المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حفظ المعروف للزوجة


ام زهرة
03-03-2014, 11:15 PM
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيداً، أما بعد:
فقد تزوج المختار صلى الله عليه وسلم أول ما تزوج بالحرة الطاهرة والسيدة الكريمة خديجة بنت خويلد إحدى عظيمات مكة، بل أعظم امرأة في البلاد العربية، حسبها رفيع ونسبها شريف ومالها كثير، وجمالها بارع، وعقلها كبير، ورأيها سديد، ولقد استأجرت محمداً المعروف في قومه بالصادق الأمين، والشاب الطاهر المبارك، فحفظ حقها، وأربح تجارتها ورأت فيه معاملة حسنة وصفقة ميمونة، وبركة ظاهرة، ونفساً كريمة، فخطبته إلى نفسها، وطلبت منه أن يكون زوجاً لها، فرضي بذلك، وتم الزواج وعمره خمس وعشرون سنة، وعمرها أربعون سنة.1
وكان صلى الله عليه وسلم يحبها أشد ما يحب رجل امرأة.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول: (إنها كانت وكانت...، وكان لي منها ولد).2
وهذا شرح مبسط لما ورد في كلام عائشة رضي الله عنها.
شرح الحديث:
قولها: (وما رأيتها)
قال ابن حجر: في رواية مسلم من هذا الوجه "ولم أدركها" ولم أر هذه اللفظة إلا في هذه الطريق، نعم أخرجها مسلم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة بلفظ "وما رأيتها قط" ورؤية عائشة لخديجة كانت ممكنة، وأما إدراكها لها فلا نزاع فيه؛ لأنه كان لها عند موتها ست سنين، كأنها أرادت بنفي الرؤية والإدراك النفي بقيد اجتماعهما عند النبي صلى الله عليه وسلم، أي لم أرها وأنا عنده ولا أدركتها كذلك، وقد وقع في بعض طرقه عند أبي عوانة "ولقد هلكت قبل أن يتزوجني".
قولها: (ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها): في رواية عبد الله البهي عن عائشة عند الطبراني "وكان إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها واستغفار لها".3
قوله: (إنها كانت وكانت): أي كانت فاضلة وكانت عاقلة ونحو ذلك، وعند أحمد من حديث مسروق عن عائشة: (آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء).4
قوله: (وكان لي منها ولد): وكان جميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة، إلا إبراهيم فإنه كان من جاريته مارية، والمتفق عليه من أولاده منها: القاسم وبه كان يكنى، مات صغيرا قبل المبعث أو بعده، وبناته الأربع: زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، وقيل: كانت أم كلثوم أصغر من فاطمة، وعبد الله ولد بعد المبعث فكان يقال له: الطاهر والطيب، ويقال هما أخوان له، وماتت الذكور صغارا باتفاق، ووقع عند مسلم من طريق حفص بن غياث هذه في آخر الحديث "قالت عائشة: فأغضبته يوماً فقلت: خديجة! فقال: (إني قد رزقت حبها)5.
قال القرطبي: كان حبه صلى الله عليه وسلم لها لما تقدم ذكره من الأسباب، وهي كثيرة، كل منها كان سببا في إيجاد المحبة. ومما كافأ النبي صلى الله عليه وسلم به خديجة في الدنيا أنه لم يتزوج في حياتها غيرها، فروى مسلم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت"6 وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها؛ لأنها أغنته عن غيرها واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاماً انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاما وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طول المدة فصان قلبها فيها من الغيرة ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها.
ومما اختصت به: سبقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنت ذلك لكل من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهن، لما ثبت أن (من سن سنة حسنة..)7 وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق بالنسبة إلى الرجال، ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله عز وجل.
وقال النووي: في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حيا وميتا، وإكرام معارف ذلك الصاحب.8
خديجة بنت خويلد في كنف النبي صلى الله عليه وسلم:
لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها صارت له خير معين، وكانت له نصيراً وظهيراً، بمالها تواسيه، وبكلامها تسليه، وقد آمنت به قبل كل أحد، وصدقته حين كفر به غيرها، وخاف على نفسه من الشيطان، وأن يكون الذي أتاه من جنس ما يأتي به الكهان، وأولياء الجن من الإنس، فثبتته وقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبدا، وما أحتاج إلى شيء إلا وأعطته إياه، ولا تألم من شيء إلا وخففت عنه من ما يجد من آلامه، وقد سلمت عليها الملائكة، وبشرها ربها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
وفاؤه صلى الله عليه وسلم لخديجة:
وفي السنة العاشرة من البعثة توفيت ورسول الله في أحوج ما يكون إليها، عياله صغار، وماله قليل، وأتباعه ضعفاء، وأعداؤه مجرمون أغنياء كثيرون.
وقد حفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- لها ذلك الفضل، فلم يتزوج عليها في حياتها إلى أن قضت نحبها، فحزن لفقدها حزناً شديداً، ولم يزل يذكرها ويُبالغ في تعظيمها والثناء عليها، ويعترف بحبّها وفضلها على سائر أمهات المؤمنين كما سبق: (إني قد رزقت حبّها)9.
ومن وفائه -صلى الله عليه وسلم- لها أّنه كان يصل صديقاتها بعد وفاتها ويحسن إليهنّ، وعندما جاءت جثامة المزنية لتزور النبي -صلى الله عليه وسلم- أحسن استقبالها، وبالغ في الترحيب بها، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: "يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟"، فقال: (إنها كانت تأتينا زمن خديجة؛ وإن حسن العهد من الإيمان)10، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا ذبح الشاة يقول: (أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة)11.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سمع صوت هالة أخت خديجة تذكّر صوت زوجته فيرتاح لذلك،كما ثبت في الصحيحين.
وقد بيَّن النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فضلها حين قال: (أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران) رضي الله عنهن أجمعين.12، وبيّن أنها خير نساء الأرض في عصرها في قوله: (خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد).13
ووفاتها رضي الله عنها كانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وقبل معراج النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولها من العمر خمس وستون سنة، ودفنت بالحجُون، لترحل من الدنيا بعدما تركت سيرةً عطرة، وحياة حافلةً، لا يُنسيها مرور الأيام والشهور، والأعوام والدهور، فرضي الله عنها وأرضاها.
من فوائد الحديث:
1- حسن عهد النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها؛ فقد حزن لموتها، وتأسف عليها، ودعا لها بالمغفرة والرحمة، وعرف حقها، واعترف بفضلها، ولم ينسها بعد موتها، بل كان يتحدث عنها بكل خير، ويذكرها بالإحسان، والمعروف عنده لا يضيع.
2- أهمية المرأة بالنسبة للرجل في تحمل الأعباء والمشاق.
3- فيه دعوة النساء إلى مساعدة الرجال في تحمل جزء من مسؤولياتهم المناطة بهم لتعم المحبة والود بين الزوجين.
4- الغيرة متأصلة في النساء على بعضهن، وأن ذلك فيهن فطرة حتى لم تسلم منها نساء خير الخلق.