المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رؤية استراتيجية لصنع القرار التنموي في مصر


Eng.Jordan
02-13-2012, 06:55 PM
الإطار النظري لصنع القرار السياسي

(ورؤية استراتيجية لصنع القرار التنموي في مصر)









أ.د. جمال علي زهران

أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية
جامعة قناة السويس


مقدمة:
تعتبر عملية صنع القرار السياسي محل اهتمام علمي في الدراسات السياسية بمجالاتها المختلفة وفروعها المتباينة. ولم يعد تحليل عملية صنع القرار السياسي قاصراً على القرارات الداخلية في الدولة، بل امتد إلى القرارات التي تتخذها الدولة في النطاق الخارجي. ولذلك أضحى التمييز بين ما يسمى قراراً داخلياً وما يسمى بقرار خارجي، أمراً هاماً.
كما أن دراسة عملية صنع القرار السياسي، تعد مدخلاً مهماً في فهم طبيعة النظم السياسية في جميع دول العالم بصفة عامة، ودول العالم الثالث بصفة خاصة. فتحليل عملية صنع القرار تكشف عن مدى ديموقراطية الأنظمة الحاكمة في العالم الثالث، ودرجة تطور هذه الأنظمة، والتوجهات الأساسية للنخبة الحاكمة، ومن هم الأشخاص المسيطرون على العملية السياسية؟ وكيف يديرون الدولة من خلال القرارات السياسية المختلفة ولصالح من؟ وأساليب هؤلاء في صنع واتخاذ القرارات؟ وقد خلصت الدراسات إلى نتيجة هامة تتركز في أنه كلما اتسعت دائرة المشاركين في صنع القرار السياسي من حيث عدد الأفراد، ومن حيث أدوار المؤسسات الدستورية الفعلية، كلما يكشف ذلك عن تطور حقيقي في أداء النظام السياسي نحو الديموقراطية وبالتالي فإن احتمال النجاح تصبح أكبر من احتمالات الفشل في إصدار القرارات السياسية . فالقرارات كما يعرفها (ديفيد إيستون)، هي "بمثابة مخرجات النظام السياسي أياً كان شكله والتي يتم من خلالها التوزيع السلطوي للقيم في المجتمع سواء كانت هذه القيم داخلية أو خارجية"([1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1)). كما تعرف عملية صنع القرار بأنها عملية الاختيار الواعي بين بدائل متاحة وعديدة لا يخلوا أي منها من عنصر الشك، ومن ثم فإن أساس عملية صنع القرار هي الخيار بين البدائل المتاحة.([2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2))
ولاشك أن نظرية صنع القرار السياسي، بكل ما قدمته من أطر تحليلية تستطيع أن تقدم إسهاماً علمياً يميز بين مستويين في التحليل السياسي وهما:-
المستوى الأول: النموذج التحليلي لعملية صنع القرار السياسي، وهو الأمر الذي يعني مجموعة الخطوات الواجب اتباعها من أجل صنع وإصدار قرار سياسي رشيد تتوفر فيه مقومات النجاح بقدر أكبر من احتمالات الفشل.
المستوى الثاني: النموذج التحليلي لتقييم القرارات السياسية التي تم صنعها واتخاذها ودخلت دائرة التنفيذ الفعلي. وهو الأمر الذي يحتاج إلى إطار نظري مختلف عن النموذج التحليلي لعملية صنع القرار.
وهنا يمكن التمييز بين مراحل ثلاث وهي:
- مرحلة ما قبل صنع القرار (المرحلة التمهيدية).
- مرحلة صنع القرار (كيف تم صنع القرار؟).
- مرحلة ما بعد صنع القرار (التنفيذ والتداعيات).
وفي هذا السياق فإن تناول الإطار النظري لصنع القرار السياسي، يستلزم تناول عدة نقاط هي:-
أولاً : مفهوم عملية صنع القرار السياسي.
ثانيـاً: العناصر الرئيسية لعملية صنع القرار السياسي.
ثالثـاً: العوامل المؤثرة على عملية صنع القرار.
رابعـاً: معوقات عملية صنع القرار.
خامساً: الإطار التحليلي لعملية صنع القرار السياسي.
سادساً: الإطار التحليلي لتقييم القرارات السياسية.
سابعـاً : نحو صياغة لرؤية استراتيجية حاكمة للقرارات السياسية ذات الطبيعة الاقتصادية في المجتمع المصري: الأولويات والآليات.
********

أولاً: مفهوم عملية صنع القرار:
يقصد بعملية صنع القرار بصفة عامة، الكيفية التي يمكن من خلالها التوصل إلى صيغة عمل معقولة من بين عدة بدائل متنافسة، وكل القرارات ترمي إلى تحقيق أهداف معينة، أو تستهدف تجنب حدوث نتائج غير مرغوب فيها([3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3)). كما أن اختيار القرار يرتبط في أساسه بوجود معايير ترشيدية يمكن الاستناد إليها وتحكيمها في عمليات التقييم والموازنة والترجيح والمفاضلة النهائية بين مختلف البدائل التي يطرحها الموقف، حيث أن الاستقرار على اختيار قرار معين لابد وأن يتأتى نتيجة اقتناع منطقي بكل ما يمثله مضمون القرار وما يرمز إليه، وفي إطار التصور العام لما يمكن أن يترتب على الأخذ به من مخاطر، أو لما يمكن أن يحققه في النهاية من نتائج. ولا يمكن أن يتأتى مثل هذا الاقتناع إلا بعد مداولات عديدة تنصرف إلى كل الجوانب المتعلقة بموضوع القرار محل الدراسة. ([4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4))
وفي ضوء هذا التعريف، يتضح أن لعملية صنع القرار بمفهومها العام، عدة عناصر وأبعاد أساسية يمكن أن نوردها فيما يلي:
1- إن عملية صنع القرار هي عملية جماعية متكاملة، وأن الانتهاء منها إلى قرار معين يمثل ذروة التفاعل والتشاور الذي يتم على عدد من المستويات التنظيمية ذات الصلة بهذه العملية المعقدة.
2- إن المجهود الرئيسي الذي يبذله صانعوا القرارات يتركز في تجميع الحقائق المرتبطة بموضوع القرارات، ثم تحليلها، ومناقشتها وتقييمها وربط عناصرها المختلفة في إطار صورة محددة ومعبرة بدقة عن رؤية جهاز اتخاذ القرارات للموقف الذي يتعامل معه.
3- إن الاستقرار على بديل معين، لا يمكن أن يتم عشوائياً ولكن يأتي ذلك بعد فترة من التقدير الكامل أو بعد محاولة من التنبؤ الدقيق بمختلف الاحتمالات المترتبة على تنفيذ هذا القرار أو ذاك من القرارات المطروحة للاختيار.
4- صعوبة المهمة التي يحاول صانعوا القرار القيام بها في حصر وتقييم كافة العوامل والمتغيرات ذات الصلة بموضوع القرار في الواقع العملي، ويضاف إلى تلك الصعوبة تعذر تحديد درجة معينة من الأهمية النسبية لكل متغير أو لكل هدف من الأهداف التي يسعون إلى بلوغها وذلك نظراً لتعدد أنواع الأهداف بين الأهداف الاستراتيجية، وأخرى تكتيكية، وثالثة انتقالية وسيطة.
5- صعوبة التنبؤ في عملية صنع القرار، وهذا يرجع إلى عدة أسباب منها على سبيل المثال:
أ‌- وجود عدد كبير من الأطراف في المواقف التي تتناولها هذه القرارات مما يجعل من التعرف على ردود الأفعال وأنماط السلوك المختلفة أمراً صعباً.
ب‌- تنوع أطراف المواقف الداخلية والخارجية من حيث طبيعتها وقواها النسبية، واحتياجاتها وأهدافها، فضلاً عن تباين النوايا والدوافع …. الخ، مما يجعل من الصعب التنبؤ في مثل هذه الأحوال التي يحدث فيها التفاعل بين أطراف الموقف بصورة معقدة.
جـ- ارتفاع معدل التغيير في عناصر الموقف، مما يجعل من التنبؤ في مواقف غير مستقرة بطبيعتها عملية غير ممكنة أو غير دقيقة.
د‌- تعقد الطريقة التي تؤثر بها الأطراف المختلفة في عناصر الموقف، والطريقة التي تؤثر بها عناصر الموقف في أطرافه، وذلك في مواقف معينة، بمعنى أن التأثير المتبادل لا يعكس نمطاً طبيعياً ومألوفاً وبسيطاً.
هـ- عدم توافر الحقائق والمعلومات التي تكفي لأغراض هذه التنبؤات والتوقعات، في بعض الأحيان، مما يرفع من احتمالات التخمين الخاطئ، ويؤثر بالسلب على إمكانية التنفيذ اللاحق للقرار.
و‌- تأثير الضغوط العاطفية التي قد يتعرض لها جهاز صنع القرار السياسي وخاصة في مواقف الأزمات، أو في مواقف التهديد الخارجي([5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5))، مما قد يقف حائلاً دون نظر بعض البدائل، كما أنها قد تؤثر في تقييمه لها بطريقة أو بأخرى، وقد تجعله يندفع في اتجاه واحد بغض النظر عن العواقب والتداعيات.

