المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التنوير معالمه..أسسه..غاياته.


عبدالناصر محمود
04-13-2014, 07:50 AM
التنوير: معالمه..أسسه..غاياته.*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

13 / 6 / 1435 هــ
13 / 4 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3826.jpg


التنوير في الاصطلاح الفلسفي:
-------------------

(التنوير أو الاستنارة)، بالمعنى الفكري والفلسفي الشائع، هو ترجمة للمصطلح الغربي الذي يذكر عادة تحت عنوان: حركة الأنوار أو فلسفة الأنوار أو عصر الأنوار أو فكر الأنوار: بالفرنسية “philosophie des lumieres”، وبالإنكليزية ”Enlightenment“، وبالألمانية “Aufklarung” وقد ترجمت إلى العربية بحركة التنوير أو حركة الاستنارة(1).

والتنوير مصطلح يطلق في الفكر الغربي على مجموعة واسعة من الكتابات ظهرت بدءا من أواسط القرن الثامن عشر الميلادي وإلى نهايته في أوساط الفلاسفة والمفكرين في فرنسا أساسا، ثم إلى درجة أقل في بريطانيا وألمانيا. وهذه الأفكار ظهرت وسط بيئة متشابكة من ردود الأفعال على الحكومات والطبقات المستبدة (الملكية) في تلك الحقبة، وعلى الأفكار الكنسية المصاحبة لها والمعضدة لها، كما ظهرت متأثرة بنضوج الفكر العقلاني (كما أسموه) الراجع بجذوره إلى عصر النهضة الأوروبية والمزدهر في القرنين السابع عشر والثامن عشر كذلك. وظهرت تلك الأفكار على أعتاب التغيرات الكبرى التي حدثت في أوروبا (ومهدت لها) في القرن التاسع عشر فيما عرف بعصر العلم، وعصر الثورة الصناعية، وعصر صعود الطبقة البورجوازية، وعصر الثورات الكبرى (الأمريكية والفرنسية)، وعصر الفكر الحر، وعصر المذاهب الفلسفية الرئيسية (الهيجلية والماركسية)(2).

الغاية من الفكر التنويري:

يقول مراد وهبه وهو أحد دعاة العلمانية ومن أشد المروجين لهذا المصطلح، يقول في كتابه مدخل إلى التنوير: "خلاصة القول: إن مهمة التنوير الأساسية لم تكن معرفة طبيعة الإنسان، وإنما تغيير المجتمع من أجل تغيير سلوك الإنسان، على أسس عقلانية ومادية"(3).

أسس الفكر التنويري العلماني:

يقوم الفكري التنويري على أساسين رئيسيين، أما الأول فهو تمجيد العقل (العقلانية)، وأما الثاني فهو (النظرة المادية) للحياة والإنسان وكل ما يرتبط به.

- العقلانية: يقول الدكتور المسيري: "الفكر الاستناري فكر عقلاني يؤكد المرجعية الإنسانية ومركزية العقل الإنساني، فمصدر المعرفة الوحيد هو العقل (الذي لا يقبل إلا البديهيات الواضحة وما يتفق مع قواعد المنطق)، والحواس (التي لا تقبل إلا ما يُقاس)، والتجريب (الذي تخضع له كل الموجودات). وكل ما هو مطلوب من الإنسان العاقل (المزوّد بالعقل وبالحواس وبالمنطق والمعرفة المتراكمة التاريخية والعلمية)، أن يقوم عقله برفض أي حقائق متجاوزة للواقع المادي المحسوس، مثل الأساطير والأوهام والغيبيات والتخيلات والحجج التقليدية والعقائد والمسلمات"(4).

- النظرة المادية: يضيف الدكتور المسيري بشأن هذه النظرة: "آمن دعاة الاستنارة بأن الطبيعة لها قوانينها الثابتة المطردة المعقولة، وأنها كل مادي ثابت متجاوز للأجزاء له غرض وهدف، ولذا فهي مستودع القوانين المعرفية والأخلاقية والجمالية، وما دام الإنسان مرتبطاً بالطبيعة مهتدياً بهديها، فإنه سيصل إلى الطريق المستقيم ويصل إلى المنظومات المعرفية والأخلاقية التي تخدم صالحه وتحقق التقدم اللانهائي وتعمل على ضبط المجتمع وترشيد السلوك الإنساني، فظهر الإنسان الطبيعي والحقوق الطبيعية، والدين الطبيعي والأخلاق الطبيعية"(5).

وعن هذين المحورين: نتجت باقي النظريات والقيم التي يجعلها مؤرخو الفكر أعمدة التنوير الفكرية وهي: العلمانية، الحرية، المساواة، الديمقراطية، التقدم، التاريخية، الوضعية، واللادينية، مع التنبه للطبيعة الطيفية لعلاقة هذه المفاهيم بفكر كل فيلسوف على حدة، فلا يلزم اجتماعها في واحد منهم ولا يلزم وجودها في كل واحد منهم أو وجودها بنفس القوة(6).

موقف الفكر التنويري من الدين:

يقول الدكتور محمد يحيى: " تحدد مضمون الكم الفكري المؤسس لحركة التنوير في الأساس بالموقف من الدين وفكره (وهو هنا المسيحية) كما رسم الفكر العقلاني الإنساني السابق على حركة التنوير والمصاحب لها، ولهذا اتسم فكر التنوير بعداء شديد ورفض للدين مسوغ بالعقلانية التي ترفض الغيبيات، وتجمع بين الدين وبين الخرافة والخزعبلات في وعاء واحد.

وفكر التنوير يرفض أن تكون الكنيسة وسيطا بين الإله والبشر، كما يرفض عقائدها المعروفة، ويرفض كتابها المقدس بعد عرضه على مقياس العقل النقدي المادي التشككي النزعة وعلى معيار علم التاريخ المادي النزعة. ويستخدم فكر التنوير مفهوم العقل بمعنى التوجه المادي والتشككي على وجه الخصوص ليوجه النقد إلى الدين (المسيحية) والكنيسة ومؤسسات الحكم والطبقية في الغرب في ذلك الوقت. كما يستخدم ليدخل مفاهيم جديدة تحل محل العقائد المرفوضة(7).

وعلى هذا الأساس ظهر انتقل العداء للإسلام ولكل ما هو إسلامي إلى حملة هذا الفكر في بلداننا العربية والإسلامية، فظهر جيل مقلد لفلاسفة الغرب وكتابه، دون الالتفات إلى الفوارق الزمنية والمكانية والاجتماعية والدينية بين الغرب المسيحي- الذي عانى الويلات من تسلط الكنيسة ورجالها- وبين الشرق الإسلامي الذي عاش أزهى عصوره في كنف الإسلام وتعاليمه.

التنوير بحسب بيئاته:

ينقسم التنوير بحسب بيئاته إلى ثلاثة أنواع لكل منها خصائصه وطبيعته التي تميزه عن غيره:

- التنوير الغربي العلماني (وهو خلاصة جهود الفلاسفة والعلماء الغربيين، الذين نادوا بقوة العقل وقدرته على فهم العالم وإدراك ناموسه وقوانين حركته).

- التنوير الشرقي العلماني (وهو ثمرة لجهود الغرب في اختراق المجتمعات العربية والإسلامية، وأفكار هذا القسم مستمدة في غالبها من أفكار التنويريين الغربيين "المؤسسين).

- التنوير الإسلامي (وهو نوعان تنوير منضبط بأصول الشريعة، يحوي أفكاراً تجديدية، وتنوير علماني بطابع إسلامي، يحوي كثيراً من الانحرافات والخروجات المستمدة في غالبها من كتابات المستشرقين ومناهضي الوجود الإسلامي في الغرب والشرق)، وهذا المصطلح أشهر وألصق بالقسم الثاني (المنحرف) لا القسم الأول (المنضبط).

معالم فلسفة الأنوار عند الأوروبيين(8):

- الهجوم على الدين وعلى السلطات القائمة وتسفيهها وذمها.

- الإشادة بالعقل الطبيعي، وشعارهم في ذلك: "إن أنوار العقل الطبيعي وحدها هي القادرة على قيادة بني الإنسان إلى كمال العلم والحكمة". وهذا يلخص بألفاظ بسيطة جداً كل برنامج حركة التنوير الغربية.

- يمكن أن نعتبر حركة التنوير حركة عقلانية ديكارتية معممة، أي تمديداً واسعاً يغطي جميع الميادين لعقلانية بقيت محدودة وخجولة عند "ديكارت" نفسه.

- الدعوة إلى عقلانية تجريبية حسب النموذج النيوتوني.

- حلول التحليل محل الاستنتاج العقلي النظري.

- إعتبار النظم الفلسفية الميتافيزيقية التي كانت سائدة في القرن السابع عشر أبنية خيالية.

- استبدال العقلانية التحليلية والنقدية ب"العقلانية الكبرى" التي كانت سائدة في القرن السابق.

- الإنسان معتبر ببساطة آلة أكثر تعقيداً من الحيوان.

- النظرة الحسية التجريبية الوضعية للأشياء تحل محل النظرة المتعالية التقديسية.

- الصراع الأساسي الذي تلتزم به حركة التنوير هو الصراع بين العقل التجريبي الوضعي النقدي وبين مضمون الإيمان الديني الغيبي.

- كانت حركة الإصلاح الديني قد طالبت بالعودة إلى مصادر الإيمان، أي إلى نصوص العهد القديم والعهد الجديد، لكن "سبينوزا" كان يطالب بأن يدرس النص الديني كأي نص عادي آخر، وكأي مجموعة من الوقائع بكل معطيات العقل النقدي ووسائله.

- نزعة الشك في النص المقدس في ثبوته وفي مصداقيته لكونه مثقلاً بالشروح والزيادات والتحريفات.

- الكتاب المقدس ليس سوى نسيج من الأساطير، والعقل المستنير يجب عليه أن يرفض هذه الخرافات التي هي من قبيل الطيرة،أو نزعة التطير.

- إذا كان معظم أبطال حركة التنوير قد بقوا مؤمنين بإله شخصي، "كفولتير" مثلاً، وبقوا يقبلون ديناً طبيعياً، أي يرون في فرضية إله خالق مطلباً طبيعياً من مطالب العقل فإنهم كانوا يرفضون أي دين موحى به.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) مصطلح التنوير: مفاهيمه واتجاهاته في العالم الإسلامي الحديث "نظرة تقويمية" محاضرة أعدها وقدّمها الدكتور عبد اللطيف الشيخ توفيق الشيرازي الصباغ.

(2) التنوير- د. محمد يحيى- مجلة البيان- العدد: 159.

(3) مدخل إلى التنوير- مراد وهبة: (ص:30).

(4) فكرة حركة الاستنارة وتناقضاته- عبد الوهاب المسيري: (ص:13).

(5) المرجع السابق: (ص:16-17).

(6) خارطة التنوير من التنوير الغربي إلى التنوير الإسلامي- أحمد سالم- مجلة البيان.

(7) التنوير- د. محمد يحيى- مجلة البيان- العدد: 159.

(8) مصطلح التنوير- الدكتور عبد اللطيف الشيخ توفيق الشيرازي الصباغ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