المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حركة الردة أسلوب حرب، أم حرية فكر؟


ام زهرة
03-11-2014, 05:24 PM
للعلامة مصطفى بنحمزة
(رئيس المجلس العلمي المحلي بوجدة)
إن قضية حقوق الإنسان هي قضية مركزية في التصور الإسلامي، وألفاظها معروفة متداولة في الخطاب الشرعي، إلا أن لغة النص الشرعي تتحدث عن حقوق العباد بدل الحديث عن حقوق الإنسان، وهو استعمال يجمع بين الإشارة إلى إنسانية الإنسان وما له من حقوق، وبين كونه عبدا لله يجب أن ينضبط لهديه وشريعته، فيظل في مستوى العبودية حتى لا يحيل قضية حقوق الإنسان إلى ذريعة ومطية لاقتراف الظلم والغشم باسم حمايتها، وهو ما تذرع به الاستعمار فعلا، وهو يستولي على بلاد كثيرة زاعما أنه يحمي حقوق الأقليات الدينية أو العرقية، ويدافع عن الحقوق الثقافية للمجموعات الإثنية، ولم يكن كل ذلك إلا غطاء حقوقيا ومقدمة لاستنزاف خيرات الشعوب ماديا، ولخلخلة تماسك نسيجها المجتمعي، ولطمس هويتها وتشويه قيمها.
وسمة حقوق الإنسان في الإسلام أنها حقوق قارة وشاملة، فهي قارة وغير قابلة للإلغاء، لأنها مؤسسة بنصوص شرعية أعطتها معاني الاستقرار والإلزام والحياد والنأي عن الذاتية.
لأن مصدرها مصدر إلهي بالأساس، وهي شاملة لأنها تسري في الأمكنة والأزمنة وعلى كل الأشخاص، فما كان حقا لشخص هو حق لغيره، وما كان حقا في مكة أو المدينة فهو حق في كل بقاع الأرض، على الخلاف مما تقره أنظمة من احترام حقوق داخل حدود الوطن وإهدارها خارجها، فيجوز في أبو غريب مثلا ما لا يجوز اقترافه في واشنطن، ويجوز دعم نظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا ولا يجوز في لندن، ويجوز لامرأة أن تلبس ما تشاء، بينما يحظر ذلك على أخرى بذرائع واهية منها منع الرموز الدينية في المؤسسات الرسمية، وهو ما يفنده أن الصليب مثبت على أعلام كثير من الدول العلمانية، وأن سيارات للإسعاف تسعى به في شوارع المدن الأوربية من غير أن يعترض أحد على ذلك .
والحقوق لدى العلماء هي حقوق تجري على منوال ما انتهى إليه الفكر الحقوقي بعد تجارب طويلة. إذ كان المتعارف عليه هو أن الحق هو ما يشرعه صاحب الحق وهو البرلمان الذي يمتلك شرعية تمثيل المواطنين، لكن الفكر الحقوقي انتهى إلى تثبيت سلطة أخرى هي سلطة المحاكم الدستورية التي أصبح بإمكانها أن تلغي قرارات البرلمانات ولو أنها معبرة عن إرادة الأمة، متى كانت مخالفة لمقتضيات الدستور الذي هو مرجعية إثبات الحقوق. وبذلك لا تكون الحقوق التي ينادي بها مكون أو أكثر من مكونات المجتمع أو مؤسسة نيابية حقوقا إلا بعد أن يقرها الدستور. ...
لا وجود لإطلاقية حقوق الإنسان:
ومن أجل أن يكون النقاش حول صلة العلماء بحقوق الإنسان إيجابيا ومثمرا فإنه لا بد من التوافق على قضايا أساسية منها:
إنه لا وجود للإطلاقية في فهم حقوق الإنسان، لأن هذه الحقوق لم تكن دوما إلا مصطبغة برؤى ومصالح الشعوب التي تدافع عنها وتحميها.
ومن ذلك على سبيل المثال أن المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد نصت على حق الإنسان في التنقل وفي اختيار محل الإقامة، كما نصت على حقه في أن يغادر أي بلاد بما فيها بلده، وأن يعود إليها إذا شاء، لكن الواقع هو أن كل الدول قد قيدت الاستفادة من هذا الحق بقيود راعت في وضعها مصالحها الأمنية، واحتياجات مواطنيها وقدرتها على الاستيعاب وعدم مزاحمة فرص العيش الكريم لمواطنيها. وقد أصبح الانتقال عبر العالم بفعل تلك التقييدات القانونية أمرا متعذرا بالنسبة للعديد من الأشخاص، مما جعل الكثير منهم يركب قوارب الموت أو يهاجر في الحاويات وفي صناديق البضائع، كما صارت حراسة الحدود البرية والبحرية والجوية أكثر ما تستفرغ فيه جهود الدول التي يرغب الكثير من الناس في الالتحاق بها طلبا للعيش الكريم وهو مطلب مشروع.
ومن الحقوق السياسية الثابتة للشعوب حقها في تقرير المصير وهو مبدأ أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرارين 2955 و 2625 وغيرهما، لكن هذا الحق تحول في أوقات كثيرة إلى مجرد مبضع حاد استقطعت به أجزاء من كيانات سياسية من دول العالم الثالث خصوصا، وبإعماله انفصلت بنغلادش عن باكستان، وانفصلت أتشي عن أندونسيا، وفصل جنوب السودان عن شماله، وفي الحالات النادرة التي طبق فيها حق تقرير المصير في بلاد غربية كان ذلك أمرا مخجلا، إذ انتهى التصويت في جزر الفوكلاند ببقاء الجزر تحت سيادة المملكة المتحدة، وكانت نسبة الموافقة هي 08،99./. وهي حصيلة تصويت 1672 ناخبا، كانت أصول أكثرهم غير محلية. وفي ما عدا هذا فقد أدار العالم ظهره لدعوات تقرير المصير في أوروبا، فلم يمكن الفلامانكيون في بلجيكا، ولا الكطالانيون في إسبانيا، ولا الانفصاليون في إيطاليا من حق تقرير المصير، ومن الانفصال حتى بعد وقوع الأزمة المالية الكبرى بأوروبا.
وإذا كانت حرية التعبير حقا أساسيا ومركزيا في البلاد الغربية لا يجوز المساس به تحت أي ذريعة وبأي مبرر كان، فإن هذا الحق لا يتسع للتعبير الذي يفيد التشكيك في عدد ضحايا المحرقة النازية، أو في ما يعرف بمذابح الأرمن سنة 1915 رغم أن مذابح كثيرة وقعت بيد الاستعمار في جهات من الأرض. لكن الاستعمار الجديد لم يمنع من التشكيك في وقوعها وأصر على تصوير ما وقع على أنه كان فعلا لا بد منه من أجل إدخال الشعوب مرحلة التحضر والتمدن.
ومن هذا القبيل أن الحق في المساواة بين الأفراد وبين الشعوب هو حق ثابت تكفله المواثيق الدولية، لكن هذا الحق في المساواة لا ينطبق على تفرد الدولة العبرية بامتلاك السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط دون غيرها، وهو لا ينطبق كذلك على حالة انفراد دول كبرى بامتلاك الأسلحة النووية وتطويرها ومنع دول أخرى من امتلاكها.
ولا يشمل الحق في المساواة أيضا تفرد خمس دول بالحسم في مصير العالم، وامتلاك أي دولة منها امتياز إلغاء قرار قد يعتمده باقي أعضاء مجلس الأمن، حينما تستعمل تلك الدولة حق الاعتراض الفيتو.
وليس بالإمكان الاستكثار من الشواهد لأن فيما قدمت كفاية لإبراز أن حقوق الإنسان كانت دائما ملتبسة بمصالح القوى المتنفذة وبرؤيتها للقيم وللأخلاق.
لكن المستغرب حقا هو أن تفهم حقوق الإنسان لدينا فهما أرثودوكسيا متصلبا لا يسمح ولو بإبداء الرأي أو بالمناقشة في أسلوب تكييف الحقوق وإن لم يكن في ذلك مساس بجوهرها على نحو ما تفعله كل الثقافات من ضبط حقوق الإنسان وفق ثقافتها ورؤيتها وقيمها.
وأعتقد أن عبقرية الحقوقيين والمثقفين يجب أن تتمثل أساسا في مهارتهم وقدرتهم على الملاءمة والمماهاة بين حقوق الإنسان وبين الخصوصيات الحضارية والثقافية للشعوب، حتى لا يتحول الأخذ بحقوق الإنسان عن غير رضا جماهير الأمة إلى سبب تآكل واحتراب مجتمعيين وإلى إرهاق الناس بإدخالهم قسرا في قوالب ثقافية لا تناسب هويتهم واختياراتهم الثقافية، وحتى لا تتحول الدعوة إلى حقوق الإنسان ببعدها الغربي إلى صوت يلهب الأبشار ويحمل الناس على المسير في اتجاه لا يريدونه خصوصا حينما يقع الاستقواء بقوى أخرى هي على أهبة الاستعداد لبذل العون والدعم في هذا الصدد.
وأذكر في هذا المقام أني حاضرت جمعية من الجالية المغربية المقيمة بألمانيا، وحضضت أفرادها على احترام القوانين والقيم الإنسانية الشائعة في أماكن إقامتهم، وحضضتهم على أن يمثل وجودهم قيمة مضافة ومعنى جديدا يعزز حقوق الإنسان خصوصا في مجالات الأسرة وفي احترام الإنسان جنينا وبعد الوفاة، مما يشكل بعدا ثلاثيا لوجود الإنسان، وقد نبهت إلى وجوب تسمية هذه الحقوق حقوقا عالمية دون وصفها بأنها كونية، لأن الكون هو بالتأكيد أعم من العالم، وفيه أجرام ومكونات لا زال بعضها مجهولا للإنسان فلا تصح نسبة الحقوق إلى الكون الذي نجهل بعضه، وذكرت أن هذه التسمية هي التي سمي بها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وسميت بها كتل العالم البشرية، فكان الحديث عن العالم الثالث، وعن العالم الاشتراكي والعالم الرأسمالي، وما ذكرت لا يعدو أن يكون تصويبا لغويا لخطأ في الاستعمال انحدر إلينا من الترجمة عن لغات لا تكاد تعرف تمييزا لغويا بين ما هو عالمي وما هو كوني، وفي جميع الحالات فإن التصويب اللغوي لا يمس الجوهر ولا يلغيه. ورغم ذلك فقد بدا لأحد الأشخاص المومنين بحقوق الإنسان على طريقتهم الخاصة أن يتصرف في نص المحاضرة كلها، ويمنح نفسه حق اختزالها تحت عنوان إنكار الحقوق الكونية للإنسان، وسرعان ما تلقف العنوان بعض من لا يشمل حق الإنسان لديه التثبت والتأكد مما ينسب ويعزى إلى الآخرين من الكلام ومن الآراء، فتوغل في الخطأ وأسس باطلا على باطل، وأساء سمعا فأساء جابة كما يقال.
تكييف فعل الردة في التصور الإسلامي:
أما بخصوص تكييف فعل الردة في الإسلام، فإنه غير منظور إليه إطلاقا، وبكل تأكيد على أنه قضية تغيير اعتقاد، لأن الأصل الحاكم في الموضوع هو قول الله تعالى: (لا إكراه في الدين)، لكن الإسلام الذي واجه منذ زمن مبكر حركة ردة مفتعلة، استعملت أسلوبا في المواجهة وفي منع الناس من الإقبال على الإسلام. كان له حس سياسي واقعي تجاوز به اعتبار الردة ممارسة لاختيار فكري، وتفطن به إلى أنه مندرج ضمن موقف الصراع والمواجهة، فقد كان منظرو الشرك هم أنفسهم من يحض الناس على التظاهر باعتناق الإسلام، ثم التراجع عنه في إشارة منهم إلى العموم أنهم قد اتصلوا بالإسلام وعرفوه عن كثب ومارسوا شعائره فاكتشفوا أن فيه خللا كبيرا، فارتدوا عنه ليكون ذلك صدا عمليا لأناس يؤمنون بالقدوة في الاختيار. يقول الله تعالى مسجلا هذا الواقع: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمِنوا بالذي أُنزِل على الذين آمَنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) [آل عمران 71]. والقصد هو تحقيق غاية (لعلهم يرجعون)، وبهذا لا تكون الردة في مقصدها اختيارا عقديا، وإنما تكون أسلوبا من أساليب الحرب وسلاحا من أسلحتها، وهو الأمر الذي لم ينقطع استعماله منذ زمن النبوة إلى الآن.
ولعل من آخر تمثلات هذا الأسلوب في المواجهة ما ذكرته صحيفة لاكروا الفرنسية المقربة من الكنيسة في عددها الأخير بأن عدد المغاربة الذين تنصروا خلال سنة 2011 قد بلغ 7000 شخص. وهذا رقم غير صحيح بالتأكيد، ولكنه مفيد في إدارة الصراع وفي طمأنة المسيحيين المترددين والموجودين في قاعة المغادرة نحو الإسلام، وهو أيضا تبخيس لاختيار الذين تحولوا فعلا إلى الإسلام هذه السنة، وعدد هؤلاء لا يقل عن 50 ألف شخص.
إن تتبع ودراسة وقائع الارتداد في التاريخ الإسلامي وتحليلها تحليلا موضوعيا يكشف أنها لم تكن غالبا من قبيل اختيار العقيدة خصوصا حينما يكون ذلك فعلا جماعيا، لأن الجماعات لا يمكن أن تفكر بكيفية جماعية، وإنما تتصرف غالبا استجابة لأوامر أو إيحاءات من قيادات سياسية، وهو ما وقع إثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان التأثير والدعم الخارجي فيه جليا وواضحا، إذ أصبح بإمكان القبيلة العربية الواحدة أن تمتلك السلاح والعتاد الذي تواجه به جيش الدولة وتلحق به خسائر معتبرة، مثلما وقع في مواجهة مسيلمة للجيش الإسلامي في موقعة حديقة الموت.
وقد أدرك أبو بكر الصديق رضي الله عنه بحسه السياسي الواقعي أن الأمر هو محاولة لتفكيك الدولة الحديثة ولاستعادة وضع التشتت والتشرذم والتبعية التي عاشت عليها مناطق من جزيرة العرب قبل الإسلام.
وإذا كانت وحدة العقيدة هي المقوم الأساس لوجود أمة كاملة هي الأمة الإسلامية، فإن العبث بها يكون ولا شك إلغاء لمبرر وجود الأمة، وإذا لم تكن المحافظة على وحدة العقيدة شرطا للمحافظة على الوحدة الثقافية للأمة، فإنه يكون من قبيل المسلم به أيضا، بل ومن باب الأولى أن يفتح المغرب أبوابه مشرعة لمذاهب تنتمي إلى الأمة، ومنها مذاهب الشيعة بأصنافهم والخوارج بفرقهم، وباقي الفرق الدينية تحت عنوان حرية اختيار المعتقد لينفتح الوطن كله على الجحيم الذي تعيشه الآن جهات من العالم الإسلامي، أصبحت تعاني من الطائفية، ومن اختلال الوحدة الفكرية ما أسال الدماء وهدم العمران وزج بالأوطان في متاهات المجهول.
فهل تكافئ حرية الاختيار العقدي هذه المساوئ كلها؟ أم أن الحفاظ على الأمن وعلى سلامة الأوطان يجب أن يكون على رأس القيم التي يسعد بها الإنسان ولا يشقى؟.
إن الأكيد أن أي وطن لا يقوم على قيمة واحدة مفردة، وإنما يقوم على حزمة من القيم على رأسها قيمة تحقيق الأمن، ومنذ أن وقعت أحداث 11 سبتمبر أصحبت سلامة البلاد على رأس القيم، فأصبح التعبير بما يفيد الإشادة بالإرهاب أو الدعاية إلى الكراهية، أو تمجيد النازية جريمة تعاقب عليها القوانين بكل صرامة، وأصبحت قضية حرية التعبير في درجة تالية.
وفي المغرب وقعت حالات ارتداد لا يخفى مقدار الجهد والإغراء الذي بذل فيها من أجل استهواء الأشخاص المرتدين وإغرائهم بفتح آفاق واسعة للعيش الرغيد أمامهم، ثم أصبح المتحولون أنفسهم وسيلة وأداة للإغواء والاستقطاب، وقد تمكن ماسينيون من أن يجتذب إليه شابا هو محمد بن عبد الجليل الذي تنصر سنة 1927 واختار اسم جون جليل وقدمته الكنيسة الفرنسيسكانية في صراعها مع الفاتيكان على أنه أنموذج لقدرة التنصير على اختراق الأسر المثقفة والمتدينة مثل غيرها، وقد حظي هذا المتنصر بعناية استثنائية ورقي إلى درجات عالية في الترتيب الكهنوتي من أجل نصبه أنموذجا للآخرين.
ولن أعدو الصواب إن قلت إن حركة الارتداد قد استعملت بقوة من أجل تفكيك أرجاء العالم الإسلامي وبث روح الاحتراب بين شعوبه، كما استعملت أسلوبا استخباريا للتوغل في كيان الأمة ولشل قدرة المقاومة لديها.
فقد استطاع لورنس رجل الاستخبارات البريطانية ت 1935 أن يمتزج بحياة العرب ويلبس لباسهم ويبدي انضمامه إلى دينهم وتقاليدهم وإلى أسلوبهم في العيش إلى الدرجة التي لم يتمكن معها الجنرال اللمبي أن يتعرف عليه لما زاره في مصر وهو يسير حافي القدمين لابسا لباس عرب البادية، حتى إذا تمكن من إحداث الوقيعة بين العرب والعثمانيين رجع إلى بلده منتشيا بما حقق، فكرمته الكنيسة بأن وضعت تمثاله النصفي على باب كاتدرائية القديس بول في لندن اعترافا بما قدمه للمسيحية.
وخلال كل مراحل المقاومة الإسلامية كان ارتداد المتظاهرين بالإسلام ولحوقهم بالدول التي خدموها أمرا معروفا، فقد وثق عبد القادر بن محيي الدين الجزائري بشاب ادعى الإسلام فأصهر إليه ومكنه من مخالطة أسرته ومن الاطلاع على أسراره العسكرية، فكان يسرب التقارير إلى فرنسا، فلما أنهى مهمته ارتد عن الإسلام، بعدما سهل على فرنسا إلحاق الهزيمة به.
وليس بالوسع إحصاء كل الحالات التي كان فيها الارتداد أسلوبا حربيا لا اختيارا فكريا.
وفي المغرب كان لبعض المرتدين دور كبير في إعانة قوى الاستعمار على أن تشدد قبضتها على المغرب، وعلى أن تعرف مكامن القوة والضعف فيه، وقد احتمى هؤلاء بدول أجنبية وحملوا جوازات تثبت أنهم محميون من قبلها، وقد تنبه العلماء إلى هذا الواقع فكتب محمد بن إبراهيم السباعي (ت 1913) كتابه "كشف المستور عن حقيقة كفر أهل باسبور"، وقصده بكلمة باسبور هو الجواز الذي يخول الحماية، والتعبير بكفر هؤلاء واضح من عنوان الكتاب بعد أن وقع التأكد من تركهم للملة مع استحضار أن علماء السنة يتورعون عن الحكم بالتكفير إلا إذا ثبت الكفر قطعا.
ومن قبل محمد السباعي كتب في الموضوع نفسه جعفر بن إدريس الكتاني (ت 1885) وأصدرت بعض جمعيات العلماء في المغرب العربي فتاوى بردة هؤلاء المتجنسين الذين استطاع الاستعمار أن يصنع منهم طابورا داخليا، وأعينا للتجسس، وقوى مخذلة.
إن الدراسة المتقصية لتاريخ العلاقة بين الإسلام والمسيحية تفيد أن الارتداد قد كان أقوى ما توسلت به للاطلاع على كنوز البلاد الإسلامية وما تزخر به من إمكانات.
وقد يكون أبرز الأمثلة اعتماد الكنيسة على الحسن بن محمد الوزان بعدما أسر وأجبر على الارتداد عن الإسلام، أو تظاهر بذلك وسمي باسم آسره ليون، ثم وضع كتابه وصف إفريقيا، وقدمه للبابا ليون العاشر. وقد كان الكتاب بمضمونه الغني خارطة طريق ودليلا إلى معرفة دقائق ما يوجد في شمال إفريقيا من الحواضر والمواقع الجغرافية ومن المكتبات ومن العادات والتقاليد التي تشكل مدخلا لفهم الذهنية الإسلامية، وهو ما سهل ولا شك عملية الانقضاض على البلاد الإسلامية واحتلال شواطئها ودك حصونها.
وفي القرن التاسع عشر اتصل بالمولى سليمان مغامر إسباني اسمه دومينيكو بديع ليبليش وادعى أنه لاجئ من سوريا وتسمى باسم علي باي العباسي وقد عمل جاسوسا لحكومة إسبانيا ولنابوليون ثم افتضح أمره وارتد وطرد من المغرب بعدما انهى جزءا من مهمته وكتب تقارير لنابوليون.
وإذا كان البعض لا يزال يصر على اعتبار حركة الارتداد مجرد اختيار فكري فإنه يتعين إبداء ملاحظات يتعامل معها العقل المنصف.
وأول تلك الملاحظات هو أن الارتداد يتجه غالبا نحو دين واحد هو النصرانية، على كثرة ما في العالم من الأديان، ومنها أديان استقطابية كالبوذية، لكن الارتداد يسير في اتجاه واحد، وذلك بسبب أن التنصير يبذل إغراءات كثيرة ويصرف أموالا طائلة، ويقايض الفكرة بالمعونة، فيتم ارتداد من يفكر بمنطق المصلحة قبل الدين.
ويتأكد أيضا أن الارتداد ليس أثرا لاختيار فكري أنه يتم غالبا داخل خريطة معروفة هي خريطة جيوب الفقر والتهميش والجهل في إفريقيا وفي بعض دول آسيا، ويقع التنصر في نفس الوقت الذي تباع فيه الكنائس أو يتخلى عنها في أوروبا. ولا أحد يستطيع أن يؤكد أن الأفارقة أو الأسيويين المتنصرين هم أكثر ذكاء واستعمالا للعقل من الأوروبيين الذين يتخلون عن المسيحية.
ويؤكد أن الارتداد ليس اختيارا فكريا حرا أن الاختيار الصحيح لا يتم إلا بعد المعرفة الجيدة بالكثير من الأديان، والأكيد أن المتنصرين في حدود أعمارهم ومستوياتهم الثقافية لم يتأت لهم أن يعرفوا الإسلام معرفة صحيحة أو يعرفوا المسيحية مضمونا وتاريخا، وبذلك لا يصح أن تكون ردتهم ناشئة عن اختيار صحيح لأنهم لا يمتلكون شروطه ولا مقوماته. وعملية الارتداد هذه لا تتم في أماكن وجود العلماء والمفكرين وفي الجامعات ومنابر النقاش العلمي، وإنما تقع في الحواشي المهملة، وفي المواقع التي يقدم فيها الغذاء أو الدواء أو اللباس مجانا.
لهذا كله لم ير الإسلام بحسه السياسي وبذكائه العملي في الردة أنها مجرد اختيار فكري حر كما يريد البعض تصويره، وهذه الرؤية ذاتها هي ما تراه أي جماعة تحتفظ لنفسها بأسرار قوتها، فليس في دول العالم مثلا دولة واحدة تسمح بأن يتحول عالم متخصص في السلاح النووي إلى دولة أخرى ليمارس حريته في الاختيار والتنقل كما يشاء.
ويؤكد أن الردة فعل حربي من الوجهة الفقهية أن الحنفية على الخصوص قد نصوا على أن المرأة لا تجرى عليها أحكام الردة، لأن أحكام الردة هي من أحكام الحرب، والمرأة لا تجرى عليها أحكام الحرب لأنها ليست مقاتلة.
وقد تأكدت هذه الرؤية فعلا حينما صار الكثير من المرتدين سندا للقوى المحاربة للمسلمين، فأطلعوها على كثير مما كانت تجهله من تقاليد المسلمين ومن عاداتهم ومن علاقاتهم بالمؤسسات الدينية وبالحكام، كما أطلعوها أيضا على مكامن القوة والضعف في الأمة وعلى كل ما يمكن أن يكون مفيدا في تبديد قوتها، وقد كان بعض هؤلاء المتظاهرين بالإسلام والمرتدين عنه هم أنفسهم من رجال الكنيسة أصلا، وقد وضع بعضهم خرائط للبلاد حددوا فيها أماكن وجود حصون وطرق ومسالك ومواقع الجند وأنواع الأسلحة المتوفرة، ومستوى الخبرة فكانوا بلاء وشرا مستطيرا على حركة المقاومة.
وإذا قيل إن المسلمين هم وحدهم من لا يقر حرية الردة ولا يسمح بها، فإن هذا أيضا مجرد قول يحمل عليه الجهل بواقع تعامل كثير من الثقافات مع المرتدين عنها، وبالإمكان الاطلاع على الموقف الديني المشترك بين اليهودية والمسيحية من خلال الرجوع إلى سفر التثنية في إصحاحه الثالث عشر الذي يدين الردة ويعاقب عنها بالقتل رجما. ولا زالت الكنائس في الشرق والكنيسة القبطية في مصر تحديدا تمنع المسيحيات من التحول إلى الإسلام، وقد طالبت كثير منهن الدولة علنا بتوفير الحماية لهن مثلما كان حال كل من منى عبد الله شنودة، وإيريني خيري، وهبة ميخايل، ودميانا شكري، وكثيرات غيرهن.
وفي العالم الغربي الذي يقال عنه بأن القوانين فيه لا تمنع من الخروج عن المسيحية، فإن الأمر يبدو طبيعيا وعاديا في نظم علمانية ليس الدين فيها مقوما وطنيا، لذلك لم يعد بإمكان الدولة أن تتدخل بشأنه، ومع ذلك فإن للعالم الغربي أساليبه غير المعلنة في التصدي لمن يرتد عن المسيحية فيعتنق الإسلام أو يبدي تعاطفا معه أو إعجابه به. وقد يتخذ الغرب منهم مواقف عدائية وإقصائية هي أشد من العقوبات القانونية المدونة، فقد سمعت شخصيا الدكتورة زيغريد هونكه وهي تشكو مما لحقها من قومها لما ألفت كتابها شمس العرب تسطع على الغرب، وعانت الباحثة الألمانية المقتدرة أنا ماري شيمل الكثير من العداء لحديثها عن الإسلام حديثا علميا منصفا، ووقع أكثر من ذلك لجارودي بعدما أعلن إسلامه، فنبذه المجتمع وخفت صوته وامتنعت كثير من دور النشر عن التعامل معه، ولا يكاد يوجد واحد ممن أعلنوا إسلامهم من مفكري الغرب لم يتعرض للمضايقة وللحصار الاجتماعي الذي يلغي فكرة الحق في اختيار العقيدة. ولا يجوز أن ينسى أن فرنسا قد منعت الداعية أحمد ديدات من أن يدخل أراضيها لمجرد أنه ألحق هزيمة فكرية بالقس سواجارت في مناظرته المشهورة.
وإذا أبدى الغرب تسامحا مع بعض من يتحولون إلى الإسلام، فليس معنى ذلك أنه يرتضي فعلهم وإنما يرى أن إسلامهم لن يكون له تأثير كبير على مسار المسيحية.
وبعد هذا فإذا كانت أحكام الردة صارمة في الإسلام، فليس القصد منها منع إنسان من ممارسة حقه في الاختيار حينما يكون الاختيار سليما، وإنما هي على العكس دعوة لاستعمال الفكر والتأكد من الاختيار قبل إعلان الانضمام إلى المسلمين لأن شأن الارتداد ليس كشأن الرفض المبدئي للإسلام لو وقف الشخص عنده ولأن من انتمى إلى المسلمين صار جزءا منهم له من الحقوق ما لهم، وقد يلي منصبا إداريا أو عسكريا، وقد يمكنه موقعه من الاطلاع على أسرارهم، وقد يتزوج من نسائهم ويلحق أبناءه بجماعتهم فيكتسبون حقوقهم في الإرث وفي النسب وغير ذلك، لكن الردة تؤدي إلى ارتباك كل هذا وإلى تمكين خصوم الإسلام من مصدر للاطلاع على حقائق لا سبيل لهم إلى الوصول إليها إلا عن طريق ارتداد من انتسب إلى الإسلام.
اعتبارا لما سبق فإنه يتعين النظر إلى الردة من زاوية سياسية ومقارنة عقوبتها بالعقوبات التي ترصدها القوانين المعاصرة لمن يمثل انسحابه خطرا على جماعته البشرية، من أمثال خبراء السلاح النووي ومن المطلعين على الأسرار الصناعية أو العسكرية لأمتهم.
وإذا قيل إن المرتدين قد لا يكونون بهذا المستوى فإنه يقال إن الأحكام تنصب على العموم لا على خواص الأفراد.