المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكشف والمشاهدة في المعتقد الصوفي


عبدالناصر محمود
03-29-2014, 07:44 AM
الكشف والمشاهدة في المعتقد الصوفي*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ

28 / 5 / 1435 هــ
29 / 3 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3767.jpg

يقول الدكتور عبد الرحمن عبد الخالق في كتابه "الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة": " ترقى المتصوفة في قضية الكشف عندهم فزعموا أولاً أن الصوفي يكشف له معان في القرآن والحديث لا يعلمها علماء الشريعة الذين سموهم بعلماء الظاهر، والقراطيس والآثار التي ينقلونها عن الموتى..، وأما هم فيلتقون بالرسول صلى الله عليه وسلم يقظة أحياناً، ومناماً أحياناً، ويسألونه ويستفيدون منه هذه العلوم ثم ترقوا فقالوا: إن لنا علوماً ليست في الكتاب والسنة نأخذها عن الخضر الذي هو على شريعة الباطن وهو الذي يمد الأولياء بهذه الشريعة، فموسى، ومحمد، والأنبياء، على شريعة ظاهرة، وأما الخضر فهو على شريعة باطنة يجوز فيها ما لا يجوز في الظاهر، فقد قتل الغلام بغير ذنب، وكسر السفينة لمن حملهم بغير نوال، وبنى الجدار إحساناً منه لمن أساء إليهم.. ومثل هذا ينكره أهل الظاهر كما أنكره موسى، ونحن في الباطن على شريعة الخضر وهو يلتقي بنا ونتعلم منه علوماً خاصة ينكرها أهل الظاهر لجهلهم.."(1).

ويضيف الدكتور عبد الرحمن عبد الخالق: "والعجيب أنه كان من هذا الدين الباطن الذي زعموا أخذه عن الخضر إتيان (الحمارة)، والزنا، وشرب الخمر، واللواط، والتعري، والصراخ في الطرقات، وسب المؤذنين للصلاة، وسب الأنبياء والإدعاء بأن كل مخلوق هو الله، وإلقاء السلام على الكلاب، والخنازير، والترحم على إبليس، ومحاولة الوصول إلى مقامه، وجعل فرعون أعلم من موسى بالله وتبرئة قوم نوح من الشرك، وجعل الرسول محمد هو الله المستوي على العرش.. هذه الأشياء قليلة جداً من هذا الدين الباطني الذي زعم المتصوفة أنهم نالوه عن طريق الكشف الصوفي"(2).

فما هو الكشف الصوفي وما هي حدوده وآثاره؟ وهذا هناك فرق بين الكشف والمشاهدة؟ وهل هناك مرادفات للكشف والمشاهدة عند المتصوفة؟ هذا ما سنجيب عنه في هذا التقرير بعون الله تعالى.

الكشف في المعتقد الصوفي:

يعرَّف الصوفية الكشف بأنه بيان ما يستتر على الفهم فيكشف عنه للعبد كأنه رأي عين، قال أبو محمد الحريري: "من لم يعمل فيما بينه وبين الله تعالى بالتقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة"، وقال النوري رحمه الله: "مكاشفات العيون بالإبصار ومكاشفات القلوب بالاتصال(3).

فالكشف الصوفي يعني: "الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجوداً وشهوداً، وقيل هو الاطلاع على المعاني الغيبية من وراء الحجاب"(4).

أنواع الكشف الصوفي:

يقول المتصوفة إن "من الكشف ما هو عقلي وهو ما يدركه العقل بجوهره المطلق عن قيود الفكر والمزاج، ومنه ما هو نفساني وهو ما يرتسم في النفوس الخيالية المطلقة عن قيوده المزاجية بأزمان الرياضات والمجاهدات بعد كشف حجب المباينات والممايزات، ومنه ما هو روحاني وذلك بعد كشف الحجب العقلية والنفسانية ومطالعة مطالع الأنفاس الرحمانية، ومنه ما هو رباني وذلك بطريق التجلي إما بالتنزيل أو بالعروج أو بمنازلات أسرار، وهذا النوع يتعدد بتعدد الحضرات الأسمائية، فإن للحق تجليات من كل حضرة من الحضرات الأسمائية وأعلاها هو التجلي الإلهي الجمعي الأحدي يعطي المكاشفات الكلية وفوقها التجلي الذاتي الذي يعطي الكشف بحقيقة الحقائق وبمراتبها الإلهية وبحقيقة الطبيعة الكلية"(5).

المشاهدة وأحوالها:

المشاهدة تعني المحاضرة والمداناة، وقيل هي رؤية الحق ببصر القلب من غير شبهة، كأنه رآه بالعين.. وأهل المشاهدة عند الصوفية- كما يقول السراج الطوسي- على ثلاثة أحوال:

الأول منها: الأصاغر، وهم المريدون، وهو ما قاله أبو بكر الواسطي (رحمه الله): يشاهدون الأشياء بعين العبر، ويشاهدونها بأعين الفكر.

