المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم


عبدالناصر محمود
03-10-2014, 08:23 AM
العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

9 / 5 / 1435 هــ
10 / 3 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3322.jpg


البحث: العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم (المنهج والخصائص)

إعداد: د. عثمان بن جمعة ضميرية(*)

ــــــــــ

يقوم الإسلام على الإيمان أو العقيدة التي تكوِّن القاعدة الأساس في بناء الدين، ومنها ينطلق المؤمن، ويضبط كلَّ حركته بضوابطها، وهي تفسِّــر للإنســان طبيعةَ وجودِه ونشــأتَـه وغايتَـه، و مصـيـره، وترسـمُ له معالم صلتِه بالله -تعالى- وبالحياة والأحياء والكونِ من حوله، وعليها تقوم أحكام الشريعة والنظام والأخلاق في كل جوانب الحياة.

وقد انصرفت عناية بعض العلماء في مرحلة من مراحل تدوين علم العقيدة إلى الجدل والرد على المخالفين بأسلوب ومنهج يتفق مع منهج أولئك المخالفين، فتأثروا بالمنهج الفلسفي الإغريقي، وفسَّروا القرآن على ضوء الفكر اليوناني، فكان لا بدَّ من إعادة الأمر إلى نصابه بالعودة إلى المصادر الصحيحة الموثوقة في دراسة العقيدة؛ وهي القرآن الكريم والسٌّنة النبوية.

فقد نهج القرآن الكريم في ذلك نهجاً فريداً متكاملاً، فجمع بين المنهج الفطري أو الوجداني والمنهج العقلي، ومنهج الجدل والرد على الانحرافات، ومنهج التذكير بالله ثم عرض العقيدة من خلال القضايا الاجتماعية.

وفي هذا البحث يعرض الباحث لهذا المنهج -القرآني– في بيان العقيدة الإسلامية، مع بيان خصائص هذا المنهج، وعليه جاء هذا البحث في مقدمة وتمهيد ومبحثين وخاتمة..

أما المقدمة، فتحدث فيها الباحث عن أهمية بحثه، ومنهجه فيه وطريقته التي اتبعها في بيان مقصوده، ثم ختم المقدمة ببيان خطة بحثه..

أما التمهيد، فتناول فيه الباحث مصدر العقيدة وهو الوحي (القرآن الكريم والسنة النبوية)، مع إقامة الدليل الشرعي والعقلي على صحة هذا المنهج، فعرض الباحث لمصادر العقيدة الإسلامية وهي القرآن الكريم (وهو الوحي المتلو) والسنة النبوية (وهي الوحي غير المتلو).

فبين الباحث أن القرآن الكريم هو كلية الشريعة، وعمدة الملَّة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور البصائر والأبصار، فلا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه. وهذا كله معلوم من الدين علمًا ضروريا، لا يحتاج إلى استدلال عليه.

وبين أن فإن السنة النبوية الصحيحة مثل القرآن في ذلك، لأنها وحي من الله تعالى؛ وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أصول الدين والعقيدة أحسن بيان، ودلَّ الناس وهداهم إلى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية التي بها يعلمون المطالب الإلهية، وبها يعلمون إثبات ربوبية الله، ووحدانيته وصفاته، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة العقلية.

وختم الباحث تمهيده ببيان الأدلة على صحة هذا المنهج، حيث بين أن كل من الأدلة الشرعية (من الكتاب والسنة) والأدلة العقلية قد قامتا على صحة هذا المنهج في مصدرية العقيدة، وعليه أجمع الصحابة وسلف الأمة، كما أيَّدته التجربة والواقع.

المبحث الأول: المنهج القرآني في بناء العقيدة:
-----------------------

تناول الباحث في هذا المبحث منهجَ القرآن الكريم في بناء العقيدة وبيانها، وجاء ذلك في خمسة مطالب:

تحدث في الأول منها عن المنهج الفطري أو الوجداني، فأشار إلى أن القرآن الكريم قد قرر حقيقة كبيرة، وهي أنَّ الإنسان قد خلقه الله على فطرة سليمة تتجه إلى بارئها وتلجأ إليه، حيث جُِبَلت النفوس على معرفة خالقها تعالى، منذ أن أخذ الله تعالى العهد والميثاق على أبناء آدم.

