المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تراجع المشروع الوطني الفلسطيني: قراءة في الأسباب


عبدالناصر محمود
03-19-2014, 07:25 AM
تراجع المشروع الوطني الفلسطيني: قراءة في الأسباب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ

(أحمد فايق دلول)
ـــــــــــــــــــــــــ

18 / 5 / 1435 هــ
19 / 3 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/818032014101134.jpg



يعيش المشروع الوطني الفلسطيني أسوأ مراحل تاريخيه، وذلك رغم أنه لم يتم الاتفاق حتى اللحظة بين الفصائل والنخب الفلسطينية على وضع معالم لمشروع وطني فلسطيني معين، وبالتالي، من الصعوبة بمكان تحديد أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، حيث تشهد الساحة الفلسطينية إسلاميين (حماس والجهاد) ويساريين (الجبهة الشعبية، الديمقراطية، الشعب، ...) وعلمانيين (حركة فتح)، ولعل هذا ما جعل الساحة الفلسطينية تشهد تباينات مختلفة من الهويات (إسلامية، علمانية، يسارية، ...) وهذا بحد ذاته كرَس الأزمة.
وعلاوة على ما ذكر، هناك حركات (فصائل) تتبنى العمل المسلح وفق رؤية إسلامية، وفصائل تتبنى النضال الديمقراطي (أي تتنازل عن المقاومة بصورة التفافية)، وفصائل تتبنى المقاومة الشعبية التي لا طائل منها سوى مزيد من الجرحى بشكل أسبوعي في نعلين وبلعين.
وبصورة أخرى، يمكن القول إن مجموعة من العوامل تتداخل في تكوين الأزمة الحالية التي يعيشها المشروع الوطني، وهي تشمل: تعدد الهوية وتعدد الأيديولوجيات، والاختلافات على تحديد القضايا المرحلية والقضايا النهائية أو بعيدة المدى، وغياب العمل المؤسساتي، وأثر العوامل الخارجية في صناعة القرار الفلسطيني. بجانب جملة من العوامل ذات الأبعاد الثقافية والحضارية المتعلقة خصوصاً بفن إدارة الاختلاف الداخلي والتداول السلمي على السلطة والتعايش الفصائلي وقبول الآخر الفلسطيني وغيرها، وكل هذا بالإضافة أزمة الثقة المتغلغلة في العلاقات الفصائلية البينية وخصوصاً بين حركتي حماس وفتح منذ تسعينيات القرن الماضي، فضلاً عن زمة القيادة الفلسطينية التي لم تستطع إنجاز أي من تطلعات الشعب.
المشروع الوطني وفق الرؤية الفصائلية
ترى حركة حماس أن ثمَة تغيّر طرأ على تعريف المشروع الوطني الفلسطيني بعد البرنامج المرحلي الذي تم طرحه عام 1974، وخاصة مع ظهور فكرة إقامة الدولة الفلسطينية على أي جزء محرر من الأرض كبديل عن مشروع "التحرير والعودة" الذي كان يتضمن تحرير البلاد من النهر إلى البحر، وتعتقد حماس أن أسباب أزمة المشروع الوطني الفلسطيني تتمثل في: غياب المرجعية الوطنية الموحدة، وتركيز م.ت.ف ثم السلطة لاحقاً على السلوك التكتيكي الخاضع لظروف الأمر الواقع وإملاءاته بدلاُ من التخطيط الاستراتيجي، وإخضاع الواقع الفلسطيني للسيادة الإسرائيلية عبر نوافذ التأثير على القرار القيادي وعلى إمكانات البقاء والأمن، والاختلاف في تعريف المشروع الوطني الفلسطيني.
وترى حركة فتح أن أزمة المشروع الوطني الفلسطيني التي تهدده، تكمن في عدة عوامل:
(1) تدمير حكوماتها المتعاقبة بعد حكومة إسحق رابين أية إمكانية متاحة من أجل الوصول إلى حلول سياسية، واعتمادها سياسات استيطانية تقوم على مبدأ فرض الوقائع الجديدة على الأرض خلافاً لاتفاق أوسلو.
(2) بروز رأسين للسلطة الفلسطينية منذ تشكيل حماس للحكومة إثر فوزها في الانتخابات التشريعية الخيرة عام 2006م، وهو ما أسس لبداية مرحلة جديد من الخلاف بين مشروعين، الأول هو "مشروع وطني" يقوده محمود عباس، والثاني هو مشروع إسلامي تقوده حركة حماس. (3) تعزيز الكيان الإسرائيلي مشروعه السياسي والاستيطاني مستفيداً من حالة التردي والعجز السائدة في الساحة الفلسطينية، بجانب حالة التبعية الاقتصادية التي ألحقها بالاقتصاد الفلسطينية بعد توقيع اتفاقية باريس الاقتصادية عام 1994م.
أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فقد عزت أزمة المشروع الوطني الفلسطيني إلى هزيمة سنة 1967، ثم الانتصار في حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، ودورهما في تراجع القضية الفلسطينية، بوصفها قضية مرتبطة بشكل وثيق بتطورات الوضع العربي، حيث تتقدم بتقدمه وتتراجع بتراجعه؛ ولعل هذا ما أدَّى إلى انخفاض سقف الشعارات الفلسطينية أو الفصائلية من تحرير فلسطين كاملة إلى تحرير الأراضي التي احتلت سنة 1967م (رغم عدم قبول الطرف الإسرائيلي بهذا الحدود)، ثم تم فصل قضية فلسطين وسلخها عن عمقها العربي والبدء بالانتقال لفكر التسوية والمفاوضات والحكم الذاتي والحلول السياسية السلمية بعيداً عن المقاومة، بجانب اعتماد مبدأ المقاومة الشعبية. ولعله من الجدير بالذكر أن الجبهة الشعبية تميل إلى الكفاح الفلسطيني الديمقراطي، أي ما يمكن تسميته بالمقاومة الشعبية والعمل الدبلوماسي.
ويبدو واضحا من خلال العرض السابق أن الفصائل الفلسطينية لم تتفق على طبيعة المشروع الوطني ولم تتفق أيضاً على تحديد طبيعة الأزمة التي يعاني منها، ولعل ذلك يكرِّس من الأزمة التي يعيشها المشروع الوطني والنظام السياسي بصفة عامة.
أسباب أزمة المشروع الوطني الفلسطيني
تعود أزمة المشروع الوطني الفلسطيني إلى جملة من المتغيرات على الساحة الفلسطينية، يمكن تناولها بشيء من التفصيل كالتالي:
المفاوضات: تنخرط السلطة الفلسطينية في مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي بوساطة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ومن المتوقع أن يقبل الرئيس عباس بتمديد المفاوضات لفترة إضافية من 6 أشهر إلى 12 شهر، ثم يقوم بالتوقيع على اتفاق إطار يقضي بما يشبه الحكم الذاتي لمدة 5 سنوات، يعترف خلالها الرئيس عباس بيهودية إسرائيل مقابل رجوع عدة آلاف لاجئ فلسطيني إلى الضفة الغربية، وفي ضوء هذه الحالة من المفاوضات، سيبقى المشروع الوطني الفلسطيني جانباً بقصد أو بدون قصد، وإذا ما تحقق الطرح السابق، فهذا يعني أن المشروع الوطني الفلسطيني قد أُصيب في مقتل.
المقاومة: ثمّة سكون لدى المقاومة الفلسطينية في ضوء الوضع الراهن، حيث خرجت غزة أواخر 2012م، من عدوان إسرائيلي غاشم أدَّى إلى تدمير ما أمكن من بنية تحتية وفوقية ومراكز حكومية ومنازل مواطنين، ورغم أن المقاومة قد وقفت في وجه هذا العدوان وردَّت عليه قدر الإمكان، إلا أن حركة حماس كانت رأس الحرب في الرد الفلسطيني المقاوم، بينما كانت الفصائل الفلسطينية تعلن عبر وسائل إعلامها المختلفة عن إطلاق عشرات الصواريخ بشكل يومي، إلا أن الحقيقة أقل من ذلك بكثير. وإذا ما حدث عدوان إسرائيلي جديد، فمن المتوقع أن تكون حماس صاحبة النصيب الأمر من الضربات ومن الرد والإنجاز، بمعنى أن تتنحى الفصائل جانباً وتكتفي بالدعاية الإعلامية، ولعل هذا ما جعل المقاومة تحسب ألف حساب لأي تصعيد من جانبها تجاه الأراضي المحتلة، وهذا ما جعل المقاومة تتراجع في غزة. أما الضفة الغربية فالأمر مختلفٌ تماماً، حيث تلاحق الأجهزة الأمنية كافة عناصر المقاومة وتعتقلهم وتحقق معهم، وهذا ما جعل المقاومة تتراجع هناك.