ثانياً: العناصر الرئيسية لعملية صنع القرار:
يمكن بلورة العناصر الرئيسية التي تؤثر في عملية صنع القرار بصفة عامة فيما يلي:
1- البيئة الخارجية للقرار: والتي تشتمل على عدة أبعاد وحقائق وضغوط ومؤثرات. وهذه البيئة الخارجية قد تهيئ إمكانيات معينة للحركة والفعل، بينما قد تضع قيوداً على بعض إمكانات التصرف الأخرى البديلة. ويمكن القول أنه كقاعدة عامة، فإنه كلما زاد الضغط من البيئة الخارجية انخفضت فرصة إمكانات التصرف وتناقصت فرص الاختيار أمام الأجهزة المسئولة عن صنع القرارات واتخاذها.([6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6))
وهنا يجب التمييز والتفرقة بين ما يسمى بالبيئة النفسية والبيئة الواقعية، وقد تختلف هاتان البيئتان عن بعضهما، كما قد تتفقان، وتتوقف مسألة الاختلاف أو الاتفاق على مدى دقة هذه التصورات ومدى واقعيتها من عدمه.([7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn7))
ويقصد بالبيئة النفسية، تلك البيئة التي تتكون معالمها من خلال الاتجاهات والتصورات الخاصة بجهاز وضع القرارات السياسية، والتي يؤثر فيها القيم والمعتقدات والخبرات والانحيازات والآراء المسبقة لأعضاء طاقم صنع القرار.
أما البيئة الواقعية، فهي المتمثلة في البيئة الفعلية التي تعد الإطار الذي تنفذ أو تتحرك فيه هذه القرارات أو تلك.
ويرتبط بما سبق، تفسير صانعي القرارات ومتخذيها، للمواقف التي يواجهونها كأجهزة مسئولة، ويتم هذا التفسير في إطار علاقة هذه المواقف بالمشكلات التي يجابهونها ويبحثون عن قرارات مناسبة لحلها. ومن بين العناصر التي تشكل رؤيتهم للموقف، الكيفية التي يتم بها تصور الأطراف الآخرين في الموقف وتفسير نواياهاهم ودوافعهم وأهدافهم، وغير ذلك.([8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn8))
2- البيئة الداخلية للقرار: وتتكون هذه البيئة من الأوضاع الاجتماعية السائدة، ومن النظام السياسي والاقتصادي للدولة، ومن المنظمات غير الحكومية، ومن جماعات المصالح والأحزاب السياسية، وغيرهم.
ومثال لذلك، فإن الطبيعة الديموقراطية للنظام السياسي لدولة ما، قد تلقى بضغوط على أجهزة القرارات، وبشكل لا يحدث في ظل الأنظمة غير الديموقراطية. كما أن ديموقراطية النظام السياسي تزيد من حجم المشاركة بالمشورة والرأي في الموضوعات التي تتناولها القرارات الداخلية والخارجية، وبصورة لا تتحقق في ظل الأنظمة غير الديموقراطية التي تعمل على احتكار هذه العملية في يدها، وحصرها في أضيق نطاق بعيداً عن أي درجة من الرقابة السياسية أو رقابة الرأي العام.([9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn9))
علاوة على أن التركيب الطبقي للفئة المسيطرة على جهاز صنع القرار، يؤثر في تصورها، وفي كيفية تصنيفها لأطراف المواقف المختلفة التي تتعامل معهم من خلال هذه القرارات. ومن المؤكد أنه كلما تجانست حقائق التركيب الطبقي بين هذه النخبة المسيطرة وبين بعض هؤلاء الأطراف، كلما كان هذا دافعاً لخلق نوع من التعاطف أو الإحساس بالتجاوب والمشاركة، على عكس حالة فقدان هذا التجانس الذي يمكن أن ينتج عنه استجابات وردود فعل عسكرية، وحالات عدائية, فضلاً عن أن الدول التي تتمتع بنظام اقتصادي قوي، وبقاعدة ضخمة نسبياً من الموارد الطبيعة أو من الطاقات والقدرات الإنتاجية، تكون أكثر قدرة على دعم أهداف استراتيجيتها، وبالتالي تكون أكثر انفتاحاً على دائرة أوسع من البدائل والخيارات، على عكس الدول الأقل موارد، والأقل طاقة، مما يجعلها في وضع التخوف الدائم من مضاعفات المواقف الخارجية وتداعياتها عليها. وهو ما يسهم في تقليص دورها، ويجعلها مضطرة إلى قبول قرارات غير ملائمة تماماً مع مصالحها، بل قد تكون في بعض الحالات ضارة لها، ولكن لعدم قدرتها على المناورة أو خلق البديل، فإن قبولها يصبح أمراً ضرورياً لهذا الشئ إن لم يكن حتمياً.([10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn10))
3- الضغوط الناتجة عن الحاجة إلى اتخاذ قرار معين إزاء مسألة أو موقف معين: حيثأنه بدون هذه الضغوط، يصعب تصوره أساساً، بل تنتفي أصلاً الحاجة إلى اتخاذ هذا القرار أو غيره. وهذا الضغط قد يكون نابعاً من الارتباط بهدف معين، وهو الذي قد يرتفع وينخفض، أو يزيد ويقل حسب قوة التصميم والإصرار على إنجاز هذا الهدف وتحقيقه.
ومن ناحية أخرى، قد يكون الضغط مرتبطاً بتوقعات الرأي العام، وإلحاح البيئة الداخلية عليه، وبمقدار تأثر أجهزة صنع القرارات بهذا الضغط، تتأثر الرغبة في صنع هذا القرار أو ذاك بالزيادة أو النقصان ([11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn11)).
4- طبيعة الهيكل التنظيمي الرسمي لعملية صنع القرار: تختلف الهياكل التنظيمية من حيث درجة تشعبها وتعدد مستوياتها، وأيضاً من حيث تعقد الإجراءات التي تتحكم في علاقاتها وتسيطر على نماذج الاتصال والتعامل. فالتشعب وتعدد المستويات التنظيمية قد يكونان من عوامل تعقيد عملية صنع القرارات السياسية، بعكس الحال مع الهياكل التنظيمية البسيطة.
وقد يثار بشأن طبيعة الهيكل التنظيمي لعملية صنع القرار عدة جوانب من الأهمية إيضاحها كما يلي:([12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn12))
أ‌- طبيعة العلاقات بين السلطة التنفيذية والتشريعية: من ناحية مدى خضوع الأولى للقيود والضوابط التشريعية عند اقتراح السياسات. فالسلطة التشريعية هي التي تصدق مثلاً على المعاهدات الخارجية، وهي التي تملك أن توافق أو ترفض، أو لا توافق على الاعتمادات المالية المقترحة لتنفيذ برامج السياسة الحكومية، وهي التي تقوم بدور الوسيط بين الحكومات والرأي العام حيث تقوم بعقد جلسات استماع، وتصدر عنها توصيات تنتقد فيها أو تتحفظ بها على سياسة معينة أو تؤيد وتضفي مشروعية على السياسة العامة للدولة عموماً كما هو حادث في دول العالم الثالث. ومن ثم فإن تبيان طبيعة العلاقات بين السلطتين تعتبر من الأهمية في هيكلية التنظيم الرسمي لعملية صنع القرار.
ب- طبيعة العلاقة بين رئيس الدولة ومساعديه: فمن الأهمية الوقوف داخل الجهاز التنفيذي لصنع القرار على طبيعة العلاقة بين رئيس الدولة ومساعديه من الوزراء ورؤساء الأجهزة، وكذلك الخبراء والمستشارين العاملين في هذا الجهاز، وكذلك من الأهمية تبيان وتحليل العلاقة بين وزير الخارجية ووزير الدفاع، ووزير الخارجية ورئيس جهاز المخابرات في الدولة، بل علاقة وزير الخارجية برئيس الوزراء نفسه، وأن الوقوف على طبيعة هذه العلاقة يبين حجم الدور، وحدوده لكل من الشخصيات التي أوضحناها، كما تبين أيضاً مدى ما تقوم به كل شخصية من مهام في تسهيل أو إعاقة قرار معين، أو ترجيح بديل عن آخر… الخ.([13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn13)) كما أن هذا ينسحب أيضاً على القرارات الداخلية ومساعدي الرئيس في الشئون المختلفة ذات البعد الداخلي.
جـ- الوقوف على مدى مركزية أو عدم مركزية صنع السياسة العامة للدولة: حيث تتضح أنه من الأهمية لتحليل السياسة العامة الوقوف على اتجاه رئيس الدولة أو رئيس الوزراء من ميل نحو تمركز السياسة العامة أو توزيع الاختصاصات سواء طبقاً للقانون والدستور، أو بالتفويض في بعض السلطات بعبارة أخرى، فإن التساؤل يدور حول مدى اعتماد رئيس الدولة أو رئيس الوزراء في صنع القرار السياسي على المشورة الجماعية التي يمكن أن تقدمها إليه أجهزة معينة مثل مجلس الوزراء أو مجلس الأمن القومي والمجالس العليا المختلفة كالمجلس الأعلى للأسعار والأجور حين يكون القرار المطلوب اتخاذه في هذا المجال، أو ما يتعلق بشئون التنمية بمختلف الأوجه ؟، ومدى ما يمكن الأخذ به من تقارير المسئولين والأجهزة المعاونة، ومدى اعتبار الحقائق التي تتضمنها مثل هذه التقارير ذات وزن يعتد به في تقديرات عملية صنع القرار السياسي للدولة؟.