وتحدث في المطلب الثاني عن المنهج العقلي فبين أنَّ المنهج العقلي الذي يسلكه القرآن الكريم في بيان العقيدة وغرسها في النفوس يأتي متناغمًا مع المنهج الفطري ومتكام ًلا معه. ولذلك فإنَّ القرآن الكريم لم يكن مقصورًا على مجرد الخبر عن وجود الله تعالى ووحدانيته وسائر أركان العقيدة، وإنما أقام البراهين العقلية التي بها تُعْلَم العلوم الإلهيَّة؛ فكان منهجه ومنهج جميع الأنبياء-عليهم السلام- الجمع بين الأدلة العقلية والسمعية (الشرعية).

وفي المطلب الثالث ناقش منهج القرآن الكريم في الجدل والرد على الانحرافات، فبين أنه من خلال هذا المنهج برزت العقيدة الصحيحة التي تتفق مع الفطرة السليمة ويقبلها العقل الصريح.

وتحدث الباحث في المطلب الرابع عن منهج بيان العقيدة من خلال القضايا الاجتماعية، فخلاًفا للطريقة المجردة الجافة عرض القرآن لعقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر من خلال قضايا الإنسان الاجتماعية الكبرى، وفي مقدمتها تحرير الإنسان من العبودية للبشر في المجالين السياسي والاقتصادي.

وختم الباحث هذا المبحث بعرضه لمنهج تثبيت العقيدة والتذكير بالله، وأشار المؤلف إلى أن الوسيلة الكبرى لذلك التذكير الدائم؛ التذكير بعظمة الله تعالى وآيات قدرته في الآفاق وفي النفس حتى يخشع القلب ويستسلم. والتذكير بأن الله مع الإنسان يراه ويراقبه ويحصي عليه أعماله، ثم يحاسبه عليها يوم القيامة حتى تصبح تقوى الله جزء لا يتجزأ من مشاعر القلب وركيزة ثابتة في حالة السرَّاء والضرَّاء.

المبحث الثاني: خصائص العقيدة الإسلامية:
----------------------

وفيه عرض الباحث لأهم الخصائص التي تتميز بها العقيدة الإسلامية، ولخصها الباحث في خمسة خصائص عرضها في خمسة مطالب:

الخاصية الأولى: التوفيقية (الربانية):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهي عقيدة يوقف بها عند الحدود التي حدَّدها وبيَّنها وبلَّغها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فلا مجال فيها لزيادة أو نقصان أو تعديل أو تبديل؛ ذلك أن العقيدة الإسلامية ربانيَّة المصدر، موحىً بها من عند الله تعالى، فلا تستمد أصولها من غير الوحي (الكتاب والسنة).

الخاصية الثانية: الغيبية:
ـــــــــــــــــــــــــــــ

حيث تقوم العقيدة الإسلامية على الإيمان بأصول لا تخضع للحس المباشر أو غير المباشر، وإنما تقع في مجال عالم الغيب. وهو العالم الذي غاب عن حواسنا ولا تقتضيه بداهة العقول.

الخاصية الثالثة: الشمول:
ـــــــــــــــــــــــــــ

وهذه الخاصية نجدها بارزة واضحة في الإسلام الذي رضيه الله تعالى لنا ديًنا،لا فهو دين شامل كامل، لم يترك جانبًا من جوانب الحياة الفردية والاجتماعية إلا وقد نظَّمه تنظيمًا دقيًقا شاملا لجميع النواحي، يبتعد به عن النظرة التجزيئية القاصرة التي ترى فيها الأشياء أجزاء وتفاريق لجوانب موزعة من شيءٍ أصُله متكامل مترابط.

الخاصية الرابعة: التكامل أو الترابط:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإذا كان هذا الدين قد بلغ ذروة الكمال والتمام والشمول، فإن العقيدة كذلك عقيدة تتميز بالتكامل، فهو كمال متكامل، تتجمع فيها كل الأجزاء وتترابط ترابطا دقيًقا يأخذ بعضها بحُجَز بعض لتشكِّل كلا موحَّدًا متناسًقا، لا يقبل التجزئة والانفصام.

الخاصية الخامسة: التوازن:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومع هذا التكامل وذاك الشمول نجد خاصية أخرى بارزة في العقيدة الإسلامية تتصل بواحدة من أهم السِّمَات العامة للإسلام وهي الوسطيَّة والاعتدال، تلكم هي خاصية التوازن بين الأمور المتقابلة، فيقع كل أمر أو جانب على قدر معين باعتدال موزون بحكمة ربانية.

الخاتمة:
ــــــــ

بعد هذه اللمحات عن العقيدة في القرآن الكريم وخصائصها، ختم الباحث بحثه بكلمات عن مميزات المنهج القرآني في عرض العقيدة الإسلامية، ثم عقب بأهم النتائج والتوصيات، وجاء ذلك على النحو التالي:

(1) فهذا المنهج يتميز:

أولا: بكونه يعرض (الحقيقة) كما هي في عالم الواقع، في الأسلوب الذي يكشف كل زواياها وكل جوانبها وكل ارتباطاتها، وكل مقتضياتها وهو مع هذا الشمول لا يعقد هذه الحقيقة ولا يلفها بالضباب! بل يخاطب بها الكينونة البشرية في كل مستوياتها.

وثانيًا: بكونه مبرأً من الانقطاع والتمزق الملحوظين في الدراسات (العلمية) والتأملات (الفلسفية)، فهو لا يفرد كل جانب من جوانب الكل الجميل المتناسق بحديث مستقل كما تصنع أساليب الأداء البشرية. وإنما هو يعرض هذه الجوانب في سياق موصول... تتعذر مجاراته أو تقليده.

ثالًثا: بكونه- مع تماسك جوانب الحقيقة وتناسقها- يحافظ تمامًا على إعطاء كلِّ جانب من جوانبها مساحَته، التي تساوي وزنه الحقيقي في ميزان الله وهو الميزان، كما أنَّ هذه الحقائق لا يطغى بعضها على بعض في التصور الإسلامي.

رابعًا: بتلك الحيوية الدافقة الموحية-مع الدقة والتقرير والتحديد الحاسم- وهي تمنح هذه الحقائق حيوية وإيقاعًا وروعة وجمالا لا يتسامى إليها المنهج البشري في العرض ولا الأسلوب البشري في التعبير.. ثم هي في الوقت ذاته تعرض في دقة عجيبة، وتحديد حاسم، ومع ذلك لا تجور الدقة على الحيوية والجمال. ولا يجور التحديد على الإيقاع والروعة.

(2) إن القرآن الكريم –ومعه السنة النبوية- هو مصدر هذه العقيدة الذي يتفق مع الفطرة ومع العقل، وفيه الغناء والكفاية، وهو الهداية والنور، وهو في الوقت ذاته سبب الهداية إلى أقوم طريق في العقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع، ولا يجوز أن نحمله على الآراء والمقررات البشرية القابلة للصواب والخطأ، بل ينبغي أن يكون هو المهيمن عليها المصحح لأخطائها والمقوّم لمنهجها، ويكون فهمه وتفسيره قائمًا على مناهج فهم النصوص في اللغة التي نزل بها مع البيان المعصوم من النبي صلى الله عليه وسلم.

(3) ويحسن- في هذا المقام- التأكيد على وجوب دراسة مباحث العقيدة والإيمان وما يتصل بها، دراسة موضوعية من القرآن الكريم وأحاديث النبي بطريقة تتناسب مع المخاطبين في هذا العصر من حيث طريقتهم في التفكير وأسلوبهم في التعبير، مع المحافظة على المفاهيم الإسلامية، دون انتقاص أو تحريف، بدلا من الإغراق في الأساليب الكلامية والمناهج الفلسفية والجدلية، التي كانت تصلح لمدة زمنية ومرحلة معينة سابقة، ولكنها قد لا تصلح لعصرنا هذا، مع ما تركته من آثار في كتب العقيدة من التعقيد والجفاف والتأثر بالقالب الفلسفي والكلامي.

ولذلك ينبغي أن نلتفت أيضًا إلى القضايا الفكرية والعقدية التي تطفو على الساحة اليوم، ومن ثم دراستها بأسلوب يتفق مع روح العصر، ويستفيد من مقررات العلوم القطعية ونتائجها، دون مجافاة لروح النصوص الشرعية الصريحة الصحيحة، إذ إن صحيح المنقول يتفق مع صريح المعقول.

ــــــــــــــــــــ

(*) كلية الشريعة والدراسات الإسلامية- جامعة الشارقة- الشارقة- الإمارات العربية المتحدة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