والحال الثاني من المشاهدة: الأوساط، وهو الذي أشار إليه أبو سعيد الخراز، (رحمه الله)، حيث يقول: الخلق في قبضة الحق وفى ملكه، فإذا وقعت المشاهدة فيما بين الله وبين العبد لا يبقى في سرِّه، ولا همِّه غير الله تعالى .

والحال الثالث من المشاهدة: ما أشار إليه عمرو بن عثمان المكي، (رحمه الله)، في كتاب المشاهدة، فقال : إن قلوب العارفين شاهدت الله مشاهدة تثبيت؛ فشاهدوه بكل شيء، وشاهدوا كل الكائنات به، فكانت مشاهدتهم لديه ولهم به، فكانوا غائبين حاضرين، وحاضرين غائبين، على انفراد الحق في الغيبة والحضور؛ فشاهدوه ظاهرًا وباطنًا، وباطنًا وظاهرًا، وآخرًا وأولاً، وأولاً وآخرًا"(6).

الفرق بين المشاهدة والكشف:

وعن الفرق بين المشاهدة والكشف تقول سعاد الحكيم في المعجم الصوفي: "تختلف المشاهدة عن الكشف، بأنها في حقيقتها عبارة عن مشهد لذوات [روح تجسد- أنواع روحانية]، على حين أن الكشف هو رفع الحجاب والاطلاع على كل ما ورائه من معاني وأسرار، فإن كانت المشاهدة تختص بالذوات فالكشف يختص بالمعاني والأسرار"، و"الكشف أتم من المشاهدة، وأعلى"(7).

مصطلحات صوفية تحمل معنى الكشف:

للمتصوفة بعض المصطلحات التي تحمل معنى الكشف، وقد يكون بينها وبينه عموم وخصوص، فمثلاً:

1- الخاطر عندهم: ما يرد على القلب والضمير من الخطاب، ربانياً كان أو ملكياً أو نفسياً أو شيطانياً، من غير إقامة، وقد يكون كل وارد لا تعمل لك فيه.

2- الوارد: وهو ما يرد على القلب من الخواطر المحمودة من غير تَعَمُّل , وقد قيل للخاطر الرباني: أول الخاطر، وهو لا يخطئ أبداً، وقد يعرف بالقوة والتسلط وعدم الاندفاع، والخاطر الملكي يسمى إلهاماً، وهو إلقاء الشيء في الروح.

والخاطر النفساني يسمى هاجساً، وهو ما فيه حظ النفس، أما الخاطر الشيطاني فهو ما يدعو إلى مخالفة الحق.

3- التجلي: وهو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب.

4- المحادثة: وهي خطاب الحق للعارفين من عالم الملك والشهادة كالنداء من الشجرة لموسى (عليه السلام).

5- المسامرة: وهي خطاب الحق للعارفين من عالم الأسرار والغيوب نزل به الروح الأمين على قلوبهم.

6- الذوق: نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه؛ يفرقون به بين الحق والباطل، من غير أن ينقلوا ذلك عن كتاب أو غيره.

7- البصيرة: ملكة ترى حقائق الأشياء وبواطنها، كما يرى البصير ظواهر الأشياء المادية.

والكشف يقابله الإشراق عند السهرودي إمام الفلسفة الإشراقية، التي تقابل الفلسفة المشائية عند ابن سينا، فالأولى تقوم على الكشف والذوق، والثانية على الحجج المنطقية, والاستدلالات العقلية، وقد تأثر السهروردي في ذلك بأفلاطون حتى قال: (إمام الحكمة ورئيسها أفلاطون)(8).

نماذج من كشوفات الصوفية:

* ذكر الشيخ عبد الرحمن دمشقية في كتابه: "الطريقة الرفاعية" عددا من نماذج الكشوف عند هذه الطريقة، نقلا عن مشايخها، ومنها:

- ذكر الصيادي أن من كرامات الشيخ بهاء الدين الرواس الرفاعي: « أنه كان يتكلم على خواطر أصحابه ومريديه كما في صدورهم.

- واعترض أحد المريدين على الشيخ إبراهيم الأعزب (ابن أخت الشيخ أحمد) فعرك الشيخ إبراهيم أذنه وزجره عن أسرار الإنكار عليه وقال له: «ألم تعلم أن قلوب الخلق بين أيدينا كالمصابيح من وراء الستارة نشهدها رأي العين»

- وكذلك أسر أحد مريدي الشيخ عثمان بن مروزة البطائحي في نفسه الاعتراض على شيخه في قلبه فقال له الشيخ عثمان: «ألم تعلم أني أعلم ما في قلبك».

- وكان الشيخ عبد الحافظ بن سرور الرفاعي له قدرة على إبداء ما في النفوس، ومحبة مريديه تزيد في إيمانهم. ونظرته تصلح قلوبهم.