ثالثاً: العوامل المؤثرة على صانع القرار:
تعتبر العناصر والمتغيرات السابق إيضاحها لعملية صنع القرار هي في مجملها عناصر مؤثرة أيضاً على العملية ذاتها، إنما "الموقف القراري" أي أن كل موقف، حيث يتطلب الأمر اتخاذ قرار معين بشأنه، فإن صانع القرار يكون خاضعاً لمجموعة من المؤثرات، وبالتالي يصبح متأثراً بها في جميع مراحل عملية صنع القرار، ومن بين العوامل التي تؤثر في صانع القرار ما يلي: ([14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn14))
1- دور صانع القرار الرسمي في هيكل صنع القرارات المسئول.
2- ميوله واتجاهاته الشخصية.
3- رؤيته عن مصالح دولته وطبيعة تقييمه لها.
4- إدراكه للموقف الخارجي، وكذلك إدراكه لمدى ما يتضمنه من خطورة أو تهديد.
5- مدى ما يمكن أن يحققه القرار من مزايا حزبية وذلك في الدول التي ينتمي فيها متخذ القرار السياسي إلى حزب معين.
6- انتماءاته المذهبية أو ميوله العقائدية.
7- القواعد والإجراءات المنظمة لعملية صنع القرارات.
8- تقييمه للنتائج التي يحتمل أن تقود إليها مشاريع القرارات البديلة.
9- الظروف الخاصة بالبيئة الداخلية.
10- الضغوط النابعة من تقيده بارتباطات وتعهدات سابقة.
11- التقاليد والأعراف.
12- الاتجاهات الشعبية في دولته.
13- توقعاته عن السلوك الذي يحتمل أن يصدر عن الأطراف أو القوى ذوى العلاقة بالموقف.
14- الاعتبارات الاقتصادية والتكنولوجية التي قد تخدم تنفيذ القرار.
ولابد من الأخذ في الاعتبار، أن أهمية هذه العوامل والمتغيرات في علاقتها ببعضها لابد وأن تختلف من واضع قرارات إلى واضع قرارات آخر. ففي الوقت الذي قد يخضع أحدهما لسيطرة مجموعة محدودة من تلك العوامل، فقد يتسع مداها ليشمل مجموعة أكبر منها مع واضع القرار الآخر. أي أن النظر إلى هذه العوامل وتأثيرها على صانع القرار من حيث الحجم تعتبر مسألة نسبية.
كذلك فإن هذا التفاوت في أهمية متغيرات المواقف السياسية على طبيعة وتكوين استعداد صانعي القرارات، بل قد ينبع كذلك من الاختلاف في ظروف تلك المواقف نفسها. فبعض المواقف يكون من الممكن التنبؤ بها وتوقعها مقدماً في حين قد لا يكون ذلك ممكناً بنفس الدرجة بالنسبة لمواقف أخرى. كما أن بعض المواقف قد تكون ضاغطة بمعيار عامل الوقت الذي يتخذ فيه القرار وهو ما قد ينتج عنه إما الحد من مقدرة جهاز اتخاذ القرارات على تجميع كل الحقائق الضرورية والتي تشكل حجر الأساس في عملية اتخاذ القرار، أو تعذر إجراء كافة التحليلات والتقييمات الضرورية لمختلف عناصر الموقف.([15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn15))

رابعاً: معوقات عملية صنع القرار:
لاشك أنه من المفترض أن تتم عملية صنع القرار على أعلى درجة من الرشد والعقلانية، استناداً إلى مجمل الحسابات والتقديرات والدراسات والتحليلات، باعتبارها خلاصة التشاور الجماعي بين كافة المختصين وأطراف "العملية القرارية" من بدايتها وحتى نهايتها. إلا أنه رغم ذلك، فإن العديد من القرارات، ومع التزامها بالإطار السابق من الحسابات والتقديرات، تأتي بنتائج عكسية لما تم توقعه. وبتحليل المسببات من خلال دراسات عديدة أمكن استخلاص جملة معوقات تسهم في عدم الوصول بالقرار إلى النتيجة المأمولة، وهذه المعوقات قد يمكن السيطرة على بعضها في إطار التغذية الاسترجاعية عند إعادة النظر في القرار، وبعضها خارج نطاق السيطرة. ولكن في المعنى الأخير تبقى هذه المعوقات نقاط ضعف تواجه عملية صنع القرار بصفة عامة. ويمكن بلورتها فيما يلي من عوامل:([16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn16))
1- وقوف بعض الاتجاهات والتصورات التقليدية من جانب المجتمع، كحائل أمام بحث وتحليل بعض الخيارات أو البدائل الأكثر واقعية، أو الأكثر ملاءمة من غيرها لظروف الموقف الذي تحسب هذه القرارات في مواجهته، مما يضطر معه صانع القرار لترجيح قرار معين غير مضمون النجاح، أو ترجيح قرار، يصعب تنفيذه بالشكل المخطط عند ترجمته للواقع الفعلي.
2- صعوبة إجراء الملاءمة الضرورية بين القرارات الواقعية، وبين الأهداف الاستراتيجية العريضة التي يرتبط بها صانع القرارات في موقف حدد.
3- يؤدي اختيار سياسة معينة إلى التداخل أو الصدام مع سياسة أخرى، وهذا يجعل مثل هذا الاختيار أمراً غير رشيد وذلك في ضوء النتائج المتوقعة من تنفيذ نمطين غير متناسقين من السياسات.
4- إن النخبة المسئولة عن صنع القرارات، قد تتبنى مجموعة من المصالح في مواجهة موقف معين والتي تختلف عن تلك التي تفضلها أو تتحمس لها أغلبية المجتمع، وهو بالتالي ما يجعل هذا المجتمع يتصور أن القرارات التي يتم صنعها لحماية مصالح لا يؤيدها ولا تحظى باقتناعه هي قرارات غير رشيدة أو غير موضوعية في محصلتها النهائية.
5- إن صانعي القرارات قد يسعون إلى وضع قرارات متوازنة وملائمة لطبيعة الموقف، ولكنهم يفشلون في الحصول على التأييد الجماهيري لها، مما يجبرهم على التحول عنها في اتجاه قرارات أقل ملاءمة وأكثر إرضاءً في الوقت نفسه لهذه السيكولوجية الشعبية الجماعية.
6- إن النزاعات التي تنشأ بين صانعي القرارات نتيجة عدم التجانس في ميولهم ومعتقداتهم، أو في تجاربهم وخبراتهم، أو في مداخلهم ومعالجتهم للمسائل المطروحة للبحث والتحليل، قد تنتهي إلى اختيار سياسات وقرارات خاطئة نتيجة هذا العيب الأساسي الذي يعاني منه تكوين جهاز صنع القرار سواء في المجال الخارجي أو الداخلي.
7- إن صانعي القرارات، عندما يختارون، فهم لا يختارون من بين كل القرارات البديلة الممكنة، وإنما فقط من بين تلك البدائل المنظورة لهم، وقد تكون هناك قرارات بديلة من النوع غير المنظور والأكثر قبولاً بمعيار المصالح والأهداف والظروف، إلا أن عدم معرفة صانع القرارات بها أو عدم إدراكه وتصوره لها هو الذي يجعله يحصر تفكيره في إطار البدائل المنظورة وحدها.
8- إن الانحيازات الشخصية لبعض صانعي القرارات قد تحول دون اعتبار وتحليل بعض البدائل التي يقضي منطق الموقف بتحليلها وتقييمها والمفاضلة بينها تمهيداً للاستقرار على خيار نهائي محدد.
9- تحمل جهاز صنع القرارات بأعباء ومسئوليات كبيرة، مما يجعله عاجزاً عن اتخاذ قرار رشيد وموضوعي أو يتسم بالفاعلية المطلوبة، ويتفق مع المدى الزمني المحدد مما يسهم إجمالاً في ضعف القرار أو احتمال فشله بدرجة كبيرة.
10- معاناة جهاز صنع القرارات من مشكلة التدفق المتزايد للمعلومات دون توافر القدرة من الأجهزة الفنية المختصة على استيعابها وتنظيمها وإعدادها وتفسيرها، ومنع تراكمها واحتجازها، ثم القيام بتبليغ الدوائر المسئولة عن اتخاذ القرارات بالعناصر الضرورية من هذه المعلومات في الوقت المناسب. بعبارة أخرى، فإن هذه الظاهرة تتبلور في عدم قدرة الجهاز المختص بصنع القرارات على تحريك المعلومات وانسيابها بسرعة بين قنواتها المسئولية.
11- عدم قدرة جهاز صنع القرارات على استيعاب الدروس المستفادة من تجاربه الماضية أو من خبرة تعامله مع بعض المواقف المتشابهة، وهو ما يحرم عليه فرصة الوعي بأخطاء الممارسة، والاستفادة من التراكم التاريخي في الممارسة، وكذا عدم قدرته في معظم الأحيان على ممارسة النقد الذاتي وإصلاح الخطأ أولاً بأول.
12- وجود عيوب في أسلوب عمل جهاز الاتصالات داخل عملية صنع القرارات، مما يؤدي إلى التبليغ الخاطئ للأفكار والآراء، أو تشويه المعلومات أو ضياع بعض عناصرها، أو تعطيل الحوار الدائر عبر المستويات التنظيمية المختلفة حول تفسيرات الموقف في علاقته بأهداف الدولة ومصالحها، والنتيجة هي وجود مناخ غير ملائم لاتخاذ قرارات رشيدة بسبب هذه الفوضى والتشويش الذي ينجم عن تدهور فاعلية جهاز الاتصالات المسئولة عن إدارة العلاقات بين القنوات المختلفة لصنع القرار.
13- افتقار صانعو القرارات إلى المعلومات الضرورية عن الموقف الذي يتناولونه بالمعالجة والتحليل، كما قد تكون البيانات المتاحة لديهم غير دقيقة، مما قد يتطلب الأمر إلى التدقيق في البيانات بتعدد مصادرها، وتنقية هذه البيانات باستمرار، من خلال جهاز مختص وعلى درجة عالية من الكفاءة، باعتبار أن المعلومات الشاملة والدقيقة هي أساس القرار السليم.
14- عدم قدرة جهاز صنع القرارات على إجراء تقييم دقيق وشامل لعناصر قوة دولتهم التي يتخذون هذه القرارات باسمها، مقارنة بقوة الأطراف الأخرى التي قد تؤثر فيها تلك القرارات على نحو أو آخر.([17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn17))

