتهت إليه نقابة الأشراف في حياة والده وخلع عليه بالسواد وجدد له التقليد سنة 403 هـ.

له ديوان شعر في مجلدين، وكتب منها: الحَسَن من شعر الحسين، وهو مختارات من شعر ابن الحجاج في ثمانية أجزاء، والمجازات النبوية، ومجاز القرآن، ومختار شعر الصابئ، ومجموعة ما دار بينه وبين أبي إسحاق الصابئ من الرسائل.

توفي ببغداد ودفن بداره أولاً ثمّ نقل رفاته ليدفن في جوار الحسين رضي الله عنه، بكربلاء.

عارضه محمود سامي البارودي في بائيته الطويلة التي تغلب عليها الحكم والألفاظ الجزلة، وكذلك الجد والوقار، وهي التي يقول فيها:[19]

{الطويل}

لغيرالعلى مني القلى والتجنب ولولا العلا ما كنت في الحب أرغـب




إذا الله لم يعذرك فيما ترومه
فإن تلك سني ما تطاول باعها
فحسبي أني في الأعادي مبغض


فما الناس إلا عاذل أو مؤنب
فلا من وراء المجد قلب مدرب
وإني إلى غرب المعالي محب([20])


وكانت قصيدة البارودي التي عارض بها الشريف الرضي تتسم أيضا بالحكمة، وتنحى نفس النهج والأسلوب للقصيدة المعارضة، هذا ما نستخلصه من قصيدة البارودي التي تقع فى:{ 52 بيتا} ، يقول في مطلعها:([21])

{الطويل}




سواي بتحنان الأغاريد يطرب
وما أنا ممن تأسر الخمر لبه
ولكن أخوهم إذا ما ترجحت
نفى النوم عن عينيه نفس أبية
ومن تكن العلياء همة نفسه
إذا أنا لم أعط المكارم حقها
خلقت عيوفا لا أر لإبن حرة
يود الفتى ما لا يكون طماعة
ولو علم الإنسان مافيه نفعه
ولاكنها الأقدار تجرى بحكمها




وغيري في اللذات يلهو ويلعب
ويملك سمعيه اليراع المثقب
به سورة نحو العلا راح يدأب
لها بين أطراف الأسنة مطلب
فكل الذي يلقاه فيها محبب
فلا عزني خال ولا ضمني أب
لدي يدا أغضى لها حين يغضب
ولم يدر أن الدهر بالناس قلب
لأبصر ما يأتي وما يتجنب
علينا وأمر الغيب سر محجب([22])







3- معارضة أحمد شوقي([23]) لقصيدة البوصيري

· نبذة عن البوصيري:

هو: محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري شرف الدين أبو عبد الله ،عاش في الفترة مابين: 696 – 608 هـ / 1212 - 1296 م ([24]). شاعر حسن الديباجة، مليح المعاني، نسبته إلى بوصير من أعمال بني سويف بمصر، أمّه منها. وأصله من المغرب من قلعة حماد من قبيل يعرفون ببني حبنون. مولده في بهشيم من أعمال البهنساوية، ووفاته بالإسكندرية له (ديوان شعر -ط)، وأشهر شعره البردة مطلعها:

[أمن تذكّر جيران بذي سلم]

شرحها وعارضها الكثيرون، والهمزية ومطلعها:

[كيف ترقى رقيك الأنبياء]

وعارض قصيدة كعب بن زهير المشهورة:

[بانت سعاد فقلبي اليوم متبول]

بقصيدته التى يقول فى مطلعها:

[إلى متى أنت باللذات مشغول]

قام أحمد شوقي بمعارضة البوصيري في قصيدته [ الميمية ] التي يقول في مطلعها:([25])

{البسيط}

أمن تذكر جيران بذي سلــــم مزجت دمعا جرى من مقلة بــدم

أم هبت الريح من تلقاء كاظـمـة وأومض البرق في الظلماء من إضم

فما لعينيك إن قلت اكففاهمـتــا وما لقلبك إن قلت استفق يهـــم

أيحسب الصب أن الحب منكتــم ما بين منسجم منه ومضطـــرم

لولا الهوى لم ترق دمعا على طلـل ولا أرقت لذكر البان والعلـــم([26])

وتأتي قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي {نهج البردة} المعارضة لها على نفس المنحى الأسلوبي والعروضي، حيث يقول فيها:([27])

{البسيط}




ريم على القاع بين البان والعلم
رمى القضاء بعيني جؤذرأسدا
لما رني حدثتني النفس قائلة
يا لائمي في هواه والهوى قدر




أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم
يا ويح جنبك بالسهم المصيب رم
لو شفك الوجد لم تعذل ولم تلم




4- معارضة أحمد شوقي لقصيدة ابن زيدون([28])

·نبذة عن ابن زيدون

هو: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي، عاش في الفترة مابين: 463 - 394 هـ / 1003 - 1070 م ([29]). وزير، كاتب وشاعر من أهل قرطبة، انقطع إلى ابن جهور من ملوك الطوائف بالأندلس، فكان السفير بينه وبين ملوك الأندلس فأعجبوا به. واتهمه ابن جهور بالميل إلى المعتضد بن عباد فحبسه، فاستعطفه ابن زيدون برسائل عجيبة فلم يعطف. فهرب واتصل بالمعتضد صاحب أشبيلية فولاّه وزارته، وفوض إليه أمر مملكته فأقام مبجّلاً مقرباً إلى أن توفي باشبيلية في أيام المعتمد على الله ابن المعتضد. ويرى المستشرق كور أن سبب حبسه اتهامه بمؤامرة لإرجاع دولة الأمويين. وفي الكتاب من يلقبه بحتري المغرب، أشهر قصائده:

[أضحى التنائي بديلاً من تدانينا].

ومن آثاره غير الديوان رسالة في التهكم بعث بها عن لسان ولاّدة إلى ابن عبدوس وكان يزاحمه على حبها، وهي ولاّدة بنت المستكفي.

وله رسالة أخرى وجهها إلى ابن جهور طبعت مع سيرة حياته في كوبنهاغن وطبع في مصر من شروحها الدر المخزون وإظهار السر المكنون.

قام أحمد شوقي بمعارضة ابن زيدون في قصيدته (النونية) التي يقول في مطلعها([30]):

{البسيط}




وناب عن طيب لقيانا تجافينــا

شوقا إليكم ولا جفت مآقينـــا

يقضي عليها الأسى لولاتأسينا
سوداء وكانت بكم بيضاء ليالينا[31]


أضحى التنائي بديلا من تدانينا
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنـــا

تكاد حين تناجيكم ضمائرنـــا

حالت لفقدكم أيامنا فغدت




وقد استهل أحمد شوقي قصيدته التي عارض بها ابن زيدون بقوله:([32])

{البسيط}




نشجي لواديك أم نأسى لوادينا
قصت جناحك جالت في حواشينا
إن المصائب يجمعن المصابينا([33])


يا نائح الطلح أشباه عوادينا
ماذا تقص علينا غير أن يدا
فإن يك الجنس ياابن الطلح




إلى قوله:

إذا حملنا لمصر أوله شجنـا لم ندر أي الأمين شاجينــا

قد يلاحظ هنا مدى تأثر أمير الشعراء أحمد شوقي: بإنتاج الشعراء القدامى.

ولعل ذلك يعود إلى اهتمامه بدواوين العديد من الذين عارضهم، حيث تأثرت عواطفه بأشعارهم فترجمها إلى واقع شعري متميز عبر عن ارتباطه بنفس الأسلوب الذي اعتمد عليه الشعراء القدامى في التعبير عن أفكارهم، وتجاربهم، وأحاسيسهم.

ومع أن تلك المحاولات كانت كلها روافد أدبية، خلدت الشعر العربي القديم، وقربته إلى نفوس أجيال الشعراء المعاصرين، وهوما يجعلنا هنا نعتبر معارضات شوقي لابن زيدون الأندلسي فى: {نونيته}، والبوصيري في: {ميميته} نوعا من التجديد والإبداع للتراث العربي القديم.

5- معارضة أحمد رفيق المهدوي لأحمد شوقي

· نبذة عن أحمد شوقي ([34])

هو:أحمد بن علي بن أحمد شوقي، عاش في الفترة مابين: 1351-1285 هـ / 1868 - 1932 م ([35])

أشهر شعراء العصر الأخير، يلقب بأمير الشعراء، مولده ووفاته بالقاهرة، كتب عن نفسه: (سمعت أبي يردّ أصلنا إلى الأكراد فالعرب) نشأ في ظل البيت المالك بمصر، وتعلم في بعض المدارس الحكومية، وقضى سنتين في قسم الترجمة بمدرسة الحقوق.

وأرسله الخديوي توفيق سنة 1887م إلى فرنسا، فتابع دراسة الحقوق في مونبلية، واطلع على الأدب الفرنسي وعاد سنة 1891م فعين رئيساً للقلم الإفرنجي في ديوان الخديوي عباس حلمي.

وندب سنة 1896م لتمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر المستشرقين بجينيف.

عالج أكثر فنون الشعر: مديحاً، وغزلاً، ورثاءً، ووصفاً، ثم ارتفع محلقاً فتناول الأحداث الاجتماعية والسياسية في مصر والشرق والعالم الإسلامي وهو أول من جود القصص الشعري التمثيلي بالعربية وقد حاوله قبله أفراد، فنبذهم وتفرد.

أراد أن يجمع بين عنصري البيان: الشعر والنثر، فكتب نثراً مسموعاً على نمط المقامات فلم يلق نجاحاً فعاد إلى الشعر.

قام أحمد رفيق المهدوي بمعارضة أحمد شوقي في قصيدته: {الربيع ووادي النيل}، والتى يقول شوقي في مطلعها([36]):




حي الربيع حديقــــة الأرواح

وانشر بساحته بساط الراح([37])




آذار أقبل قم بنا يا صــــاح

واجمع ندامى الظرف تحت




حيث عارضها أحمد رفيق المهدوي بقصيدته {الربيع}، التى يقول في مطلعها([38]):

جاء الربيع فقم بنا يا صــاح نلق الزمان يمر بالأفـراح

فى موكب لبس الزمان شبابـه واختال منه، بميعة ومراح

عرس زهت فيه الطبيعة فاكتست حلل النبات البارض الفواح








فى فتية غر الوجوه صباحـا

أدب يفيض كفيضهم بسمـاح

فوق الغصون مصفقا بجنـاح

طربت لشدو البلب الصـداح

صوت كصوت الفحل بين لقاح

يحكي دوي النحل فى الأجباح

المرآة من عذب المذاق قراح







فى أن يكون وسيلة لنجـاح

فى غير جد للعللا وكفــاح


[39]) ويتابع قائلا : (1)





يا صاح قم لاق الربيع بنزهـة

لك من شمائلهم ربيع زهـــره

فى روضة غناء غرد طيرهــا

وتمايلت أفنانها فكأنهــــــا

فى قرب جابية لدفقة دلوهــــا

ولها خرير مسرع متمهـــــل

جمت بذوب الماس فهي كصفحـة



إلى أن يقول: [40]))



زمن الشباب ربيع عمرك فاجتهد

فمن الخمول ربيع عمر ينقضـي







6- معارضة أحمد رفيق المهدوي لحافظ إبراهيم



نبذة عن الشاعر حافظ إبراهيم([41])

هو: محمد حافظ بن إبراهيم فهمي المهندس، الشهير بحافظ إبراهيم، عاش في الفترة ما بين: 1288 - 1351 هـ / 1871 - 1932 م. شاعر مصر القومي، ومدون أحداثها نيفاً وربع من القرن. ولد في ذهبية بالنيل كانت راسية أمام ديروط. وتوفي أبوه بعد عامين من ولادته. ثم ماتت أمه بعد قليل، وقد جاءت به إلى القاهرة فنشأ يتيماً، ونظم الشعر في أثناء الدراسة ولما شبّ أتلف شعر الحداثة جميعاً.

التحق بالمدرسة الحربية، وتخرج سنة 1891م برتبة ملازم ثان بالطوبجية وسافر مع حملة السودان وألف مع بعض الضباط المصريين جمعية سرية وطنية اكتشفها الإنجليز فحاكموا أعضاءها ومنهم (حافظ) فأحيل إلى (الاستيداع).

لجأ إلى الشيخ محمد عبده وكان يرعاه فأعيد إلى الخدمة في البوليس ثم أحيل إلى المعاش فاشتغل (محرراً) في جريدة الأهرام ولقب بشاعر النيل.

طار صيته واشتهر شعره ونثره فكان شاعر الوطنية والاجتماع والمناسبات الخطيرة. وفي شعره إبداع في الصوغ امتاز به عن أقرانه توفي بالقاهرة.

قام أحمد رفيق المهدوي ([42]) بمعارضة أحمد شوقي فى قصيدته [القافية] التى يقول فى مطلعها:






في حب مصر كثيرة العشاق
يا مصر قد خرجت عن الأطواق




كم ذا يكابد عاشق ويلاقــــي

إني لأحمل في هواك صبابة




حيث عارضها بقافيته المشهورة التى يقول أحمد رفيق المهدوي فيها ([43]):




يوم الفراق فهل يكون التلاقي

ودعته راحة قلبي الخفــاق

غير الحنين وزفرة المشتـاق





كان الفراق قيامة العشــــاق

ماله غير اللقاء من الصبابة واقي



علىرقص الجنون، وهزة الأعناق

بالشرع كل تطابق ووفــــاق

بأنواعها فى ضجة ونهــــاق




كادت تطير بأضلعي أشواق

ودعته، والله يشهد أننــي

يا راحلا بالصبر لم تترك لنا


وفيها يقول:

لو كان قبل الموت يوم قيامة

وا لهفتا للقلب بعدك ما لــه

إلى أن يقول رفيق المهدوي :

تلك الكرامةلا التى قصرت على

روح العبادة محض إخلاص له

تلك العبادة فى خشوع ، لا التى






7- معارضة الدكتور عبد المولى البغدادي، للبوصيري في قصيدته الميمية:([44])

{البسيط}




مزجت دمعا جرى من مقلة بـدم
وأومض البرق في الظلماء من إضم


أمن تذكر جيران بذي سلم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمــة


· نبذة عن الدكتور عبد المولى البغدادي([45])

هو: [الدكتور عبد المولى البغدادي، أديب وناقد ليبي، باحث متبصر، عضو هيئة التدريس بكلية الآداب، جامعة الفاتح، شاعر الكلمة الملتزمة، فتح عينيه على شط الهنشير، القريةالتى لاتمل من مناجاة البحر ومداعبة أحلام أمواجه، تنفس عطر الوحي في كتاب الله العزيز الذي اختزنه صدره منذ نعومة أظافره.

أكمل معارفه في رحاب أقدم جامعة حفظت لنا لساننا وفكرنا {الأزهر الشريف}، فاستقام شاعرا يؤمن بالكلمة الحرة أن تكون ملتزمة بقضية الإنسان، كما يؤمن بالفكر إذ يكون الدافع للإنسان صوت التطور وآفاق النور.

أحب الوطن والإنسان والحرية فتجسد ذلك الحب في شعره، اتخذ من الشعر عالما عاش في آفاقه وعاش الشعر في عالمه حتى لكأ نه العاشق يهيم في وديانه.

صار الشعر عالمه الذي لايأنس بسواه حتى غدا مجال قوته وضعفه، فحديثه شعر وأفراحه شعر وأحزانه شع ومداعباته بألوانها المختلفة شعر.

هو رقيق برغم قسوة لسانه، هادئ برغم دوي الثورة والتمرد في داخله، لكنه في كل أحواله صادق الشعور، صادق الكلمة، صادق الموقف..([46])].

قصيدته {اللامية بلغت حوالي:231 بيتا}، والتى أقل ما توصف به أنها جامعة، حيث احتوت على كثير من الصور البلاغية والمعاني الدينية والأدبية الرائعة، إضافة إلى ما اتسمت به من معان بديعية، ومحسنات لفظية، وموسيقى شعرية أضفت إليها رونقا جماليا متميزا.

فالقصيدة ركزت على مضامين متعددة، كالتبتل، ومناجاة الخالق عز وجل، والمديح النبوي، والتعلق برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي بعث رحمة للعالمين.

إضافة إلى ما تضمنته من أمثال وحكم، وغير ذلك من الأساليب الراقية التي تسمو بالإنسان إلى عالم يتلاءم والمكانة التي أرادها الله للإنسان، وفقا لما عبر عنه المولى عز وجل فى كتابه المحكم: [ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا([47]) [.

فقصيدة الدكتور عبد المولى البغدادي:

{مولاي عبدك بين اليأس والأمل}

هي كما يصفها مقدم القصيدة: الأستاذ محمد بشير مروان، أمين اللجنة الشعبية للهيئة العامة للأوقاف وشؤون الزكاة، بأنها تعتبر:

"لونا جديدا من ألوان الشعر الديني يتمثل الواقع المحسوس ويترسم الجوانب الإيجابية بعيدا عن الاتكال إلى السلبيات والمبالغات التي لا لزوم لها ولا مصداقية لذكرها.. فالدكتور عبد المولى البغدادي قد استطاع اقتحام هذا المجال بجدارة فهو مهيئ لذلك بمؤهلاته الدينية والشعرية والاجتماعية، فهو من حملة كتاب الله([48])".

كما أنه لم ينس أن يضمن هذه القصيدة معالجات الجوانب الدنيوية والإنسانية الأخرى، والتى سنتتبع مقاطع منها بدء بالافتتاحية التقليدية التي نهج عليها الكثير من الشعراء القدامى.

استهل الدكتور عبد المولى البغدادي قصيدته المديحية بحمد الله عز وجل، والثناء عليه، والإقرار بوحدانيته، ثم الصلاة والتسليم على شفيع أشرف الرسل.. فقال: ([49])




يا خير مولى لعبد حائر السبل
به عبوديتي من سابق الأزل
بشفيعي أشرف الرسل
لعلها خير آمالي ومحتفلي
به وبالرسل لا يخشى من الفشل
من حالك اليأس أعراس من الأمل
ما أجمل الوصل والقربى لمنفصل
تنهال في هاجسي كالمنهل النهل
ذنوب عمرمضى[فى اللهو والغـزل






مولاي عبدك بين اليأس والأمل
والحمد لله مولاي الذي شرفت
مصليا بصلاة الله واصلة
واستمد الرضا منه لأمنية
والمستعين بعون الله محتميا
إني تبا شرت واستبشرت وانبثقت
وانهل فيض من البشرى يعانقني
هلت مع الفجر أنفاسا معطرة
[يا مرشدي]لمديح أستقيل بـــه


ويتضح من أسلوب الدكتور عبد المولى البغدادي أن معارضته لقصيدة البوصيري جاءت نتيجة لتعلقه وإعجابه بشخصه، ولعل هذا ما حدا بمحمد محمود قاسم نوفل إلى القول: "فشاعر المعارضة ينظم للإعجاب والتقليد الفني الرائع، ليجدد بذلك موضوع قصيدة لها مكانتها([50])".

فإعجاب الدكتور البغدادي ببردة البوصيري ربما دفعه إلى القول إنه تعلق بها منذ طفولته، كما نقل عنه الأستاذ محمد بشير مروان بقوله:

" وأنه حفظها مع أوائل سور القرآن الكريم في كتاب جامع بيت المال بشط الهنشير، ضمن مجموعة الأطفال الذين لم يكن أمامهم إلا هذا المسلك للتعليم وكان ذلك خلال أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، ويذكر أنه كان ينشدها ويتغنى بها في المناسبات الدينية والاجتماعية([51])".

وهذا ما عبر عنه الدكتور عبد المولى البغدادي في نفس القصيدة قائلا:






عمن يحبون ما انساقوا إلى الخطل
أو غيرة الحب جرتهم إلى العـذل
ستستفز خفايا أنفس خمـــــل
مني إليك ولو أنصفت لم تلــم([52])]


لو أنهم جربوا سحر الهوى، ونهوا
لعلها هفوة بيضاء عابرة
وقالها وهو يدري أن بردته
[الائمي في الهوى العذري معذرة


وفى القصيدة يتعرض الدكتور عبد المولى البغدادي إلى تاريخ ومكان إنشاء وإعداد قصيدته، حيث يقول([53]):




فى مرفأ بين موج البحر والجبل([54])
لعل بعض الهوى مازال في الطلل
أو أنها في حمى(الشعاب) لم تزل




وشاء مولاي أن أحظى بمولدها
بقلعة تحرس الأطلال تحضنها
كأن فيها أصولا من طرابــــلس


ومنها:




للمرء أزرى من الإلحاح في السؤال
عليك أنهما كالسائق الثمل
يكفيك ما فيك من داء ومن علل
للمتعبين وروضا وارف الظلـــل


واربأ بنفسك عن ذل السؤال فما
ولا تدع للهوى والنفس من أثر
لا تلق نفسك للآفات تدمنها
واجعل من البسمة السمحاء منشرحا


ويختتم الدكتور عبد المولى البغدادي قصيدته الرائعة بالتضرع إلى الله عز وجل طالبا عفوه ومغفرته، ملتمسا حلمه ورحمته التي وسعت كل شيء، لقوله تعالى: [واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفى الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون([55])].

تلك الرحمة التي بشر المولى عز وجل بها بعض عباده خاصة الذين لم يكبحوا جماح أنفسهم واتبعوا الشهوات، وغرتهم الحياة الدنيا، وأصابهم الندم على ما فرطوا في جنب الله، حيث تجلت قدرته وعظمت مغفرته ورحمته بقوله تعالى: [ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم([56]) ].

وهذا المعين الذي لا ينضب هو ما عناه الدكتور عبد المولى البغدادي بأسلوب رقيق، وقلب خاشع، وذلك بقوله:




وكيف لا وأنا عبد لخير ولي
مولاي رفقك بي مولاي عتقك لي
مولاي عفوك عني قبـل قبضـــك لي

إلى رحا بك فاغمرني بحبك لي
مولاي واجعل جوار المصطفى نزلي
واختم بتحقيق ما في النفس من أمل
نور الإله وسلم واستجب وصـــــل

وأنزل الله فيهم وحيه فتلى
فإنني عبد مولى خاتم الرســــــل


مولاي لي فأل بتسميتي
مولاي لطفك بي مولاي حلمك بي
مولاي صفحك عني قبل بعثك لــي

مولاي مولاي إني عائد حذر
وهون الخطب عني إن دنا أجلي
وباعد السوء والأهوال عن وطني
مولاي مولى رسول الله صل علـى

وآل بيت رسول الله من صدقوا
لا تحرموني عباد الله دعوتكم





وإذا كانت المعارضة قديمة قدم الشعر العربي كما وضحنا في دراستنا لتاريخها، فإنها أيضا ظاهرة يختص بها الأدب العربي كما يرى محمد الهادي الطرابلسي بأنها تعتبر: "ضربا من ضروب نظم الشعر يختص به الأدب العربي، نشأ منذ عصور الحضارة العربية الأولى([57])]".

