المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كافور


ام زهرة
03-21-2014, 06:24 PM
هل ظلمه لسان المتنبي؟


انتشرت أقوال الشاعر أبي الطيب المتنبي في زمانه انتشار النار في الهشيم، ولا تزال الألسن تتلقَّفها حتى وصلت إلى أسماعنا، ومن منا لا يعرف أبيات أبي الطيب ذائعةَ الصيت، التي هجا فيها حاكمَ مصر كافور الإخشيدي؟! والتي منها:
لا تشترِ العبدَ إلا والعصا معه http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إن العبيدَ لأنجاس مناكيدُ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

مَن علَّم الأسودَ المخصي مَكرُمةً http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أقوامه البيض أم آباؤه الصِّيدُ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وذاك أن الفحول البيض عاجزةٌ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
عن الجميل فكيف الخِصيةُ السودُ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



كان كافور - الذي قيلت فيه هذه الأبيات - عبدًا مَخصيًّا بيع في سوق الرقيق، فاشتراه سيده أبو بكر محمد الإخشيد بثمانية عشر دينارًا، وربَّاه وأعتقه، والرجل كان صاحب ذكاء وقَّاد وعزيمة لا تُقْهَر، فصعدتْ به همَّته إلى أن أصبح هو الحاكم الفعلي، ولم يكتفِ بذلك حتى دُعي له في منابر الحجاز ومصر والشام، بل شَهِد له المتنبي أيضًا بالذكاء؛ حيث حُكي عنه - أي المتنبي - أنه قال: كنتُ إذا دخلتُ على كافور أُنشِده يضحك إليَّ ويَبَشُّ في وجهي، إلى أن أَنشدته:
ولما صار ودُّ الناس خِبًّا http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
جَزَيتُ على ابتسامٍ بابتسامِ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وصِرْت أشكُّ فيمَن أصطفيه http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لعِلْمي أنه بعض الأنامِ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



قال: فما ضَحِك بعدها في وجهي إلى أن تفرَّقنا، فعجبتُ من فِطْنته وذكائه (والحق ما شَهِدتْ به الأعداء)، دعك من هذا، وخذ بقول المؤرخ والعالم الجليل الإمام الذهبي، حيث قال عن كافور: "وكان مهيبًا، سائسًا، حليمًا، جوادًا، وقورًا، لا يُشْبِه عقله عقول الخدام"، وقال عنه أيضًا: "كان مُلازِمًا لمصالح الرعية، وكان يتعبَّد ويتهجَّد، ويُمرِّغ وجهَه، ويقول: اللهم لا تُسلِّط عليَّ مخلوقًا، وكان يُقرأ عنده السير والدول، وله ندماء وجوارٍ ومغنيات، ومن المماليك ألوف مؤلَّفة، وكان فَطِنًا، يقظًا ذكيًّا، يُهادِي المعزَّ إلى الغَرْب، ويُداري ويخضع للمُطيع، ويخدع هؤلاء وهؤلاء، وله نظر في الفقه والنحو".

المتنبي شاعر مُجيد لا يُشَق له غبار في ميدانه، تنسال الحكمة من فِيه رقراقة بدون تكلُّف، وصعِد بالكلمة العربية إلى علياء السماء، ولكنه في بعض المواطن هوى بها إلى هُوَّة سحيقة.

ولا أخفي عليكم بأن أبا الطيب هو الشاعر الذي أهواه وأهوى كلماته، وكنتُ منذ أيام قلائل أرى أن كافور الإخشيدي صدقتْ فيه كلمات أبي الطيب، ولكن عَلِمت بعد حين أن هذا الرجل عظيم مظلوم.



شبكة الالوكة