المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الطفلة الواعظة


عبدالناصر محمود
02-14-2012, 08:54 AM
الطفلة الواعظة
-------------
انتهي اليوم الدراسي ، وعادت الفتاة الصغيرة إلى منزلها،وقد غشى
وجهها الجميل البريء سحابة من الحزن،ولمحت الأم الحنون،أن هناك
أمراً يعتمل في نفس صغيرتها،ولم تحتج إلى جهد جهيد لتفصح الفتاة
وتقول : أماه ، إن مدرستي هددتني بالطرد من المدرسة لأجل هذه
الملابس الطويلة التي ألبسها .
الأم : ولكنها الملابس التي يريدها الله يا ابنتي .
الفتاة : نعم يا أماه ولكن المدرسة لا تريد .
الأم : حسناً يا ابنتي ، المدرسة لا تريد ، والله يريد ، فمن تطيعين ،
أتطيعين الله الذي أوجدك وصورك وأنعم عليك ، أم مخلوقة
لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً ؟
فقالت الفتاة : بل أطيع الله .
فقالت : أحسنت يا ابنتي وأصبت .
وفي اليوم التالي انفجرت المدرسة غاضبة مؤنبة تلك الفتاة التي تتحدى
إرادتها ، ولا تستجيب لطلبها ، ولا تخاف من تهديدها ووعيدها ، ولما
زادت في التبكيت والتأنيب وثقل الأمر على الصغيرة ولم تستطع أن
تواجه ذلك السيل من مدرستها ، وتلك النظرات من زميلاتها ، عند ذلك
انخرطت في بكاء شديد ، ذهلت له مدرستها وجعلها تتوقف وتهدأ ، ثم
قالت الفتاة الصغيرة كلمة الحق التي خرجت كالقذيفة :
والله لا أدري من أطيع ؟ أنتِ أم هو ؟
قالت المدرسة: ومن هو ؟
قالت : الله ، أأطيعك أنتِ فألبس ما تريدين وأغضبه هو ؟ أم أطيعه
وأعصيك ؟ ثم قالت : سأطيعه سبحانه وليكن ما يكون .
وسكنت المدرسة ، وفي اليوم التالي دعت المدرسة أم الفتاة لتقول لها :
لقد وعظتني ابنتك أعظم موعظة سمعتها في حياتي .
نعم فقد أظهرت الفتاة تلك المدرسة على حقيقتها ، وأخبرتها أنها جعلت
نفسها ندا لله ، إذ هي تأمر بخلاف أمره ، وتوجه إلى خلاف ما يريد ،
فتصاغرت في نفسها ، وانزاحت عن فطرتها تلك الحجب فعرفت
الحقيقة .
وما أحوج الدعاة أن يعرفوا أن مهمتهم هي أن يصلوا الناس بربهم ،
ويضعوهم أمام مسؤولياتهم ، ويعرفوهم بأنفسهم ، كي لا يتمردوا
ولا يطغوا .
وما أحوج الدعاة أن يعرفوا أن الحق إنما يصل إلى القلوب إذا خرج من
القلوب التي تؤمن به وتعمل بمقتضاه ، أما الكلمات الباردة فقلما
تؤثر في السامعين .
وما أحوجنا أن نربي أبنائنا على الإسلام علما وعملا مراعين الحكمة
في أخذهم بذلك .
وأخيرا : ما أعظم تلك الأم ، فمثلها في النساء قليل ،وأثرها في أبنائها
عظيم ، وللمسلمات بها قدوة ، وعند الله أجر جزيل .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{م: مواقف ذات عبر ـ د/ عمر سُليمان الأشقر ـ حفظه الله ـ } .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