المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رمال الخليج المتحركة


عبدالناصر محمود
03-13-2014, 08:07 AM
رمال الخليج المتحركة*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

12 / 5 / 1435 هــ
13 / 3 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://204.187.101.75/memoadmin/media//version4_874415kokok.jpg


قبل حوالي 3 عقود، وتحديدًا عام 1981، تأسس «مجلس التعاون الخليجي» لمواجهة الخطر الإيراني المتنامي بعد قيام الثورة الرافضية عام 1979، وردًا على التحديات المرتبطة بعدم الاستقرار في المنطقة العربية، وبعد اشتعال الحرب بين العراق وإيران ، وظهور ثغرات أمنية وعسكرية وسياسية خطيرة في المنطقة.

فإيران قد تبنت أجندة ثورية بنكهة طائفية عقدية مبنية على هلاوس وخرافات شيعية موروثة منذ قرون تجاه العالم الإسلامي السني والعربي ، أفرزت ما يسمي بمبدأ تصدير مبادئ الثورة الإيرانية الخومينية لدول الجوار، وكانت دولة البحرين هي أكثر الدول عرضة للاحتكاك الإيراني نظرًا للأطماع التاريخية لإيران في هذا البلد الصغير، لذلك اختارتها دول الخليج لتكون مقر انعقاد أول مؤتمر لمجلس التعاون الخليجي في دلالة واضحة على الغرض الأساسي الذي نشأ من أجله هذا المجلس، لذلك فإيران هي المبتدأ والمنتهى، وكانت ومازالت الباعث والمحرك لوجود هذا المجلس، وأيضًا ربما الحاسم والفاصم لعرى هذا المجلس في ضوء التحركات الأخيرة في المنطقة.

لاشك أن ثورات الربيع العربي كانت محطة فارقة في حياة الأنظمة والشعوب وفي بنية التحالفات الإقليمية والدولية، فمن اللحظة الأولى لاندلاع الثورات الشعبية وقفت الأنظمة في دول الخليج موقف المستريب الحذر، خوفًا من تأثير المد الثوري على الاستقرار الثابت في هذه البلدان، في حين حاولت إيران استغلال الحدث بتحريك أتباعها في البحرين من أجل تأجيج الثورة هناك، لولا التحرك السريع من قوات درع الجزيرة والاتحاد الخليجي لأكلت إيران البحرين وقتها.
ثم كانت الثورة السورية التي كان من قدر أهلها أن يكونوا أصحاب آخر ثورة شعبية بعد أن استفادت الأنظمة الديكتاتورية من رصيد التجربة في تونس ومصر وليبيا واليمن، وأيضًا بعد أن استشرفت القوى الدولية الفاعلة مآلات الثورات الشعبية، والطبيعة الأيديولوجية لمن أتت بهم الثورات العربية إلى سدة الحكم في هذه البلدان، لذلك تكاتف الجميع على تباين بينهم في الدوافع والوسائل على ضرورة إجهاض الثورة الشعبية في سوريا. وخلال ثلاث سنوات وهي عمر الثورة السورية تأرجحت المواقف الدولية والإقليمية تجاه سوريا في حين كان الموقف الإيراني واضحًا وثابتًا من أول يوم وهو الدعم التام وغير المشروط للنظام السوري .

الموقف الإيراني في البحرين ثم في سوريا دفع السعودية للمطالبة بتحويل مجلس التعاون إلى مجلس اتحاد، ولم تكن فكرة «الاتحاد» جديدة، خاصةً أن ميثاق مجلس التعاون نص صراحة في مادته الرابعة على أن الوصول إلى مرحلة «الاتحاد» يعد الهدف الأساسي للمجلس.
وأصدر مركز الدراسات الإستراتيجية، التابع لمعهد الدراسات الدبلوماسية بوزارة الخارجية السعودية، دراسة متخصصة قبل عام، أكد فيها أن مسألة التحول إلى «الاتحاد» بديلاً عن «التعاون» ليست مجرد خيار مطروح، بل «مسألة مصير»و«وجود» في ظل تحولات إقليمية ودولية غير مسبوقة.
فإيران تعتبر من الدول القوية التي تمتلك كل أدوات وعناصر القوة المادية والمعنوية، ولا نكون مبالغين إذا قلنا أن إيران هي أقوى دولة على المستوى الإقليمي، من حيث عدد السكان والموقع الجغرافي والثروات الطبيعية ومصادر الطاقة، وتعداد قواتها المسلحة أكثر من ضعف جيوش الخليج مجتمعة، كما أنها تسيطر فعليا على العراق وسوريا ولبنان، كما أن أدواتها الطائفية ممتدة داخل كل دول المنطقة بلا استثناء تقريبًا عبر الأقليات الشيعية المنتشرة في دول الخليج، وكل هذه أسباب قوية تدفع باتجاه طريق الاتحاد الخليجي في مواجهة الخصم الإيراني المرعب .