- وذكر أن الشيخ علي أبو الفضل الواسطي يعرف لغات الطيور والحيوانات .. وكان يتكلم على الخواطر ويكشف الأسرار، ونظرته أيضا تصلح القلوب(9).

* كما ذكر الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق العديد من النماذج الدالة على فساد هذا المعتقد ومنها:

- أن أحد مشايخ الصوفية كان إذا ألقي إليه الحديث علم هل قاله الرسول أو لا دون أن يتلقى هذا بالعلم وإنما بالكشف فقط بل كان يعرف إن كان الحديث في البخاري أو مسلم أو فيهما أو انفرد فيه أحدهما..

- ومن ذلك أيضا معرفة ابن عربي الصوفي لتاريخ بناء الأهرام عن طريق الكشف..

- ومن ذلك أيضا زعم الدباغ الصوفي أنه كان قبل نوح سبعمائة رسول(10).

* ومن أنواع الكشف ما ذكره عامر حسن عامر صاحب كتاب نقص الصوفية: " إذا وقف أولياء الصوفية على حكم فقهي ولم يجدوا له دليلا من القرآن أو السنة اتصلوا بالرسول صلى الله عليه وسلم وسألوه في ذلك.

وأما عن الأحكام التي نتجت عن هذا الاتصال فيقول الشعراني أن العمل بها اختياري لأن ذلك أمر زائد على الدين.

قال الشعراني: "ومن أخلاقهم رضي الله عنهم توقفهم عن كل فعل أو قول حتى يعرفوا ميزانه على الكتاب والسنة ...... , ومن القوم طائفة لم يجدوا لذلك العمل دليلاً من سنة النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة في كتب الشريعة يتوجهون بقلوبهم إليه صلى الله عليه وسلم، فإذا حضروا بين يديه سألوه عن ذلك وعملوا بما قال لهم، إلا أن مثل ذلك خاص بأكابر الرجال, فإن قيل فهل لصاحب هذا المقام أن يأمر الناس بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا, فالجواب لا ينبغي له ذلك، لأنه أمر زائد على السنة الصحيحة الثابتة من طريق النقل، فقد كلف الناس شططاً، اللهم إلا أن يختار أحد ذلك فلا حرج، كما هو شأن مقلد المذاهب المستنبطة من الكتاب والسنة والله أعلم"(11).

فساد عقيدة الكشف وعلم الباطن الصوفي:

باختصار لقد اكتشف المتصوفة بزعمهم للقرآن معاني غير التي يعرفها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعلماء الأمة على مر العصور، لقد اكتشفوا هم عن طريق كشفهم الشيطاني أن للقرآن معاني أخرى وأن فيه علوماً كثيرة جداً لا يعلمها غيرهم.. وما هذه العلوم.. إنها كل الفلسفات القديمة، والخزعبلات والخرافات التي عند فلاسفة الإغريق، وكهنة الهنادك والهندوس، وشياطين المجوس وإباحية المانوية والمزدكية، وخرافات القصاص من كل لون وجنس كل هذا وهذا جعله المتصوفة كشفاً وحقيقة صوفية ومعاني للقرآن الكريم ولحديث النبي الشريف..

ومن أراد منهم أن لا ينسب هذه الخرافات والخزعبلات إلى القرآن والحديث، ورأى أنه تحقق بعلوم أكثر بكثير مما فيهما قال: خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله.. فجعل نفسه أعظم معرفة وتحقيقاً مما لدى الأنبياء.. وذلك لما رأى أنه قد جمع من الخرافات والخزعبلات والأساطير شيئاً نهى الرسل الصادقون عن افترائه وتناقله وتداوله.. هذه هي حقيقة الكشف الصوفي الذي زعم أصحابه أنه ثمرة العبادة والتقوى والاتصال بالله والملائكة والأنبياء والخضر، وأنه نتيجة حتمية لسباحة أرواحهم في الأزل والأبد، والسماوات السبع وما فوقها والأراضين السبع وما تحتها(12).

ـــــــــــــ

الهوامش:

(1) الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة- الدكتور عبد الرحمن عبد الخالق: (ص:147).

(2) المرجع السابق، نفس الصفحة.

(3) موسوعة مصطلحات التصوف- رفيق العجم- رفيق العجم: (790).

(4) معجم الصوفية- ممدوح الزوبي: (ص:346).

(5) موسوعة مصطلحات التصوف: (ص:790-791).

(6) اللمع في التصوف- السراج الطوسي: (ص:101).

(7) المعجم الصوفي- سعاد الحكيم: (ص:664).

(8) مناهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد- عثمان بن علي بن حسن: (2/638-639).

(9) الطريقة الرفاعية- عبد الرحمن دمشقية: (ص:72).

(10) الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة- الدكتور عبد الرحمن عبد الخالق: (ص:198-199).

(11) تنبيه المغترين – الشعرانى: (ص:13).

(12) الكشف الصوفي الإيمان بالغيب في الكتاب والسنة- موقع الصوفية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــــ