المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دروس معركة " يبرود " القاسية


عبدالناصر محمود
03-19-2014, 07:56 AM
دروس معركة " يبرود " القاسية*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

18 / 5 / 1435 هــ
19 / 3 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://204.187.101.75/memoadmin/media/Lebanon/version4_fxydgsfzd.jpg


أحيانا قد تبدو بعض الأحداث عابرة وليست ذات دلالات كبيرة واضحة ، فيراها المتعجل رقما في سجل أحداث متخم بالأرقام والإحصاءات ، في حين يراها المتبصر نقطة فاصلة وعلامة فارقة في مسيرة الأحداث . ربما يري البعض معركة " يبرود" ليست حاسمة ، كما كانت معركة القصير ليست قاصمة ، ولا بأس أن نخسر معركة مادمنا قادرين على مواصلة الحرب والصمود في ساحاتها ، هكذا يظن الحالمون وليس المتفائلون ، ولكن الواقع أشد مرارة من وقع الحسام المهند كما قال الشاعر العربي قديما .
مرة أخرى يجد السوريون أنفسهم ضحية لعبة التوازنات الدولية ، فبعد شهور من الحصار والتدمير والقصف وبعيد ليلة انهمرت فيها البراميل المتفجرة للطيران السوري على يبرود خرج آلاف المدنيين السوريين من المدينة بحماية مئات من مقاتلي المعارضة السورية فيما دخل آلاف المسلحين من "حزب الله " الشيعي اللبناني المدعوم بتغطية جوّية وبرّية من قوات النظام السوري إلى المدينة معلنين الانتصار الثاني للحزب على الثورة السورية بعد معركة "القصير" .
فجأة أصبحت مدينة يبرود حاضرة جبال القلمون المتاخمة لجبال لبنان الشرقية والتي تبعد نحو ثمانين كيلو متر مربع من العاصمة دمشق ، فجأة أصبحت ملء السمع والبصر ، والحديث الأبرز في الصراع السوري بعد أن تركزت عليها الأضواء بشدة في الأسابيع الثلاثة الأخيرة ، بصورة جعلت تبدو للعيان أن الصراع السوري يكاد أن يختزل كله في هذه المعركة التي بات تمثل عنوان الظفر والانتصار في الأزمة السورية ، وتكمن أهمية البلدة في موقعها الجغرافي المميز على الطريق الدولي السريع الذي يربط دمشق بوسط البلاد والساحل الغربي، كما أنها تتميز بطبيعتها الجبلية، حيث تحيط بها من أغلب جهاتها جبال شاهقة ولعل أبرزها جبل مار مارون وجبل العريض وجبال الجرد الشرقي لسلسلة الجبال السورية، ويكتسب المدخل للبلدة من دمشق وحمص وسط سوريا، ومن جهة الغرب حيث الحدود اللبنانية، أهمية خاصة، إذ يعتبر خط الإمداد الرئيسي لقوات النظام ، وتحتل يبرود أهمية كبرى لدى حزب الله اللبناني، إذ تمثل عمقا إستراتيجيا له ومعبرا لتزويد عناصره المقاتلة داخل سوريا بالإمدادات من لبنان، ومن ثم لمواصلة عملياته العسكرية هناك. وعلى الرغم من أن المعارضة السورية لم تعترف بهزيمتها في يبرود وتتدعي احتفاظها بالسيطرة الميدانية إلا إن الحقائق على الأرض تفيد عكس ذلك ، كما أن المشاهد التي بثتها الفضائيات من قلب الحدث يفيد بسقوط المدينة في قبضة النظام وأعوانه .
الحدث أكبر من كونه عملا عسكريا ناجحا لهذا الطرف أو إخفاقا للآخر ، الحدث عبارة جماع عوامل داخلية وإقليمية ودولية متضافرة على إضاعة القضية السورية ووأد هذه الثورة الشعبية التي أهريق في ري أشجارها دماء عشرات الآلاف من القتلى وأضعافهم من الجرحى ومثلهم وزيادة من المعتقلين والمفقودين ، ناهيك عن ملايين المشردين والمهجرين . معركة يبرود كانت حدثا مأساويا بكل ما تعنيه الكلمة ، أعطت الجميع دروسا قاسية في فن إدارة الصراعات والثورات الشعبية ، ومن أبرز هذه الدروس القاسية :
أن اختلاف الكلمة و تشقق الصفوف لابد أن يورث أصحابه الهزيمة ، ففي الوقت التي ظهر فيه تلاحم حلفاء الأسد من الشيعة ممثلا في تواجد أكثر من 40 ألف مقاتل شيعي وهم قوام خمس تشكيلات قتالية ؛ حزب الله اللبناني ، وكتائب عصائب الحق العراقية ، وكتائب أبي الفضل العباس ، والحرس الثوري الإيراني ، والحوثيين اليمنيين ، جاءوا من لبنان وإيران والعراق واليمن من أجل هذه المعركة الفاصلة ، في هذا الوقت نجد فصائل المعارضة السورية تأكل بعضها أكلا في الشمال ، فداعش تقاتل النصرة ، والجيش الحر يقاتل النصرة ، والجبهة الإسلامية تقاتل داعش ، في مشهد عبثي يدير فصوله النظام السوري باقتدار . هذا الاختلاف جعل السنن تجري على من كان في يبرود فتسقط بهذه الصورة الأليمة .
ومن الدروس أيضا أن اعتماد الثوار السوريين على الدعم الخارجي ، وتعليق المعارضة السياسية والعسكرية السورية آمالها على أطراف إقليمية ودولية كانت من باب الاضطرار والإجبار السياسي الذي حاول به الثوار التعامل مع ميزان القوى الإقليمي والعالمي، ومعادلة الدعم الإيراني والروسي الضخم لنظام الأسد ، لكن هذه المعارضة لم تضع في حسابها أن زمن الإخوة الإسلامية والنخوة العربية والعدالة الدولية قد ولى إلى غير رجعة ، وأن مواقفة هذه الأطراف الخارجية على الوقوف إلى جانب الثورة السورية كان لحسابات ومنافع خاصة بها فحسب ، ويوم أن تتغير أو تتبدل هذه الحسابات ، وتختلف موازين المنافع والمفاسد ، فسوف تتجاوز كل الأعراف وتلحس كل الوعود ، وهو ما أثبتته التطورات العسكرية والسياسية المتواترة على الأرض لتفضح هذه البرجماتية المقيتة لداعمي الثورة ، بحيث سمعنا رئيس الائتلاف احمد الجربا يتهم، بحرقة، أمريكا والعرب بالمماطلة في تسليح المعارضة السورية للوقوف في وجه الجيش السوري تام التسليح .
أن تنامي الثورة المضادة في بلدان الربيع العربي والذي بدأ بالانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب في مصر ، قد أدى لدخول الصراع السوري مرحلة اللعب على المكشوف ، فالجميع الآن يتكاتف من أجل القضاء على الإسلاميين في المنطقة وإجهاض كل سبيل لوصولهم إلى السلطة ، فبعد الانقلاب المصري وقع انقلاب آخر في تونس ولكنه كان ناعما وغير عسكري ، ثم وقعت محاولة للانقلاب في ليبيا ورغم فشلها إلا أنها ساهمت في تفاقم التردي في الأوضاع الأمنية والسياسية هناك ، ولاشك أن ذلك ألقى بظلال شديدة القتامة على الثورة السورية التي يمثل الإسلاميون قوامها الأساسي في حين أن العلمانيين وغيرهم حمولة زائدة ضررهم أكبر من نفعهم ، ومن ثم فقد أخذت ذات الدول التي كانت تدعم الثورة نفسها في العمل على تقويض الأجنحة الإسلامية في الثورة ، وقطع خطوط إمدادتها ، بل والتحريض عليها ، وتأليب الأطراف الأخرى عليها .
أن معركة يبرود قد كشفت بوضوح عن الإصرار الإيراني على الحفاظ على نظام الأسد كحليف إستراتيجي تضمن به السيطرة على محور الشمال العربي الممتد من العراق مرورا بسوريا وانتهاء بلبنان ،وأن إيران قد تجاوزت بمراحل مسألة الدعم السياسي والمالي فصارت ترسل الكتائب والفيالق والرجال بالألاف للقتال بجانب الأسد ، وتستنفر أبناء الطائفة من باكستان شرقا حتى لبنان غربا ، ومن أذريبجان شمالا إلى اليمن جنوبا ، إصرار يجب أن تضيء الإشارة الحمراء في مراكز القرار العربية، لأنها تعبر عن نجاح إيران التي تقود الحرب في سوريا. والنجاح الإيراني في سوريا معناه فرض صورة الأمر الواقع على الجميع ، فعواقب هذا الانتصار الإيراني أخطر وأبعد من يبرود، بل ومن سوريا كلها ، وقد تقرر مصير المنطقة وخريطتها ، وأمريكا ما غيرت تركبية أحلافها القديمة إلا من هذا الأساس ، فأمريكا عادة تعترف بالأمر الواقع فعندما يسيطر الإيرانيون على رقعة واسعة من المنطقة العربية،ويهددون مناطق الطاقة وممراتها، حينها لن يكون هناك بد سوى الاعتراف بهم، والتعامل معهم على حساب الدول الأضعف والخاسرة. وهذا ما قاله الرئيس أوباما في حديثه الأخير عن إيران، إنها دولة كبرى لها طموحاتها، ذات رؤية استراتيجية، وفيه استعداد للقبول بالأمر الواقع، أو الواقع الجديد. فإيران تمرح في المنطقة طولا وعرضا وتفرض رؤيتها السياسية والعسكرية والميدانية على دول المنطقة المنشغلة بخلافاتها الصغيرة والركض خلف جماعة الاخوان المسلمين في كل موطن ، وعندها لا ينفع الندم على اللبن المسكوب . فهنيئاً لحزب الله وايران وروسيا واسرائيل وأمريكا ولا عزاء للسوريين.

-----------------------------------
*{مفكرة الإسلام }
ـــــــــــــــــــــــــــ