خامساً: الإطار التحليلي لعملية صنع القرار السياسي:
لاشك أن عملية صنع القرار السياسي هي عملية متكاملة ومتداخلة ويصعب الفصل بين مكوناتها، لتعقيد المسألة من جانب وتعرضها لغموض كثيف من جانب آخر. فقد تتداخل عوامل داخلية وعوامل خارجية، وهناك عنصر بشري له دور حاسم في اختيار ما يجب أن يتخذ ولهذا العنصر أياً كان موضعه (رئيس دولة أو رئيس حكومة أو وزير مختص أو قائد إداري …. الخ)، له خصائصه وسماته الشخصية. كما أن طبيعة النظام السياسي السائد ودرجة التطور الديموقراطي لها شأن كبير في عملية صنع القرار. وترتبط هذه العملية بالأهداف إن وجدت، وبالوسائل إن تمت صياغتها ومعرفتها، وكذلك بعنصر الزمن من حيث التوقيت وهل تتحرك هذه العملية في سياق التطور الزمني الطبيعي والعادي بدون دخول عناصر المفاجأة والأزمة عليها، وقد تتحرك هذه العملية في إطار رد الفعل الناجم من البيئة المحيطة داخلية كانت أم خارجية، وهو الأمر المعروف بقرارات الأزمة. وقد تتداخل اعتبارات الدوافع المسبقة وطبيعتها من حيث غلبة العوامل الشخصية أم الموضوعية.
وقد تعددت المداخل في صنع القرار السياسي منها المدخل العقلاني ومنها المدخل التنظيمي ومنها المدخل السياسي الأكثر رشداً وعقلانية والأقرب إلى درجة النجاح والأبعد عن الفشل، حيث يصعب إن لم يكن يستحيل ضمان النجاح الكامل أو العقلانية الكاملة مع عناصر غير مضمونة مائة في المائة، تستلزم ستة خطوات رئيسية، تشكل أسلوباً علمياً وإطاراً تحليلياً لعملية صنع القرار السياسي السليم، سواء أكان سياسياً خالصاً أو تنموياً في إطار رؤية سياسية معينة، وهي:-
1- تحديد المشكلة وصياغة الهدف بوضوح.
2- تحليل المشكلة وتجميع المعلومات: حيث أن لكل مشكلة جوانب مختلفة تستلزم معرفتها، ثم يتم تجميع المعلومات اللازمة لكل هذه الجوانب، وتحليل البيانات ومعرفة الأسباب.
3- وضع البدائل اللازمة لمواجهة المشكلة وهي خطوة تالية لمعرفة دقيقة بالمشكلة المطلوب حلها وجوانبها المختلفة. وأن وضع البدائل لحل المشكلة تقود إلى بلورة القرارات المطلوب اتخاذها ويؤخذ في الاعتبار المكاسب والخسائر المحتملة.
4- اختيار البديل واتخاذ القرارات الملائمة: وهي خطوة هامة حيث تفترض التقييم الشامل والموضوعي لكل البدائل واختيار الأفضل والملائم لحل المشكلة حلاً شاملاً واستراتيجياً وإن بدأ الحل تكتيكياً أو بصورة تدرجية.
وعادة فإن اختيار البديل واتخاذ القرارات هي أهم وأخطر الخطوات، ولذلك فإن هذا الاختيار يصبح مقيداً بمعايير موضوعية صارمة ومن ذلك:
أ‌- الأهداف التي يحققها كل بديل مطروح لاتخاذ القرار السليم.
ب- توافق البديل المطروح مع الأهداف العامة للدولة والنظام.
جـ- المكاسب الممكن تحقيقها باختيار بديل معين.
د‌- درجة المخاطرة أو الخسائر المحتملة ومقارنتها بحجم المكاسب.
هـ- المجهود المطلوب لتنفيذ القرارات المتخذة، والوقت اللازم، باعتبار أن الوقت والجهد من شروط الاختيار السليم والتنفيذ الأفضل.
و- كفاءة البديل والقرار المتخذ، من حيث مدى استغلال الموارد المتاحة وتعبئة الموارد الكامنة لضمان النجاح الأكبر والاستثمار الأمثل للموارد (مادية – بشرية)، (حالية أم مستقبلية)، (قائمة أم محتملة).
5- اختبار البديل المتاح قبل التنفيذ النهائي وهي مرحلة تعرف بمرحلة "جس النبض" حيث يمكن إطلاق تصريحات على لسان مسئولين غير مباشرين، وقد يتم التمهيد للتنفيذ. وفي حالة ثبوت صحة البديل المحدد وملاءمة البيئة التي سيتم تنفيذه فيها يتم الانتقال لمرحلة التنفيذ الشامل والعلني.
6- التنفيذ والمتابعة الشاملة: حيث يتم الإعلان عن القرار وإجراءات تنفيذه والمتابعة الشاملة لذلك. ويمكن في هذه الخطوة أن يتم التقويم والتصحيح إن لزم الأمر في إطار ما يعرف بالتغذية الاسترجاعية بحيث يمكن التعديل في بعض الجوانب واتخاذ قرارات فرعية لضمان نجاح البديل الرئيسي الذي وقع عليه الاختيار، من خلال التغلب السريـع والعامل للمشكلات التي نجمت عن التنفيذ. ويمكن لصانع القرار أياً كان نوعه (سياسياً أم اقتصادياً….. الخ). أن يتبع هذه الخطوات إذا أراد أن يقوم بعملية صنع قرار سليم وأقرب إلى النجاح.
ويختلف الأمر بالنسبة لتحليل القرارات المتخذة بالفعل حيث يتم تقديم إطار آخر لتقييم هذه القرارات وهو مضمون النقطة التالية.

