المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوحي القرآني في الفكر اللاهوتي دراسة تحليلية نقدية


عبدالناصر محمود
04-15-2014, 07:46 AM
الوحي القرآني في الفكر اللاهوتي دراسة تحليلية نقدية*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ

15 / 6 / 1435 هــ
15 / 4 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3194.jpg




الوحي القرآني في الفكر اللاهوتي دراسة تحليلية نقدية

الدكتور عبد الراضي محمد عبد المحسن "1"

ــــــــــــــــــــــــــــ

منذ إسقاط الخلافة العثمانية ومنذ بدء الحقبة الاستعمارية ظهرت طبيعة التسلط الغربي، فاخذ العالم الإسلامي في تلمس طريقه للخلاص من هذه السطوة بدراسة الاستشراق والتنصير (التبشير)؛ بوصفهما بيت الداء والأداة الفاعلة للعالم الغربي في الصراع والسيطرة, ولكنهم لم يعتنوا كثيرا بدراسة الفكر اللاهوتي وعلاقته بالدراسات الاستشراقية والتنصيرية, باعتباره –أي الفكر اللاهوتي– الأب الروحي للاستشراق والتنصير.

فكان اللاهوتيون والرهبان باعتبارهما الطبقة المثقفة في العالم النصراني, فكانوا الأقدر على بدء العمل بمهام الاستشراق والتنصير؛ من خلال أديرتهم المختلفة المنتشرة في ربوع العالم الإسلامي مثل: البندكتيين والفرنسيسكان والدومينيكان واليسوعيين والآباء البيض والكيوشيين والكرمليين, ولذلك اعتبروا العمل التنصيري الاستشراقي جزء من العمل الكهنوتي في الكنيسة.

ولهذا كان لللاهوتيين قصب السبق في الأبحاث التي وجهت نحو للقرآن الكريم لدراسته وتصنيفه وللهجوم عليه, وكان رائدهم في ذلك من يدعي بالقديس يوحنا الدمشقي وهو أحد كبار آباء الكنيسة اليونانية الذي عاش في بلاط بني أمية.

وتوسعت تلك الأبحاث حتى وصلت إلى ما بعد سبعة قرون من ظهور الإسلام قرر مجمع فيينا الكنسي إنشاء خمسة كراسٍ لتعليم اللغة العربية في أكبر خمس جامعات في أوربا حينذاك (باريس، أكسفورد، بولونيا، سلمنكا، جامعة الإدارة المركزية البابوية) وعينوا للتدريس فيها مدرسين كاثوليك وذلك تحت هدف عام وهو التمهيد والإعداد لإعادة العرب إلى المسيحية.

ومر هذا الاهتمام بعدة مراحل حملت فيها أسماء هامة في اللاهوت لواء الاهتمام بدراسة القران والطعن فيه, مثل اللاهوتي المعروف الأب بطرس الموقر رئيس رهبان دير كلوني, الذي قام بأول ترجمة لاتينية لمعاني القرآن الكريم, ثم القديس توما الإكويني وتلاه اللاهوتي مارتن لوثر, وكذلك تطور الفكر اللهوتي في الدراسة والطعن في القران الكريم بعدة مراحل من خلال الأطياف المذهبية, فكان اللاهوت السرياني (اليوناني) ثم اللاهوت البيزنطي فاللاهوت اللاتيني مرورا باللاهوت الكاثوليكي ووصولا إلى اللاهوت البروتستانتي.

ولهذا جاء هذا البحث القيم بعد هذه المقدمة في خمسة مطالب وخاتمة خصص الباحث الفاضل مطلبا لكل مرحلة من مراحل اللاهوت المذكورة ثم جاءت الخاتمة كقراءة تحليلية لمعطيات المراحل الخمس بهدف استخلاص المعالم الأساسية المؤلِّفة لهيكل الفكر اللاهوتي حول القرآن الكريم.

المطلب الأول: الوحي القرآني في الفكر اللاهوتي السرياني
--------------------------------------

لم يكن اللاهوت السرياني موحداً ولا تضمه كنيسة مستقلة يجمع بين شتاتهم اللغة السريانية التي حفظت بها الكتابات اللاهوتية, وكان يوحنا الدمشقي الذي عاش في بلاط الخلافة الأموية أول لاهوتي نصراني ترد في كتاباته مقالات عن الإسلام والوحي القرآني, فطعن في جذور الإسلام "الإبراهيمية الحنيفية" ووصف الإسلام كهرطقة مسيحية تؤذن بقدوم المسيح الدجال, وأن القرآن الكريم من تأليف النبي صلى الله عليه وسلم, وتبع يوحنا الدمشقي عدد كبير من كهنتهم لم يختلفوا عنه كثيرا في أقوالهم عن الإسلام.

ثم شرع الكاتب الكريم في الرد على هذه الاتهامات بردود علمية من أقوال من اهتدوا للإسلام من اللاهوتيين أنفسهم أو من ردوده الشخصية.

المطلب الثاني: الوحي القرآني في الفكر اللاهوتي البيزنطي
----------------------------------

استمد اللاهوت البيزنطي نفوذه وقوته من سلطة الدولة البيزنطية وعاصمتها القسطنطينية فتشكل على هيئة مجامع تنعقد كل فترة, وتبنى اللاهوت البيزنطي نفس الرؤية اللاهوتية ليوحنا الدمشقي فقالوا أن محمدا -صلى الله عليه وسلم– لم يكن نبيا ولم يتلق وحيا صادقا وإنما تلقى تعليما هرطقيا مسيحيا, ولهذا لم يكن للفكر اللاهوتي البيزنطي خصائص مميزة أو علامات فارقة أو إسهامات ذات قيمة في رؤيته للوحي القرآني.

المطلب الثالث: الوحي القرآني في الفكر اللاهوتي اللاتيني
--------------------------------------

تمايز اللاهوت اللاتيني عن اللاهوت البيزنطي في القرن الثامن الميلادي عندما أضيفت عبارة (المنبثق من الآب والابن) كتعريف مكمل للروح القدس, وجاءت تصوراتهم عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بمعلومات خاطئة ومغلوطة ولا تستند لأي دليل تاريخي بل خالفوا فيها كل الحقائق الثابتة مما اظهر أن دراستهم للقران الكريم ستخرج بنفس النتائج السطحية والساذجة والمخرفة تاريخا, فقال أحدهم وهو إمبريشو الماينزي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ليبيا وكان يعمل خادما لأحد القناصلة هناك والتقي في ليبيا بساحر شرير منفي الذي استخدمه للانتقام من المسيحية وساعده لكي ينال منصب الملكية في ليبيا .. إلى غير ذلك من التخاريف البعيدة عن العلم أو العقل.

بينما قال مخرف آخر وهو جيوبرت النوجنتي أن محمدا -صلى الله عليه وسلم– كان إسكندريا ودخل في صراع حول تولى منصب أسقف الإسكندرية, وبمساعدة زاهد سكندري لقنه وعلمه تعاليم هرطقية فزعم أنها وحي إلهي.

ولنا أن نتصور كيف يمكن أن تكون ترجماتهم وكتابتهم عن القران الكريم التي لا تستند لعقل أو علم أو منطق أو فكرة يمكن أن تثبت عند المناقشة العلمية.

المطلب الرابع: الوحي القرآني في الفكر اللاهوتي البروتستانتي
-------------------------------------

وهو أوضح مراحل اللاهوت النصراني فأصدر مارتن لوثر تصوره اللاهوتي للوحي القرآني في كتابين هما: (الموعظة الحربية ضد الأتراك) و (من الحرب على الأتراك) حيث قال فيهما عن المسلمين أنهم: هم عصا الرب وخدام الشيطان بعدما الإسلام عقوبة إلهية لعصاة النصارى, وذلك لأنه كان يعتبر الإسلام والمسلمين مشكلة سياسية للنصارى أكثر منها مشكلة دينية, وقال أن: الشيطان هو محرِّض محمد وأن القرآن عمل الشيطان وأن الإسلام انتشر بالسيف وليس بقوة القرآن الروحية وان الإسلام قوة دنيوية شيطانية لا تهدد فقط المسيحية لكنها تهدد كذلك كل أديان العالم.

وهنا نجد أن مارتن لوثر متأثر بشدة وواقع تحت ضغط عصبي اثر على كل كتاباته عن الإسلام والقران والمسلمين, حيث انه عاش في فترة قوة الدولة العثمانية وسيادتها على كثير من أرجاء المعمورة ولم يكن أمامه تصرف حيال ذلك سوى نعته بمعاونة بابا روما مرة ونعته بمعية الشيطان مرة نتيجة انتصارات المسلمين العثمانيين المبهرة وهزائم النصرانية المخزية أمامهم.

المطلب الخامس: الوحي القرآني في الفكر اللاهوتي الكاثوليكي
--------------------------------

اللاهوت الكاثوليكي هو امتداد للفكر اللاهوتي اللاتيني فرأوا أن المسيحية هي الديانة الوحيدة الحقة الموحى بها من السماء أما الإسلام فهو ديانة وضعية مقطوعة الصلة بالوحي الإلهي وهي ذات كتاب ملفق فالكنيسة الكاثوليكية وحدها هي التي تمتلك الحقيقة وأنه لا خلاص إلا عن طريقها, ذلك مع عدم الاعتراف بالإسلام بوصفه دينا ولكن بوصفه كيان وجماعة إنسانية اجتماعية لكنهم ليسوا أتباع دين سماوي وعدم الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومع عدم الاعتراف أيضا بان الوحي القرآني وحي إلهي.

الخاتمة
---------
- استند الفكر اللاهوتي بمراحله جميعا على فرضية قالها يوحنا الدمشقي فلم يخرج عن إطارها وهي: تعلم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على يد راهب أريوسي, وهي فرضية تفتقر إلى أي سند علمي يؤيدها أو يرجحها أو حتى ينقلها من مربع الأسطورة إلى مربع الفرض العلمي ذي الحاجة إلى البرهنة والاستدلال.

- أراد الموقف اللاهوتي من الوحي القرآني أن يحاصر الدين الجديد ليحاول وقف انتشاره لما رأوا فيه الخطر الداهم والتهديد الأكبر لديانتهم الباطلة.

- استمد الفكر اللاهوتي أفكاره عن الإسلام من معلومات الرحالة النصارى إلى بلاد الإسلام وليس من مصادر الإسلام كالقرآن والسنة.

- اتفق الفكر اللاهوتي رغم تغير الأساليب وطرق التصنيف ووسائل البحث ومصادر المعلومات عن الإسلام على أن القرآن كتاب غير رباني المصدر ولكنهم اختلفوا حول مصدره الأساسي فمنهم من قال بالمصدر اليهودي وقائل بالمصدر النصراني وقائل بالمصدر الوثني.

- واتفق الفكر اللاهوتي على أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي غير حقيقي ولم يتلق وحيا إلهيا وقال بعضهم أنه –حاش لله- كان مريضا بالصرع

وفي النهاية جزى الله الكاتب الكريم خيرا على هذا الكتاب القيم العميق في مادته ومعناه ومجال بحثه .

ــــــــــــــــــــــــ

"1" الدكتور عبد الراضي محمد عبد المحسن رضوان

أستاذ مشارك بقسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة. مصر.

أستاذ مشارك (معار إلى) كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. المملكة العربية السعودية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــــ