المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إيران + أمريكا = تجرع السم


عبدالناصر محمود
04-08-2014, 08:23 AM
إيران + أمريكا = تجرع السم*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

8 / 6 / 1435 هــ
8 / 4 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــ

https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcR6H_lkIBmC9JETrgweLRFIIUZJfnqGS jYpQUHlKIgQdMGzmJQW_w


الحمد لله, والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله رسول رب العالمين إلى الثقلين الإنس والجان ليخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم الكبير المتعال, أما بعد:
يقول عبد الحليم خدام، النائب السابق للرئيس السوري، متحدثاً عن علاقة بلاده مع إيران طيلة 40 عاماً: "لم نكن نعرف طيلة هذه الفترة ما يريد الإيرانيون، إلا بعد أن يحدث".

تتميز إيران بأنها دولة عقدية في دوافعها، رغم برجماتية السلوك، على الأقل في صياغة علاقاتها مع العالم الغربي.

هذا التناقض الظاهري بين “العقدية” و“البرجماتية” أعطى السياسة الإيرانية قدرة هائلة على التخفي والتكيّف والمرونة، وهذا ما يضع كثيراً من السياسيين والباحثين في حيرة بينما يحاولون فهم أبعاد السياسة الخارجية لإيران.

هذه القدرة الهائلة على الانتقال من النقيض إلى النقيض، مكّنت القادة الإيرانيين من اتخاذ قرارات صعبة، وتجاوز مواقف أصعب، ولعلنا نتذكر موقف الخميني في أغسطس 1988م عندما دعا إلى “تجرع السم” والقبول بوقف إطلاق النار مع العراق، بعد ثماني سنوات من الحديث عن الحرب المقدسة التي ستقود إيران إلى القدس المحتلة.

في المقابل، لا يبدو الغرب على هذه الدرجة من التناقض في صياغة علاقاتهم مع إيران.

قبل أكثر من مائة عام كانت إيران خاضعة للنفوذ - والاحتلال أحياناً - البريطاني في الجنوب، والروسي في الشمال، ومع ذلك لم تبدُ على الدول العظمى أي رغبة حقيقية في تقسيم أو تفكيك تلك الدولة الكبرى مترامية الأطراف، متعددة الأعراق والقوميات والأديان.

على العكس تماماً، فكر الساسة البريطانيون حينئذ بأن يضموا قطعة كبيرة من أفغانستان لتصبح خاضعة للشاه الإيراني، إلا أنهم تراجعوا.

ولا يزال الحرص الغربي على تماسك الدولة الإيرانية قائماً، على الأقل فيما يتعلق بعنصر “الأرض”، بغض النظر عن هوية النظام الحاكم.

الآن، وبعد صراع مرير امتد لسنوات حول المشروع النووي الإيراني؛ أدرك الإيرانيون أنهم وصلوا إلى حافة الهاوية، وربما لا يكون ذلك بالضرورة مأزقاً، بقدر ما يعكس قدرة احترافية على تحديد نقاط التوقف، والتحول.

فبعد أن بلغت العقوبات مداها، وبعد أن بلغ الاقتصاد حافة الخطر، وبعد أن بلغ المشروع الإيراني حافة الأمان؛ شعر الإيرانيون أنه لا بأس من “تجرع بعض السم” من أجل تهدئة الأوضاع، وإعادة شحن البطاريات السياسية.

على الجانب الآخر، لم تقصر الولايات المتحدة في تلقف العرض الإيراني، وتجاوبت معه بإيجابية، وشرعت في جولات تفاوضية يعلمون جيداً أنها أكثر ما يجيده الإيرانيون.

ظهرت حقيقة التوجه الغربي تجاه إيران عندما صرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأن “السنة” هم من يجب أن يتقبّلوا التكيّف في تلك المرحلة، فقال في حوار مع مجلة بلومبيرج فيوز: ”على شركاء الولايات المتحدة من السنّة في منطقة الشرق الأوسط قبول التغيير المقبل في علاقة الولايات المتحدة مع إيران”، وقال: ”هناك تحولات تحصل في المنطقة باغتت الكثير منهم (السنة).. وإن التغيير مخيف دائماً.. وإنه لطالما كانت هناك راحة بال بأن الولايات المتحدة مرتاحة للوضع القائم وللاصطفافات الموجودة، وأنها على عداء عنيد مع إيران”.

وقال في عبارات واضحة: ”ما دأبت على قوله لشركائنا في المنطقة هو أنه علينا أن نتجاوب، وأن نتكيف، مع التغيير”.

وعندما سُئِل أوباما عن أيهما الأخطر: التطرف السني، أم التطرف الشيعي؟ أجاب بصورة غير مباشرة، لكنها معبّرة وكاشفة، فقال: ”ما سأقوله هو أنك إذا نظرت إلى التصرفات الإيرانية، تراهم استراتيجيين وغير متهورين، ولديهم نظرة عالمية، ويرون مصالحهم، ويتعاملون مع حسابات الربح والخسارة”، ثم أضاف: ”هذا لا يعني أنهم ليسوا ثيوقراطية تتبنّى جميع أنواع الأفكار التي أعتقدها كريهة.. لكنهم ليسوا كوريا الشمالية. إنهم دولة كبيرة وقوية ترى نفسها لاعباً مهماً على المسرح الدولي، ولا أعتقد أن لديهم تمنيات بالانتحار، ولذلك جاؤوا إلى طاولة المفاوضات من أجل العقوبات”.