غياب المصالحة: يمر أكثر من 7 سنوات على الانقسام الفلسطيني وما زالت الأمور على حالها، حيث استطاعت الفصائل التوصل إلى جملة من اتفاقات المصالحة (القاهرة، الدوحة، الأسرى، ...) ولم تستطع حتى اللحظة تطبيق أي منها على أرض الواقع، وهذا راجع إلى جملة من العوامل أولها غياب أرادة التنفيذ، وثانيا المفاوضات الدائرة بين السلطة والجانب الإسرائيلي، وثالثاً سلوك السلطة في الضفة الغربية ومحاولتها عسكرة الضفة وفرض الأمن بالحديد والنار حتى لو كان المستهدف وزير سابق أو عضو مجلس تشريعي، ورابعاً الفيتو الأمريكي الذي تضعه الولايات المتحدة على المصالحة، حيث لا يمتلك الرئيس عباس صلاحيات الدخول في تطبيق عملي للمصالحة، لأن هذا الأمر ليس ضمن صلاحياته، ودوره الوظيفي يستلزم القيام بما يُرضي المجتمع الدولي.
السلطة الفلسطينية برأسين: تتكون السلطة الفلسطينية من رأسين مختلفين سياسياً وجغرافياً وفكرياً، حيث أن لغزة حكومة وللضفة حكومة، ومن المؤكد أن السلطة قد بُنيت على أسس غير مقبولة من المجتمع الفلسطيني، حيث كانت السلطة هي البناء الأول الذي تبلور فعلياً كإحدى ثمار اتفاق أوسلو. وتعيش حكومتا غزة والضفة أوضاعاً اقتصادية صعبة نوعا ما، لدرجة وصلت بحكومة غزة إلى عدم استطاعتها تلبية احتياجات موظفيها أو إعطائهم رواتبهم لمدة وصلت إلى ثلاثة أشهر، هذا بجانب تراكم مستحقات الموظفين (حجز مستحقات غلاء معيشة وأمور أخرى) على الحكومة لعدة سنوات مضت. أما حكومة رام الله فهي الأخرى تعاني من أزمات مالية ولا تستطع صرف رواتب موظفيها إلا من خلال المعونات التي تتدفق عليها بشكل شهري، لدرجة وصلت بالرئيس عباس إلى تحذير رئيس حكومته من ضرورة الاستعداد لأزمة رواتب في الأشهر المقبلة.
وفي ضوء هذه الحالة، تبقى الحكومتان منشغلتين في البحث عن آليات مختلفة للتخلص من أزماتهما الاقتصادية والمالية، وبالتالي يكون المشروع الوطني الفلسطيني قد وُضِع جانباً لأن الوقت ليس وقته.
منظمة التحرير: تعيش منظمة التحرير حالة من الفوضى والفلتان الإداري والقيادي والفساد السياسي. ورئيسها كما هو معلوم، هو رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس حكومة المصالحة لو تم تطبيقها، وهذا ما زاد من أزمة المنظمة، خاصة وأنها لم تستطع حتى اليوم أن تبلور رؤيةً لمشروع وطني فلسطيني، مع الأخذ في اعتبار أنها لا تمثل الكل الفلسطيني، حيث لا تضم حركتي فتح وحماس (التيار الإسلامي)، لأن الأخير لا يوافق على رؤى المنظمة ونظامها الداخلي. ولعله من المهم الإشارة إلى أن قيادة السلطة الفلسطينية حاولت إلغاء المنظمة والإبقاء على السلطة قبل الانتخابات التشريعية عام 2006م، ولكن تراجعت السلطة عن تلك الفكرة مع فوز حركة حماس وتركَّز كثير من اهتمامها على المنظمة، وهذا ما بدا واضحا أثناء انسحاب الزهار من تمثيل فلسطين في مؤتمر دول عدم الانحياز بعدما اعترض فاروق القدومي (رئيس الدائرة السياسية للمنظمة) على قيام الأول بإلقاء كلمة فلسطين، وذلم في اواخر مايو 2006م. وبالتالي تكون المنظمة قد أسهمت في أزمة المشروع الوطني الفلسطيني.
خلاصة
يبدو واضحاً من العرض السابق أنه لم يتم حتى اللحظة الاتفاق فصائلياً على مشروع وطني فلسطيني، لدرجة يمكن القول معها إنه لا يوجد شيء حقيقي اسمه مشروع وطني فلسطيني وكل ما يتم الحديث عنه هو مجرد تصورات لا أساس ملموس لها على أرض الواقع، ومن المؤكد أن هذه التصورات التي لم تصل إلى مرحلة البلورة في مشروع وطني مكتوب، قد اصطدمت بجملة من المعيقات، لعل أبرزها غياب الإرادة السياسية الفلسطينية بجانب الانقسام الفلسطيني وحتى التوصل إلى مصالحة وطنية، بجانب أن منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية قد قامتا على مبادئ لا يُجمع عليها الكل الفلسطيني

-----------------------------