سادسا: الإطار التحليلي لتقييم القرارات السياسية:
إن صانع القرار لو التزم بالخطوات العلمية السابق تحديدها في النقطة السابقة لأسهم في معاونة الباحثين في هذا المجال في يسر وسهولة تحليل القرار السياسي أياً كان مجاله أو نطاقه الذي تم اتخاذه بالفعل. ولكن تبقى المشكلة في ذلك حيث يغلب الطابع السري في اتخاذ القرارات السياسية، ويغلب الغموض على ما هو متاح لأن يكون واضحاً. ويختلف الأمر باختلاف طبيعة المجتمعات والنظم السياسية ودرجة الوضوح من عدمه في ظل درجة التطور الديموقراطي السائد. وأياً كان الأمر فإن مناهج تحليل عملية صنع القرار من حيث التقييم الفعلي قد تعددت، ويمكن محورتها حول منظورين أساسيين هما:
الأول: المنظور الموضوعي: وهو الذي يحلل عملية صنع القرار من زاوية فهم الجوانب الموضوعية المحيطة بالقرار. أي محاولة تحليل بناءات صنع القرار في سياق الظروف المجتمعية المصاحبة للقرار.
الثاني: منظور القيادة السياسية الحاكمة: وهو الذي ينطلق من زاوية تحليل البيئة النفسية للقيادة السياسية الحاكمة والتي تتمثل في شخص رئيس الدولة وقد تمتد إلى النخبة المحدودة المحيطة به. أي محاولة تحليل عملية صنع القرار من خلال تحليل رؤية رئيس الدولة للواقع المجتمعي وقراءته الذاتية لهذا الواقع.
ولاشك أن مجمل الإسهامات التي اقتربت بالتحليل من عملية صنع القرار قد تقع في أي من الاتجاهين، أو بتعديلات طفيفة لكن لا تقودها إلى خارج هذين المنظورين. ويؤكد أحد أساتذة علم السياسة هذين التوجيهين وإن كان بمسميات أخرى وهما: توجه بيروقراطي وهو الذي يناظر عندنا المنظور الموضوعي، وتوجه نفسي وهو الذي يناظر منظور القيادة السياسية الحاكمة عندنا، وإن كان لا يختلف كثيراً.([18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn18))
ولكل من المنظورين انتقادات تجاه بعضهما، فيشير أصحاب المنظور الموضوعي أو البيروقراطي إلى أن المنظور النفسي يختزل الظروف الموضوعية المصاحبة للقرار مركزاً على شخص رئيس الدولة وسماته الشخصية دون مراعاة للمحيط المجتمعي له، وأن هذا الاختزال يؤدي إلى تغييب هذه العوامل عند تحليل القرار مما يؤدي إلى ضعف التحليل ومحدوديته، وعدم دقة نتائجه. بعبارة أخرى فإن المنظور النفسي هو منظور شخصاني، ويختزل الظاهرة الاجتماعية والسياسية إلى مجرد رجل القمة، وهذا الأمر يتعارض مع طبيعة المجتمعات وديناميكيتها. وفي المعنى الأخير فإن التوجه البيروقراطي في تحليل عملية صنع القرار يتسم بالتركيز على الجماعات وديناميكيتها في المجتمع لا التركيز على الأفراد. ([19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn19))
وعلى الجانب الآخر فإن التوجه النفسي الذي يركز على دور القيادة السياسية الحاكمة في عملية صنع القرار يتسم بإعلاء وإبراز دور الشخصية الحاكمة في صناعة القرار، ولكن دون تجاهل للعوامل الموضوعية المحيطة بصانع القرار. ولكن يتوقف الأمر على طبيعة ومدى إدراك صانعي القرار للبيئة الواقعية بأبعادها المختلفة، وهنا فإن تحليل البيئة النفسية كما أسماها (بريتشر) تصبح إطاراً تحليلياً صالحاً لفهم عملية صنع القرار لما له من علاقة بنجاح أو فشل القرار([20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn20)). ويوجه أصحاب هذا الاتجاه النقد للاتجاه الموضوعي بأنه يتجاهل البعد الشخصي ومضامينه الشعورية، وكأن عملية صناعة القرار هي مجرد مؤسسات وأطر بيروقراطية، وعلاقات ميكانيكية (آلية) دون أن يكون للبشر القائمين على هذه المؤسسات والأجهزة أدنى شعور لديهم، ودون أن يتأثروا بالأشخاص المحيطين بهم وبمدركاتهم، أو يؤثروا فيما هو محيط بهم.
وعلى أية حال فإنه يتضح أن هناك منهجين أساسيين في تحليل عملية صنع القرار، أولهما: يتعلق بالبعد المؤسسي والظروف الموضوعية التي تتحرك فيها المؤسسات وهيكل صنع القرار البيروقراطي، ومن رواد هذا الاتجاه الأساسين: سنايدر، وهالبرين، وأليسون، وروزنو، ولوفيل، وروبنسون وآرت، وبال، وفريدمان، وبهجت قرني…… الخ.
وثانيهما: الاتجاه الذي يتعلق بالبعد الإدراكي النفسي الذي يركز على الدور الشخصي لرئيس الدولة أو النخبة المحدودة المحيطة به، ومن رواد هذا الاتجاه: برتشر، وهولستي، وسبراوت، وداويشا…… الخ.
والسؤال ذو المغزى هو: هل يصلح هذان المنظوران معاً لدراسة عملية صنع القرار في دول العالم كافة أم أن أحدهما هو الذي يصلح؟ وإذا كانت الإجابة: إن كليهما يصلح للتحليل، فما هي أسس اختيار وتفضيل أحدهما؟ وإذا كانت الإجابة بأن واحداً منهما يصلح لتحليل العالم المتقدم والآخر للعالم النامي، فما هو الأساس الذي يتم الارتكاز عليه في هذا التصنيف؟
بعبارة أخرى أكثر إيضاحاً ما هو المنهج الصالح لتحليل عملية صنع القرار في دول العالم الثالث؟
الإجابة على هذا السؤال تقتضي توضيح طبيعة هذه المجتمعات التي يتوقف عليها الاختيار بين أي من المنهجين أو ربما رفضهما معاً.
فدول العالم الثالث تتلاقى في عدد من الصفات المشتركة من أهمها ظاهرة تركيز السلطة ومركزيتها في شخص رئيس الدولة أو فئة محدودة تحيط برئيس الدولة ولا تتحرك خارج دائرته، واختفاء فكرة دوران السلطة بين النخب والأحزاب المتنافسة – إن وجدت – وينحصر انتقال السلطة في حالات وفاة أو اغتيال رئيس الدولة، أو القيام بانقلاب أو ثورة ضده. وكذلك تتسم هذه البلدان بحداثة التقاليد الديمقراطية – إن وجدت – وعدم تبلور تقاليد واضحة للصراع السياسي والممارسة السياسية في الواقع العملي. وفوق هذا وذاك فإن دول العالم الثالث تعاني من ظاهرة عدم الاستقرار السياسي، وإن وجد فإن هذا الاستقرار ظاهري وهش، ويسهل كشفه بالانقلابات المتكررة، أو محاولات الاغتيال لرئيس الدولة أو المحيطين به من النخبة. إضافة إلى عدم عراقة المؤسسات السياسية في الدول النامية لحداثة استقلالها الذي لا يزيد عن أربعين عاماً لأقدم هذه الدول استقلالاً، وكذلك عدم وجود أنظمة مستقرة لصنع القرار، وعدم وجود شبكات اتصالية راسخة يمكن التعرف عليها لتحليل القرارات، وبالتالي فإنه يلاحظ أيضاً من واقع دراسات رصينة على دول مختلفة في العالم الثالث، أن هناك مشاكل تتعلق بنقص المعلومات، وعبارة السرية في كل معلومة، ونقص الوثائق وعدم إيجاد أنظمة للتعامل مع هذه الوثائق أو ضعفها مما يصعب من الرجوع إليها وهذا يعطي للاستنباط الوسيلة الملائمة لتحليل القرارات من واقع المعلومات المحدودة المتاحة، حيث تعاني هذه البلدان أيضاً من حالات الكتمان الشديد، وتعرض المسئولين الذين يفصحون عن شئ مما يدور للمآخذ والأضرار، ويذهب الأمر إلى الانتحار السياسي، لمن لا يستطيع أو لا تتوافر لديه القدرة على الكتمان والاحتفاظ بأسرار دهاليز السلطة الحاكمة.
وهنا يمكن الإشارة إلى رؤية لأحد الكتاب المرموقين يؤكد فيها بعضاً مما أشرنا إليه حيث يرى أن فهم كيفية اتخاذ القرارات السياسية الهامة في مصر يمكن أن تنطبق بسهولة على معظم دول العالم الثالث التي على عكس الدولة المتقدمة لم تبلغ بعد المرحلة التي تفرض فيها الشرعية الدستورية قيوداً متطورة على عملية صنع القرار، فالدول النامية تمر عادة بواحدة من مرحلتين في تطورها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، التقليدية أو الانتقالية. وفي كلتا المرحلتين تكون سلطات صنع القرار عادة في أيدي شخص واحد. ويمكن أن يكون هذا الشخص ملكاً وراثياً. أميراً أو شيخاً يحكم بسلطة التقليد من خلفه، ويمكن أن يكون زعيماً يتمتع بتأييد شعبي لتحرير شعبه من النير الاستعماري ووضع البلاد على طريق التطور. أو يمكن أن يكون ببساطة ديكتاتوراً يفرض نظاماً قمعياً للقانون والنظام بحجة أن الطريق إلى التطور هو حتماً خطر ينطوي على جيشانات عنيفة عرضية.
وأياً كان هذا الشخص حاكماً تقليدياً، زعيماً جماهيرياً أو ديكتاتوراً – فإن هذا الشخص يكون الفيصل النهائي في كافة مسائل السياسة الهامة. وبينما قد يفوض سلطاته في مجالات داخلية محدودة مثل التطور الزراعي والصناعي فإنه سوف يحتفظ بسلطات صنع القرار الكاملة في مجالين: السياسة الخارجية والدفاع. وحتى إذا بدا أن ثمة جهازاً للتشاور هناك في شكل مجلس وزراء أو مجلس ثوري، أو مجلس أمن قومي فإن دوره إن وجد يكون محدوداً عادة بمناقشة القرار في واحد من هذين المجالين بعد أن يكون قد تم اتخاذه. وفي معظم الحالات فإن هذه المجالس الاستشارية لا يكون في حوزتها الحقائق المؤدية إلى القرار. ومن ثم فإن مناقشاتها تكون غير مؤثرة وغير مكترث بها بشكل يؤثر على عملية صنع القرار مطلقاً. وبالطبع فإن صانع القرار قد يتشاور مع الآخرين قبل اتخاذ قراره ولكن إلى أي مدى سوف يهتدي بنصيحتهم، إنما هي مسألة اختيار قبل اتخاذ قراره ولكن إلى أي مدى سوف يهتدي بنصيحتهم، إنما هي مسألة اختيار شخصي. وبكلمات أخرى فإنه بينما تكون هناك إمكانية أن آراء الآخرين قد تؤثر على قراره قائمة، إلا أنها في أفضل الحالات تكون مسألة عشوائية والقرار في النهاية يكون قراره بمفرده. ولا يستتبع ذلك أن تتخذ القرارات من قبله اعتباطاً أو من فراغ.([21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn21))
وهذا يوضح مدى مركزية القرار في دول العالم الثالث، وانفراد رئيس الدولة بصناعة القرار، وليس مجرد اتخاذه أو إعلانه، في نفس الوقت تقليصه لدور الأجهزة الاستشارية إن وجدت شكلاً.
