المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رجوع العلماء عن أقوالهم .. انتصار للمنهج على شهوات النفس


عبدالناصر محمود
03-20-2014, 02:02 PM
رجوع العلماء عن أقوالهم .. انتصار للمنهج على شهوات النفس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(يحيي البوليني)
ــــــــــــــــــــــــ


19 / 5 / 1435 هـــ
20 / 3 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://n4hr.com/up/uploads/9f99873c51.jpg



يمثل الرأي الشخصي للإنسان جزءا مهما من شخصيته ويعتبره بضعة منه لا يتنازل عنه أبدا ويظل يدافع عنه بكل قوة يملكها, ويواجه كل الناس به ويقنعهم بصحته ويتمسك به, ويزيد الأمر عن ذلك بالنسبة للعلماء, فرأي احدهم لا يمثل وجهة نظر شخصية فحسب بل يمثل خلاصة علمه ونتائج بحثه وتقليبه لكل أمر وفق الثوابت التي ينطلق منها فيكون تمسك العلماء اشد بأقوالهم بعد أن ينتهوا منها ويعلنوها للناس.

ويزداد العبء ثقلا على كل عالم بحسب عدد الأتباع الذين يتبعونه في قوله والذين يتمسكون به باعتباره رأي معلمهم وشيخهم الذي لا يناظره ولا يقارنه احد في نظرهم, فيصبح رجوع العالم عن رأيه- ذا اتضحت له صحة القول في المسالة بخلاف قوله - ثقيلا جدا على نفسه ويحتاج لمجاهدة عظيمة لكي يقول العالم لأتباعه انه أخطا والصواب في المسالة هو القول المخالف لرأيه.

ويتميز المنهج الإسلامي بأنه أوجد رجالا كثيرين استطاعوا أن ينتصروا على رغبات أنفسهم ووضعوا سلوكا نموذجيا مخلصا صادقا شفافا لمن بعدهم يقوم على عدم التكبر عن الانصياع للحق والعودة إليه وعلى أن ينظروا للحق فقط دون النظر إلى قائله وأن يعلوا قيمة الحق في مواجهة الأشخاص.

ولهذا أصر علماء الأمة على أن يُعلوا قيمة الدين في أعين الناس وعلى أن لا ينظر احدهم إلى رضا الناس أو غضبهم أو إلى صورة نفسه في أعينهم بل أن يجعلوا القيمة الأولى والاهم والأعظم هي قيمة الدين, فقال الإمام مالك بن أنس لعبد الله بن وهب رحمها الله: "يا عبدَ الله، لا تحملنَّ الناسَ على ظهرِك، وما كنتَ لاعبًا به من شيء فلا تلعبنّ بدينك".

ويُذكر الإمام مالك الأمة الإسلامية كلها بفضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويختصرها في خلق كريم من أخلاقه فيقول "ما كان بأعلمنا ولكنه كان أسرعنا رجوعاً إذا سمع الحق".[1]

وهكذا كانت نصيحة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالته إلى أبي موسى الأشعري في القضاء وآدابه, فقال له :"لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم وإن الحق لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" [2]

وهكذا كان أئمة الدنيا وعلماء السلف يربون أتباعهم على اتباع الدليل وعلى فكرة تراجع العالم عن فتواه وقوله إذا ثبتت له صحة القول المخالف سواء في حياتهم أو بعد مماتهم, فقال الإمام الشافعي رحمه الله: "كل مسألة تكلمت فيها وصح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي" [3]

وكان علماء الأمة الأفاضل مستعدين لكي يعودوا للحق وينصاعوا إليه مهما كانت رتبة محدثهم العلمية أو مهما صغرت سنه وقلت مكانته بين الناس, فالحق عندهم هو الأولى بالإتباع أيا كان مصدره, فقال ابن رجب رحمه الله: "كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيراً ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غيره قولهم" [4]

وكما ضرب العلماء المثل بكلماتهم وانصياعهم للحق ضربوا المثال الأكثر قوة وتعبيرا في أفعالهم التي انطبقت مع كلماتهم فكانت ابلغ وسيلة لإبراز قيمة المنهج الذي يحملونه وإنهم يرفعونه فوق ذواتهم وشخوصهم, وهناك نماذج باهرة في عودة العلماء عن أقوالهم ونزولهم للحق أمام كل الناس سواء أكانوا من العلماء الكبار أم من الأعمار الصغار أو المجهولين من تلامذتهم أو من الناشئة طلاب العلم الذين صاروا بعد ذلك علماء كبارا.

وعلى مثل هذا صار ديدن كل العلماء المخلصين لله المتجردين للمنهج فساروا على ذات النهج, فهذا ابن تيمية يصرح أكثر من مرة بأنه كان يفتي بخلاف الحق في بعض المسائل التي بانت له ولا يجد أدنى غضاضة أن يقول ذلك بين طلابه وتلامذته, ففي تعليقه على حديث "إن كان جامداً فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم وإن كان مائعاً فلا تقربوه" - رواه أبو داود وغيره- فقال: تبين أن هذه الزيادة وقعت خطأ في الحديث ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم, وهذا هو الذي تبين لنا ولغيرنا ونحن جازمون بأن هذه الزيادة ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها بعد أن كنا نفتي بها أولاً فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل" [5].