في الواقع يمكن قراءة عبارات أوباما الاستراتيجية على أنها صياغة لمبدأ أمريكي جديد في العلاقات الخارجية يمكن تسميته “تجرع السم”، بمعنى قبول التغيّرات السياسية الضاغطة التي قد تتعارض مع رؤى سابقة.

والمطالب في هذه الحالة بأن “يتجرع السم” هم السُّنَّة في العالمين العربي والإسلامي.

هذه التصريحات التاريخية يمكن تفسيرها باستخدام مقاربتين تستخدمان على نطاق واسع في دراسات العلاقات الدولية.

المقاربة الأولى هي “الصراع على القوة”
وهنا تبدو القوة السياسية بمعناها الواسع موضوعاً للصراع بين الدول في النطاقين الإقليمي والدولي، فكل دولة تسعى إلى زيادة قوتها بالطريقة التي تمليها عليها مصالحها، بغض النظر عن التأثيرات التي تتركها في مصالح الدول الأخرى، إذ لا مجال هنا للحديث عن مثاليات أخلاقية.

من ناحية أخرى، فإن التوازن في أي إقليم سياسي يكون استمراره رهناً بشروط، من أبرزها: أن يكون هناك تناسب بين نفوذ كل دولة وقوتها الحقيقية، وهنا بيت القصيد.

فإيران تنظر إلى نفسها بوصفها القوة الإقليمية الأكبر في المنطقة، كونها تملك مقومات القوة الثلاثة: القوة الاقتصادية، والقوة العسكرية، والقوة البشرية، ومن ثم تسعى طهران لتحقيق تناسب ما بين قوتها ونفوذها وسيطرتها.

التصريح الأخير لأوباما، والذي يدعو فيه السنة إلى تقبّل التغيّرات، يبدو كأنه دعوة غير مباشرة إلى القبول بموازنات القوة داخل المنطقة كما تراها واشنطن.. وطهران.

المقاربة الثانية هي منهج تحليل النظم
يستند هذا المنهج إلى طبيعة النظام الذي يحكم العالم، أي ما يتعلق بالقوانين والتوازنات وتبادل التأثيرات، وبناء العلاقات، وحسم الصراعات... إلخ.
حتى الحرب العالمية الثانية كان “نظام توازن القوى” هو الذي يسيطر على السياسة الدولية، ثم بعد انتهاء الحرب ظهر “نظام القطبية الثنائية”، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتراجع القطبية الثنائية؛ برز “نظام تعدد مراكز اتخاذ القرارات”، وفي هذه الحالة فإن حق التوجيه والتحكم يتوزع على عدد أكبر من الدول بغض النظر عن التفاوت النسبي في قوتها وإمكانياتها. وأبرز ما يميز هذا النظام أنه يسمح بمرونة نسبية في خروج الدول عن دوائر التحكم والسيطرة اعتماداً على تعدد مراكز الثقل.
بالنسبة للولايات المتحدة فإن هذه التطورات السياسية تدفعها للبحث عن صياغات جديدة للتحالفات والتوازنات، بالنظر إلى أن “استخدام القوة المطلقة” لم يعد هو العنصر الوحيد للتأثير في صياغة العلاقات الدولية، أو تحقيق المصالح القومية، ومن ثم يجب أن تبحث واشنطن عن معادلات جديدة للتوازن من خلال صياغة رؤية جديدة لبناء العلاقات مع الدولة الأكثر تأثيراً في المناطق الاستراتيجية بالعالم، وهذا يدفع أمريكا إلى تطوير علاقاتها مع إيران تحديداً؛ بسبب مركزيتها، وإمكانياتها السابق الإشارة إليها.
على الجانب الإيراني، تدرك طهران جيداً التغيّرات العالمية، وتداعياتها على السياسة الأمريكية تحديداً، وتدرك أن هناك مجالاً رحباً للتلاقي بين المشروعين “الأمريكي” و“الإيراني”؛ من أجل ذلك تبدي استعدادها لتقديم التنازلات، وعقد الصفقات، في ظل تراجع عربي عن حلقات التأثير المركزية.
إن تصريحات أوباما الأخيرة تمثل قفزة في العلاقات الأمريكية - الإيرانية، وتشكّل خطراً حقيقياً على المستقبل السياسي للدول السنية في السنوات القادمة، وإذا ما نجح الإيرانيون في إدارة هذا التقارب مع أمريكا، فإن التطورات ستكون كارثية على الجانب السني.
وهنا يحق للجميع أن يطرحوا تساؤلات عن مشروع سياسي عربي يواجه المشروعين “الأمريكي” و“الإيراني” وينأى بالمصالح القومية العربية عن أن تتحدد مساراتها تبعاً للمشروعين السابقين، إذ ليس من اللائق في تلك المرحلة الصعبة أن تكون إنجازاتنا السياسية على صعيد المواجهة مع إيران ناتجة بالأساس عن أهداف يحرزها اللاعب الإيراني بالخطأ في مرماه.
--------------------------------------------
*{م:البيان}
ــــــــــــــــــــــــ