كذلك فإن دول العالم الثالث بصفة عامة تواجه أزمة في الديمقراطية. فالنظم الحاكمة غير مقتنعة بالاختيار الديمقراطي الحقيقي، وتصر على احتكار السلطة وعدم استعدادها لتداولها مع النخب المختلفة في المجتمع، واحتكار أدوات القوة (الجيش والبوليس) وذلك باستخدامها في الصراع السياسي الداخلي لإرهاب الجماهير مما يزيد من تكريس عدم الاهتمام، وزرع الخوف، والهجرة خارج الأوطان، والعنف المضاد. وأيضاً تواجه هذه البلدان ظاهرة ضعف المشاركة الجماهيرية في المجتمع وذلك لأسباب متباينة – ليس هذا مجالها – ولكن يلاحظ أن النظم الحاكمة في العالم الثالث تتعمد إبعاد الجماهير عن المشاركة أو الاهتمام بالحياة العامة، وتسعى إلى إلهائهم بلقمة العيش بافتعال الأزمات المعيشية المختلفة وغير ذلك.
ومما يذكر في هذا الصدد الصفة المشتركة لغالبية مواطني العالم الثالث بضعف متوسط دخولهم باستثناء الدول البترولية. في نفس الوقت تقوم الدول الغنية ضمن دول العالم الثالث باستيعاب النخب الجديدة وذلك بتكليفها بوظائف مختلفة خارجية وداخلية، مع توزيع الثروة بشكل يلغي أو يضعف المشاركة ونموذج ذلك دول الخليج علاوة على إصرار رئيس الدولة على تنفيذ ما يراه هو شخصياً أو على الأقل النخبة المحيطة به والتي تتسم بالمحدودية في الحجم، وذلك في إطار رؤاهم ومصالحهم وارتباطاتهم الأيديولوجية وتطلعاتهم وذويهم، وذلك بغض النظر عن الأضرار التي تصيب الوطن، ولعل في الإصرار على تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي في بلدان من العالم الثالث خير دليل، والمسألة تختلف من دولة إلى أخرى في الشكل والإخراج فقط.
أضف إلى ما سبق اختفاء وزن الرأي العام، حتى لو سمح لأن يعبر عن نفسه من خلال صحف المعارضة وذلك نتيجة تجاهل السلطة له، نظراً للأسوار العالية التي تفرضها السلطة الحاكمة بين الأحزاب والجماهير. وفي هذا فإن أجهزة القوة في النظام الحاكم تسعى إلى كبت المعارضة ومحاصرتها بشتى الوسائل إلى حد استخدام وسائل العنف ضدها، وبما يؤدي في النهاية إلى تنفيذ النظام لسياساته بغض النظر عن ملاءمتها أو تعبيرها عن غالبية الشعب. وليكن فيما فعله السادات من مواجهة المعارضين لسياساته، خاصة في مجال صلحه مع إسرائيل، بالاعتقال والسجن والتعذيب، ويكفي حله لمجلس الشعب في 1979 ليتخلص من (17) معارضاً لاتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل وكامب ديفيد.
في ضوء ما سبق إيضاحه من سمات لدول العالم الثالث لا تختلف كثيراً من دولة لأخرى، فإن الباحث يرى أن القضية ليست في اختيار أحد النموذجين لتحليل عملية صنع القرار، ولكن في مدى أيهما أفضل – من حيث الملاءمة لتحليل القرارات السياسية في هذه البلدان النامية. وبالتالي ليست المسألة محصورة بين الميل لهذا النموذج أو ذاك، ولا بين النمط المثالي الأصلح لأن يحلل بأيهما. فالباحث لا يميل في توجهاته إلى تكريس هذه السمات أو الدعوة إلى استمرارها باختيار أحد النموذجين، ولكنه يسعى إلى محاولة الاختيار بما يتلاءم مع سمات هذه البلدان، وإلى أن تتطور فإن النموذج المختار قد لا يصلح في مرحلة قادمة لتحليل قراراتها ويستلزم على الباحثين تبني النموذج الآخر.
والطرح الذي نطرحه هو أن الاختيار لنموذج تحليل البيئة النفسية لرئيس الدولة بهدف تحليل عملية صنع القرار السياسي، لا يأتي من باب الاستسهال، وإنما يأتي من باب الملاءمة المنهجية لدول العالم الثالث. فالنموذج الآخر الذي يركز على تحليل العوامل الموضوعية أنطلق من ظروف وسمات الدول المتقدمة وتم اختياره في الولايات المتحدة وغرب أوربا وثبت نجاحه. ولكن ليس معنى هذا ثبوت نجاحه وملاءمته في الدول النامية التي تختلف اختلافاً جذرياً عن الدول المتقدمة. فعندما تصل الدول النامية إلى نفس درجة الدول المتقدمة هنا يمكن القول أن احتمال صلاحية النموذج الموضوعي في تحليل القرار أمر قائم.
ويحكم الطرح الذي نطرحه هنا وهو متغير العملية الديمقراطية، فإننا نرى أن هناك علاقة بين مناخ الممارسة الديمقراطية اتساعاً وضيقاً، ابتداء في الممارسة أو تقدماً وتأصيلاً لها، وبين اختيار النموذج التحليلي الملائم لفهم عملية صنع القرار السياسي عامة، وفي النطاق التنموي خاصة.
فعلى الرغم من تركيز صناعة القرار في الدول النامية في يد رئيس الدولة، إلا أن صانع القرار يميل إلى القرار من زاوية رؤيته الخاصة للأمور. بمعنى أنه يرى الواقع أو البيئة الموضوعية بشكل معين، وعليه فإنه يتخذ في ضوئها قراراته. ولكن ليس بالضرورة أن رؤيته للبيئة الموضوعية تتفق مع الحقيقة. والسؤال: من يحدد إذن هذه الحقيقة، أو البيئة الموضوعية الحقيقية؟ الفصل في هذا الأمر مسألة صعبة ولكنها ليست مستحيلة. فالحقيقة مسألة نسبية، ولكن المؤشر المعبر عن ذلك هو مدى ما هو مسموح به في الدول لكافة القوى الاجتماعية والسياسية من التعبير عن نفسها في مناخ حر ديمقراطي يجعل القضية أو الموضوع يظهر من كافة الجوانب، وليس الجانب الوحيد الذي يراه صانع القرار وتتخذ في ضوئه القرارات التي يرغب فيها.
خلاصة الأمر فإن المسألة تتركز في المتغير الديمقراطي. فبالقدر الذي تتقدم وتتوافر فيه الممارسة الديمقراطية في المجتمع، بالقدر الذي يحتسب للأمور عند صناعة القرار. أي أن القرار يأتي، ليس أسيراً لإدراك صانع القرار للبيئة من حوله، ولكنه يأتي نتاجاً لتفاعل قوى المجتمع، فيتحول إلى متخذ القرار وليس صانعه الرئيسي – إن لم يكن الوحيد.
وهنا فإن المدخل الصالح لفهم وتحليل عملية صنع القرار في دول العالم الثالث هو شخص رئيس الدولة باعتباره صانع القرار الرئيسي، وكذلك النخبة المحدودة حوله، وذلك بتحليل بيئتهم النفسية التي تمثل إدراكهم للبيئة الموضوعية، وذلك لكي نتبين مدى توافق ذلك مع القرارات المصنوعة من جانبه، آخذاً في الاعتبار عند تحليل البيئة النفسية أن تشتمل كافة الجوانب، ولا يقتصر الأمر على خطبه الرسمية فحسب. ومن ثم يجب عدم التعمق في دراسة أجهزة ومؤسسات الدولة، ولكن يمكن التعرض لها بالدراسة المحدودة فقط، وذلك في إطار فرضية الدور المحدود لها. وهذا يقوم ويستند إلى افتراض تقلص أو اختفاء النظام الديمقراطي في الدولة.
وعلى العكس فالمجتمعات الديمقراطية تسمح بفهم المسألة بزاوية أخرى عند تحليل صنع القرار: حيث يمكن تحليل الأجهزة والمؤسسات المختلفة، والنخب المختلفة، وتحليل البيئة النفسية للنخبة الحاكمة ورؤيتها للواقع، وتحليل البيئة الموضوعية، أي زاوية التعددية في المجتمع، لنصل في نهاية الأمر إلى دور العوامل الموضوعية في صنع القرار بشكل أو بآخر، أي دورها في التأثير على عملية صنع القرار السياسي في الدولة. وصفوة القول فإن الاختيار لمدخل القيادة السياسية الحاكمة في تحليل عملية صنع القرار لا يعد تجاهلاً للظروف الموضوعية، ولكنه إدراكاً لضعف وزنها في دول العالم الثالث في ضوء ما تتسم به هذه البلدان من سمات سبقت الإشارة إليها. ومن ناحية أخرى فإن اختيار شخص رئيس الدولة كوحدة لتحليل عملية صنع القرار يمكن أن يأخذ في الاعتبار مدى وجود مشروع فكري واضح المعالم له، فيزداد دوره أو يقل نسبياً، وقد يتوقف على مدى قدرة هذا الرئيس على تجاوز القيود التي فرضت نفسها عليه نتيجة تراكمات مرحلة سابقة فيزداد دوره أو يقل نسبياً.([22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn22)) ولكن إجمالاً فإنه يبقى لرئيس الدولة الدور الرئيسي في عملية صنع القرار السياسي في مصر والعالم الثالث.
وختاماً لهذا الجزء، فإنه أياً كان الأمر في اختيار أحد المنظورين (الموضوعي أم النفسي)، فإن تقييم القرار السياسي عموماً يتأتى من خلال تحليل ثلاث مراحل رئيسية في عملية صنع القرار في جميع النظم، وهي:-
المرحلة الأولى: المرحلة السابقة على صناع القرار: وهي المرحلة التمهيدية التي تتفجر فيها مشكلة معينة تتطلب حلاً سريعاً أو آجلاً أو على مراحل أياً كانت طبيعتها. وهي مرحلة التأمل والاستيعاب.
المرحلة الثانية: مرحلة صنع القرار: وهي مرحلة الدراسة والإعداد والبحث عن البدائل والتقييم والتوصل إلى الحل الملائم من خلال هيكل النظام السياسي السائد (شخص قائد أو زعيم أم مؤسسات ونظام لصنع القرار). وهذه المرحلة لو عرفت بشكل كامل وتوفرت الوثائق اللازمة لأسهم ذلك في التقييم الموضوعي الشامل للقرارات السياسية. إلا أنه في حقيقة الأمر وكما أشار لذلك (جوزيف فرانكل)، إلى "أن سيادة طابع الغموض على ما يحدث داخل هذه المرحلة يسبب ارتباكاً شديداً في التعرف على حقيقة ما يتم ويصبح التحليل السياسي للقرار مبتوراً. وهذه المرحلة تكشف لنا إلى حد كبير عمن شارك في صنع القرار، وفي اختيار البديل الأفضل، وعدد الذين شاركوا والأدوار المختلفة للبعض دون غيرهم أو لجميع من شارك؟ أو بعبارة أخرى تكشف هذه المرحلة عما دار بالفعل حتى تم الاستقرار على القرار النهائي.
المرحلة الثالثة: مرحلة التنفيذ وما بعد القرار: وهي مرحلة الإعداد والتهيئة للبيئة المحيطة للتنفيذ بعد الإعلان عن القرار واتخاذ الإجراءات الملائمة لذلك. ثم متابعة القرار المتخذ وتقييم الوضع للتصحيح واتخاذ إجراءات جديدة للتغلب على المشكلات الناجمة عن التنفيذ المتوقع منها أو غير المتوقع، وهو الأمر المعروف بالتداعيات.
ومن خلال تحليل هذه المراحل الثلاث يمكن تقييم القرار ومدى نجاحه أو إخفاقه، وذلك بصورة علمية واضحة.