وفى هذا المضمار يحدد محمد بن سعيد بن حسين مفهوم المعارضة بقوله: "والمعارضة في الشعر أن ينظم شاعر قصيدة أو مقطوعة يحتذي فيها نصا لشاعر فينسج على منواله والغالب أن المحتذي لابد أن يتوخى في نظمه ألا يقصر دون المحتذى، بل يعمل على أن يزيد عليه ويتفوق في صوره وأخيلته ومعانيه([58]) ".

على أن ابن سعيد بن حسين يشترط التقاء النصين في الوزن والقافية، ويجيز عدم اشتراكاهما في الموضوع، ذلك ما يتضح لنا من قوله: "ولابد من التقاء النصين {المحتذى والمحتذي} في الوزن والقافية، وليس من المفروض المحتوم التقاؤهما في الموضوع، وإن كان الغالب اتحاد هما فيه أيضا([59]) ".

وإذا كانت أهم مرتكزات المعارضة التامة بين أي نص شعري وآخر فإنها تتمثل في : [ وحدة البحر، وحدة القافية، وحدة الموضوع [، فإن محمد محمود قاسم نوفل يرى أن هناك معارضات تسمي ( المعارضات الناقصة ) وهي التي لا تشترك في البحر ولا في الموضوع([60]).

وهذا هو ما ينطبق تماما على المعارضة التى كانت بين أيدينا، ولعل ذلك ما أضفى إليها حسنا وجمالية في الأسلوب والصياغة، إذ يعد الاختلاف بين المحتذي والمحتذى في الروي ، وهو من بين العوامل التى أجازه بعض النقاد ، كما تقدم ([61]).

وكان محمد محمود قاسم نوفل قد ضرب لذلك مثلا معارضة الكميت بن زيد ألأسدي([62]) لذى الرمة([63]) في قصيدته البائية التي يقول في مطلعها:

{البسيط}




كأنه من كلى مقرية سرب
مشلشل ضيعته بينها الكتب


ما بال عينيك منها الماء ينسكب
فراء غرفية أشأى خوار زها




فعارضه الكميت في قصيدته التي يقول فيها:

{الطويل}




ولا لعبا مني أذو الشيب يلعب
ومالي إلا مذهب الحق مذهب
نوازع من قلبي ظمـــاء وألبــب

ويوم حنين والدماء تصبب




طربت وما شوقا إلى البيض أطرب
فمالي إلا آل أحمد شيعة
إليكم ذوى آل النبي تطلعــــت

هم شيدوا بدرا وخيبر بعدهـــا






المبحث الثاني:



شعر المعارضات في الأدب الموريتاني الحديث



يتناول هذا المبحث نماذج من شعر المعارضات فى الأدب الموريتاني على النحو التالي:

1- معارضة محمد ولد الطلبة {اليعقوبي} للشماخ بن ضرار الغطفاني

2- معارضة محمد ولد الطلبة {اليعقوبي} لحميد بن ثور الهلالي

3- معارضة محمد ولد الطلبة {اليعقوبي} للأعشى ميمون بن قيس

4- معارضة حرمة ولد عبد الجليل للخنساء

شعر المعارضات في الأدب الموريتاني الحديث

إذا كانت موريتانيا من بين الدول العربية التى استقلت عن الاستعمار الفرنسي فى مطلع الستينيات من القرن الماضي، وهو ما يجعلها حديثة العهد فى نظر البعض، فإن المجتمع الموريتاني -على الرغم من صعوبة الأرض وقساوتها- كانت تحكمه نظم قبلية ترقى أحيانا إلى نظم الدول حاليا .

فكل قبيلة لها نظامها الخاص ومميزاتها الاجتماعية، التى تصبح عرفا بين أبناء القبلة ومن هم فى شاكلتها مع مرور الزمن، وهذا النظام القبلي فى موريتانيا كان له دور فعال فى جوانب متعددة، منها حماية الأفراد وممتلكاتهم من أي اعتداء خارجي.

وهذا ما أشاد به الرحالة ابن بطوطة خلال رحلته التى قادته إلى بعض من مدن بلاد {شنقيط([64]) } خاصة مدينة( ولاته([65]) ) ، حيث اتصل ببعض القبائل الموريتانية ، التى أعجب بكرم أفرادها واحترامهم للضيوف ، وفى ذلك يقول :

" وأما هؤلاء فهم مسلمون، محافظون على الصلوات وعلم الفقه وحفظ القرآن..إذ لا حاجة إلى السفر فى رفقة لأمن تلك الطريق ([66]) ".

ومن هنا فقد كان الشعراء الموريتانيون مولعين بالتراث العربي خاصة عصوره القديمة، وهذا ما يعكس اهتمام بعضهم بالشعراء القدامى، وهو ما سنتناوله فى الدراسة التالية

أولا: معارضات محمد بن الطلبة اليعقوبي لبعض من فحول الشعراء، كالشماخ بن ضرار الغطفاني، وحميد بن ثور الهلالي، والأعشى: ميمون بن قيس البكري، وقبل أن نتتبع تلك المعارضات، حاولنا أن نقدم نبذة عن الشعراء المعنيين بالمعارضات فى هذا المبحث، وذلك وفقا لما يلي:

أولا: معارضة محمد بن الطلبة للشماخ بن ضرار

1. الشماخ بن ضرار([67])

نبذة عن الشاعر:

هو: الشماخ بن ضرار بن حرملة بن أمامة المـازني الذبياني الغطفـــاني (ت: 22 هـ /643 م).

شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، عده ابن سلام الجمحي من الطبقة الثالثة من طبقات فحول الشعراء، ، من أمثال لبيد والنابغة. كان شديد متون الشعر، ولبيد أسهل منه منطقاً، وكان أرجز الناس على البديهة. جمع بعض شعره في ديوان. شهد القادسية، وتوفي في غزوة موقان. وأخباره كثيرة.

قال البغدادي وآخرون: اسمه معقل بن ضرار، والشماخ لقبه.([68])

وصفه ابن سلام بقوله:" فأما الشماخ فكان شديد متون الشعر، أشد أسر الكلام من لبيد([69])"، وللشماخ قصته المشهورة مع عرابة لأوسي الذي كان شعره سببا في رفعه لما نقل عنه من أشعار في مدحه، كقوله:




إلى الخيرات منقطع القرين
تلقاها عرابة باليميــن([70])




رأيت عرابة لأوسي يسمو
إذا ما راية رفعت لمجد


وقد شهد الشماخ القادسية، وكانت وفاته في غزوة بوقان..([71]).

وما يهمنا في هذه الدراسة هو قصيد ته الجيمية التي عارضها ابن الطلبة، والتى يقول فيها ابن ضرار:




فقد هجن شوقا ليته لم يهيج[72]بنجد ين نوى أم حشرج




ألا ناديا إظعان ليلى تعرج
أقول وأهلي بالجناب وأهلها




وإذا تتبعنا قصيدة الشماخ بن ضرار هذه التي تقع فى:{58 بيتا}، والتى عارضها ابن الطلبة، نجد الأسلوب الغزلي يطغى على معظمها إن لم نقل كلها، فقد بدأ الشاعر قصيدته بوصف الظعن:

ألا ناديا إظعان ليلى تعـرج فقد هجن شوقا ليته لم يهيـج

وكان بارعا إلى حد ما في أوصاف النساء، وإن كانت هذه الأوصاف لا تخلو من التصريح الجارح:

هضيم الحشا([73]) لا يملآ الكف خصرها وملأ منها كل حجل ودملج

ويتضاعف ألم حرمان الشاعر من الوصل والتعلق بالمحبوب مع تلهف شديد إلى ما يمكن الحصول عليه من معلومات عنها كأبسط أسلوب يساعده على السيطرة على نفسه:

يقر بعيني أن أنبأ أنها وإن لم أنلها أيم لم تزوج([74])

ويستخلص ابن ضرار في قصيدته الجيمية إلى موضوع آخر لا يقل أهمية في نفسه عن الموضوع الغزلي وهو الفخر، وإن كان الشاعر يحاول أن يبرز فيه كل المعاني والأخلاق السامية، بما فيها التفاني في خدمة الآخرين، وهو مظهر من مظاهر الشرف المحمودة:

وأشعث قد قد السفار قميصه وجر الشوال بالعصا غير منضج([75])

ويتمادى الشماخ في الافتخار بالنفس والصحب بما فيهم من كريم لا تشوبه شائبة لؤم تدفع عن المكارم، والشجاعة التي يتصف بها كل فرد من هؤلاء الصحب الذين لا يرضون لأنفسهم أدني الهمم ولا أدون المعيشة، وإنما يطلبون غايات الكرم ونهايات الفضل.

وتبقى الناقة رفيق الترحال والتجوال المفضل لدى ااشاعر، وذلك بما تمثله من مكانة متأصلة في نفسه الشاعر، وهو ما ينعكس على أوصافه لها حيث يصفها تارة بالطير وذلك لما تتسم به من سرعة وكمال خلق:

قليلا كحسو الطير ثم تقلصت بنا كل فتلاء الذراعين عوهج

وتارة أخرى بحمار الوحش الضامر الذي تكلفت الصحراء الجرداء بتكوينه تكوينا محكم الخلق:

أقب ترى عهد الفلاة بجسمه كعهد الصناع بالجديل المحملج

ولعل هذا الوصف الذي استعاره الشماخ لناقته لم يكن عابرا بقدر ما كانت له دوافعه المهمة عند الشاعر، فقد احتلت أوصاف الحمار الوحشي أكثر من ثلث القصيدة، ونجده يبالغ في هذه الأوصاف في البيتين التاليين، حيث يصف فيهما نهيق الحمار:

إذا رجع التعشير ردا كأنـه بنا جذه من خلف قارحه شج([76])

بعيد مدى التطريب أولى نهاقه سحيل وأخره خفي المحشرج([77])

ويمكننا أن نستخلص من النماذج التي قدمنا من قصيدة الشماخ بن ضرار النقاط التالية:

1. الغزل، وخصص معظمه لوصف الظعن، ووصف المحبوب، إضافة إلى ما يحز في نفسه من آلام الحرمان، وخيبة الأمل في تحقيق هوى النفس الذي كان أهم شيء يصبو إليه في حياته.

2. الفخر، وركز هذا الجانب على الافتخار بنفسه، وأصحابه، وماكان لهم من أخلاق عالية ومكانة في قومهم، ولدت في نفوسهم حب الكرم والشهامة.

3. أوصاف الناقة، بما لها من سرعة، وقوة، وتحمل للمشتاق، من خلال قطع المسافات الطويلة، وغير ذلك، مما أهلها إلى أن تحوز على اسم: {سفينة الصحراء}.

4. وصف الحمار الوحشي، وكأن هدفه من ذلك مقارنة بينه وبين ناقته، وإن توسع في هذه الأوصاف لتشمل نهيق الحمار الوحشي.

محمد ولد الطلبة اليعقوبي:

نبذة عن الشاعر([78]):

هو: محمد {الذى اشتهر ب: امحمد بن الطلبة} بن محمد الأمين بن محمد آب بن المختار بن الفغ موسى بن يعقوب بن أبى موسى بن عامر.. ينتهي نسبه الى جعفر بن أبى طالب ذي الجناحين {شهيد مؤته}.

مولد ابن الطلبة ووفاته: {1774 – 1856 م}، وقد مهد لحركة علمية وأدبية خلدت ذكره عبر الأجيال، للمزيد([79]).

أما قصيدة محمد بن الطلبة اليعقوبي {الجيمية} التي عارض بها الشماخ بن ضرار، فإنها إذا كانت تتفق معها فى البحر، والروي، فإنها لم تتفق معها في عدد الأبيات.

فالشماخ بن ضرارتقع قصيدته - كما أسلفنا – فى:{ثمانية وخمسون بيتا}، أما قصيدة ابن الطلبة المعارضة لها فإنها تقع في:{مائة وبيتين}.

وهناك أمران آخران قد لا يتفق ابن الطلبة مع الشماخ فيهما: تسميات الأماكن، والارتباط بالبيئة.

فابن الطلبة قلما يذكر اسما لموضع خارج محيطه الجغرافي، في حين يتقيد الشماخ بما ألفه من معاصريه من الشعراء وأ ورثوه من شعراء جاهلين من مسميات اشتهر تناولها بين شعراء البدو.

التكسب بالشعر، فالشماخ – كما تقدم أن أشرنا – إلى موقفه مع عرابة لأوسي، حيث مدحه بقصيدته {النونية} التي مطلعها:

كلا يومي طوالة وصـل أروى ظنون آن تطرح الظنـون([80])

وفيها يقول:

إليك بعثت راحلتي تشكي كلوما بعد مقعدها السمين

وفعلا، فإن عرابة لم يرد {الراحلة خائبة}، فقد بذل له في سنة شديدة وسق بعير تمرا ([81]).

غير أن شخصية الشماخ ومكانته الاجتماعية والثقافية لم تسلم من الآثار السلبية لذلك العطاء الذي قدح في مروءة الشماخ، وحط من قدره، لسقوط همته عن درجة مثله من أهل البيوتات وذوى الأقدار([82]).

والأمر هنا يختلف بالنسبة لابن الطلبة، وذلك لأسباب نذكر منها:

1. عدم شيوع ظاهرة التكسب في البيئة الموريتانية وخاصة {في عصر الشاعر}، وفى حالات وجود التكسب به فإنه لم ينتشر بين ذوى المراكز الاجتماعية، بل اقتصر على ما يعرف في المجتمع الموريتاني ب: {الفنانين}، وهم المطربون الذين يخلطون بين نظم المدائح الشعرية(باللهجات الشعبية)، وبين وضع الموسيقى لها.

2. شخصية ابن الطلبة، وما طبعت عليه من كرم ومروءة، تجعله يتحاشى كل شيء ينقص من تلك الطباع الحميدة التي يتحلى بها.

لعل هذين السببين المتقدمين كانا وراء عدم تكسب ابن الطلبة بشعره، فأصبح بذلك مخالفا سنن من عارضهم، خاصة الأعشى والشماخ بن ضرار.

إذن فلنتتبع ابن الطلبة في قصيدته {الجيمية}التى عارض بها ابن ضرار، حيث يقول([83]):




أما لضياء الصبح من متبلج ؟
وليس لنجم من ذهاب ولا مج

تشد هواديه إلى هضبتي إج




تطاول ليل النازع المتهيج
ولا لظلام الليل من متزحزح

فيا من لليل لا يزول كأنما




ومادامت معارضة محمد بن الطلبة للشماخ تختلف إلى حد ما عن بعض المعارضات الأخرى، وذلك في كونه لم يتفق مع الشاعر فيما ذكرنا في أوجه من بينها {التكسب، وعدم الالتصاق بالبيئة}.

فما هي إذن النتيجة من المعارضة ؟ أو بالأحرى ما هي الدوافع الأساسية لمعارضة ابن الطلبة للشماخ ؟.

ولماذا اختاره دون غيره من الشعراء لهذه المعارضة التي تعتبر في حد ذاتها نوعا من التحدي، يبدو فيه ابن الطلبة واثقا من نفسه وقدرته على التفوق ؟

وهذه الثقة بالنفس والقدرة على التفوق لم يقتصر فيها ابن الطلبة على الشماخ فقط، بل وحميد بن ثور الهلالي، وذلك في قوله:

"[أرجو من الله أن أقعد أنا والشماخ بن ضرار في ناد من أهل الجنة وننشد بين أيديهم قصيدتينا لنعلم أيهما أحسن([84])".

ونفس الأسلوب نلاحظه عند ابن الطلبة مع حميد بن ثور الهلالي في قوله: "أرجو من الله أني أنا وحميد بن ثور ننشد قصيدتينا في ناد من أهل الجنة فيحكمون بيننا([85])".

وإذا حاولنا الإجابة على هذه الأسئلة ينبغي ألا نتجاهل ذوق الشاعر للأدب كفن مثالي لتغذية الروح، وكرمز حضاري لأي مجتمع يعبر عما توصل إليه من تقدم ورقي.

وهنا يصبح الأدب بصفة عامة، والشعر بصفة خاصة مجالا للإبداع والسمو بهذا الأدب من خلال التعبير الصادق والحس المرهف والذوق السليم.

ولعل هذا الإحساس ما دعا ابن الطلبة إلى هذه المعارضات بما تحمله من معان إحيائية للتراث العربي القديم.

أما اختياره لهذه القصيدة {الجيمية} من شعر الشماخ، فلعله عائد إلى جماليتها، بل ولكونها أجمل قصائده حسب ما يرى محقق ديوان الشماخ([86])، وذلك فيما نقل عن الأصمعي في قوله:

[وحسبك شاهدا بجودتها قول الأصمعي للخليفة الرشيد حين سأله رأيه في هذه القصيدة حيث رد عليه قائلا: هي عروس كلامه([87])].

وهذا لاختيار للقصيدة يلفت انتباهنا إلى البحث عن سر اختيار ابن الطلبة للشماخ صاحب القصيدة نفسها.

والذى نرجح أن يكون سببه تقارب الذوق بين الرجلين خاصة في الأسلوب والمعنى من جهة،واهتمام الشماخ أكثر من غيره بالبيئة وما تحويه من فضائل

كقوله:

إني امرؤ من بني ذ بيان قد علموا أحمي شريعة غير مردود([88])

غير أن الدكتور أحمد ولد الحسن يرى أن "محمد بن الطلبة عارض هؤلاء([89])، لأن الأولين صحابيان، والثالث معاصر لظهور الإسلام، فهو يهرب من الجاهليين الأقحاح بوازع ديني([90])].

وهذا الافتراض وإن كان لا يخلو من الصواب إلا أننا نعتبر الاحتمال الثاني أقرب، وهو أن الشاعر كانت له غاية تعليمية، ولو جزئيا، وهي أن ينشر شعر هؤلاء الشعراء، ويدعو إليه في وسط يهتم بغيرهم من المشاهير.

وإذا حاولنا دراسة تحليلية لقصيدة محمد بن الطلبة {الجيمية} التي عارض بها {جيمية}الشماخ التي تقدم الحديث عنها، تلفت انتباهنا ظاهرة لم نلاحظها في جيمية الشماخ {المعارضة}.

لعل تلك الظاهرة متمثلة في مبالغة ابن الطلبة في الجانب الغزلي الذي طغى على الجزء الأكبر من هذه القصيدة التي افتتحها الشاعر بقوله:

تطاول ليل النازع([91]) المتهيـج أما لضياء الصبح من متبلـج ؟

وهذا الشعور بالغربة عن مسقط الرأس، وما أبداه الشاعر من إحساس به وتلهفه إلى العودة في وقت قد لا يتجاوز أكثر من أمنية بعيدة المنال، كل ذلك كان من أهم الدوافع التي نظمت فيها هذه القصيدة.

تلك القصيدة التي يبدو أنها كانت تنم عن شعور عميق، وإحساس مرهف بما يعانيه ابن الطلبة من أمور جاء تعبيره عنها وصفا صادقا يدور في خلجات نفسه.

وانطلاقا من تلك الرؤى يمكن أن نقسم جيمية ابن الطلبة إلى عناصر أهمها:

وصف الطبيعة، ونعني به تأثر الشاعر بمظاهر معينة بلغت في نفسه مبلغا انعكست في شعره، فمثلا: تأثره بالليل ووصفه له بالطول والثقل:

فيا من لليل لا يزول كأنمــا تشد هواديه إلى هضبتــي إج

ولعله تأثر بوصف امرئ القيس لذلك المظهر الكوني:

فيالك من ليل كأن نجومـــه بكل مغار الفتل شدت بيذبــل

وتأثر ابن الطلبة بالليل يبدو أن دافعه القوي كان مسرى الطيف، بل وقد أثار في نفسه كل هذه الشجون

سرى يخبط الظلماء من بطن تيرس([92]) إلى لدى ابربيرة لم يتعرج

1- وصف الأماكن، فقد وصف ابن الطلبة العديد من الأماكن وصفا دقيقا، يعبر عن تعلقه بها، ومعرفته الدقيقة لكل شبر منها، وهو ما يتضح في حديثه عنها:

إلى البئر فالحواء فالفج فالصواء صوى تشل فالأجواد فالسفح من إج[93]

ويتضح بشكل أكبر في وصفه للرحيل من مكان إلى آخر والطريق التي كان يسلكها الحي، ومنازل هذه الأحياء:

ومنهم بأوشال الندى منازل وحي على أوشال الأقيرح

هذه الأماكن يظهر حبه لها، وتأثيرها في نفسه كلما ذكرها أو تذكر أيام الترحال عنها بعد أن شهدت الأحياء في رحابها أجمل فصول السنة،ألا وهو الخريف بما يحمله في النفوس من أمل الخير والرخاء.

منازل قد كان السرور محالفي بها هي عندي بين سلمى ومنعج

2- وصف الظعائن، وقد احتل الكثير من قصيدته، فتارة يذكر الظعائن في أسلوب يسرد فيه ذكريات الماضى غيرأنه لم يحدد هذه الظعائن بشكل معين:

وذكرة إظعان تربعن باللـوى لوى الموج فالخبتين من نعف دوكـج[94]

وتارة أخرى يذكر ظعن القبيلة على سبيل الاستحسان بما لهن من مظاهر براقة فىالهيئة والجمال:

ظعائن بيض قد غنين بنضرة تروق على غض النضير المبهج

3- وتكتمل الصورة الخيالية عند ابن الطلبة للظعائن، حيث ينتقل من وصف هذه الظعائن إلى الافتخار بأجداده الذين تمثل هذه الزهرات جزء منهم:

ظعائن ينميها إلى فرع العــلا لعامر يعلى كل أزهر أبلج[95]

ولا يقتصر ابن الطلبة على هذه الأوصاف وحدها، بل يتجاوزها إلى أبعد من ذلك.

وهنا قد ينعكس في وصفه للظعائن الطابع البدوي المتأصل الذي تأخذ الصورة فيه شكلا بعيدا عن مظاهر الحضر الزائفة(فى نظره):

ظعائن لم تألف عصيدا ولم تبت سواهر ليل الجر جس المتهزج([96])

ولكن غذاها رسل عود بهــازر مورثة من كل كوماء صمعج([97])



وهذه النزعة البدوية التي نلاحظ عند الشاعر تذكرنا بموقف أبى الطيب المتنبي ([98]) من جدلية صراع الحضارة والبداوة.

فالمتنبي حاول أن يقارن بين الحياة البدوية والحضرية، ثم جاءت استنتاجاته في نظريته التقويمية بين المرأة الحضرية والبدوية التي حددها بقوله:




ما أوجه الحضر المستحسنات به
حسن الحضارة مجلوب بتطرية
أين المعيز من الآرام ناظرة
أندى ظباء فلاة ما عرفن بها
ولا برزن من الحمام ماثلة




كأوجه البدويات الرعابيب([99])
وفى البداوة حسن غير مجلوب
وغير ناظرة في الحسن والطيب
مضغ الكلام ولا صبغ الحوا جيب
أوراكهن صقيلات العراقيب




وهذه المقارنة التي ذكر المتنبي فيها مظهري الجمال الاصطناعي، وهو جمال الحضريات، والجمال الطبيعي وهو ما تمثله البدويات من لين جسم وامتلاء أعضاء.