وكان يزيد بن هارون يقول في مجلسه غير مرة حديث كذا وكذا أخطأت فيه " [6], وعن العلاء بن الحسين قال حدثنا سفيان بن عيينة حديثاً في القرآن فقال له عبد الله بن يزيد ليس كما هو حدثت يا أبا محمد قال وما علمك ؟ قال فسكت عنه هنيهة ثم قام إلى سفيان فقال يا أبا محمد أنت معلمنا وسيدنا فإن كنت أوهمت فلا تؤاخذني قال فسكت سفيان هنيهة ثم قال يا أبا عبد الرحمن قال لبيك وسعديك قال الحديث كما حدثت أنت وأنا أوهمت" [7].

وذكر القاضي ابن العربي المالكي في أحكام القرآن، قصة فيها هذا الأدب العظيم والخلق الكريم فقال: "أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة: وصلت الفسطاط مرة، فجئت مجلس الشيخ أبي الفضل الجوهري، وحضرت كلامه على الناس، فكان مما قال في أول مجلس جلست إليه: إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق وظاهر وآلى، فلما خرج تبعته حتى بلغت معه إلى منزله في جماعة، فجلس معنا في الدهليز، وعرفهم أمري، فإنه رأى إشارة الغربة ولم يعرف الشخص قبل ذلك في الواردين عليه، فلما انفض عنه أكثرهم قال لي: أراك غريبا، هل لك من كلام؟ قلت: نعم. قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه. فقاموا وبقيت وحدي معه. فقلت له: حضرت المجلس اليوم متبركا بك، وسمعتك تقول: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقت، وطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقت, وقلت: وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا لم يكن، ولا يصح أن يكون; لأن الظهار منكر من القول وزور; وذلك لا يجوز أن يقع من النبي صلى الله عليه وسلم.

فضمني إلى نفسه وقبل رأسي، وقال لي: أنا تائب من ذلك، جزاك الله عني من معلم خيرا. ثم انقلبت عنه، وبكرت إلى مجلسه في اليوم الثاني، فألفيته قد سبقني إلى الجامع، وجلس على المنبر، فلما دخلت من باب الجامع ورآني نادى بأعلى صوته: مرحبا بمعلمي; أفسحوا لمعلمي، فتطاولت الأعناق إلي، وحدقت الأبصار نحوي، وتعرفني: يا أبا بكر يشير إلى عظيم حيائه، فإنه كان إذا سلم عليه أحد أو فاجأه خجل لعظيم حيائه، واحمر حتى كأن وجهه طلي بجلنار قال: وتبادر الناس إلي يرفعونني على الأيدي ويتدافعوني حتى بلغت المنبر، وأنا لعظم الحياء لا أعرف في أي بقعة أنا من الأرض، والجامع غاص بأهله، وأسال الحياء بدني عرقا، وأقبل الشيخ على الخلق، فقال لهم: أنا معلمكم، وهذا معلمي; لما كان بالأمس قلت لكم: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلق وظاهر; فما كان أحد منكم فقه عني ولا رد علي، فاتبعني إلى منزلي، وقال لي كذا وكذا; وأعاد ما جرى بيني وبينه، وأنا تائب عن قولي بالأمس، وراجع عنه إلى الحق; فمن سمعه ممن حضر فلا يعول عليه. ومن غاب فليبلغه من حضر; فجزاه الله خيرا; وجعل يحفل في الدعاء، والخلق يؤمنون"[8].

وسار على منوالهم علماء الأمة الأجلاء في عصرنا الحديث فلم يستنكف الكثيرون من أهل الحق والديانة عن التراجع عن أي رأي فقهي مهما كان عندما يصلهم رد علمي أو دليل أقوى من دليلهم ليرضوا ربهم وليعلنوا أن المنهج هو المقدم على حظ النفس وليؤصلوا للناشئة قيمة التجرد والبعد عن الأشخاص والذوات, فالمنهج أولى بالتقديم وحظوظ النفس أولى بالتأخير, ودين الله أولى بالإتباع, فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

ــــــــــ

[1] جامع بيان العلم وفضله/باب رتب الطلب والنصيحة في المذهب - تدافع الفتوى وذم من سارع إليها (2 / 1141): ابن عبد البر

[2] السنن الكبرى للبيهقي , كِتَابُ الضَّحَايَا , بَابُ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاجْتِهَاد , ورواه الإمام احمد وغيره عن سفيان

[3] توالي التأسيس لمعالي محمد بن إدريس , ترجمة الإمام الشافعي -رحمه الله- للحافظ ابن حجر العسقلاني (108)

[4] الفرق بين النصيحة والتعيير , ابن رجب الحنبلي (10)

[5] ( مجموع الفتاوى 21 / 515 - 516 )

[6] الكفاية في علم الرواية , أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي(1/146)

[7] المحدث الفاصل بين الرواي والواعي , الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي , باب من كان يكتب فإذا حفظه محاه (1/389)

[8] أحكام القرآن , القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (المتوفى: 543هـ)
--------------------------------------------------