سابعاً: نحو صياغة لرؤية استراتيجية حاكمة للقرارات التنموية في المجتمع المصري: الأولويات والآليات:
السؤال الذي يُطرح دائماً في ختام كل دراسة هو: ما الذي تقودنا إليه هذه الدراسة؟ وما هي آفاق المستقبل؟
بعبارة أخرى… هل يمكن القول في ضوء الدراسات المختلفة لعملية صنع القرار التنموي خاصة، في مصر على وجه الخصوص، بأنه يمكن التنبؤ بالسلوك المصري والقرارات المتوقع اتخاذها بشكل عام في المستقبل المنظور، أو حتى التنبؤ بإصدار قرارات ما؟
الإجابة على ذلك تقتضي القول بأن محاولات التقييم لعملية صنع القرار في مصر خلال النصف قرن الماضي، تقود إلى أنه في ضوء ذلك التوافق بين البيئة النفسية لرئيس الدولة – أو بعبارة أخرى المدركات الحقيقية المعلنة والخفية له – وبين القرارات المتخذة، وأيضاً في ضوء أن رئيس الدولة هو صانع القرار الرئيسي في المجالين الداخلي والخارجي في أغلب الأحيان، يمكن القول بأن مفتاح التنبؤ هو دراسة البيئة النفسية لصانع القرار السياسي وهو رئيس الدولة ومن كافة الأبعاد. أما عن النتيجة المحتملة فهو أن الحديث عن الإخفاق واحتمالات الفشل تصبح أمراً وارداً بنسبة كبيرة. أي أنه في ضوء سيطرة رئيس الدولة على عملية صنع القرار، وفي ضوء محدودية دور الأجهزة والمؤسسات في هذه العملية، فإن احتمالات تعرض القرارات التي يمكن اتخاذها وتوقعها للفشل تصبح أكثر من احتمالات تعرضها للنجاح.
وطالما الأمر هكذا.. فإن السؤال الطبيعي الذي يفرض نفسه بإلحاح.. كيف الخروج من هذا المأزق؟ أو بعبارة أخرى كيف يمكن توقع نتيجة الاحتمالات؟ فبدلاً من تعرض القرارات المتخذة أو المتوقع اتخاذها لاحتمالات الفشل بنسبة أكبر من احتمالات النجاح، تصبح تعرضها لاحتمالات النجاح أكبر من احتمالات الفشل.
هنا فإننا نضع إطاراً عاماً لكي تتحرك فيه عملية صنع القرار التنموي، يتبلور في أن الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في الوضع القائم المتمثل في تركيز قرارات السياسة الداخلية والخارجية في يد رئيس الدولة وذلك بأن يتم توسيع دائرة صنع القرار السياسي بإفساح المجال للأجهزة المختصة لكي تقوم بدورها الحقيقي في عملية صنع القرار حيث المشاركة الجادة والحقيقية في كل مراحل القرار. وكذلك بإفساح المجال أيضاً للباحثين لتقييم القرارات المختلفة عن طريق إتاحة الفرصة لهم بالإطلاع على المعلومات الخاصة بالقرارات المتخذة حتى يتيسر لهم التقييم الموضوعي لهذه القرارات أو تلك، خاصة وأن عصرنا هذا ليس عصر الزعامات ولكنه عصر "خبراء السلطة". في هذا الإطار، فإننا نطرح رؤية تمثل اجتهاداً يحتاج إلى حوار، وتتمثل هذه الرؤية في العناصر التالية:
(1) ضرورة تحديد إطار واضح وفعال لصنع القرار عموماً والتنموي خصوصاً، يتمثل في تكوين جهاز له مستوياته وتتسم قنوات الاتصال بين قطاعاته بالسرعة الواجبة والكفاءة العالية.
(2) إعطاء كل ذي اختصاص اختصاصاته وعلى ألا يتم عمل كل مسئول عن قطاع معين بعيداً أو بمعزل عن الآخرين، فضلاً عن ضرورة الرجوع إلى الدراسات العلمية قبل اتخاذ أي قرار، وأن لم توجد، فيتطلب الأمر ضرورة الدراسة قبل القرار.
(3) بناء نظام اتصالي ومراكز المعلومات الملائمة مع مقتضيات العصر حيث السرعة والكفاءة. وعلى أن يتسم النظام الاتصالي بالوضوح وعدم التقييد بما ينعكس على سهولة الإنجاز وضخامة حجمه.
(4) تحديد واضح للتوجهات الأساسية للسياسة المصرية بما يقود إلى تحريك كافة المعاونين والمختصين بأجهزة صنع القرار في إطار هذه التوجهات. ويستثنى من ذلك التضارب المتعمد كسياسة تكتيكية مرتبطة بالموقف والقصد منها التمويه.
(5) وضع نظام يفصل بين تغيير الشخصيات السياسية وبين التوجهات الأساسية للسياسة المصرية. وقد يتطلب هذا لفترة تثبيت المسئولين عن الأجهزة الأساسية في عملية صنع القرار في مواقعهم حتى يتم تنفيذ أو وضع هذا النظام المتصور موضع التنفيذ. وكذلك فإن التجديد المحسوب أفضل من التغيير للتغيير بين فترة قصيرة وأخرى حيث أن ثبات بعض المسئولين عن عمليات صنع القرار واستمرارهم لفترة معقولة يقود في أغلب الأحيان إلى ضمان حسن تنفيذ السياسات والمشاركة فيها، وتحميلهم المسئولية الكاملة.
(6) تحديد معايير لاختيار الشخصيات القيادية يستند إلى ميل هذه الشخصيات للمشاركة وإبداء المشورة الحقيقية، وليس بطبيعتهم الاستسلامية حيث يتحولون بأجهزتهم إلى أدوات للتنفيذ وليسوا كمشاركين فعليين في صنع القرار التنموي.
(7) إعطاء الفرصة الأكبر لقيام الأجهزة التنفيذية باختصاصاتها ودورها الدستوري والقانوني بما يقود إلى توسيع نطاق مشاركتها في عملية صنع القرار. حيث أنه في ظل النظام الحالي تصبح دراسة دور المؤسسات والأجهزة في عملية صنع القرار تحصيل حاصل وبدون جدوى وذلك في ضوء أن محور العملية متمركز في شخص رئيس الدولة، والذي يفهمه، وفهم العلاقات الشخصية للمسئولين – المحيطين به – معه وطبيعتها – يمكن ببساطة تفهم عملية صنع القرار التي تتركز في شخص رئيس الدولة أساساً.
(8) قيام السلطة التشريعية المتمثلة في مجلس الشعب بدورها في عملية صنع القرار. وهذا يستلزم ضرورة عدم تنازلها للسلطة التنفيذية ممثلة في شخص رئيس الدولة عن القيام بواجباتها. ومن ثم فإن عليها عدم إعطاء رئيس الدولة أي تفويضات باتخاذ ما يراه من قرارات تحت أي ظروف وذلك طبقاً لما حدث من إصدار قانون تفويض رئيس الدولة بإصدار قرارات لها قوة القانون طبقاً لما يراه، وذلك توسيعاً للمشاركة في صنع القرار التنموي.
(9) توسيع دوائر المشاركة الفعلية للجماهير في التعبير عن آرائهم بحرية: وهذا يستلزم تنمية الوعي السياسي والاجتماعي لدى المواطنين، ومحو الأمية بكافة أبعادها وإعادة النظر في جداول الناخبين للوقوف على حجم العدد الحقيقي، وإعطاء الحرية في تكوين الأحزاب السياسية وتوفير المناخ الملائم لها للحركة وسط الجماهير لتعميق الممارسة الديمقراطية ومناخ الحرية وهذا يؤدي إلى المزيد من المشاركة في عملية صنع القرار، وتوسيع دوائر المشاركة لتشمل المتخصصين والمواطنين.
(10) تشكيل مجلس الأمن القومي تنفيذاً للمادة 164 والمادة 182 من الدستور الدائم الصادر في 1971 والتعديلات التي أجريت عليه في 1980. بحيث يختص بتحديد التوجهات الأساسية للدولة والتمييز الدائم بين الاستراتيجيات والتكتيك وضبط إيقاع حركة المجتمع وتحديد رموز شعارات النظام وتقييمها الدائم لدفع الحركة الدائمة في شرايين المجتمع وأن يجتمع بشكل دوري في الظروف العادية باعتباره حقيقة فعلية في جسد النظام السياسي وليس مجرد وجود شكلي، تشبها بمجتمعات غربية.
(11) ضرورة التخلص من كلمات أنا، أنني، … الخ وكل ما يؤكد دور الفرد في عملية صنع القرار وذلك من خطب رئيس الدولة وأحاديثه تأكيداً للطابع الجماعي (وتقويضاً) للطابع الفردي في صنع القرار، الذي يأتي نتاجاً لثقافة استبدادية موروثة.
(12) تكوين أجهزة لقياس الرأي العام بمختلف قطاعاته، تتوفر لها جميع الإمكانيات المادية والبشرية والمناخ الحر في تناول كل الموضوعات دون تدخل من أي جهة.. وحتى يأتي القرار نتاجاً لكل الدوائر وكافة المستويات وحين يصدر فإنه يصبح جزءاً من ضمير المجتمع ويضمن الالتزام به، حيث أنه يعد تعبيراً عن غالبية الجماهير.
وخلاصة الأمر فإن هذه الرؤية الشاملة([23] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn23))، يتوقف تنفيذها على درجة الميل إلى التخلص من الفردية إلى الجماعية، والنزوع إلى تعميق الممارسة الديمقراطية. ويتوقف في النهاية على إصرار رئيس الدولة على توسيع دوائر صنع القرار والتمييز الدائم بين أجهزة المعلومات، وأجهزة المشورة والدور الحقيقي للمؤسسات المختلفة في المجتمع. وكذلك الاقتناع العام بفكرة تداول السلطة. بعبارة أخرى أن مصر في حاجة إلى نقلة موضوعية واضحة وجريئة وقوية في التطور الديموقراطي حتى يتحقق التقدم المنشود وتصبح مصر دولة متقدمة. فالأولوية هي التطور الديموقراطي والآليات صنع القرار الرشيد بخطواته السليمة والحصاد تقدم مصر وشعبها واسترداد موقعها ودورها الإقليمي الفعال والمؤثر والقائد.