هذا إضافة إلى تشبيهه الحضريات بالمعيز، والبدويات بالظباء وهو ما يمثل بونا جماليا شاسعا.

غير أن عزوف الشاعرين عن الحضر واعتبار هذا الواقع مسألة صراع بين الحضر والبدو، لم يكونا وحديهما في هذه النظرة، فقد اتفق مع هما الكثير من الشعراء، خاصة الذين استهوتهم الحياة البديوية، بما تتميز به من فسحة وحرية، وغيرها من العوامل التي يجد الشاعر فيها فضاء أكثر تطابقا من الحياة الحضرية.

ولعل هذا الشعور نفسه هو ما نجده عند الشاعر يعمر بن حزن السعدي المعروف بـ: "ابن نخيلة([100])" في قوله:

جارية لم تأكل المرققــا ولم تذق من البقول الفستقـا([101])

ويظل الحديث عن الظعن يشغل مخيلة ابن الطلبة في جيميته التي عارض بها ابن ضرار، فيصف الحبيبة التي شبهها بالسحابة قائلا:

وفى الظعن مجوال الوشاح كأنهـا صبير حيا في بارق متبـوج

ربما كان محمد ابن الطلبة متأثرا في وصف حبيبته بالسحابة الكثيفة بقول طرفة:

كبنات المخر يمأدت كما أنبت الصيف عساليج الخضر

4- وصف الناقة

5- ، لم يأت وصف الناقة في شعر ابن الطلبة مسألة عارضة بقدر ما كان تعبيرا عن شعوره الذي كانت تمثل فيه الكثير، فالناقة منها المركوب، ومنها مصدر الغذاء.

إضافة إلى ما تمثله كرمز للبيئة العربية القديمة التي يعتبر نفسه ممثلا لجانبها المعنوي، وعلى هذا جاء شعره في الناقة متنوعا، حيث يصفها بالقوة والسرعة، وتحمل مشاق الطرق والأعباء

عجمجمة ر وعاء زيافة السرى أمون كبرج الأندر المؤرج[102]

6- وصف الحمار الوحشي، ولم ينس الشاعر حمار الوحش فيخصص له ما يربو على {عشرين بيتا من قصيدته}، مقدما عنه لوحة فنية رائعة الجمال.

7- الفخر بالنفس ، وأخيرا يختتم ابن الطلبة قصيدته بالفخر بالنفس ,والصحب بما لهم من خصال محمودة:

كرام صفت أخلاقهم وتمخضـت وليس الصريح المحض مثل المزج[103]

ونستخلص من هذه المعارضة التقاء الشاعرين، بل واتفاقيهما في العديد من الأفكار التي عرض كل منهما، والجوانب التي تناولاها، خاصة الجانب الغزلي.

فالشماخ أعطى للمرأة والحديث عنها – بأسلوب جارح إلى حدما – اهتماما أكبر، كذلك الشأن بالنسبة لابن الطلبة، الذي أضاف إلى حديثه – غير الجارح – عن المرأة.

كما نلاحظ أوصافا أخرى كالليل والطيف، والحديث عن الحل والترحال، هذا بالإضافة إلى حديثه عن أسماء الأماكن التي حظيت باهتمام كبير من طرفه.

وإذا كان الشاعران تحدثا بإسهاب عن الفخر، ووصف الناقة، والحمار الوحشي، فإن ابن الطلبة كان أكثر تحمسا من الشماخ، خاصة في جانب الفخر الذي ضمنه {الافتخار بالنفس، والافتخار بالقبيلة}.

فى حين اقتصر الآخر على {الافتخار بالنفس، والصحب}، غير أن افتخار ابن الطلبة بأصحابه لم يتجاوز الجوانب الأخلاقية ذات الطابع الديني، خلافا للشماخ الذي اهتم بجوانب أخرى كالشجاعة، والبطولات العسكرية.

أما الحديث عن الناقة فقد أخذ شكلا أكثر بعدا عند أبن الطلبة، حيث وصف الظليم والنعام، في قصيدته، مشبها سرعتهما بسرعة ناقته ذات البنية الضخمة، والنشاط المستمر.

بينما لم يتجاوز الآخر وصف الحمار بعد أن وصف ناقته بأوصاف متعددة الأشكال.

هذا في الوقت الذي نلاحظ فيه اعتماد ابن الطلبة على مقاطع متعددة من قصيدة الشماخ مثل:

[لم يتعرج، لم تتلجلج، هودج، مدلج، مفلج، مضرج، مشجم، منعجم،وملهج، المتوهج..([104])]، وغير ذلك من المقاطع، والمعاني التي ضمنها الشاعر قصيدته.

ثانيا: معارضة محمد بن الطلبة لحميد بن ثور الهلالي

2. حميد بن ثور الهلالي ([105]).

نبذة عن الشاعر:



هو: حميد بن ثور بن حزن الهلالي العامري، أبو المثنى، {توفي نحو سنــة: 30 هـ/نحو: 680م} وقيل:( ? - 30 هـ / ? - 650 م ([106]) )

شاعر مخضرم عاش زمناً في الجاهلية وشهد حنيناً مع المشركين.

وقد وأسلم ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم، ومات في خلافة عثمان رضي الله عنه، وقيل أدرك زمن عبد الملك بن مروان.

قال الأصمعي: الفصحاء من شعراء العرب في الإسلام أربعة: راعي الإبل النُميري، وتميم بن مقبل العجلاني، وابن أحمر الباهلي، وحميد بن ثور الهلالي من قيس غيلان.

وقيل: أدرك زمن عبد الملك بن مروان([107])، وعده ابن سلام الجمحي في الطبقة الرابعة من الشعراء الإسلاميين([108])،. وفي شعره ما كان يُتغنى به، وهو القائل([109]):

فلا يبعد الله الشباب وقولنا إذا ما صبونا مرة سنتوب

غير أن ما يهمنا في هذا المقام هو ميميته التي عارضها ابن الطلبة، والتى يقول ابن ثور في مقدمتها([110]):




ألا هيما مما لقيت وهيما
أأسماء ما أسماء ليلة أدلجت
سل الربع أني يممت أم سالم




وويحا لمن لم يلق منهن ويحما([111])
إلى وأصحابي بأي وأيما
وهل عادة للربع أن يتكلما




وهذه القصيدة قد صمدت لأيادي الزمن قرونا طويلة، وربما كانت معرضة للاندثار لولا أن عاشت مرحلة جديدة من {الإحياء}، بفضل تصدي ابن الطلبة لها بالمعارضة، هذا ما أكده ابن الأمين الشنقيطي، في كتابه الوسيط، حيث يقول:

"وهذه ميمية حميد بن ثور الهلالي، الصحابي رضي الله عنه، التي عارض محمد بن الطلبة المترجم بميميته، وقد تطلبتها سنين عديدة في رحلتي إلى الحجاز، والشام، والقسطنطينية، فما وقفت لها على أثر ولا عثير([112])، حتى سألت عنها صاحب الهمة السامية الدائب في إحياء العربية، سعادة أحمد تيمور([113])، حفظه الله تعالى، فوجدته عثر منها على نسخة بخط غير صحيح، فجاد علي جزاه الله خيرا، وقد سقط من نسخته بيتان من أولها، بقيا في حفظي، وما أدري هل سقط منها غيرها أم لا؟([114])".

والطريف في الأمر، وهو ما يؤكد ندرة هذه القصيدة، أن الأستاذ عبد العزيز الميمني لم يجد سوى نفس القصيدة، وأشاد إلى أسلوب أحمد بن الأمين الشنقيطي المتقدم، في الطريقة التي حصل بها على هذه القصيدة النادرة من أحمد تيمور، بعد ما عاناه من تعب بحثا عنها، وهي النسخة الوحيدة التي اعتمد عليها في تحقيقه وجمعه لديوان حميد بن ثور الهلالي.

أما قصيدة محمد بن الطلبة التي عارض بها {ميمية} حميد بن ثور فقد استهلها بقوله([115]):

تأو به([116]) طيف الخيال بمر يما فبات معنى مستجنا متيمـــا

تأو به بعد الهجوع([117]) فهاضه فأبدى من التهيام ما كان جمجما

وفيها يقول:

ألا يا خليلي ارحلا وتيمما بنا حيث أمسى رائد الظعن يمما

ومنها قوله:




تظل عتاق([118]) الطير في كل رحلة
كأن العيون اللامحات إذا بدا




إليه مديما ت عكوفا وحوما
تمج عليه أرجوانا[119] وعندما[120]




وهذه القصيدة كسابقتها لم يلتزم فيها ابن الطلبة المقياس العددي، إذا ما قورنت مع قصيدة حميد بن ثور التي عارضه بها، حيث إن الأولى بلغت:{138 بيتا}([121]) في حين لم تتجاوز قصيدة ابن الطلبة {94 بيتا}.

ولعل هذا أمر شائع في المعارضات، غير أن هناك شيئا آخر كثيرا ما لفت انتباهنا في دراستنا لمعارضات ابن الطلبة وهو ميوله إلى الطبيعة بما تحمله من معان ذات الطابع البدوي القديم.

ولعل ارتباط هذين الشاعرين {الشماخ، وحميد} بالبيئة البدوية كان له صلة لاختيار ابن الطلبة لأشعار هما، ومعارضته لقصيدتين اعتبرتا من أهم أشعاهما.
وعامل الطبيعة هذا المشترك يجعل المعاني أكثر تقاربا بين الجميع، فمثلا قول حميد بن ثور:

سراة الضحى مار من حتى تحـدرت جباه العذارى زعفرانا وعندمـا([122])

هذا البيت يلاحظ فيه التقارب مع قول ابن الطلبة، خاصة الشطر الأخير من البيت التالي:

كأن العيون اللامحات إذا بـدا تمج عليه أرجوانا وعندمـا

هذا بغض النظر عن {وحدة الوزن، والروي}، اللتين تم نسج القصيدتين في رحاب هما، وهو من الأمور المألوفة في المعارضات، شأنهما في ذلك شأن وحدة المحيط الاجتماعي بين الشاعرين.

فكل من الشاعرين ينحدر من وسط اجتماعي، يرى لنفسه التقدير بين القبائل البدوية المحيطة به، وعلى الرغم من تباين البيئتين من حيث المكان والزمان، فإن جوهراهما يشكل وحدة متشابهة إلى حد ما.

وقد يكون هذا العامل مساعدا لتحفيز الأخيلة وتفسيرات الظواهر المحيطة، لما تتسم به من أنواع التقارب في مضامينها العامة، وإن اختلف الشكل في الأساليب التعبيرية، ولعل المتتبع لأشعار هما تتضح لديه الرؤية أكثر، خاصة في الأوصاف الواردة في {كلا الميميتين}.

وعلى سبيل المثال في وصف لأيام رحيل الحي، إلى المناطق الخصبة، وما يتخلل ذلك من اليوم، خاصة في انتقاء أجود المراكب، وأكثرها قدرة على تحمل السير مع ملاءمته لقدر الحمولة عليه، في القسوة واللياقة ولذة السير.

هذا ما نستشفه من وصف حميد بن ثور لمر كوبه، وكيف تم انتقاؤه من بين قطعان الإبل الأخرى في قوله:

وجاء بها الرواد يحجز بينهـا([123]) سدى([124]) بين قر قار الهد ير([125]) وأعجما

وقوله:

فزينه([126]) بالعهن([127]) حتى لو أنـه يقال له هاب([128]) هلم لأقدمـا

ومنها:




فقالت ألا غير أما تكلمـاوكانت لها الأيدي إلى الحدب سلما ([129])




فقلن لها قومي فديناك فاركبـي
فما ركبت حتى تطاول يومها


هكذا يصور الشاعر الهودج وما سبقه من اختيار أجمل وأقوى الجمال التي لم تأنس الرعاء، وكرها لطول مكثها في الفلاء، مما يجعل هذا الجمل الذي تم انتقاؤه من بينها أعظم الجمال وأضخمها، وأكثرها تحملا للأثقال والسير.

وما كاد لما أن علته يقلها بنهضته حتى أكلأز واعصما([130])

وإذا نظرنا إلى شعر ابن الطلبة، أو بالأحرى هذا الوصف في ميميته، رأينا تقاربا ملحوظا لهذا التصوير، كقوله:([131])






من البزل فعما قيسريا عثمثما([132])
تخال برئم من غيشواء أرثما([133])




تخيرن للأحداج كل منوق
يزيف بمبهاج كأن مروطهــــا


ونستخلص من دراستنا لقصيدتي حميد بن ثور الهلالي، ومحمد بن الطلبة اليعقوبي، تقاربهما في بعض الجوانب، وتباينهما في جوانب أخرى، فمن الجوانب التي تقاربا فيها نلاحظها في النقاط التالية:

أولا: نقاط التقارب

1- ذكر الطيف، وما جلب من حسرة وتوجع عميقين لدى كل من الشاعرين، وإن كانت وطأته أشد على حميد، حيث يغلب عليه الهم والتحسر والتعجب في آ ن واحد مما ألم به:

ألا هيما مما لقيت وهيمـا وويحا لمن لم ألق منهن ويحمـا

وهذا لا يجعل ابن الطلبة ينجو من هذه الوطأة، بل ربما تأثر بها إلى حد كبير، حيث خصص له حديثا ينم عن تأثر صاحبه بالحدث:

تأو به طيف الخيال بمر يما فبات معنى مستجنا متيمـا

فهذا الحدث ليس كالأحداث العابرة، وإنما هو من أكبرها جسامة، وأعظمها موقعا في نفس الشاعر حتى تمثل له في ظلام ليل دامس لانهاية له:

فقلت أما لليل صبح كما أرى أم الصبح مما هيج الطيف أظلمـا

2- الوقوف على الطلول، حيث يتساءل الشاعر في أسلوب بديعي عن الحبيبة في حين يجيب على نفسه بأن الجماد لا يرجى منه الحديث:

سل الربع أني يممت أم سالم وهل عادة للربع أن يتكلما

فحميد لا يخفى عليه أن الربع عبارة عن جماد لا تنتظر منه الردود على أسئلته، وإنما يعتبر مخاطبته لهذا الربع نوعا من الوفاء يمثل ذكريات لها معنى في نفسه.

أما ابن الطلبة فإنه اكتفى بالحديث عن أماكن حل وترحال الظعائن في أسلوب سردي لا يمثل ذلك التساؤل والوقوف على الطلول المعروف.

3- وصف الجمل، وهو يختلف من حيث المرونة والتدريب عند الشاعرين، فحميد بن ثور يصف الجمل من حيث القوة والتحمل، وربما كان مؤهلا لأن يكون فحل الإبل، حيث يصف طريقة انتقائه ليكون منا سبا أيضا من حيث الشكل والراحة للمحبوبة([134]).

فى حين يصف ابن الطلبة منوقه في إطار حديثه عن الظعن، مما يجعل وصف المنوق يتميز بدقة التدريب ليطمئن أولا على سلامة الظعائن وملاءمته لهن، لأن المنوق هنا يمثل المركوب الخاص لظعينته.

تخيرن للأحداج كل منـوق من البزل فعما قيسريا عثمثمـا

يزيف بمبهاج كأن مر وطها تخال برئم من غيشواء أرثما

1- وصف الحبيبة، إذا كان حميد أسهب في الحديث عن حبيبته بأسلوب منفرد، وصف فيه حالتها ورخاءها وجواريها اللواتي تقمن على خدمتها في قوله:

رقود الضحى لا تقرب الجيرة القصـي ولا الجيرة الأدنيين إلا تجثمـا

فإن ابن الطلبة لم يتحدث عن حبيبته بهذا الأسلوب، وإنما كان حديثه ضمن وصفه للظعائن كقوله:

فمن يك يوما ذا عزاء ونسـوة لطول ثناء أو لوصل تصرمـا([135])

غير أنه لم يغفل عن الافتخار بما يجتمع في هذه الظعائن من حسب ونسب وجمال.

هجائن بيض من عقائل عامـر جمعن إلى الأحساب حسنا وميسمـا



2- وصف رحلاته إلى الحبيبة

كما لم ينس الحديث عن رحلاتهن والطرق التي كانت تسلكها، بل وحتى الأماكن التي كانت تتوقفن عندها، وقد يجد نفسه منساقا وراءهن:

ألا يا خليلي ارحلا وتيممـا بنا حيث أمسى رائد الظعن يممـا

ثانيا: نقاط التباين

وإذا كان الشاعران التقيا في نقاط معينة فإنهما تباينا في نقاط أخرى، على النحو التالى:

· حميد بن ثور: تطرق إلى نقطتين لم يذكرهما ابن الطلبة مثل:

1- وصف الحمامة الثكلى، التي نلاحظ عنده نوعا من التعاطف معها في قول:

كمثلي إذا غنت ولكن صوتهـا له عولة لو يفهم القود أرزمـا

2- رسالته إلى الحبيبة، فهو هنا يصف نفسه بأسلوب استجدائي غاية في الرقة، أملا منه بالظفر ولو بأبسط ما يكون من التعاطف من جانبها:

وقولا لها ما تأمرين بصاحب لنا قد تركت القلب منه متيمــا

ويعود الرسولان خائبين، وتعود مع هما الحسرة من جديد على الشاعر، كما بدأت معه في مطلع قصيدته كقوله:

فجاءا ولما يقضيا لي حاجة إلي ولما يبرما الأمر مبرمــا

* ابن الطلبة: أضاف كذلك نقاطا لم يتطرق لها حميد بن ثور، تتمل فى:

1- وصف الحمار الوحشي، حيث جاءت أوصافه للحمار من خلال أحاديث وصفية للصيد الضخم الناعم.

كأني أداري إذا علوت قتوده به أبلق الكشحين جأبا مكدمــا([136])

2- وصف الظليم: يقول في وصفه للظليم:

تحطم عن زعر القوادم خرق كمثل أروم من حلي تحرثمــا([137])

3- الفخر: يأخذ الفخر عند ابن الطلبة قدرا مهما من الحديث عن الماضي الذي أصبح أشبه ما يكون إلى ذكريات، وقد يدخل القارئ لشعره الفخري من أسلوب التشكيك بقوله مستفتحا هذا المجال:

ولكن سلي عني دخيلي إذا أشتـوا وأخلف ما شيهم سماكا ومرزما

4- الحكمة: وتأخذ هي الأخرى عدة أبيات يختتم بها الشاعر قصيدته، وهي لاشك أن لها موقعا جماليا متميزا لما تحمله من تجربة للشاعر وتأملاته الحياتية، يقول في أخرها:

وما الدهر إلا بين لين وشــدة فمن سرمسيا فيه أصبح مرغمـا[138]

وما الحزم إلا مرة النفس تقتنى لشدته من قبل أن تتحكمــــا

وما العجز إلا أن تلين لمستهـا فتضجر من قبل الرخاء وتسأمـا

ثالثا نقاط لالتقاء:

أما نقاط الالتقاء بين الشاعرين فلعل أكثرها وضوحا في الجانب اللفظي خاصة في المقاطع الشعرية.

فإذا تفحصنا قصيدتي حميد وابن الطلبة نجد استخدام الأخير لبعض مقاطع الأول شائعة، كقوله مثلا:

{تقدما، مقدما، المسد ما، أحجما، أرزما، مسما، سلما معصما، صمما، مريما، متيما، أعدما، تهدما([139])}.

وقد يكون اتكاء ابن الطلبة هذا لا يعني أكثر من اللفظ دون المعنى، كما قد يكون العكس وردا في بعض الأحيان، وهكذا يكون الاتكاء عند ابن الطلبة متضمنا لمعنيين:

1.شكلي: وهو أن يتخذ من الألفاظ المعجمية رمزا للمحاذاة لتكمل بذلك أهم سمات المعارضة، وهي {الاتفاق في البحر، والروي، والشكل، والمضمون}.

2. معنوي: وهو أن يرمز بهذه الألفاظ إلى معان أخرى قد تكون أبعد في نفسه من الألفاظ ذاتها في حين لا يؤثر ذلك على الوحدة العضوية للقصيدة.



ثالثا: معارضة محمد بن الطلبة للأعشى

3- الأعشى([140]):

نبذة عن الشاعر:

هو: [ميمون بن قيس بن جندل بن قيس بن ثعلبة الوائلي، {توفي سنة: 7 هـ/629م}، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات.. ولد في قرية {منفوشة} باليمامة، قرب مدينة الرياض، وبها توفي ] .

أبو بصير، المعروف بأعشى قيس، ويقال له أعشى بكر بن وائل والأعشى الكبير. من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات.

كان كثير الوفود على الملوك من العرب، والفرس، غزير الشعر، يسلك فيه كلَّ مسلك، وليس أحدٌ ممن عرف قبله أكثر شعراً منه.

وكان يُغنّي بشعره فسمّي (صناجة العرب)، قال البغدادي: كان يفد على الملوك ولا سيما ملوك فارس فكثرت الألفاظ الفارسية في شعره. عاش عمراً طويلاً وأدرك الإسلام ولم يسلم، ولقب بالأعشى لضعف بصره، وعمي في أواخر عمره.

وقيل: مولده ووفاته في قرية (منفوحة) باليمامة قرب مدينة الرياض وفيها داره وبها قبره ([141])

[ويكنى: أبا بصر، وقيل: أبا نصر، أو نصر، وقد اختلف الدارسون في تفسير كنيته، فقال البعض: إنه كني بذلك لأنه كان أعشى النظر، فالأعشى من العشا، وهو سوء البصر بالليل والنهار، وقيل هو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار، وقيل أيضا: هو ذهاب البصر، وإلى هذا الرأي الأخير ذهب صاحب الشعر والشعراء، فقال: {إنه كان أعمى}([142])].

[اشتهر الأعشى بلقب {صناجة العرب}، قيل: إنه لقب بذلك اللقب، لأنه كان يغنى في شعره، ولأنه أول من ذكر الصنج في شعر فقال:([143])

ومستجيب لصوت الصنج تسمعه إذا ترجع فيه القينة الفصــل

والده: قيس بن جنل، كان يلقب بقتيل الجوع، قيل: إنه لقب بذلك لأنه دخل غارا يستغل فيه من الحر، فوقعت صخرة عظيمة من الجبل فسدت فم الغار، فمات فيه جوعا، وقد عيره بعض الشعراء في ذلك، فقال:

أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل وخالك عبد من جماعة راضـع([144])]

وهو واحد من أشهر شعراء الجاهلية، وذكر ابن سلام الجمحي {أن علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس بن حجر، وأن أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى([145]).

ووصفه عبد الملك بن مروان بقوله: [وهو الأعذب بحرا، والأصلب صخرا([146])].

وللأعشى مواقف متعددة منها:

- قصته المشهورة مع المحلق([147]).

- واحتكام عامر بن طفيل، وعلقمة بن علائقة إليه([148])، وغير ذلك من المواقف التي قد لاتهمنا كثيرا في هذه الدراسة، بقدر ما تهمنا قصيدته {اللامية}، التي عارضها ابن الطلبة، تلك القصيدة التي استهلها الأعشى بقوله([149]):




وسؤالي، فهل ترد ســؤال
ـف، بريحين من صبا وشمال


ما بكاء للكبير بالأطلال
دمنة قفرة تعاودها الصيـ


أما قصيدة محمد بن الطلبة التي عارض بها معلقة الأعشى السابقة، فمطلعها([150]):

صاح قف واستلح على صحن جال سبخة النيش هل ترى من جمــال

وقوله:




وظباء الأعمام والأخــوال([151])
كمهى الرمل باهرات الجمـال


ظعن من ظباء أبنا ء موسى
لينات معاطفــا خفـــرات


والطريف في هذه القصيدة أن ابن الطلبة حاول الالتزام بمعظم العناصر أو المقومات الأساسية للمعارضة فيها ، وإن لم يصرح بمعارضته للأعشى، كما عودنا في قصيدتيه السابقتين.

خلافا لموقفه من الشاعرين المتقدمين، الذى كان يعلن صراحة في المجالس أنه نسج قصيدة لمعارضة أحد هما، بل ويعلن تحديه الصريح لمعارضه، داعيا الله عز وجل أن يجتمع هو ومعارضه في ناد من أهل الجنة ليحكم بينهما.

ومع كل هذا التحدي، والإصرار المبيت، فإنه لم يهتم بشكل القصيدة، كاهتمامه بهذه القصيدة،التى لم يعلن فيها نية معارضته للأعشى بها مع توافق القصيدتين فى{الوزن، والروي}، والتقارب في عدد الأبيات([152])، والغرض،وربما المعاني في الكثير من الحالات.

غير أن غرض القصيدة يختلف عند الرجلين، فإذا كان الأعشى قد اعتبره الكثير من النقاد أشهر المتكسبين بالشعر، بل وصفوه بأنه [جعل الشعر متجرا يتجر به نحو البلدان، وقصد حتى ملك العجم([153])] فإن ابن الطلبة لم يتكسب بشعره.

وإذا كان ابن الطلبة لم يتكسب بشعره، فإنه وظفه في الافتخار بنفسه، وأهله، وقبيلته، ومكانتهم الاجتماعية، وما لهم من مواقف عسكرية، وغيرها من المواقف ذات الصلة بالمجتمع.

ولعل هذه المواقف تتضح لنا أكثر إذا نظرنا إلى جانبي الافتخار عند الأعشى، وابن الطلبة، في قصيدتيهما اللاميتين، السالفتي الذكر، فالأعشى مثلا يمتدح الأسود بن المنذر في قوله:




م إذا ما كبت وجوه الرجـال
ة تأبى حكومة المقتال
سادات أهل القباب والأكـال


أنت خير من ألف ألف من القو
ولمثل الذي جمعت من العدا
جندك التالد العتيق من ال




فى حين نجد ابن الطلبة يتسامى بقبيلته، مبديا مالها من فضائل محمودة،كالعزة والمناعة، ونصرة المستغيث:




إذا تسامى الكرام عند النضال[154] أي حي عر ندس ذي ظـلال




حي يعقوب إنهم خير حي
من يرمهم يجدهم حي صدق




والمتتبع لقصيدتي {الأعشى، ومحمد بن الطلبة} قد يلاحظ التطابق القوى القائم بين الشاعرين في أهم جوانب هاتين القصيد تين، وهو ما سنحاول تتبعه، بادئين بقصيدة الأعشى:

· الأعشى: تناول في قصيدته(اللامية) أهم المألوفات الشعرية في العصر الجاهلي وهي:

1. الوقوف على الأطلال

حيث افتتح قصيدته بمخاطبة الدمن، وتساؤلها عما إذا كانت سترد عليه، على الرغم من اعترافه بأنها ديار عفا عليها الزمان:

ما بكاء الكبير بالأطــلال وسؤالي فهل ترد ســؤال ؟

وبعد وصفه لهذه الدمن وكيف كان سكانها، ومحيطه الاجتماعي خاصة يتنقلون بين منطقة وأخرى من تلك الربوع:

جل أهل بطن الغميس فبـادوا لي وحلت علية بااسخــال([155])

إضافة إلى المسافات التي تفصل بين بعض أجزائها مع الآخر، وما تحويه من سهول ومرتفعات، بعد كل هذه الأوصاف، ينتقل إلى المحبوبة، وأوصافها.

2وصف المحبوبة:

إذا كان الشاعر قد أتيح له أن يسترد أفكاره، ويجمع أنفاسه، وهو يقف على الطلول، ويصفها بكل هدوء وسعة خاطر، فإنه لم يتمكن من ذلك في وصفه لمحبوب ته.

فالشاعر هنا تجاوزت به همومه واقعه، حيث عكرت عليه إلى حد ما نعيم اللهو والتسلي بأوصاف حبيبته، كما أنها ولدت في نفسه نظرة تشاؤمية للحياة، لما فيها من ملذات كانت تمثل الكثير في نفسه:

وكأن الخمر العتيق من الاسفــن نط ممزوجة بمــاء زلال([156])

وأخيرا تنعكس هذه الهموم، وما تسببه من مآسي وأحزان، على المحبوبة، فتصبح ضحيتها:

فاذهبي ما إليك أدركني الحلـ م عداني عداني عن ذكركم أشغالي[157]

3- وصف الناقة:

تميز حديث الأعشى عن ناقته، بمميزات عرفت قديما في أوصاف الناقة من حيث البياض الخالص، والقوة، والنشاط..إلى غير ذلك مما دأب عليه الأقدمون من أوصاف متعددة للناقة، وهو ما عبر عنه الأعشى في وصفه لناقته، حيث يقول:

وعسير أدماء حادرة العــي ن خنوف عيرنه شملا ل([158])

غير أن هذه الأوصاف، وما تلاها من صفات أخرى لهذه الناقة، من أنها من خيار الإبل، إضافة إلى ما تضمنته أوصافه الأخرى، التي قد لا تتناسب مع ما وصف به ناقته أخيرا، من حيث قلة النشاط، حتى مع لسع السوط:[159]

لا تشكي إلي من ألم النـسـ ـع ولا من خفا، ولا من كـلال

4-الفخر:

ويستخلص الأعشى فى وصف الناقة إلى الافتخار بأبي المنذر([160]) وما كان له من قوة، وعزة، وشجاعة، وكرم نسب، وحميد خصال:

فرع نبع يهتز في غصن المجـ ـد عزيز الندى شديد المحال

ويتخلص من عموميا المديح إلى الممدوح نفسه فيصفه بأنه {أفضل عنده من كل الرجال، مهما كانت صفاتهم}، كما عبر الأعشى عن ذلك بقوله:

أنت خير من ألف ألف من القو م إذا ما كبت وجوه الرجــال

ومع كل هذا التفاني فإنه لا ينسى نفسه ومدحها، مفتخرا بما له من أيام الشباب، من حيث القوة، والاعتزاز، والشجاعة، والنشاط:

فلقد كنت في الشباب أباري حين أعد ومع الطماح ظــلال([161])

5- وطأة الكبر وتقدم السن:

سببت وطأة الكبر وتقدم السن للشاعر مأساة، ولدت في نفسه مشاعر التشاؤم، وكراهية الحياة.

ولعل هذه لمأساة كانت ضمن الهموم أو الدوافع التي جعلته يعمد إلى زجره الاعتذار لحبيبته – التي تقدم الحديث عنها – وهو شيء لم يكن يتوقع، خاصة من الأعشى.

فالشاعر هنا يصف بوادر الشيب في رأسه، وكأنها بوادر ضعف وحرمان، مؤذنة بنهاية، تمثل الساقط الذي لا قيمة له، بين الجميع حتى من اللائي كن أقرب الناس إليه:

فلئن لاح في المفارق شيب يأل بكر وأن كرتني ألفوالي([162])

ومع كل هذا اليأس، وعدم الرضي بالقضاء، لا يفتأ أن يتخلى عنه ويستسلم للواقع المصيري الذي لا مناص منه مهما طال أمد الحياة:

ذاك عيشي شهدته ثم ولى كل عيش مصيره للــزوال([163])

· محمد بن الطلبة:

وإذا انتقلنا إلى قصيدة ابن الطلبة(اللامية) التي عارض بها الأعشى، وتأملنا جزئياتها، لم تغب عن أذهاننا الفكرة العامة {للامية الأعشى} المتقدمة، فقصيدة ابن الطلبة يمكننا تقسيمها إلى جوانب من أهمها:

1. الوقوف على الطلول:

فقد بدأ ابن الطلبة بالوقوف على الطلول، وتفقدها، متأملا أثر الزمان على معالم هذه المناطق، التي كانت تمثل فترة عزيزة من حياته،فهي إلى جانب كونها شهدت مراتع صباه، كانت أيضا مرتعا لناقته، ومسلكا لحبيبته، وكأنه في ذلك يعبر عن قول البحتري:

سقيت الغوادي من طلول وأربع وحييت من دار لأسماء بلقــع([164])

أو كقوله:

سقى دار ليلى حيث حلت رسومها عهاد من الوسمي وطف غيومهـا([165])

غير أن كل ذلك لم يبق منه سوى ذكريات تثيرها الرسوم في مشاعره المشحونة بالعديد من الأسئلة التي لم تترك لها الطبيعة جوابا.

2. وصف المحبوب:

تميز أسلوب الشاعر في وصفه للمحبوبة عن الأعشى، حيث لم يصفها بصفة انفرادية، وهي ليست جديدة في أسلوبه هنا، بل إن جل أشعاره الغزلية وخاصة ما يتعلق منها بالمرأة، لم يتعرض فيه إلى أوصاف حبيبة معينة، وقد لا يذكر حتى اسمها.

هذا إذا استثنينا حالات نادرة، ولعل عاملي: التدين، والبيئة، فرضا عليه أن يقف من محبو بته هذا الموقف، الذي قد لا يتطابق ومواقف الشعراء الذين عارضهم.

إذن فالمحبوبة هنا يصفها ضمن ظعائن القبيلة، وقد يستعير لها اسما آخر يعبر من خلاله عن مشاعره اتجاهها {كسعدي، ليلى، سلمى.. الخ}، كقوله، وهو يتحدث عن وصف الظعائن، ورحيلهن:

إن سعداي في الحد وج وسعــدى هي دائي وهي برء اعتــلال([166])

غير أن الغالب في حديثه عن المحبوبة هو أن يكون عن ظعائن القبيلة، وهذا يمثل معنى آخر في نفسه ربما يقصد به الافتخار بالقبيلة، ومكانة المحبوبة بينها، فهي عنده تمثل شرف القبيلة، بل وبطونها التي ينتمي إليها:

ظعن من ظباء أبناء موسى وظباء الأعمام والأخــوال

3. وصف الناقة:

وإذا تفحصنا شعر ابن الطلبة هنا في وصف الناقة نلاحظ جمعه لأوصاف شتى تميزت بها ناقته، فهي على حد وصفه لها صلبة، سريعة، لذيذة الحركة، حيث يقول:

وهدت بي الركاب عنس زفــوف سهوة المشي لافح عن حيــال([167])

ولا تقتصر أوصاف ناقة ابن الطلبة على هذا، بل يضيف إليها أوصافا أخرى كالبياض الناصع، والنشاط المستمر، فهي دائما في مقدمة الإبل:

عنتريس مها الزمام سلــوف ناجلاها منا لهجان الغــوال([168])

4. الافتخار:

ينقسم الجانب الفخري في قصيدة ابن الطلبة إلى ثلاثة أقسام، لعل أهمها ما خصصه الشاعر لنفسه، مع أن معظمها لا يتجاوز الحديث عن الماضي، وذكريات الطفولة، والشباب، وهذه الأقسام هي:

- الافتخار بالنفس، حيث خصص جزء مهما من هذا الجانب للافتخار بنفسه من حيث وسطيته بين النساء، واعتزازهن به، بل وحتى سعيهن إلى مجالسه، وإن كان هذا من الأمور الغير مألوفة عند الكثير من المجتمعات.

إلا أنه على ما يبدو لا يعدو أكثر من قبيل المبالغة في ما يحظى به من اهتمام من قبل بعضهن:

فلقد كنت للأوانس فرعـا عن يميني يرعن لي وعن شمــال

ويستمر في ذكر خصائصه، ومواقفه التي يقفها إلى جانب الآخرين في وقت لا ترتجى فيه مثلها من الرجال، فالضعيف، ومجلس العلم، والأصدقاء، يشهدون هذه المواقف، ويحمدونها له.

- الافتخار بالصحب، ومع ما خصص لنفسه من مديح، لم ينس أصحابه، وإن كان افتخاره بهم ينعدم فيه الجانب البطولي والعسكري، وينحصر في إطار الكرم، والعلم، وسمو النسب، وغير ذلك من النواحي الأخلاقية ذات الطابع الاجتماعي والديني، كقوله مثلا:




همهم في ارتقاء شم المعالـي([169])
رزؤه مؤبــد وعــم وخـال


فتية فتية بهاليل شــم
من خليل ومن كريم نجيب




- الافتخار بالقبيلة، أعطاه ابن الطلبة عناية كبيرة في معظم إنتاجه الشعري، وخاصة قصائده الطوال(المعارضات)، وبالذات {لاميته} التي عارض بها الأعشى، وهي بين أيدينا.

فقد احتوت هذه القصيدة على افتخاره بقبيلته، وذلك من خلال حديثه عن المرأة، وعن النفس، وحديثه عن القبيلة ذاتها، فالقبيلة عنده لا يساويها شيئ في الكرم والصدق، ونصرة المستغيث، كقوله:

حي يعقوب إنهم خير حــي إذا تسامى الكرام عند النضــال

ولم يتوقف شعره عند مدحهم، والافتخار بهم، بل إنه يحرضهم على المزيد من هذه المكتسبات الأخلاقية والاجتماعية والدينية، التي تضمن للمجتمع أكبر قدر من القوة والمناعة والوحدة:

يا ليعقوب شمروا للمعالـي واستعدوا لما تجيء الليالي

5 - الحكمة:

وأخيرا يظهر الشاعر فلسفته في الحياة في أبيات من هذه القصيدة، متضمنة لتجربة ذاتية، وما توصل إليه ابن الطلبة من تجارب الآخرين:

لا ولا تفرحن إن كنت يومـا في سرور ونعمة واحتفــال

ويختتم ابن الطلبة قصيدته(اللامية)، متسائلا في أسلوب تأملي لتقلبات الزمان، التي لا تعرف الثبات:

كم حظيظ بالأمس كان مقـلا ومقل من بعد ثروة مــال[170]

رابعا: معارضة حرمة ولد عبد الجليل للخنساء

4- الخنساء

نبذة عن الشاعرة:

هي : تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، الريا حية السُلمية من بني سُليم من قيس غيلان من مضر. أشهر شوا عر العرب وأشعرهن على الإطلاق، من أهل نجد، عاشت أكثر عمرها في العهد الجاهلي، وأدركت الإسلام فأسلمت. ووفدت على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع قومها بني سليم. فكان رسول الله يستنشد ها ويعجبه شعرها، فكانت تنشد وهو يقول: {هيه يا خنساء}.

أكثر شعرها وأجوده رثاؤها لأخويها صخر ومعاوية وكانا قد قتلا في الجاهلية. لها ديوان شعر فيه ما بقي محفوظاً من شعرها. وكان لها أربعة بنين شهدوا حرب القادسية فجعلت تحرضهم على الثبات حتى استشهدوا جميعاً فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم.

هي: الخنساء {تما ضر} بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، من بطون سليم، ينتهي نسبها إلى مضر.

والخنساء: هو اللقب الذي اشتهرت به، لخنس في أنفها، والخنس لغة: {تأخر الأنف عن الوجه، مع ارتفاع قليل في الأرنبة}.

مولدها: {نحو: 575 م}، أما وفاتها فقد اختلفت فيها الآراء على النحو التالي: {646 أو 664 أو 665 أو 679م([171])}.وقيل: [? – 24 هـ / ? - 644 م([172])] .

أما قصيدتها التي عارض ولد عبد الجليل فهي تقع في سبعة عشر بيتا، وهي من عيون الشعر العربي، قالتها الشاعرة في رثائها لأخيها صخرا، وقد استهلتها بقولها:




بدمع حثيث لابكئ ولا زر
على ذى الندى والجود والسيد الغمر
عليه مع الباكي المسلب من صبر
لتدركه: يا لهف نفسي على صخر
إلى القبر، ماذا يحملون إلى القبــر


أعيني هلا تبكيان على صخر
وتستفرغان الدمع أو تذريانه
فما لكما عن ذي يمينين فابكيا
وقائلة والنفس قد فات خطوها
ألا ثكلت أم الذين مشوا به




ومنها:




وكأن بليج الوجه منشرح الصدر
ليروي أطراف الردينية السمر
لتغدو على الفتيان بعدك أو تسرى
ضمانك أو يقري الضيوف كما تقرى
لما زجل يملأ القلوب من الذعر
جراد زفته ريح نجد إلى البحر
ومن سابح طرف ومن كاعب بكر




كأن لم يقل أهلا لطالب حاجة
ولم يغد في خيل مجنبة القنا
فشأن المنايا إذ أصابك ريبها
فمن يضمن المعروف في صلب ماله
ومبثوثة مثل الجراد وزعتها
صحبتهم بالخيل تردى كأنها
وكائن قرنت الحق من ثوب صفوة




إلى أن تقول:




من الخير يابؤس الحوادث والدهر
غداة يرى حلف اليسارة والعسر
جليل الأيادي لا ينهنه بالزجر
ولا ناكثا عقد السرائر والصبــــر


وما ذا يوارى القبر تحت ترابه
وم الحزم في العزاء والجود والندى
لقد كان في كل الأمور مهذبا
وإن تلقه بالشرب لا تلق فاحشا




استهلت الخنساء قصيدتها بالبكاء والتحريض عليه، كما أن القصيدة في عمومها تعبر عن الحزن والأسى لفراق شقيقها صخر، وذلك لما يتميز به في حياتها من الأخلاق الكريمة، والنبل والشجاعة إلى غير ذلك من الخصال الرفيعة التي ميزته عن غيره من أشقائها الآخرين.

لعل تلك المميزات التي كان يتمتع بها صخر في حياته كانت السبب في معاناة الشاعرة بعيد فراقه، حيث لم يكن أمامها سوى التعبير عن آثار صدمة فقدان شقيقها، وما تخلفه من حزن وحسرة وعدم طمأنينة في الحياة.

هذا ما جعل القصيدة تنحصر في غرض واحد هو الرثاء، حيث استهلت الشاعرة قصيدتها – كما أسلفنا – بالحسرة والبكاء والتلهف على فقيدها، قبل أن تتبع خصال شقيقها، من حيث الجود والكرم، والشجاعة، وحسن الخلق، وغيرها من الخصال المحمودة التي تعتبر أهم مكسب يحصل عليه الإنسان ليمدح به في حياته، أو بعد وفاته.

فالخلق أهم ما يمدح به مخلوق، ولعل هذا ما يفسر لنا سر المدح الإلهي لرسوله محمد r حينما مدحه بقوله تعالى: [وإنك لعلى خلق عظيم([173])].

حرمة ولد عبد الجليل

نبذة عن الشاعر:

هو حرمة ولد عبد الجليل: {1150-1243هـ/1737-1828م}، هو أحد الشخصيات الموريتانية التي كان لها دور بارز في إثراء تراثنا العربي والإسلامي.

وقد وردت له أكثر من ترجمة، نجملها فيما يلي:

- فقد عرفه أحمد بن الأمين الشنقيطي بقوله: «حرمة بن عبد الحليل العلوي: ويقال له حرمة الله وحرمة الرحمن بن الحاج بن سيدي الحسن بن القاضي، يجتمع فيه مع الذي قبله. علامة عصره وأعجوبة دهره. جد واجتهد حتى ظفر بمناه وأقام بمدينة شنقيط وأطار لطلب العلم، وكان أبوه من أمثر قبيلته يقطن أرض الكبلة...[174]».

- كما تحدث عنه الخليل النحوي بقوله:

حرمة ولد عبد الجليل : شيخ محظرة كبيرة ، وعالم شاعر ، أخذ عن المختار بن بونة ، وأخذ عنه جمع من العلماء ، منهم : الشيخ سيديا الكبير ([175])

نشأ وتربى في موريتانيا، وهو أحد الشعراء الذين كان لهم إسهام بارز في بلاد شنقيط {موريتانيا} في القرنين: {18- 19م}،

ولعل معارضته للخنساء {تماضر بنت عمر}، التي نحن بصدد الحديث عنها، من بين أهم إسهاماته التي قدمها لهذا التراث.

أما قصيدته التي عارض بها الخنساء، فهي تقع في تسعة عشر بيتا، وهي من عيون الشعر العربي، قالها الشاعر في رثاء أحد الشخصيات العلمية الموريتانية، وقد استهلتها بقوله:




قذفتم به لا كان في كبدي جمرا
أراه ملما لا انتبهت له ذعرا
ولا فارق النور الغزالة والبدر
وما أبدت الأشراط آياتها الكبرى
كأن صر وف الدهر ما حدثت أمرا
لعينيك سد الأفق والبر والبحـــرا


ألا فامسكوا عنا حديثكم المرا
تقصون ما لو كنت في لجج الكرى
أتنعون مولودا ومع انتقض كوكب
ولا زلزلت زلزالها الأرض يومه
وما شغل الناس البكاء عن أمورهم
بلى أحدثت لو تجسم فانجلى




وفيها يقول حرمة بن عبد الجليل:




فوا ضل شتى لا تطيق لها حصرا
من الفضل ما أبقى بليدا ولا غمرا
لما يقتنى من نيله الأجر لا الوفرا
بمعروفه والعرف قد يشتري الحرا


لقد غيبت من غاب عند مغيبة
حوى جيبه ما لو توزع في الورى
تواضع فازداد ارتفاعا وسعيه
وإن يشترى الأحرار منكل معشر


إلى قوله:






وملتمس الذكر المنزل والذكرى

يذب عن الإسلام يبغي له النصرا

ينال بها فى حضرة الشهد أعمرا




ليندبه من أعياه حل عويصة

أصيب به يا قرحة كل مسلـــم

مضى عمره فاعتاض منه شهادة




والمتتبع لقَصِيدتي {الخنساء، وحرمة ولد عبد الجليل} قد يلاحظ التطابق القوي القائم بين الشاعرين في أهم جوانب هاتين القصيد تين، وهو ما سنحاول تتبعه، بادئين بقصيدة الخنساء:

أولا: الخنساء:

اتسمت مرثية الخنساء بأوصاف عديدة، منها: الكرم، والسخاء، والإحسان، والجود، والعطاء، والسماحة، وطيب الخلق.. لأهمية تلك الخصال في الحياة البشرية قديما وحديثا، ولأن غرض الرثاء في حد ذاته قد تنصب اهتماماته على هذه الخصال في الميت أكثر من غيرها.

اعتمدت الشاعرة الخنساء كذلك في رثاء أخيها على ما كان يتصف به من: شجاعة، وإقدام، وتضحية، وحزم، وعزم، وبطش، وعزة، وهو ما يعبر عن نوع من الفروسية، التي تنم عن البطولات، وخوض الكثير من الملاحم الكبرى.

اعتبرت الشاعرة أن الفتوة انحصرت كلها في أخيها، وهي فعلا قمة المجد الاجتماعي في المجتمعين الجاهلي والإسلامي، وذلك لأن الفتى لا يتصف بتلك الصفة إلا إذا كان يتسم بتلك الخصال السابقة في مجتمعه.

كانت الشاعرة تتسم بنوع من الذاتية في مرثيتها، حيث ركزت على مكانة شقيقها الاجتماعية والسياسية، بوصفها له بأنه {سيد غمر}، هذا الوصف قد يتصور لدى البعض بالأمجاد المتوارثة.

ثانيا حرمة ولد عبد الجليل:

اتسمت مرثيته بالعديد من الخصال الإسلامية الحميدة، التي تمثل نوعا آخر من أنواع الفتوة في مجتمع الشاعر، كالورع، والتقوى، والعلم، والحلم..

اعتبار الشاعر يتميز بقدر من الفتوة المتمثلة في الحضور الدائم لمعالجة كل القضايا الاجتماعية والدينية المعقدة التي تحتاج إلى أصحاب كفاءات ورزانة علمية متميزة.

التباين الواضح بين المفاهيم لدى الشاعرين، حيث يعبر كل منهما عن مفهوم الفتوة حسب مؤثرات بيئية واجتماعية لكل منهما.

فإذا كان مفهوم الفتوة عند الخنساء هو ما عددته من خصال لشقيقها من حيث الكرم والشجاعة.. وغير ذلك، مما كان يعد مفاخرة للفتيان في المجتمع الجاهلي، فإن حرمة عبر في مرثيته عما اعتبرها أهم خصال يمكن أن يتسم بها شخص في مجتمع عربي إسلامي.

ويمكنا أن نستخلص من معارضة حرمة ولد عبد الجليل للخنساء أنه حاول مسايرة قصيدتها، حيث اشترك معها في عدة نقاط، نجملها فيما يلي:



أولا: نقاط التقارب بين الشاعرين:

1. غرض القصيدة.

2. بحرها.

3. قافيتها.

4. رويها.

5. بعض مقاطعها الشعرية.



ثانيا: نقاط التمايز بين الشاعرين:

1. حرف الروي

2. خصال المرثي

3. المسحة الدينية.



الهوامش والإحالات:



--------------------------------------------------------------------------------

[1]- هو: أحمد شوقي (1868 – 1932) ولد في القاهرة، وتعلم فيها، درس الحقوق في (مونييليه) بفرنسا، رحل الى إنجلترا، والجزائر، وإسبانيا. له ديوان الشوقيات، وعدة مسرحيات، للمزيد راجع الشوقيات.

[2]- (1838- 1902م)

[3]- (1898- 1961م)

[4]- (1872- 1932م)

[5]- (1800 – 1971 م)

[6]- (1898 - 1961 م)

[7]- هو: محمد ولد الطلبة اليعقوبي، (1188-1273هـ / 1774 – 1856 م) شاعرموريتاني ولد وتربى بتيرس (إحدى الولايات الشمالية بموريتانيا)، للمزيد، راجع: د. ابوه ولد أعمر، محمد ولد الطلبة اليعقوبي (دراسة تحليلية للجانب العلمي والأدبي من حياته)، كلية التربية، جامعة الفاتح، طرابلس، (ليبيا)، 1986، (أطروحة ماجستير لم تنشر)، ص: 26.

[8]- مولده :(1206 هـ/ 1791 م) ،وفاته:(1302 هـ/ 1884 م)

[9]- مولده : (1150هـ/ 1737م) ، وفاته: (1244هـ/ 1828م)

[10]- مولده :( 1239 هـ/ 1823 م) ، وفاته: (1303هـ/1885 م)

[11] - ديوان أبى فراس الحمداني: {تحقيق: أحمد فاضل}، دار صادر، بيروت: {لا. ت}. للمزيد ، راجع: الموسوعة الشعرية (أبو فراس)، المجمع الثقافي، أبو ظبي.

[12] - راجع: ديوان محمود سامي البارودي، ج: 1، تحقيق: محمد شفيق معروف، دار المعارف،القاهرة، 1972، ص: 134

[13] - راجع القصيدة كاملة في الملحق

[14] - ديوان محمود سامي البارودي، {شرح: محمد الإمام المنصوري}، دار صادر، بيروت: 1967.

انظر كذلك : ديوان محمود سامي البارودي ، {تحقيق: محمد شفيق معروف}، دار المعارف، القاهرة، 1972. وللمزيد، راجع: الموسوعة الشعرية (محمود سامي البارودي)، المجمع الثقافي، أبو ظبي .

[15] - ديوان محمود سامي البارودي،ج:2 {تحقيق:على الجارم ، محمد شفيق معروف } ، دار المعارف،القاهرة :1991،ص:39

[16] - الديوان المرجع نفسه

[17] - راجع القصيدة كاملة في الملحق الأول

[18] - ديوان شريف الرضى: طبعة: المطبعة الأدبية، بيروت:1307هـ. للمزيد ، راجع: الموسوعة الشعرية (الشريف الرضي)، المجمع الثقافي، أبو ظبي، اٌصدار الثالث.

[19] - ديوان محمود سامي البارودي، ج:1، ص:89

[20] - راجع القصيدة كاملة في الملحق.

[21] - ديوان محمود سامي البارودي ، ج:1، ص:89

[22]- راجع نص القصيدة في كاملا الملحق.

[23]- هو: أحمد شوقي (1868 – 1932) ولد في القاهرة، وتعلم فيها، درس الحقوق في (مونييليه) بفرنسا، رحل الى إنجلترا، والجزائر، وأسبانيا. له ديوان الشوقيات، وعدة مسرحيات، للمزيد راجع الشوقيات.

[24] - ديوان البوصيري، { تحقيق: محمد كيلاني}، {لا. م}، 1955. للمزيد ، راجع: الموسوعة الشعرية (الإمام شرف الدين البوصيري)، المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإصدار الثالث.

[25] - الإمام شرف الدين بن عبد الله محمد البوصيري: بردة المديح، المكتبة الشعبية، بيروت، ص: 03.

[26] - راجع القصيدة كاملة في الملحق الأول.

[27] - ديوان أحمد شوقي ،ج:1، {شرح: د. أحمد محمد الحوفي } ، مكتبة نهضة مصر للطباعة والتوزيع، القاهرة :{لا،ت}، ص:617 ، انظرأيضا: الشوقيات ، أحمد شوقي ،ج:1، دار الكتاب العربي ، بيروت {لا، ت} ، ص:191-208

[28] - هو: أبو الوليد أحمد بن عبدالله بن زيدون، ولد بقرطبة، وتثقف بها، اهتم بالشعر في مراحل حياته الأولى، من أصل عربي ينتهي نسبه الى قبيلة مخزوم القرشية، كان أبوه قا ضيا في قرطبة.. أنظر: ترجمته في ديوان ابن زيدون، (شرح وتحقيق: محمد سيدى كيلاني)، شركة ومطبعة الحلبي، ط: 3، ا لقاهرة،1965، ص:165.

[29] - للمزيد ، راجع: الموسوعة الشعرية (إبن زيدون )، المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإصدار الثالث.

[30] - أنظر: ديوان ابن زيدون، المرجع السباق، ص:165

[31] - راجع نص القصيدة كاملا في الملحق.

[32]- نظم أحمد شوقي قصدته هذه التي أطلق عليها اسم (أندلسية) في منفاه بإسبانيا، وفيها يحن الىالوطن، ويصف كثيرا من مشاهده، أنظر: أحمد شوقي، الشوقيات، ج:2، دار الكتاب العربي، بيروت (لا،ت)، ص:104

[33] - راجع نص القصيدة كاملا في الملحق الأول.

[34] - ديوان الشوقيات، دار الكتاب العربي، بيروت: {لا.ت}.

[35] - للمزيد ، راجع: الموسوعة الشعرية (أحمد شوقي)، المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإصدار الثالث.

1- أنظر: الشوقيات، ج: 2، ص: 22.

[37] - لا يبتعد هذا المطلع كثيرا عن مطلع آخر لأبي نواس في قوله:

رمضان ولى ها تها يا ساقــي مشتا قة ترنو الى مشتــاق

[38] - انظر: ديوان رفيق شاعر الوطنية الليبية، محمد الصادق عفيفي، مطبعة الرسالة، القاهرة 1959م.

خليفة محمد التليسي، رفيق شاعر الوطن (دراسة عن الشاعر الليبي أحمد رفيق المهدوي والحركة الأدبية الحديثة في ليبيا، طباعة إنيتربينت، مالطة ليمتد، ط:3، 1976 م، ص: 148). راجع:

خليفة محمد التليسي، رفيق شاعر الوطن (دراسة عن الشاعر الليبي أحمد رفيق المهدوي والحركة الأدبية الحديثة في ليبيا، الدار العربية للكتاب، 1988 م ، ص:160.


[39] - ديوان رفيق شاعر الوطنية الليبية، محمد الصادق عفيفي، مطبعة الرسالة، القاهرة 1959م.

[40] - خليفة محمد التليسي، رفيق شاعر الوطن (دراسة عن الشاعر الليبي أحمد رفيق المهدوي والحركة الأدبية الحديثة في ليبيا، الدار العربية للكتاب، 1988 م ، ص:160. للمزيد : راجع نص القصيدة كاملة فى الملحق الأول من هذا العمل.



[41] - للمزيد ، راجع: الموسوعة الشعرية (حافظ إبراهيم)، المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإصدار الثالث.

[42] - راجع حياته فى :

ديوان رفيق شاعر الوطنية الليبية ، محمد الصادق عفيفي ، مطبعة الرسالة ، القاهرة 1959 .


خليفة محمد التليسي، رفيق شاعر الوطن (دراسة عن الشاعر الليبي أحمد رفيق المهدوي والحركة الأدبية الحديثة في ليبيا، طباعة إنيتربينت، مالطة ليمتد، ط:3، 1976 )، ص:57


خليفة محمد التليسي، رفيق شاعر الوطن (دراسة عن الشاعر الليبي أحمد رفيق المهدوي والحركة الأدبية الحديثة في ليبيا، الدار العربية للكتاب، 1988 م ، ص:60


للمزيد، راجع: القصيدة كاملة فى الملحق الأول من هذا العمل


[43]- المرجعين السابقين الأخيرين:، ص: 57 . ص:60 .

[44]- الإمام شرف الدين بن عبد الله محمد البوصيري: بردة المديح، المكتبة الشعبية ، بيروت،{ لا،تْ}ء ص: 03.

[45]- راجع: عبد المولى البغدادي: مولاي عبدك بين اليأس والأملل{شعر عبد المولى البغدادي}، إشراف الهيئة العامة للأوقاف وشؤون الزكاة، دار الخمس للطباعة، طرابلس (ليبيا)، 2005 م ص: 45.

[46]- للمزيد، راجع: عبد المولى البغدادي، مولاي عبدك بين اليأس والأمل{شعر عبد المولى البغدادي}، إشراف الهيئة العامة للأوقاف وشؤون الزكاة، دار الخمس للطباعة، طرابلس {ليبيا}، 2005 م ص: 45.

[47]- سورة: الإسراء، الآية: 70.

[48]- عبد المولى البغدادي، مولاي عبدك بين اليأس والأمل (شعر عبد المولى البغدادي)، إشراف الهيئة العامة للأوقاف وشؤون الزكاة، دار الخمس للطباعة، طرابلس (ليبيا)، 2005 م ص: 4.

[49] - راجع النص الكامل للقصيدة فى الملحق الأول : نماذج من شعر المارضات فى الأدب العربي الحديث .

[50]- محمد محمود قاسم نوفل: تاريخ المعارضات في الشعر العربي، مرجع سابق ، ص:15.

[51]- عبد المولى البغدادي، مولاي عبدك بين اليأس والأمل (شعر عبد المولى البغدادي)، إشراف الهيئة العامة للأوقاف وشؤون الزكاة،دارالخمس للطباعة، طرابلس (ليبيا) 2005 ص: 4.

[52]- البيت من قصيدة نهج البردة لأمير الشعراء أحمد شوقي، حيث يقول فيه:

يا لائمي في هواه والهوى قــدر لو شفك الوجد لم تعذل ولم تلــم

[53]- هذه القصيدة تم إعدادها بجزيرة مالطا، بتاريخ: 05/05/2005. للمزيد، راجع: عبد المولى البغدادي، مولاي عبدك بين اليأس والأمل (شعر عبد المولى البغدادي)، إشراف الهيئة العامة للأوقاف وشؤون الزكاة، دار الخمس للطباعة، طرابلس (ليبيا)، 2005 م ص: 44.

[54]- لعله يقصد هنا مدينة مالطا، الواقعة في أعماق البحر الأبيض المتوسط، راجع: عبد المولى البغدادي، مولاي عبدك بين اليأس والأمل (شعر عبد المولى البغدادي)، إشراف الهيئة العامة للأوقاف وشؤون الزكاة، دار الخمس للطباعة، طرابلس (ليبيا)، 2005 م ص: 18.

[55] - سورة: الأعراف، الآية: 155.

[56] - سورة: الزمر، الآية: 53.

[57]- محمد الهادي الطرابلسي: خصائص الأسلوب في الشوقيات، منشورات الجامعة التونسية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، المجد:20، السلسلة: 6، تونس، 1981، ص: 240.

[58]- محمد بن سعيد بن حسين المعارضات في الشعر العربي، طبعة النادي الأدبي بالسعودية، الرياض، 1982، ص: 12.

[59]- المرجع السابق، الصفحة نفسها

[60]- راجع: محمد محمود قاسم نوفل، تاريخ المعارضات في الشعر العربي، مرجع سبق ذكره، ص: 30.

[61] - راجع: د.عبد الله ولد محمد سالم ولد السيد ، المعارضة في الشعر الموريتاني ، مدخل لدراسة الاحتذاء عند شعراء القرن 13 هـ ، ص: 223 .

[62]- الكميت بن زيد ألأسدي (60-126هـ).

[63]- ذو الرمة (ت: 117هـ).

[64] - كلمة شنجيط ، أو شنقيط : كانت تطلق فى الأصل على قرية من قرى ولاية آدرار فى موريتانيا ، ومعنة شنقيط : عيون الخيل ، ويقال إنها بنيت من قديم ، ثم جددت فى القرن 17 عشر للهجرة فى موضعها الحالي ، ولم يلبث اسمها أن أطلق على القطر كله . انظر: أحمد مختار العبادي ، دروس فى التاريخ العباسي والأندلسي ، دار النهضة العربية للطباعة والنشر ، بيروت 1972، ص:478.

[65] - ولاته: إحدى المدن التاريخية الموريتانية ، زارها الرحالة ابن بطوطة يوم :15 ربيع الأول 753هـ/1352م قادما من سجلماسة بالمغرب ، بعد فترة سفر دامت 60 يوما ، وقد استغرقت إقامته بولاتة 50 يوما . راجع: محمد بن عبد الله اللواتي ، رحلة ابن بطوطة : تحفة النظار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ، { تحقيق: د. على المنتصر الكتاني } ، مؤسسة الرسالة ، ط: 3 ، بيروت :1981 ، ص:777 .

- [66] محمد بن عبد الله اللواتي ، رحلة ابن بطوطة : تحفة النظار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ، { تحقيق: د. على المنتصر الكتاني } ، مؤسسة الرسالة ، ط: 3 ، بيروت :1981 ، ص:777-778 .

[67] - انظر: ديوان الشماخ بن ضرار،{تحقي: صلاح الدين الهادي}،دار المعارف، القاهرة، 1968، ص: 73.

[68] - للمزيد، راجع: الموسوعة الشعرية (حافظ إبراهيم)، المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإصدار الثالث.

[69]- ابن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء، (مع تمهيد للناشر الألماني: جوزيف، ودراسة عن المؤلف: طه أحمد إبراهيم)، مكتبة دار الكتب العلمية، بيروت، (لا،ت)، ص:56.

[70]- العمدة، ج: 1، ص: 41.

[71]- (راجع: عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، ج: 4، مكتبة المتنبي ودار إحياء التراث العربي، بيروت، 1957، ص: 306.

[72]- صلاح الدين الهادي: ديوان الشماخ بن ضرار، دار المعارف، القاهرة، 1968، ص: 73. أنظر: محمد بن الأمين الشنقيطي، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، مكتبة الخانجي، ط: 3، القاهرة، 1961، ص: 109.

[73]- الحشا: حشا البطن، يكتب بالألف، تثنية: حشوان، وعند بعضهم يكتب بالياء، تثنية: حشيان، المرجع الساــبق نفسه، ص: 75.

[74]- الأيم: المرأة التي لازوج لها، ويقال: تأيم الرجل إذا لم يتزوج.

[75]- الأشعث: الذي يبتذل نفسه ولا يصونها عن العمل تحملا للأثقال عن أصحابه حتى تنعكس مظاهر الشعث على نفسه، جر الشواء: ما يقوم به من عمل خدمة للرفقاء والأصحاب.

[76]- عشر الحمار تعشيرا: تابع النهيق عشرا، الناجذ: قيل آخر الأضراس، وقيل الذي يلي الناب وهو الأصح.

[77]- الزفير: إخراج النفس، والزفير: أول شهيق الحمار، والشهيق آخره، المحشرج: ما تردد من الصوت فىالحلق والجوف.

[78] - انظر: د. ابوه ولد أعمر، امحمد بن الطلبة اليعقوبي، دراسة تحليلية للجانب العلمي والأدبي من حياته، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة الفاتح، طرابلس 1986 (رسالة لم تنشر)، ص: 26.

[79]- راجع: محمد عبد الله ولد اشبيه ولد ابوه : ديوان محمد ولد الطلبة اليعقوبي [الناشر: أحمد سالك ولد محمد الأمين ولد ابوه ] ، (طبع بالمغرب) مطبعة النجاح الجديدة ، 2000م .

[80]- أنظر: ديوان الشماخ، ص: 319-341.

[81]- العمدة، ج:1، ص: 41.

[82]- المرجع السابق، الصفحة نفسها.

[83]- راجع: النص الكامل للقصيدة فى الملاحق العامة لهذا العمل. للمزيد: انظر:

محمد عبد الله ولد اشبيه ولد ابوه : ديوان محمد ولد الطلبة اليعقوبي [الناشر: أحمد سالك ولد محمد الأمين ولد ابوه ] ، (طبع بالمغرب) مطبعة النجاح الجديدة ، 2000م ، ص:141.


أحمد بن الأمين الشنقيطي، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، مكتبة الخانجي، ط: 3، القاهرة، 1961، ص: 95 .


محمد يوسف مقلد: شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون، مكتبة الوحدة العربية، ط:1 ، بيروت: 1962، ص: 442- 445.


د. ابوه ولد أعمر، امحمد بن الطلبة اليعقوبي، دراسة تحليلية للجانب العلمي والأدبي من حياته، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة الفاتح، طرابلس 1986 (رسالة لم تنشر)، ص: 143.


[84]- أحمد بن الأمين الشنقيطي، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، مكتبة الخانجي، ط: 3، القاهرة، 1961، ص: 95 -109

[85]- الوسيط، ص: 118.

[86]- أنظر: ديوان الشماخ، ص: 98.

[87]- المرجع السابق، الصفحة نفسها.

[88]- أصل الشريعة فىاللغة: مورد الشاربة من الناس والدواب، المجد: حسب الآباء والأجداد، أنظر: الديوان، ص: 119.

[89]- يعني: الشماخ بن ضرار، وحميد بن ثور، والأعشى ميمون بن قيس.

[90]- د.أحمد بن الحسن: أسلوب محمد بن الطلبة اليعقوبي، {بحث الكفاءة}، الجامعة التونسية، كلية الآداب، {رسالة لم تنشر}، تونس، 1979، ص: 72.

[91]- النازع: المشتاق إلى وطنه، وتحكى النازح المغترب البعيد عن وطنه.

[92]- إحدى الولايات الشمالية الموريتانية، وابربيرة: موضع.

-[93] ديوان محمد بن الطلبة ، مرجع سابق ، ص: 146 .

[94] - الديوان:145.

[95] - المرجع السابق ، ص: 157.

[96]- الجرجاس: نوع من الباعوض المؤذي،المتهزج: المطرب.

[97]- رسل كوم: حليب أكبر النوق وأعظمها.

[98] - هو: أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، أبو الطيب.

الشاعر الحكيم، وأحد مفاخر الأدب العربي، له الأمثال السائرة والحكم البالغة المعاني المبتكرة.، ولد بالكوفة{303 - 354 هـ / 915 - 965 م} في محلة تسمى كندة وإليها نسبته، ونشأ بالشام، ثم تنقل في البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيام الناس. للمزيد ، راجع: ديوان أبي الطيب أحمد بن عبد الصمد الجعدي المتنبي، منشورات دار الحياة، بيروت: {لا.ت}. انظر: الموسوعة الشعرية (حافظ إبراهيم)، المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإصدار الثالث.

[99]- الرعابيب: ج: رعبوبة: الطويلة الممتلئة، راجع: {الديوان، ص: 53-53.}

[100]- هو: يعمر بن حزن السعدي، راجع حياته في: {بطرس البستاني}، أبى نخيلة، دائرة المعارف، ج: 2، دار المعرفة، بيروت، (لا، ت)، ص:360.

[101]- الجارية: هي في الأصل: الفتاة الشابة، ثم توسع فيه فاستعملوه في كل أمة، المرققا: على صفة إسم المفعول، الرغيف الواسع. راجع: بهاء الدين عبد الله بن عقيل، {تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد}، ج: 2، مطبعة السعادة، ط: 14، القاهرة، 1965ص:18.

[102] - الديوان ، ص: 164.

[103] - الديوان ، ص: 176.

[104]- راجع: د. ابوه ولد أعمر، امحمد بن الطلبة اليعقوبي، دراسة تحليلية للجانب العلمي والأدبي من حياته، أطروحة ماجستير، كلية التربية، جامعة الفاتح، طرابلس 1986 (رسالة لم تنشر)، ص: 148.33.

- [105]- ديوان حميد بن ثور الهلالي: أ. عبد العزيز الميمني، الدار القومية للطباعة والنشر، نسخة مصورة عن دار الكتب، القاهرة، 1951

راجع ترجمته في:

- الأعلام، ج: 2، ص: 318

- طبقات الشعراء للجمحي، ص: 176

- الإصابة، الترجمة:2، ص: 395

- الشعر والشعراء، ط: ليدن، ص: 230

- الأغاني، ج: 4، ط: دار الكتب، ص: 356

- تاريخ الأدب العربي، عمر فروخ، ج: 1، ص: 286

- الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، ص: 128

- شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون، ص: 445

[106] - للمزيد، راجع: الموسوعة الشعرية (حميد بن ثور)، المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإصدار الثالث.

[107]- تولى الخلافة سنة:65 ها

[108]- انظر: طبقات الشعراء، ص: 176

[109]- انظر: اديوان حميد بن ثور الهلالي: أ. عبد العزيز الميمني، الدار القومية للطباعة والنشر، نسخة مصورة عن دار الكتب،القاهرة، 1951 ، ص: 52

[110]- الديوان، ص: 7-30 {والقصيدة تبلغ: 119 بيتا}. للمزيد : راجع النص الكامل للقصيدة فى الملاحق العامة لهذا العمل .

[111]- البيتان: {الأول، والثاني} لم يوردهما محقق الديوان كمطلع للقصيدة، واكتفى بذكر الوسيط لهما، ومطلع القصيدة عنده:

{سل الربع أنى يممت أم سالـم وهل عادة للربع أن يتكلمـا}.

[112]- هذا مثل عربي قديم، يقال: ماله أثر ولا عثير،أي لا يعرف راجلا، فيتبين أثره، ولا راكبا فيثير الغبار فرسه.

[113]- هو: أحمد تيمور باشا {1288- 1348 هـ/1930م}، عالم بالأدب، باحث ومؤرخ مصري، مولده، ووفاته بالقاهرة.

[114]- أحمد بن الأمين الشنقيطي،الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، مكتبة الخانجي،ط 3، القاهرة،1961، ص: 128.

[115]- ديوان محمد بن الطلبة ، ص: 420 . د. ابوه ولد أعمر: امحمد بن الطلبة اليعقوبي، مرجع سبق ذكره، ص: 150.

[116]- تأوبه: أتاه ليلا

[117]- بعد الهجوع: بعد النوم

[118]- عتاقة: جمع عتق،المراد بها: الجوارح، والمعنى قريب من قول علقمة الفحل:

{عقلا ورقما تظل أطير تتبعــه كأنه من دم الأجواف مرمم}

[119] - الأرجوان: صبغ شديد الحمرة

[120] - العندم: دم الغزال، والبيت فيه تقارب معني مع قول ابن الرومي:

{كأن تلك الدموع قطر ندى يقطر من نرجس علــى ورد}.

[121]- في ديوان حميد بن ثور:119 بيتا، وقد اعتمدنا الوسيط، لأن الأستاذ عبد العزيز الميمني {محقق الديوان} اعتمده ضن مصادر التحقيق.

[122]- انظر: الديوان، ص: 16، والمعنى: انهمال العرق من جباة العذارى القائمات على خدمتها، وهذا العرق: شبهه الشاعر بلون الزعفران ودم الغزالة، في حين استخدم ابن الطلبة اللفظة نفسها معوضا الزعفران {بالأرجوان}.

[123]- يحجز بينها: لئلا يدق بعضها بعضا.

[124]- سدى: مهملة في مراعيها، يعنى:الإبل.

[125]- قرقار الهدير: صافي الصوت في هديره.

[126]- فزينه:المقصود العبيط

[127]- العهن: الصوف عامة أو هو المصبوغ ألوانا.

[128]- هاب أي: هابس، وهو اسم صوت تدعى بها الإبل

[129]- الحدب من الإبل: ج أحدب: ما عظم ظهره، وربما يكون المراد الهودج.

[130]- اكلأز وأعصم: تجمع واستمسك.

[131] - الديوان، ص:424

[132]- الأحداج: ج حدج، من مراكب النساء، كل منوق: كل جمل أحسنت رياضته، البزل: ج، الذي طلع نابه، النعم: الغليظ، القيسرى: العظيم، العثمثم: الشديد الطويل

[133]- يزيف: يتبختر في مشيه، مروط: ج مرط، كساء من صوف أو خزف، تخال: تظن الرئم، الظبي: الخالص البياض، غشيواء: اسم موضع حسن الظباء، أرثم: به رثمة بياض في طرف الأنف.

[134]- تقدم الاستشهاد من القصيدة على هذا الوصف الذي يأخذ الوصف فيه من البيت (10- 31).

[135] - الديوان ، ص:24.

[136]- أداري: أخاتل، جأبا: غليظا. الديوان ، ص:433

[137]- الزعر: ج أزعر: قليل الشعر.

[138] - الديوان ، ص:444

[139]- انظر: الأبيات الواردة في الميمية:

- {الوسيط: 129-147}.

- ديوان حميد بن ثور، ص: 7-30 .

- د. ابوه ولد أعمر، امحمد بن الطلبة.. ص: 156.

[140]- ديوان الأعشى: فوزي عطوري، دار صادر، بيروت، 1980.

وانظر ترجمته فى:

- خير الدين الزركلي: الأعلام، ج: 8، ط: 6، دار العلم للملايين، بيروت، 1984، ص: 300-301.

- طبقات الشعراء، ص: 41.

- خزانة البغدادي، ج:1، ص: 84.

- الأغاني: أبو الفرج الأصفهاني، ج: 9، ط: دار الكتب، ص: 108.

- شعراء النصرانية قبل الإسلام: الويس شيخو، ج:1 دار المشرق، بيروت، {لا، ت}، ص: 357.

- دائرة المعارف {القرن العشرون}: محمد فريد وجدي،ج:6، دار المعرفة، ط: 3، بيروت،1971، ص:462.

- تاريخ الأدب العربي: د.عمر فروخ، ج: 1، دار العلم للملايين، ط: 3، بيروت، 1978، ص: 221.

- تاريخ الأدب العربي:كارل ابروكلمان{ترجمة: د. عبد الحليم النجار}، ج: 1، ط:4 القاهرة، 1959، ص:147.

[141] - للمزيد ، راجع: الموسوعة الشعرية (الأعشى)، المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإصدار الثالث.

[142]- شرح المعلقات العشر، قدم له وشرحه: د. مفيد قميحة، منشورات: دار ومكتبة الهلال، بيروت، 2001، ص:342.

3- المرجع السابق، ص: 342.

[144]- شرح المعلقات العشر، قدم له وشرحه: د. مفيد قميحة، منشورات: دار ومكتبة الهلال، بيروت، 2001، ص:345.

[145]- محمد بن سلام الجمحي: طبقات الشعراء، {مع تمهيد للناشر الألماني: جوزيف، ودراسة عن المؤلف:طه أحمد إبراهيم}، مكتبة دار الكتب العلمية، بيروت: {لا، ت}، ص: 14.

[146]- مقدمة ديوان الأعشى، ص: 13.

[147]- المرجع السابق، ص: 6. عمدة: ج: 1، ص:48.

[148]- العمدة: ج: 1، ص:53

[149]- القصيدة قالها الأعشى في مدح الأسود بن المنذر اللخمي، تصل:{75بيتا}، فىالديوان، و{98 بيتا} فى: الوسيط، لابن الأمين الشنقيطي، وشعراء موريتانيا، لمحمد يوسف مقلد. للمزيد : راجع النص الكامل للقصيدة فى الملاحق العامة لهذا العمل .

5- أنظر: الديوان ، ص: 354 . الوسيط، ص: 147، 155. وانظر كذلك: شعراء موريتانيا، ص: 450

6- أبناء موسى: فخذ الشاعر من قبيلته، الأعمام، والأخوال: فخذان من القبيلة.

[152]- عدد أبيات القصيدة يصل إلى:{93 بيتا}.

[153]- العمدة، ج: 1، ص: 81

[154] الديوان ص 358.

[155]- الغميس، بادولي، السخال: أسماء لمواضيع، علية: نسبة إلى العالية بأعلى نجد.

[156]- الإسفنط: الخمر المعتقة.

[157] ديوان الأعشى، ص 164.

[158]- ديوان الأعشى ،ص:164 . وعسير: الناقة، أدماء: بيضاء، حادرة: غليظة، شملال: خفيفة

[159] - ديوان الأعشى ،ص:166

[160]- الأسود بن المنذر اللخمي، تقدم أنه هو الذي قيلت فيه المعلقة، أنظر: ديوان الأعشى، {تحقيق: فوزي عطوري}، دار صادر، بيروت، 1980، ص: 23.

[161]- البيت غير موجود في الديوان، واعتمدناه من الوسيط. أباري: أعارض، الطماح: النشاط.

[162]- البيت غير موجود في الديوان، واعتمدنا من الوسيط. ألفوالي: ج فآلية، هي التي تفلي الرأس.

[163]- هذا البيت كذلك لم نطلع عليه فى ديوان الأعشى.

[164] - هذا البيت مطلع قصيدة للبحتري يمدح فيها الفتح بن خاقان، راجع: الحسن بن بشر بن يحي الآمدي، الموازنة بين أبى تمام حبيب بن أوس، الطائي، وأبى عبادة الوليد بن عبيد، البحتري، {تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد}، المكتبة العلمية، {لا. ن}، 1944، ص: 415.

[165]- هذا البيت مطلع قصيدة للبحتري يمدح فيها المهتدي بالله، راجع: الحسن بن بشر بن يحي الآمدي، الموازنة بين أبى تمام حبيب بن أوس، الطائي، وأبى عبادة الوليد بن عبيد، البحتري، {تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد}، المكتبة العلمية، {لا. ن}، 1944، ص: 416.

[166] - الديوان ، ص: 356..

[167]- العنس: الناقة الصلبة القوية، زفوف: سريعة في السير.

[168]- العنتريس: الناقة الغلظة، هجان الإبل: البيض الكرام منها.

[169] - الديوان ، ص: 369

[170] - الديوان ، ص: 381.

[171]- راجع حياة الخنساء في: ديوان الخنساء، {شرح وتقديم: د. عمر فاروق الطباع}، شركة دار الأرقم بن أبى الأرقم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت: {لا. ت}.

[172] - راجع: الموسوعة الشعرية (الخنساء)، المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإصدار الثالث.

[173]- سورة: القلم، الآية: 4.

[174] - أحمد بن الأمين الشنقيطي، الوسيط فر تراجم أدباء شنقيط، مكتبة الخانجي، مؤسسة المنير، موريتانيا، ص: 24.

[175] - راجع : الخليل النحوي ، بلاد شنقيط المنارة والرباط ، عرض للحياة العلمية والإشعاع الثقافي والجهاد الديني من خلال الجامعات البدوية المتنقلة (المحاظر) ، المنظمة العربية للتربية والثقتافة والعلوم ، تونس ، 1987 ، ص: 511 .

مطر وقمح
02-21-2013, 08:13 PM
المعارضات الشعرية هي أحد الفنون الأدبية في الأدب العربي، وهي نوع من المباريات الشعرية التي تجري بين الشعراء، وهي تختلف عن التقليد فهي نوع من إثبات الذات والقدرة على الإبداع في ظل قيود معينة، وتبدأ بأن ينظم شاعر ما قصيدة، فيأتي شاعر آخر، إما للإبداع داخل هذا القالب لأنه أعجبه وإما لنقض معاني هذه القصيدة وأفكارها لأنه يتبنى وجهة نظر أخرى مضادة، لكنه إمعانًا في التحدي يلزم نفسه أن يبدع في نفس القالب الشعري الذي التزمه الشاعر الأول، فيلتزم نفس الوزن والبحر والقافية، وقد ازدهر هذا الفن في عصرنا الحديث حيث يعد أمير الشعراء أحمد شوقي من أبرز رواده.
وفي كتابه (تاريخ المعارضات في الشعر العربي) يقول الدكتور محمد محمود قاسم نوفل رئيس قسم اللغة العربية بجامعة النجاح في نابلس أن المعارضات الشعرية تعود إلى أيام الإسلام الأولى، وأن هناك قصائد نالت إعجاب الشعراء كثيراً فأكثروا من معارضتها كقصائد البوصيري وكعب بن زهير، ويعد هذا الفن إحياء للفن العربي ولتراث الشعراء السابقين في كل زمان ومكان، حيث تنشط فيه الحركة الأدبية الشعرية ويربط ماضي الشعر بحاضره.
ولم تقتصر المعارضات على الشعر فقط فقد تعدته إلى النثر فشملت الرسائل والمقامات، كتلك التي ظهرت بين الخوارزمي وبديع الزمان الهمذاني في مجال الرسائل، كما عارض ابن شرف الأندلسي بديع الزمان الهمذاني في مقاماته فعمل مقامة في ذكر الشعر والشعراء.
وقد كانت المعارضات في تراث الشعر العربي توحي بقدرٍ من فحولة
الشاعر المتأخر حين يُجيد في معارضة قصيدة متقدمة اكتسبت
شهرة بقصيدة تجري في مضمارها، وتحقق لنفسها قدرًا موازيًا من
الشهرة والقبول. لكن هذا النمط من الخطاب الشعري اختفى أو كاد
في الشعر المعاصر؛ لأن خصوصية التجربة وتباينها ـ بين شاعر وآخر
في القصيدة الحديثة ـ أصبحت هي المعيار الحقيقي لأصالة الشاعر
وقدرته على الإبداع.
أغراضها:
المجاراة تستخدم لأغراض ثلاثة
(فرح عيسى – مفهوم الشعر في
البطانة- مجلة وازا – العدد 12 -2000) إما بسبب التحدي المباشر
يكون هنا النظم ارتجالا و هو ما يعبر عنه البعض ب "قطع أخضر"
و هو اللقب الذي كان يطلق على الجاغريو .. أب قطعا أخضر .. حيث
من المعروف إنه كان يرتجل الشعر في حينه و لا ينتظر حتى ينظمه ..
و أخضر هنا معناها .. جديد و طازج. و هذا النوع ينتشر في أشعار
المسادير و شعر الهمباته.

النوع الثاني
أن تكون المجاراة بسبب أعجاب شاعر بأهزوجة شاعر
آخر، و هو ما غلب على شعر الحقيبة حيث نبع معظم مجاراتهم
بسبب الإعجاب بقصيدة الآخر و يتم هذا بغرض إظهار القدرة على
الإتيان بجميل ما أعجب به الشاعر.

الغرض الثالث
هو أن تكون المجاراة بسبب استهجان شاعر لأهزوجة
شاعر آخر فينظم على نسقها محاكاة لها بقصد إظهار ضعفها.
و ظهر هذا النمط بقوة في فترة المضاربات للتقليل من شأن القصيدة
قيد المجارة و في نفس الوقت إظهار قوة و تفوق القصيدة المجاري بها.

و هناك المجاراة في اللحن ... و هي كما أسلفنا تأتي نتيجة لإعجاب
الشاعر بلحن معين فيصيغ قصيدته على نسق هذا اللحن، و يكثر هذا
في فترة الحقيبة كما ابتدأ بالظهور حديثا.
في بحثنا هذا سوف نستخدم المصطلحين (مجاراة و معارضة) بصورة
تبادلية لتعنيان نفس الشيء.

المعارضة عند العرب:
من أشهر المعارضات قديما هي سينية البحتري التي عارضها أحمد
شوقي
...
سينية البحتري
وصف الشاعر العباسي البحتري إيوان كسرى في سينيته المشهورة
التي تتوارد في أبياتها العظة التاريخية لهذه الدولةالتي كانت ذات
قوة عظيمة ثم اضمحلت يقول فيها:
...

صُـــنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي
وَتَرَفَّعــــــــــتُ عَن جَدا كُلِّ جِبسِ

وَتَماسَكتُ حينَ زَعزَعَني الدَهـر
التِماساً مــــــــــِنهُ لِتَعسي وَنَكسي

بُلَغٌ مِن صُبابَةِ العَيشِ عِـــــندي
طَفَّفَتها الأَيّـــــــــــامُ تَطفيفَ بَخسِ

وَبَعيدٌ مابَينَ وارِدِ رِفَـــــــــــــــهٍ
عَلَلٍ شُـــــــربُهُ وَوارِدِ خِـــــــمسِ

وَكَأَنَّ الزَمانَ أَصبَحَ مَحــــــمولاً
هَواهُ مَـــــــعَ الأَخَسِّ الأَخَــــــــسِّ

لَو تَراهُ عَلِمتَ أَنَّ اللـــــــــــَيالي
جَعَلَت فيهِ مَأتَماً بَعدَ عُــــــــــرسِ

وَهوَ يُنبيكَ عَن عَجائِبِ قَـــــــومٍ
لا يُشابُ الـــــــبَيانُ فيهِم بِلَــــبسِ

وَإِذا ما رَأَيتَ صورَةَ أَنطـــــاكِيَّة
اِرتَعـــــــتَ بَينَ رومٍ وَفُـــــــــرسِ

وَالمَنايا مَواثِلٌ وَأَنوشَــــــــروان
يُزجي الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفــــــسِ

في اِخضِرارٍ مِنَ اللِباسِ عـــــَلى
أَصفَرَ يَختالُ في صَبيـــــغَةِ وَرسِ

وَعِراكُ الرِجالِ بَينَ يَــــــــــــدَيهِ
في خُفوتٍ مِنهُم وَإِغمـاضِ جَرسِ

مِن مُشيحٍ يَهوى بِعامِلِ رُمـــــحٍ
وَمُليحٍ مِــــــــنَ السِنانِ بِتُـــــرسِ

تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحــــــــياءٍ

لَـــــهُم بَينَهُم إِشـــــــارَةُ خُــــرسِ

يَغتَلي فيهِم ارتيِابي حَـــــــــــتّى
تَتَقَرّاهُـــــــــــمُ يَدايَ بِلَــــــــــمسِ

وَتَوَهَّمتُ أَنَّ كِسرى أَبَـــــــرويزَ
مُعــــــــــاطِيَّ وَالبَلَهبَذَ أُنــــــــسي

حُلُمٌ مُطبِقٌ عَلى الشَكِّ عَــــــيني
أَم أَمانٍ غَيَّرنَ ظَنّي وَحَــــــــدسي

وَكَأَنَّ الإيوانَ مِن عَجَبِ الصَنعَةِ
جَوبٌ في جَــــــــــنبِ أَرعَنَ جِلسِ

يُتَظَنّى مِنَ الكَآبَةِ إِذ يَبــــــــــــدو
لِـــــعَينَي مُصـــــَبِّحٍ أَو مـــــُمَسّي

مُزعَجاً بِالفِـــراقِ عَن أُنسِ إِلفٍ
عـــــَزَّ أَو مُــــرهَقاً بِتَطليقِ عِرسِ

عَكَسَت حَظُّهُ اللَيالي وَباتَ المُشـ
تَـــــري فيهِ وَهوَ كَــــــوكَبُ نَحسِ

فَهوَ يُبدي تَجَــــــــــــــلُّداً وَعَلَيه
كَلـــــكَلٌ مِن كَلاكِلِ الدَهـــرِ مُرسي

لَم يَعِبهُ أَن بُزَّ مِن بُسُطِ الــديباج
وَاِســـــتَلَّ مِـــــن سُتورِ المَـــــقسِ

مُشمَخِّرٌ تَعلو لَهُ شُـــــــــــــرُفاتٌ
رُفِعَت في رُؤوسِ رَضوى وَقُـدسِ

لابِساتٌ مِنَ البَياضِ فَما تُـــبصِرُ
مِـــــنها إِلـــــّا غـــــَلائِلَ بــــــُرسِ

لَيسَ يُدرى أَصُنعُ إِنسٍ لِجـــــــِنٍّ
سَكَنـــــوهُ أَم صـــــُنعُ جِــنٍّ لِإِنـسِ

فَكَأَنّي أَرى المَراتِبَ وَالقَــــــــومَ
إِذا مـــــا بَلَغتُ آخِـــــرَ حِسّــــــــي

وَكَأَنَّ الوُفودَ ضاحينَ حَســـــرى
مِن وُقـــــوفٍ خَلفَ الزِحامِ وَخِنسِ

وَكَأَنَّ القِيانَ وَسطَ المَقاصــــــيرِ
يُرَجِّـــــعنَ بَينَ حُـــــوٍ وَلُعــــــــسِ

وَكَأَنَّ اللِقاءَ أَوَّلَ مِن أَمــــــــــسِ
وَوَشـــــكَ الفِـــــراقِ أَوَّلَ أَمـــــسِ

وَكَأَنَّ الَّذي يُريدُ إِتّـــــــــــــــِباعاً
طامـــــِعٌ في لُحوقِهِم صُبحَ خَـمسِ

عُمِّرَت لِلسُرورِ دَهراً فَــــصارَت
لِلـــــتَعَزّي رِبـــــاعُهُم وَالتـــــَأَسّي

فَلَها أَن أُعينَها بِدُمــــــــــــــــوعٍ
موقَفاتٍ عَلى الصـــــَبابَةِ حُـــــبسِ

ذاكَ عِندي وَلَيسَت الـــدارُ داري
بِإِقتِرابٍ مِنها وَلا الجــــِنسُ جِنسي
...

وفي العصر الحديث كـتب الأديب والشاعر عبدالله بلخير
المشهور بالملحمات الأندلسية في ثانية ملاحمه السبع (سينيته) معارضاً البحتري وشوقي قائلاً:



ذكرياتي مـــــــــــا بين يومي وأمسي
هي عمري ما بين سعدي ونــــــحسي

ضاع منها ما ضــاع في مهمه العمر
وطواها بين اخـــــــــــــضرار ويبــس

وتبقى منها الــــــــذي رسبت مـــــنه
رؤى لا تــــــــرى بفــــــــكري وحسي

مومضات تشع طوراً وتخــــــــــــــبو
في شريط، في ظلمة الــــــذهن منسي

تتعــــــالى به حياتــــــــي وتكــــــــبو
بين كرب مـــــــن الزمان وأنســــــــي

خــــــــاض أمواجها شراعي يطـوي
البـحر طياً بــــــــه يسير ويــــــــرسي

تتغشاه من أعــــــــاصير الـــــــهوج
مــــــــثال الجــبال (رضوى) و(قدس)

فهو ما بينها يغــــــــوص ويطــــــفو
ثــــــــم يمــــضي على ظهور وغطس

هو عمر مضى وقد أذن العــــــــصر
فأضحى مصــــــــبح العـــــــمر ممسي

وهــــــــو في دورة المحاق فلم تبق
اللــــــــيالي مـــــــن بدرها غير سدس

ما تبــــــــقى من ذكريــــــــاتي عنه
قــــــــطرات عــــــلى حصى منه ملس

جـــــف في بعدها نداها فــــــــلا تبتل
من مســــــــها بنــــــــاني بمــــــــسي

طافت الــــــذكريات بي فــــــــي ذرى
(الحمراء) في عالم على المجد مرسي

طفــــــــت فيها وفي حناياي مــــــنها
زفــــــــرات الواعي، العليم، الـــمحس

نادباً عــــــــزها، وملك (بني الأحمر)
فيها، بــــــــهيبة المــــــــلك مـــــكسي

طفت أرجــــــــاءها وبــــين صياصيه
كــــــــأني أطــــــــوف فيــــها برمسي

في جموع تــــــــوافدت من زوايا الـ
أرض كانت غــــــــريبة الــــدار ليسي

تتلاقى أنــــــــظارهم فــــــــي تلاقيهم
وتصــــــــغي الآذان في كـــــــل دعس

في وجوم كأنهم فــــــــي عـــزا موت
فــــــــقيد لــــــــهم ورنــــــــات تقــس

هي هذي (الحمرا) ولا غـــــــالب إلا
الله كــــــــانت (دار الخــــــــلافة) أمس

كانت الملك والخــــــــلافة والــــــفتح
لآل مــــــــن العــــــــروبة شــــــــمس

ثـــــم زالت وزال ملك (بني الأحمر)
مــــــــــــــــنها لمــــــــا أصيب بنـكس

مثل ما زال مـــــــلك (دارا) و(قسطنـ
طين) في الأرض بعــــد ملك (تحمس)

وانتــــــــهى (هيـــــــنبال) و(إسكندر
الأكبر) وانهار مـــلك (روم) و(فرس)

سنة الكــــــــون أن يزول وينــــــــهار
بناء الباني عــــــــــــــــلى غــــير أس

تلك (حمراؤنا) على مفرق (أوروبا)
مــــــــنار يهدى بــــــــه كل مـــــمسي

وهي في حمرة العقيق تـــــــــــراءت
تتــــــــلألأ وفــــــــي بريق الــــدمقس

مشرئباً إلى رفافها أرنو إليهــــــــــــا
تفــــــــيض بالــــــــحزن نفـــــــــــسي

خــــــاشع الطرف عندما لاح لــــــــي
فيها (المصلى) ولاح (تاج) و(كرسي)

فاقشعرت مشاعري وتـــــــــــــراءت
لـــــــي رؤى حاضري الحزين كأمسي

خـــيلت لي تموج أكــــــــنافها بالخيل
كالصبح في صهــــــــيل وعـــــــــــس

أشرقت في سنا (الخلافة) تــــــــزهو
بــــــــرجال شــــــــم المعاطس نــطس

والكراديس من (تجيب) ومن (حمير)
(صنــــــــهاجة) الفــــــــتوح و(قيس)

وقــــــــفوا في رماحــــــــهم وظـباهم
كــــــــسنا الفــــــجر بين طرد وعكس

في ظــــــــلال المصفقات من الرايات
فــــــــي (خزرج) تــــــــرف و(أوس)

فوق هامات قــــــــادة (العــرب) من
(عبد مناف) ومـــن بني (عبد شمس)

والأذان الــــــــداوي عـــلى الهضبات
الخضر يدعو إلى فرائض خــــــــمس

تتعــــــــالى به قراهــــــــم وتسمـــــو
حــــــــين تصحو عليه أو حين تمسي

وتــــراءى لي (الخليفة) في (إيوانه)
مصــــــــبحاً بــــــــها أو ممــــــــسي

حوله الفاتحون فــــــــي زرد الفولاذ
يــــــــزهون فــــــــي إبــــــــاء وبأس

فلك شع بالشموس أنـــــــار (الغرب)
عــــــــبر القــــــــرون فــــي كل درس

ما رأت فــــــي ظلامها قبله (أوروبا)
ضيــــــــاء يضــــــــيء فيـــــها بقبس

مثل أضواء (قرطبا) وسنا (غرناطة)
فــــــــــــــــي الدجــــــى ونور (بلنس)

كـــانت الأرض كلها تتــــــــــــــــلاقى
حــــــــــــــــول أبوابها ومن كل جنس

تتلقى العلم الغزير على أعــــــــلامها
الغر من إمــــــــــــــــام وكيـــــــــــس

ووفود (الرومان) و(الغال) و(الجر
مان) حول الأبواب أطــــــــــياف نكس

وقفوا في الصفوف يلتمسون الإذن
لا ينــــــــــــــــبسون فيها بنــــــــــبس

كلما لاح حاجب حفت الأنظـــــــــــــار
مــــــــــــــــنهم به ولــــــــفت بـوجس

كـــــلهم شاخص إلى الإذن في غمزة
طــــــــرف أو فــــــــي إشارة خــــلس

شــــــــرف باذخ لهم أن يقــــــــوموا
فــــــــي صـــفوف على ظلال الدرفس

يستظلون بـ (الخــــــــــــــــلافة) فيها
وهي عدل يبنــــــــي وينــشي ويكسي

تلك (حمراؤنا) بنـــــاها (بنو الأحمر)
يضـــــــــــــــــحي الخيال فيها ويمسي

تخت مــــــــــلك الإسلام فوق روابي
(البيرينه) الخــــــــــضرا أقيم وأرسي

فاحت الأرض حولها بالربيع الطـــلق
قــــــــد ضاع من خــــــــزامى وورس

عبق لا تــــــــــــــــزال أستارها تنفثه
فــــــــي الأكــــــــف، في كــــــل لمس

وهي تــــــــختال في مطارفها الحمرا
عـــــــــــــــروساً يزهو بها ليل عرس

طفت فيها أجر خطوي، ودقــــــــــات
فــــــــــــــــؤادي تقود ترجيع دعــسي

وتجــــــــــــــــولت بين أروقة القصر

حــــــــــــــــزيناً في خيبتي بعد يأسي

تتوالى خواطــــــــري ورؤى شجوي
بــــــــــــــــذهني على خيالي وهجسي

حينما راعــــــــني الذي راعني منها
فــــــــــــــــحوقلت في قنوطي وبؤسي

وتحــــــــسست مهجتي وعرى قلبي
فـــــــــــــــــــــــــــلم أهتد إليها بحسي

فتهاويت خائر العــــــــــــــــــــزم ثاو
واضــــــــــــعاً راحتي من حول رأسي

شـــــــــــارد الذهن لا أرى ما أمامي
حاسباً رجـــــــــس أمتي أمس رجسي

وعــــــــلى هامتي هواني على نفسي
هـــــــــــــــوان المجنى عليه المخس

فكـــــــــــــــــــأني وحدي الملوم على
تعـــــس (جدودي) يهزني هول تعسي

تــــــــــــــــلك حمراؤنا وحين أسميها
أســــــــــــــــمي ما أفـــــــتديه بنفسي

مجــــــدنا الأعظم الذي انقض وانهار
وما زال ذكــــــــــــــــــره اليوم قدسي

نـــــــاح (شوقي) على مشارفها قبلي
تشـــــــــــــاجى بـ (البحتري) في تأس

وتشاجيت منهما حـــــــــــــــين سالت
دمــــــــــــــوعي على يراعي وطرسي

وتماديت حين زاحمت فـــي (القصر)
(الأميرين) فــــــــــي غرور (البرنس)

فقصور الحمــــــــــــــــراء (دار أبي
سفيان) داري والجنس لا شك جنسي

حــــــــــــــاملاً رايتي أهز بها شعري
تعــــــــــــــــــالت به جذوري وغرسي

ما تخطتني الصفوف فمن حــــــــولي
وخلفي (قيسي) و(عبسي) و(عنسي)

جـــــــــــــــزتهم في سما (عكاظ) فقد
رف جنـــــاحي على السحاب وجرسي

يتبـــــــــــــــــــــارون في لحاقي وهم
خــــــلف غباري على مدى قاب قوس

وأنا عــــــــــــــــــند (سدرة المنتهى)
أرنو إلـــــــــــــيهم على أهازيج قعس

لا أبــــــــــــــــالي بأن يغص بما قلت
شــــــــحيح الإنصاف في ضيق نفسي

فكثير ألا يقال لــــــــــــــــمن أحـــسن
أحســـــــــــــــــنت، في الزمان الأخس

هـــــــمسات رنت بأذني في (الحمرا)
كهــــــــــــــــمس الجني في أذن إنسي

فتريثت فــــــــي مقــــــــــــــــاصيرها
أصــــــــــــغي إليها بكل وعيي وحسي

سابحاً فــــــــي مشاعري في متاهات
تلاقى فيــــــــــــــــــــها يقيني بوجسي

كيف كـــــــــنا، وها هو اليوم ما كان
وكـــــــــــــــــــــنا، أطلال سعد ونحس

هي هذي ديارهم عـــــــــــــبرة الدنيا
وكــــــــــــــــــــــبرى العظات للمتأسي

بقيت عبرة يطــــــــــــوف بها الناس
وتــــــــــــــــــرنوا لها العيون فتخسي

ويحج (السياح) ساحــــــــاتها ماجت
بأفواجهم بزهــــــــــــــــــــــــو وميس

كل ركـــــــــــــــــــــــن منها يئن لما
مـــــــــــــــــر عليها من نائبات وحس

بحــــــــــــــــت النائحات فيها عــــلى
الا ضــــــــاع يندبن في مواكب عمس

وأمحى ما عــــدا (شعار) بني الأحمر
وما زال فضــــــــــــــــــــلة المتحسي

وهو فــــيما يرى (ولا غالب إلا الله)
فيه أسى الخــــــــــــــــــطوب المؤسي

يصــــــــــــــــطفيه (السياح) في سوق
(غرناطة) فــــي هزء من أصيب بمس

جــــــــــــــــــعلوه مثل الدنانير ذكرى
حــــــــــــــــــول أعناقهم تـدلى بسلس
...

مطر وقمح
02-21-2013, 08:18 PM
مقدمة ما قبل القصيدة للمطالعة
بلغت شهرة البوصيري الأفاق في نظم الشعر في المدائح النبوية، فظهرت قصائده مغلفة بالروح العذبة والمعاني الصادقة مع روعة التصوير والتعبير والتي أستلهمها من حبه للنبي الكريم "صلى الله عليه وسلم"، فجاءت ألفاظه دقيقة بديعة السبك والنظم، فكانت قصائده بمثابة مدرسة لشعراء المدائح النبوية.

وأمتاز شعر البوصيري بالرصانة والجزالة وأجاد في استعمال البديع، والبيان وغلبت على قصائده المحسنات البديعية، كما تميز شعره بالقوة والرصانة، وتأتي قصيدة البردة للبوصيري على رأس قصائد المدائح النبوية، والتي عارضها أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته "نهج البرده".

انكب البوصيري على مذهب الصوفية، فاطلع على سير عدد من أربابها قديماً وحديثاً وغاص فيها، وتلقى الصوفية على يد أبي الحسن الشاذلي، ومدح الشاذلية في شعره، وقد غلب على الشعر في العصر المملوكي والذي ينتمي إليه البوصيري، المدائح النبوية والموضوعات الدينية، ومنظومات الزهد والتصوف.



أعْـنِي أَبـا الحَسَنِ الإِمامَ المُجْتَبَى مِـــنْ هَــاشِـمٍ والـشَّـاذِليَّ الـمَـوْلِدِ
إنَّ الإِمـــــامَ الــشَّـاذِلـيَّ طَــرِيـقُـهُ فِي الفَضْلِ واضحَةٌ لِعَيْنِ المُهْتَدِي
فـانْـقُـلْ ولـــوْ قَـدَمـاً عَـلَـى آثــارِهِ فـــإذَا فَـعَـلْـتَ فَـــذاكَ آخَـــذُ بـالْـيَدِ



قصة البردة

يقال عن سبب تسمية هذه القصيدة "بالبردة" لأن المرض كان قد أشتد على البوصيري، وفي إحدى المرات عندما كان نائماً رأى النبي "صلى الله عليه وسلم" وقد غطاه ببردته - عباءته – فأصبح وقد شفي مما هو فيه، وسميت هذه القصيدة أيضاً بالبرأة، والميمية لأنها تختتم قافيتها بحرف "الميم"، وفي هذه القصيدة يجمع كل أدواته الشعرية ويجمع همته لمدح خير خلق الله "محمد" صلى الله عليه وسلم، وقد شرح وعارض هذه القصيدة العديد من الشعراء.

ويبدأ البوصيري "البردة" بالأبيات التالية:




أمِــــنْ تَــذَكُّــرِ جِــيـران بِـــذِي سَــلَـمٍ
مَـزَجْـتَ دَمْـعـاً جَــرَى مِـنْ مُـقْلَةٍ بِـدَمِ
أمْ هَـبَّـتْ الـريـحُ مِــنْ تِـلْـقاءِ كـاظِمَةٍ
وأوْمَضَ البَرْقُ فِي الظلْماءِ مِنْ إضَمِ
فــمــا لِـعَـيْـنَيْكَ إنْ قُــلْـتَ اكْـفُـفـاهَمَتا
وَمـــا لِـقَـلْـبِكَ إنْ قُـلْـتَ اسْـتَـفِقْ يَـهِـمِ
أَيَـحْـسَـبُ الــصَّـبُّ أنَّ الــحُـبَّ مُـنْـكتِمٌ
مـــا بَــيْـنَ مُـنْـسَجِمٍ مـنـهُ ومُـضْـطَرِمِ
لـولاَ الـهَوَى لَـمْ تُـرِقْ دَمْعَاً عَلَى طَلَلٍ
ولا أَرِقْــــتَ لِــذِكِــرِ الــبَــانِ والـعَـلَـمِ
فـكـيـفَ تُـنْـكِرُ حُـبّـاً بـعـدَ مــا شَـهِـدَتْ
بـــهِ عـلـيـكَ عــدولُ الـدَّمْـعِ وَالـسَّـقَمِ
وَأَثْـبَـتَ الـوجِـدُ خَـطَّـيْ عَـبْـرَةِ وضَـنىً
مِــثْـلَ الـبَـهـارِ عَــلَـى خَـدَّيْـكَ وَالـعَـنَمِ
نَـعَمْ سَـرَى طَـيفُ مَـنْ أهـوَى فَأَرَّقَنِي
والــحُــبُّ يَــعْـتَـرِضُ الــلَّـذاتِ بــالألَـمِ




ويستمر في مدح الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم" في نفس القصيدة قائلاً:


مُــحَـمَّـدُ سَــيِّـدَ الـكَـوْنَـيْنِ والـثَّـقَـلَيْنِ
والـفَـرِيقَيْنِ مِــنْ عُـرْبٍ ومِـنْ عَـجَمِ
نَـبِـيُّـنَـا الآمِـــرُ الـنَّـاهِـي فـــلاَ أَحَـــدٌ
أبَّـــرَّ فِـــي قَـــوْلِ لا مِــنْـهُ وَلا نَــعَـمِ
هُــوَ الـحَـبيبُ الـذي تُـرْجَى شَـفَاعَتُهُ
لِــكـلِّ هَـــوْلٍ مِــنَ الأهــوالِ مُـقْـتَحَمِ
دَعــا إلــى اللهِ فـالـمُسْتَمْسِكُونَ بِــهِ
مُـسْـتَـمْسِكُونَ بِـحَـبْلٍ غـيـرِ مُـنْـفَصِمِ
فــاقَ الـنَّـبِيِّينَ فـي خَـلْقٍ وفـي خُـلُقٍ
وَلَـــمْ يُــدانُـوهُ فـــي عِــلْـمٍ وَلا iiكَــرَمِ
وَكـلُّـهُـمْ مِـــنْ رَسُــولِ اللهِ iiمُـلْـتَمِسٌ
غَـرْفاً مِـنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَمِ
ووَاقِـــفُــونَ لَـــدَيْــهِ عــنــدَ حَــدِّهِــمِ
مِـنْ نُـقْطَة العِلْمِ أَوْ مِنْ شَكْلَةِ الحِكَمِ
فــهْـوَ الـــذي تَــمَّ مـعـناهُ وصُـورَتُـه
ثــمَّ اصْـطَـفَاهُ حَـبـيباً بــارِىءُ الـنَّسَمِ
مُــنَـزَّهٌ عَــنْ شَـرِيـكٍ فــي مـحـاسِنِهِ
فَـجَـوْهَرُ الـحُـسْنِ فـيه غـيرُ مُـنْقَسِمِ
دَعْ مــا ادَّعَـتْهُ الـنَّصارَى فـي نَـبيِّهِمِ
وَاحْـكُمْ بـما شْـئْتَ مَدْحاً فيهِ واحْتَكِمِ
وانْسُبْ إلى ذانه ما شئْتَ مِنْ شَرَفٍ
وَانْـسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ منْ iiعِظَمِ
فـــإنَّ فَـضْـلَ رســولِ الله لـيـسَ iiلــهُ
حَــــدُّ فــيُـعْـرِبَ عــنــه نــاطِـقٌ بِــفَـمِ



أجاد البوصيري الخط، وتعلم قواعد هذا الفن على يد إبراهيم بن أبي عبدالله المصري وكان واحداً ممن اشتهروا بتجويد الخط في مصر، شغل البوصيري عدد من الوظائف في القاهرة والأقاليم، فعمل في صناعة الكتب خلال فترة شبابه، ثم عمل ككاتب للحسابات بمدينة بلبيس بالشرقية، ووقعت بعض المصادمات بينه وبين المستخدمين المحيطين به فضاق بهم وبأخلاقهم فنظم عدد من القصائد هجاهم فيها وذكر فيها عيوبهم مما قاله:



ثَـكِـلْتُ طـوائِـفَ الـمُـسْتَخْدَمِينا
فَــلَـمْ أَرَ فِـيـهـمُ رَجُـــلاً أَمِـيـنـا
فَـخُـذْ أَخْـبَـارَهُمْ مَـنِّـي شِـفـاهاً
وَأنْــظِـرْنـي لأُخْــبِـرُكَ الـيَـقِـينا
فَـقَـدْ عَـاشَـرْتُهُمْ وَلَـبِـثْتُ فِـيهمْ
مَعَ التَّجْرِيبِ مِنْ عُمْرِي سِنينا
حَـوَتْ بُـلْبُيْسُ طـائِفَةً لُـصُوصاً
عَــدَلْـتُ بِــوَاحِـدٍ مِـنْـهُمْ مِـئِـينا
فُـرَيْـجِي والـصَّـفِيَّ وَصـاحِـبَيْهِ
أبَــا يَـقْطُونَ والـنَّشْوَ الـسَّمِينا
فَـكُـتَّـابُ الـشَّـمالِ هُــمُ جَـمِـيعاً
فــلا صَـحِـبَتْ شِـمالُهُمُ الـيَمِينا
وَقَـدْ سَرقُوا الْغِلالَ وما عَلِمْنا
كـما سَرَقَتْ بَنُو سَيْفِ الجُرُونا



غادر بعد ذلك البوصيري الشرقية إلى القاهرة، وافتتح كتاباً لتعليم الأطفال ثم مالبث أن غادره إلى الإسكندرية، وظل بها حتى أخر حياته، وبها تعرف على الشيخ أبا العباس المرسي، وتتلمذ على يديه وأقبل على طريقته الصوفية، وظل بالإسكندرية حتى وفاته.

المدح النبوي
أنكب البوصيري على قراءة السيرة النبوية الشريفة، ومعرفة أخبار ومواقف في حياة الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم"، ثم انطلق ينشد العديد من القصائد المميزة التي تجلى فيها حبه للرسول وبالإضافة لقصيدته الشهيرة "البردة" قدم القصيدة الهمزية التي لا تقل روعة عن "البردة" ويقول فيها:


كــيـف تــرقَـى رُقِــيَّـك الأَنـبـياءُ
يــا سـمـاءً مــا طـاوَلَتْها سـماءُ
لَـمْ يُـساوُوك في عُلاكَ وَقَدْ حالَ
ســنــاً مِــنــك دونَــهـم وسَــنـاءُ
إنّــمـا مَـثَّـلُـوا صِـفـاتِـك لـلـناس
كــمــا مــثَّــلَ الــنـجـومَ الــمــاءُ
أنتَ مِصباحُ كلِّ فضلٍ فما تَصدُرُ
إلا عــــن ضــوئِــكَ الأَضــــواءُ
لـكَ ذاتُ العلومِ من عالِمِ الغَيبِ
ومــــنـــهـــا لآدمَ الأَســـــمــــاءُ
لم تَزَلْ في ضمائرِ الكونِ تُختَارُ
لــــــــك الأُمــــهـــاتُ الأَبـــــــاءُ
مـا مـضتْ فَـترةٌ مـن الرُّسْلِ إِلّا
بَــشَّـرَتْ قـومَـهـا بِـــكَ الأَنـبـياءُ
تـتـباهَى بِــكَ الـعـصورُ وَتَـسْمو
بِــــكَ عــلْـيـاءٌ بــعـدَهـا عـلـيـاءُ
وَبَــــدا لــلـوُجُـودِ مــنــك كــريـمٌ
مــــن كــريــمٍ آبَــــاؤُه كُــرمــاءُ
نَــسَـبٌ تَـحـسِـبُ الــعُـلا بِــحُـلاهُ
قَــلَّـدَتْـهَـا نـجـومـهَـا الْــجَــوزاءُ
حــبــذا عِــقْــدُ سُــــؤْدُدٍ وَفَــخَـارٍ
أنـــتَ فــيـه الـيـتيمةُ الـعـصماءُ
وُمُـحَيّاً كـالشَّمس مـنكَ مُـضِيءٌ
أسْــفَــرَت عــنـه لـيـلـةٌ غَـــرّاءُ
لـيـلةُ الـمـولدِ الـذي كَـان لـلدِّينِ
ســـــرورٌ بــيــومِـهِ وازْدِهــــاءُ
وتـوالَتْ بُـشْرَى الهواتفِ أن قدْ
وُلِــدَ الـمـصطفى وحُــقّ الـهَناءُ
وتَـدَاعَـى إيــوانُ كِـسْرَى ولَـوْلا
آيـــةٌ مِـنـكَ مــا تَـدَاعَـى الـبـناءُ
وغَـــدَا كـــلُّ بــيـتِ نـــارٍ وفــيـهِ
كُــرْبَـةٌ مِـــنْ خُـمـودِهـا وَبـــلاءُ



وعارض قصيدة "بانت سعاد" لكعب بن زهير فقال البوصيري في قصيدته:


إلـى مـتى أنـتَ باللَّذَّاتِ مَشغُولُ
وَأنتَ عن كلِّ ما قَدَّمْتَ مَسؤُولُ
فِي كلِّ يَوْمٍ تُرَجِّي أن تتوب غدا
وَعَقدُ عَزمِكَ بالتَّسوِيفِ مَحْلُولُ



كما قدم بائياته الثلاثة والتي قال في إحداها:


وقَــفَــتْ بِــجــاهِ الـمـصـطـفى آمــالُـه
فــــكـــأَنـــه بـــذنـــوبـــه يَـــتَـــقَـــرَّبُ
وَبَـــــدا لـــــه أنَّ الـــوُقُــوفَ بِــبـابِـهِ
بــــابٌ لِــغُـفْـرانِ الــذُّنــوبِ مُــجَــرَّبُ
صــلَّــى عــلـيـه الــلَّـهُ إنَّ مَـطـامِـعي
فـــي جُــودِهِ قــد غــارَ مـنـها أشـعَـبُ
لِــــم لا يــغــارُ وقــــد رآنــــي دونَـــه
أدركْــتُ مِــنْ خَـيْرِ الـوَرَى مـا أطـلُبُ
مـــــاذا أخــــافُ إذا وَقَــفْــتُ بِــبـابِـهِ
وصَـحـائِـفي سُـــودٌ ورأْسِــيَ أشْـيَـبُ
والمصطَفى الماحي الذي يمحو الذي
يُحْصِي الرقيبُ على المُسيء وَيَكْتُبُ




توفى البوصيري بالإسكندرية عام 1296م – 696هـ، وقد ترك إرثاً قيماً للأجيال اللاحقة تمثلت في عدد كبير من قصائده والتي ضمها ديوانه الشعري، بالإضافة لقصيدة البردة أو "الكواكب الدرية في مدح خير البرية"، والقصيدة "المضرية في الصلاة على خير البرية"، والقصيدة "الهمزية"، و"المحمدية"، ولامية في الرد على اليهود والنصارى بعنوان: "المخرج والمردود على النصارى واليهود".
...
قصيدة البردة
...
مولاي صلي وسلم دائماً أبدا
على حبيبك خير الخلق كلهم

أمن تذكر جيرانٍ بذى سلم
مزجت دمعا جَرَى من مقلةٍ بدم

أَمْ هبَّت الريحُ مِنْ تلقاءِ كاظمةٍ
وأَومض البرق في الظَّلْماءِ من إِضم

فما لعينيك إن قلت اكْفُفاهمتا
وما لقلبك إن قلت استفق يهم

أيحسب الصب أن الحب منكتم
ما بين منسجم منه ومضطرم

لولا الهوى لم ترق دمعاً على طللٍ
ولا أرقت لذكر البانِ والعلمِ

فكيف تنكر حباً بعد ما شهدت
به عليك عدول الدمع والسقمِ

وأثبت الوجد خطَّيْ عبرةٍ وضنى
مثل البهار على خديك والعنم

نعم سرى طيف من أهوى فأرقني
والحب يعترض اللذات بالألمِ

يا لائمي في الهوى العذري معذرة
مني إليك ولو أنصفت لم تلمِ

عدتك حالي لا سري بمستتر
عن الوشاة ولا دائي بمنحسم

محضتني النصح لكن لست أسمعهُ
إن المحب عن العذال في صممِ

إنى اتهمت نصيح الشيب في عذلي
والشيب أبعد في نصح عن التهتمِ
***
مولاي صلي وسلم دائماً أبدا
على حبيبك خير الخلق كلهم

فإن أمارتي بالسوءِ ما أتعظت
من جهلها بنذير الشيب والهرم

ولا أعدت من الفعل الجميل قرى
ضيف ألم برأسي غير محتشم

لو كنت أعلم أني ما أوقره
كتمت سراً بدا لي منه بالكتمِ

من لي برِّ جماحٍ من غوايتها
كما يردُّ جماح الخيلِ باللُّجُم

فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها
إن الطعام يقوي شهوة النَّهم

والنفس كالطفل إن تهملهُ شبَّ على
حب الرضاعِ وإن تفطمهُ ينفطم

فاصرف هواها وحاذر أن توليه
إن الهوى ما تولى يصم أو يصم

وراعها وهي في الأعمالِ سائمةٌ
وإن هي استحلت المرعى فلا تسم

كم حسنت لذةً للمرءِ قاتلة
من حيث لم يدرِ أن السم فى الدسم

واخش الدسائس من جوعٍ ومن شبع
فرب مخمصةٍ شر من التخم

واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت
من المحارم والزم حمية الندمِ

وخالف النفس والشيطان واعصهما
وإن هما محضاك النصح فاتَّهِم

ولا تطع منهما خصماً ولا حكماً
فأنت تعرف كيد الخصم والحكم

أستغفر الله من قولٍ بلا عملٍ
لقد نسبتُ به نسلاً لذي عُقُم

أمْرتُك الخير لكن ما ائتمرت به
وما استقمت فما قولى لك استقمِ

ولا تزودت قبل الموت نافلةً
ولم أصل سوى فرض ولم اصم
***
مولاي صلي وسلم دائماً أبدا
على حبيبك خير الخلق كلهم

ظلمت سنة من أحيا الظلام إلى
أن اشتكت قدماه الضر من ورم

وشدَّ من سغب أحشاءه وطوى
تحت الحجارة كشحاً مترف الأدم

وراودته الجبال الشم من ذهبٍ
عن نفسه فأراها أيما شمم

وأكدت زهده فيها ضرورته
إن الضرورة لا تعدو على العصم

وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من
لولاه لم تخرج الدنيا من العدمِ

محمد سيد الكونين والثقلي
ن والفريقين من عرب ومن عجمِ

نبينا الآمرُ الناهي فلا أحدٌ
أبر في قولِ لا منه ولا نعم

هو الحبيب الذي ترجى شفاعته
لكل هولٍ من الأهوال مقتحم

دعا إلى الله فالمستسكون به
مستمسكون بحبلٍ غير منفصم

فاق النبيين في خلقٍ وفي خُلُقٍ
ولم يدانوه في علمٍ ولا كرم

وكلهم من رسول الله ملتمسٌ
غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ

وواقفون لديه عند حدهم
من نقطة العلم أو من شكلة الحكم

فهو الذي ت م معناه وصورته
ثم اصطفاه حبيباً بارئُ النسم

منزهٌ عن شريكٍ في محاسنه
فجوهر الحسن فيه غير منقسم

دع ما ادعثه النصارى في نبيهم
واحكم بماشئت مدحاً فيه واحتكم

وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف
وانسب إلى قدره ما شئت من عظم

فإن فضل رسول الله ليس له
حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفم

لو ناسبت قدره آياته عظماً
أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم

لم يمتحنا بما تعيا العقول به
حرصاً علينا فلم نرْتب ولم نهمِ

أعيا الورى فهم معناه فليس يرى
في القرب والبعد فيه غير منفحم

كالشمس تظهر للعينين من بعُدٍ
صغيرةً وتكل الطرف من أمم

وكيف يدرك في الدنيا حقيقته
قومٌ نيامٌ تسلوا عنه بالحلمِ

فمبلغ العلم فيه أنه بشرٌ
وأنه خير خلق الله كلهمِ

وكل آيٍ أتى الرسل الكرام بها
فإنما اتصلت من نوره بهم

فإنه شمس فضلٍ هم كواكبها
يظهرن أنوارها للناس في الظلم

أكرم بخلق نبيّ زانه خلقٌ
بالحسن مشتمل بالبشر متسم

كالزهر في ترفٍ والبدر في شرفٍ
والبحر في كرمٍ والدهر في همم

كانه وهو فردٌ من جلالته
في عسكر حين تلقاه وفي حشم

كأنما اللؤلؤ المكنون فى صدفٍ
من معدني منطق منه ومبتسم

لا طيب يعدل تُرباً ضم أعظمهُ
طوبى لمنتشقٍ منه وملتثمِ
***
مولاي صلي وسلم دائماً أبدا
على حبيبك خير الخلق كلهم

أبان موالده عن طيب عنصره
يا طيب مبتدأ منه ومختتم

يومٌ تفرَّس فيه الفرس أنهم
قد أنذروا بحلول البؤْس والنقم

وبات إيوان كسرى وهو منصدعٌ
كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم

والنار خامدة الأنفاس من أسفٍ
عليه والنهر ساهي العين من سدم

وساءَ ساوة أن غاضت بحيرتها
ورُد واردها بالغيظ حين ظمي

كأن بالنار ما بالماء من بلل
حزناً وبالماء ما بالنار من ضرمِ

والجن تهتف والأنوار ساطعةٌ
والحق يظهر من معنى ومن كلم

عموا وصموا فإعلان البشائر لم
تسمع وبارقة الإنذار لم تُشَم

من بعد ما أخبره الأقوام كاهِنُهُمْ
بأن دينهم المعوجَّ لم يقمِ

وبعد ما عاينوا في الأفق من شهب
منقضةٍ وفق ما في الأرض من صنم

حتى غدا عن طريق الوحى منهزمٌ
من الشياطين يقفو إثر منهزم

كأنهم هرباً أبطال أبرهةٍ
أو عسكرٌ بالحصى من راحتيه رمى

نبذاً به بعد تسبيحٍ ببطنهما
نبذ المسبِّح من أحشاءِ ملتقم
***
مولاي صلي وسلم دائماً أبدا
على حبيبك خير الخلق كلهم

جاءت لدعوته الأشجار ساجدة
تمشى إليه على ساقٍ بلا قدم

كأنَّما سطرت سطراً لما كتبت
فروعها من بديع الخطِّ في اللقم

مثل الغمامة أنَّى سار سائرة
تقيه حر وطيسٍ للهجير حَم

أقسمت بالقمر المنشق إن له
من قلبه نسبةً مبرورة القسمِ

وما حوى الغار من خير ومن كرم
وكل طرفٍ من الكفار عنه عم

فالصِّدْقُ في الغار والصِّدِّيقُ لم يرما
وهم يقولون ما بالغار من أرم

ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على
خير البرية لم تنسج ولم تحم

وقاية الله أغنت عن مضاعفةٍ
من الدروع وعن عالٍ من الأطُم

ما سامنى الدهر ضيماً واستجرت به
إلا ونلت جواراً منه لم يضم

ولا التمست غنى الدارين من يده
إلا استلمت الندى من خير مستلم

لا تنكر الوحي من رؤياه إن له
قلباً إذا نامت العينان لم ينم

وذاك حين بلوغٍ من نبوته
فليس ينكر فيه حال محتلم

تبارك الله ما وحيٌ بمكتسبٍ
ولا نبيٌّ على غيبٍ بمتهم

كم أبرأت وصباً باللمس راحته
وأطلقت أرباً من ربقة اللمم

وأحيتِ السنةَ الشهباء دعوته
حتى حكت غرة في الأعصر الدهم

بعارضٍ جاد أو خلت البطاح بها
سيبٌ من اليم أو سيلٌ من العرمِ
***
مولاي صلي وسلم دائماً أبدا
على حبيبك خير الخلق كلهم

دعني ووصفي آيات له ظهرت
ظهور نار القرى ليلاً على علم

فالدُّرُّ يزداد حسناً وهو منتظمٌ
وليس ينقص قدراً غير منتظم

فما تطاول آمال المديح إلى
ما فيه من كرم الأخلاق والشِّيم

آيات حق من الرحمن محدثةٌ
قديمةٌ صفة الموصوف بالقدم

لم تقترن بزمانٍ وهي تخبرنا
عن المعادِ وعن عادٍ وعن إِرَم

دامت لدينا ففاقت كلَّ معجزةٍ
من النبيين إذ جاءت ولم تدمِ

محكّماتٌ فما تبقين من شبهٍ
لذى شقاقٍ وما تبغين من حكم

ما حوربت قط إلا عاد من حَرَبٍ
أعدى الأعادي إليها ملقي السلمِ

ردَّتْ بلاغتها دعوى معارضها
ردَّ الغيور يد الجاني عن الحرم

لها معانٍ كموج البحر في مددٍ
وفوق جوهره في الحسن والقيمِ

فما تعدُّ ولا تحصى عجائبها
ولا تسام على الإكثار بالسأمِ

قرَّتْ بها عين قاريها فقلت له
لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم

إن تتلها خيفةً من حر نار لظى
أطفأت حر لظى من وردها الشم

كأنها الحوض تبيض الوجوه به
من العصاة وقد جاؤوه كالحمم

وكالصراط وكالميزان معدلةً
فالقسط من غيرها في الناس لم يقم

لا تعجبن لحسودٍ راح ينكرها
تجاهلاً وهو عين الحاذق الفهم

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماءِ من سقم
***
مولاي صلي وسلم دائماً أبدا
على حبيبك خير الخلق كلهم

يا خير من يمم العافون ساحته
سعياً وفوق متون الأينق الرسم

ومن هو الآية الكبرى لمعتبرٍ
ومن هو النعمةُ العظمى لمغتنم

سريت من حرمٍ ليلاً إلى حرمٍ
كما سرى البدر في داجٍ من الظلم

وبت ترقى إلى أن نلت منزلةً
من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم

وقدمتك جميع الأنبياء بها
والرسل تقديم مخدومٍ على خدم

وأنت تخترق السبع الطباق بهم
في مركب كنت فيه صاحب العلم

حتى إذا لم تدع شأواً لمستبقٍ
من الدنوِّ ولا مرقى لمستنم

خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ
نوديت بالرفع مثل المفردِ العلم

كيما تفوز بوصلٍ أي مستترٍ
عن العيون وسرٍ أي مكتتم

فحزت كل فخارٍ غير مشتركٍ
وجزت كل مقامٍ غير مزدحم

وجل مقدار ما وليت من رتبٍ
وعز إدراك ما أوليت من نعمِ

بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا
من العناية ركناً غير منهدم

لما دعا الله داعينا لطاعته
بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
***
مولاي صلي وسلم دائماً أبدا
على حبيبك خير الخلق كلهم

راعت قلوب العدا أنباء بعثته
كنبأة أجفلت غفلا من الغنمِ

ما زال يلقاهمُ في كل معتركٍ
حتى حكوا بالقنا لحماً على وضم

ودوا الفرار فكادوا يغبطون به
أشلاءَ شالت مع العقبان والرخم

تمضي الليالي ولا يدرون عدتها
ما لم تكن من ليالي الأشهر الحُرُم

كأنما الدين ضيفٌ حل ساحتهم
بكل قرمٍ إلى لحم العدا قرم

يجر بحر خميسٍ فوق سابحةٍ
يرمى بموجٍ من الأبطال ملتطم

من كل منتدب لله محتسبٍ
يسطو بمستأصلٍ للكفر مصطلمِ

حتى غدت ملة الإسلام وهي بهم
من بعد غربتها موصولة الرحم

مكفولةً أبداً منهم بخير أبٍ
وخير بعلٍ فلم تيتم ولم تئمِ

هم الجبال فسل عنهم مصادمهم
ماذا رأى منهم في كل مصطدم

وسل حنيناً وسل بدراً وسل أُحداً
فصول حتفٍ لهم أدهى من الوخم

المصدري البيض حمراً بعد ما وردت
من العدا كل مسودٍ من اللممِ

والكاتبين بسمر الخط ما تركت
أقلامهم حرف جسمٍ غير منعجمِ

شاكي السلاح لهم سيما تميزهم
والورد يمتاز بالسيما عن السلم

تهدى إليك رياح النصر نشرهم
فتحسب الزهر في الأكمام كل كم

كأنهم في ظهور الخيل نبت رباً
من شدة الحَزْمِ لا من شدة الحُزُم

طارت قلوب العدا من بأسهم فرقاً
فما تفرق بين الْبَهْمِ وألْبُهُمِ

ومن تكن برسول الله نصرته
إن تلقه الأسد فى آجامها تجمِ

ولن ترى من وليٍ غير منتصرٍ
به ولا من عدوّ غير منفصم

أحل أمته في حرز ملته
كالليث حل مع الأشبال في أجم

كم جدلت كلمات الله من جدلٍ
فيه وكم خصم البرهان من خصم

كفاك بالعلم في الأُمِّيِّ معجزةً
في الجاهلية والتأديب في اليتم

في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم


مولاي صلي وسلم دائماً أبدا
على حبيبك خير الخلق كلهم

خدمته بمديحٍ استقيل به
ذنوب عمرٍ مضى في الشعر والخدم

إذ قلداني ما تخشي عواقبه
كأنَّني بهما هديٌ من النعم

أطعت غي الصبا في الحالتين وما
حصلت إلا على الآثام والندم

فياخسارة نفسٍ في تجارتها
لم تشتر الدين بالدنيا ولم تسم

ومن يبع آجلاً منه بعاجلهِ
يَبِنْ له الْغَبْنُ في بيعٍ وفي سلمِ

إن آت ذنباً فما عهدي بمنتقض
من النبي ولا حبلي بمنصرم

فإن لي ذمةً منه بتسميتي
محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم

إن لم يكن في معادي آخذاً بيدى
فضلاً وإلا فقل يا زلة القدمِ

حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه
أو يرجع الجار منه غير محترمِ

ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه
وجدته لخلاصي خير ملتزم

ولن يفوت الغنى منه يداً تربت
إن الحيا ينبت الأزهار في الأكم

ولم أرد زهرة الدنيا التي اقتطفت
يدا زهيرٍ بما أثنى على هرمِ
***
يارب بالمصطفى بلغ مقاصدنا
واغفر لنا ما مضى يا واسع الكرم

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به
سواك عند حلول الحادث العمم

ولن يضيق رسول الله جاهك بي
إذا الكريم تحلَّى باسم منتقم

فإن من جودك الدنيا وضرتها
ومن علومك علم اللوح والقلم

يا نفس لا تقنطي من زلةٍ عظمت
إن الكبائر في الغفران كاللمم

لعل رحمة ربي حين يقسمها
تأتي على حسب العصيان في القسم

يارب واجعل رجائي غير منعكسٍ
لديك واجعل حسابي غير منخرم

والطف بعبدك في الدارين إن له
صبراً متى تدعه الأهوال ينهزم

وائذن لسحب صلاةٍ منك دائمةٍ
على النبي بمنهلٍ ومنسجم

ما رنّحت عذبات البان ريح صبا
وأطرب العيس حادي العيس بالنغم

ثم الرضا عن أبي بكرٍ وعن عمرٍ
وعن عليٍ وعن عثمان ذي الكرم

والآلِ وَالصَّحْبِ ثمَّ التَّابعينَ فهم
أهل التقى والنقا والحلم والكرمِ

يا رب بالمصطفى بلغ مقاصدنا
واغفر لنا ما مضى يا واسع الكرم

واغفر إلهي لكل المسلمين بما
يتلوه في المسجد الأقصى وفي الحرم

بجاه من بيته في طيبةٍ حرمٌ
واسمُهُ قسمٌ من أعظم القسم

وهذه بُردةُ المُختار قد خُتمت
والحمد لله في بدء وفي ختم

أبياتها قد أتت ستين مع مائةٍ
فرِّج بها كربنا يا واسع الكرم



...
أحمد شوقي
رائعته نهج البردة
...
ريم على القاع بين البان والعلَم
أحَل سفكْكَ دمى فى الأشهر الحُرُم
لما رَنا حدثتني النفسُ قائلة
يا ويح جنبِكَ بالسهم المُصيبِ رُمى
جحدتُها وكتمتُ السهم فى كبدي
جٌرْحُ الأحبة عندي غير ذي ألــــم
يا لائمي فى هواهُ والهوى قدَرٌ
لو شفك الوجد لمْ تعذلْ ولم تلــــــُم
لقد أنلتك أذْنا غير واعية
ورب منتصبٍ والقلبُ فى صَمَـــــم
يا ناعس الطرف لا ذُقت الهوى أبدً
أسهرت مضناك فى حفظ الهوى, فنم
يا نفس دنياكٍ تُخفى كل مبكية
وإن بدا لكِ منها حُسنُ مُبتســـــــــــم
صلاحُ أمرِك للأخلاق مرِجعُه
فقوم النفسَ بالأخلاقِ تستقِــــــــــــــمِ
والنفسُ من خيرِها فى خير عافيةٍ
والنفس من شرّها فى مَرْتع وخــــم
تطغى إذا مُكنتْ من لذة وهوًى
طَغى الجِيادِ إذا عضت على الشُكم
إذا جَل ذنبى عن الغفران لي أملٌ
فى اللهِ يجعلني فى خير معتصـــــم
ألقى رجائي إذا عز المُجيرُ على
مفرج الكرْب فى الداريْن والغُمَـــم
إذا خفضت جَناحَ الذل أسألٌهٌ
عزِ الشفاعِة لم أسألْ سوى أمَــتــم
وإن تقدم ذوى تقوى بصالحةٍ
قدّمتُ بين يديه عَبرةَ النـــــــــــــدَم
لزِمتُ باب أمير الأنبياء ومن
يُمْسِكْ بمِفتاحِ باب الله يغتنـــــــــــــمِ
محمد صفوة الباري ورحمتُه
وبغُيَة الله من خلْقٍ ومن نَسَـــــــــم
ونودىَ اقرأ تعالى الله قائلُها
لم تتصِلْ قبلَ مَن قيلتْ له بفــــم
هناك أذنَ للرَحمن فامتلأت
أسماعُ مكة من قُدسِيةِ النغَــــــــــم
فلا تسلْ عن قريشٍ كيفَ حيْرَتُها
وكيف نُفرتها فى السهل والعلــــم
تساءلوا عن عظيمٍ قد ألم بهم
رمَى المشايخ والولدَن باللمَــــــم
سَرَت بشائِر بالهادي ومولِده
-فى الشرق والغرب مَسْرَى النور فى الظلم
تخطفتْ مُهَج الطاغين من عربٍ
وطيرت أنفسَ الباغين من عجم
يُعذبان عباد الله فى شُبهٍ
ويَذبَحان كما ضحيتَ بالغَنــــــم
والخلق يفتِك أقواهم بأضعفِهم
كالليثِ بالبٌهْم أو كالحوتِ بالبَلَـم
أسرَى بك الله ليلاً إذ ملائكهُ
والرسلُ فى المسجد الأقصى على قدم
لما خطرْتَ به التفوا بسيدهم
كالشهبِ بالبدر أو كالجند بالعلــــم
صلى وراءك منهم كل ذي خطرٍ
ومن يفُزْ بحبيبِ الله يأتمـــــم
جُبْتَ السماوات أو ما فوقهنّ بهم
على منورة درية اللُجُـــتـــــم
مشيئة الخالق الباري وصنعتُه
وقدرة الله فوق الشك والتُهَــم
حتى بلغتَ سماءً لا يطارُ لها
على جناحِ ولا يسعى على قدم
وقيل كل نبي عند رُتبته
ويا محمدُ هذا العرشُ فاستلـم
يا رب هبت شعوب من منيتها
واستيقظت أمم من رقدة العـدم
رأى قضاؤك فينا رأى حكمته
-فالطُف لأجل رسول العالمين بنا
ولا تزد قومه خسفا ولا تسُـم
يا رب أحسنت بَدْءَ المسلمين به
فتمِم الفضل وامنح حُسن مختتـم