للوهلة الأولى يبدو أن مطلب الاتحاد مطلبًا جوهريًا مفروغًا منه، ولكن رمال الخليج المتحركة تدفع كل يوم باتجاه عكس هذا المطلب الجوهري.
فبعد مضي 33 عاماً على تأسيس المجلس، وبدل أن يصل إلى مستوى "الاتحاد الخليجي" كما تطرح السعودية، فإنه يسير نحو التفكك والتصدع، وننتظر بيان نعيه في وقت قريب، حيث لا تجمع دُوَله أيُّ شراكة سياسية على مستوى المنطقة أو التحالفات الدولية، كما تتمثل عوائق قيام الاتحاد بأسباب داخلية وخارجية.
فثمة تباينات عقدية ( سلفية وإباضية ) ، وأيديولوجية ( محافظة وتقليدية بدوية ومنفتحة ومتحررة ) ، وسياسية ( ملكية وملكية دستورية وعلمانية وإسلامية ) بين دول المجلس.
أيضًا عنصر الخلافات الحدودية التاريخية بين دول المجلس جميعا. أضف إلى ذلك التباين في السلوكيات والحريات العامة والشخصية، فبين الكويت والإمارات والبحرين والسعودية فوارق شاسعة ومتناقضة؛ بين السباحة على الشاطئ، ومنع المرأة من قيادة السيارة .

أما على صعيد السياسة الخارجية فتتجاذب دول مجلس التعاون عدة اتجاهات ومواقف متعددة، وتغيب عنه وحدة الموقف ووحدة السلوك والأهداف، مثلا تختلف دول مجلس التعاون حول الموقف من "الإخوان المسلمين"، فقطر تؤيدها وعمان على الحياد والآخرون يقودون الحملة المضادة لإسقاط الإخوان.
أيضا يختلف الخليجيون حول إيران، فبعضهم يدعو للحوار، وبعضهم للعداء وحصار إيران وضربها عسكرياً.
ثم كان التذبذب الكبير تجاه ثورات الربيع العربي، فتتحد قطر والسعودية خصوصاً ضد النظام في سورية، وتختلفان في مصر، وبدأ الاختلاف أيضاً في لبنان، والموقف من حزب الله، فالسعودية تشن حملة سياسية وأمنية ضد الحزب، وقطر تعيد الحياة لعلاقتها مع الحزب.
ومن ثم كان القرار المتعجل بسحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من قطر وهو القرار الذي يراه الكثيرون أنه سيعجل بمجلس التعاون .

غير أن المشكلة الحقيقية في مجلس التعاون هي التباين الكبير بين موقفي عمان والسعودية، فالأولى ترفض بمنتهى الوضوح والحسم فكرة الاتحاد الخليجي، وأصبح واضحا تماما ولجميع الأطراف بأن الخلاف السعودي مع سلطنة عمان تحت عنوان الإتحاد الخليجي مرتبط تماما بالملف الإيراني الذي يتدحرج في المنطقة بطريقة تخل بكل المعادلات.
فبوادر الخلاف الأولى برزت عندما أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بأن مفاوضات سرية لأكثر من عام استضافتها مسقط هي التي إنتهت بإنجاز الإتفاق المقلق خليجيا بين الإدارة الأمريكية والجمهورية الإيرانية الإسلامية.
السعودية حمّلت مسقط مسئولية السعي لإضعاف مؤسسة مجلس التعاون الخليجي ورسالة فكرة الإندماج والإتحاد تقول وبوضوح للإيرانيين قبل غيرهم بأن دول منظومة الخليج يمكنها أن تكون موحدة تماما في مواجهة النفوذ الإيراني .

كل هذه التطورات في ملف التعاون الخليجي تقود المنطقة لميلاد تحالف جديد، يتم فيه إدماج عناصر جديدة واستبعاد أخرى قديمة، من أجل مواجهة تطورات الموقف الأمريكي تجاه إيران، وبدء شراكة أمريكية إيرانية في المنطقة، وكانت خطوة سحب السفراء من قطر خطوة تدشين أولى لهذا الحلف الجديد.
فالمجلس الجديد الذي تسعى السعودية والإمارات لتأسيسه يجعل من مصر تحت قيادة عبد الفتاح السيسي حجر زاوية لهذا الحلف، والمنطق الذي يستخدم في أروقة المطبخ السعودي- الإماراتي يشير إلى أن مستقبل النظام الرسمي العربي الجديد مرتهن عمليا بنجاح العملية السياسية التي تجري في مصر لصالح عبد الفتاح السيسي مما سيساعد في إستعادة مصر لدورها ونفوذها الإقليمي بدلا من ترك التفوق والصدارة لصالح دول مثل إيران وإسرائيل وتركيا حسب رؤية هؤلاء.
ومن ثم كان لابد من تهيئة المناخ الداخلي في مصر لتمرير فوز السيسي بالرئاسة بوقف كل الروافد المساعدة لمعارضي الانقلاب ومعظمها يأتي من دولة قطر.

ولعل القمة 34 التي عقدت في الكويت وشهدت انفجار أزمة سحب السفراء هو أخطر وأهم اجتماعات مجلس التعاون، لأنه على الأغلب سيكون المؤتمر الأخير.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
*{مفكرة الإسلام}
ــــــــــــــــــــــــــ