[/URL]([1]) David Easton, A Framework for political Analysis (Englewood cliffs, N.J. Prentice Hall, 1969), p. 50.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1)([2]) James E. Dougherty & L. Pfaltzgraff, Contending Theories of International Relations (Lippincott, Philadelphia, 1971), 312-313.

([3]) James Robinson & Richard Snyder: Decision Making in International politics, In: Herbert Kelman (ed) International Behavior, (Holt) Rinehart and Winston, New York, 1966) p. 437.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3)([4]) د. إسماعيل صبري مقلد، نظريات السياسة الدولية، الكويت، جامعة الكويت، 1982، ص 148.

([5]) مثال ذلك: محاولات الكونجرس الأمريكي أو الإدارة الأمريكية، تهديد الحكومة المصرية بتخفيض أو قطع المعونة الأمريكية في حالة عدم تبني سياسات معينة ترضى عنها الإدارة الأمريكية، مما قد يضطر النظام الحاكم في مصر إلى محاولة استحضار "الوطنية" لمواجهة هذه الضغوط الخارجية وتفاديها بشعارات عاطفية!!

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5)([6]) يمكن الرجوع إلى د. إسماعيل صبري مقلد، اتخاذ القرارات في السياسة الخارجية، السياسة الدولية، عدد أكتوبر 1968، ص 135 وما بعدها.

([7])Harold Sprout, Environment in the Study of International Politics, in James, Rosenau International politics and Foreign policy, Londres, Frances Pinter, 1980, pp. 41:57.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref7)([8]) د. جمال علي زهران، السياسة الخارجية لمصـر 70-1981، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1987، ص ص 47، 50.

([9]) د. إسماعيل صبري مقلد، العلاقات السياسية الدولية، مرجع سابق، ص 250 ، 251.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref9) ([10])Andrew Scout, The Funtioning of the International Political System, the Macmillan, New York, 1967, p. 85-87.

([11])Ibid. p. 84.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref11)([12]) د. إسماعيل صبري مقلد، نظريات السياسة الدولية، دراسة تحليلية مقارنة، الكويت، الطبعة الأولى، 1982، ص 152: 153.

([13]) Richard c. Snyder and others, “Foreign Policy Decision Making, Free Press, New York, pp. 95-99.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref13)([14]) د. إسماعيل صبري مقلد، نظرية السياسة الدولية، مرجع سابق، ص 253 ، 254.

([15])Andrew Scott, op. Cit., 86-87.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref15)([16]) د. إسماعيل صبري مقلد، نظرية السياسات الدولية، مرجع سابق، ص 154، 156، د. جمال زهران: من يحكم مصر؟ دراسة في عملية صنع القرار السياسي في مصر والعالم الثالث، القاهرة، الطوبجي للنشر والتوزيع، 1993، ص 23 : 28.

([17])Andrew Scott, op. Cit., pp. 93-94.
وأيضاً: د. فاروق عمر العمر، صناعة القرار والرأي العام، القاهرة، ميريت للنشر،2001م، ص ص 53:74.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref17)([18]) Janathan M. Roberts, Decision Making during International crises, Macmillan Press, 1985.

([19]) Bahgat Korany and contributors, How Foreign policy Decision Are Made in The Third world, U.S.A, westviw press Boulder and London, 1988, pp. 48 : 60.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref19)([20]) Ibid. pp. 55-56.

([21]) تفاصيل الإطار التحليلي لبريتشر، يمكن الرجوع إلى كتابنا: السياسة الخارجية لمصر 70 – 1981، القاهرة، دار مدبولي، 1987، ص 27 : 43. وكذلك الدراسة الأصلية لبريتشر.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref21)([22]) M. Brecher, The Foreign policy system of Israel: setting, Images, process, (London, Oxford university press, 1972, pp. 1: 20.

[URL="http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref23"]([23]) يؤكد على ذلك، د. أبو زيد راجح (رئيس مركز بحوث البناء والإسكان السابق)، في حديث له بجريدة نهضة مصر (21/6/2007)، بالقول بأن الخروج إلى الصحراء والسواحل هو الحل، ويرى أن إنفراد المسئولين بالقرارات المصيرية وغياب الدراسات العلمية وراء تعثر التنمية، وإذا سارت الأمور على هذا الحال، فلنقل وداعاً لمصر الزراعية عام 2070م!!