المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرد على مزاعم المستشرقَين ومن أيدهما من المستغربين


عبدالناصر محمود
04-15-2014, 08:00 AM
الرد على مزاعم المستشرقَين ومن أيدهما من المستغربين*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

15 / 6 / 1435 هــ
15 / 4 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_4153.jpg


البحث: الرد على مزاعم المستشرقَين إجناتس جولدتسيهر ويوسف شاخت ومن أيدهما من المستغربين

إعداد: د. عبد الله عبد الرحمن الخطيب.

ــــــــ

تعرضت السنة النبوية الشريفة للطعون والشبهات من الحاقدين والحاسدين منذ العصور الأولى للإسلام. ومنذ بداية القرن العشرين تعرضت السنة لحملة طعون وشبهات مغرضة من المستشرقين بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم وتشكيكهم في أهم مصادر شريعتهم، ولكن الله تعالى هيأ لهذه الأمة جهابذة ورجالا في القديم والحديث حفظوا السنة وصانوها من عبث العابثين، ومن افتراءات المغرضين، فبيَّنوا الحق من الباطل والصحيح من السقيم، وذادوا عن حياض السنة المطهرة وفندوا وردوا على شبهات أولئك الطاعنين بالحجة والبرهان. ومن أهم هؤلاء الطاعنين في السنة المستشرقان اليهوديان: إجناتس جولدتسيهر وجوزيف شاخت.

ويتناول هذا البحث نقد آراء هذين المستشرقين والرد عليهما فيما يتعلق بنقل السنة النبوية الشريفة والاعتماد في ذلك على نقد المتن والإسناد. فهذان المستشرقان ومن أيدهما من المسشرقين والمستغربين الذين انخدعوا بآراء المستشرقين، يرون أن الحديث النبوي الشريف الذي بين أيدي المسلمين اليوم قد وضعه واخترعه أصحاب الفرق والمذاهب الفقهية الإسلامية، وأن المنهجية التي اعتمدها المحدثون في نقد الحديث غير علمية، وأنها اعتمدت على نقد السند دون المتن.

وقد جاء هذا البحث في مقدمة وثلاثة أقسام وخاتمة وتوصيات:

القسم الأول: عرض لآراء المسلمين حول منهجية توثيق السنة وأهمية الاعتماد في النقد على السند والمتن معا:

أوضح الباحث أن علم المصطلح قد أدى وظيفة الحفاظ على السنة النبوية من خلال قواعد دقيقة لنقد السند والمتن مما أدى لمعرفة أنواع الحديث والتمييز بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع. والوظيفة الأخرى التي أداها علم المصطلح هو تقسيم الحديث إلى مقبول ومردود.

كما أوضح أن هناك تكاملا وشمولا في المنهج النقدي لدى المحدثين بحيث شمل السند والمتن معا، والأدلة من علم المصطلح كثيرة على هذه القضية بحيث نستطيع القول بأن زعم المستشرقين بأن العلماء اعتنوا بنقد السند دون المتن هو على شهرته أشد مزاعمهم ضعفا وأوضحها سقوطا، وإن علماء الحديث والفقه قد نقدوا المتن بما فيه الكفاية، ولكن المستشرقين ومن أيدهم يريدون لهذا النقد أن يتجاوز حدود الشرع مما يؤدي إلى رفض الأحاديث التي لم تجد قبولا لدى عقولهم المتحجرة.

القسم الثاني: عرض لآراء المستغربين والمستشرقين فيما يتعلق بتوثيق السنة ونقد المتن والرد عليهم:

وفي هذا القسم عرض الباحث لآراء عدد من المستشرقين، وأتباع المستشرقين من المستغربين فيما يتعلق بتوثيق السنة ونقد المتن ثم الرد عليهم، فأشار إلى أن محمد عبده أول عالم مسلم معاصر توجه بنقده لبعض الأحاديث المقبولة والصحيحة عند العلماء المسلمين، وتابع محمد عبده تلامذته الذين وسعوا أفكاره وفصلوها..

كما تعرض الحديث النبوي الشريف لحملة طعونات وتشكيكات من المستشرقين. وتختلف وجهة نظرهم عن نظرة المسلمين للحديث. فالمستشرقون يرون أن معظم الأحاديث المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم هي في الحقيقة ليست أقوالا له، ولكن بعض تلك الأحاديث تنقل لنا أفكاره وتقريراته.

وفي النقطة الثالثة من هذا القسم رد الباحث على ما ادعاه المستشرقون من أنه كان سهلا اختراع سند ولصقه بأي حديث، وأن الأحاديث لا تحتوي على معلومات موثوقة عن الفترة الأولى من الإسلام، وأن الحديث الشريف وجد نتيجة للتطور الديني والتاريخي والاجتماعي.

ثم الرد على عدد آخر من الشبه، منها:

- الرد على زعمهم بأن الصحابة كذبوا على الرسول صلى الله عليه وسلم.

- الرد على الزعم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه معجزة مادية، والادعاء بأن إخباره عن مدن وفرق لم تكن في عصره، أمر لا يقبله العقل.

- الرد على مزاعم المستشرقين ومن أيدهم فيما يتعلق بإهمال نقد المتن عند المحدثين.

القسم الثالث: نظرية الإسناد عند شاخت والرد عليه.

ادعى شاخت أن عادة الجيلين من العلماء الذين سبقوا الشافعي أن ينسبوا الأحاديث إلى الصحابة والتابعين، ومن النادر أنهم كانوا ينسبونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ووصل إلى نتيجة مفادها أن الأحاديث المنسوبة للصحابة والتابعين سبقت في وجودها الأحاديث المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو بذلك يود أن يقلع جذور الشريعة الإسلامية، ويقضي على تاريخ التشريع الإسلامي قضاء تامًا؛ ولهذا فقد وصف العلماء المسلمين خلال القرون الأولى بأنهم كانوا كذابين وملفقين وغير أمناء.

وقد عرض الباحث لمواقف العلماء من المستشرقين وغيرهم من نظرية شاخت، ثم رد عليها في خلال ردود العلماء عليه، والتي تلخصت في نقاط منها:

1- نقلت الأحاديث النبوية الشريفة إلينا حفظاً وكتابة من بداية العهد النبوي الذي هو بداية للتاريخ الإسلامي.

2- تعرضت الأحاديث النبوية الشريفة التي نقلت إلينا للنقد الشديد في كل مراحل نقل الحديث.

3- إن سبب كثرة الأحاديث خلال القرن الثاني والثالث الهجريين راجع إلى كثرة رواة الأحاديث وكثرة الأسانيد للأحاديث، وليس سببه هو عملية الوضع.

4- الأمثلة التي ذكرها شاخت ترد على نظريته بخصوص ظاهرة الإسناد لأن وجود الأعداد الكبيرة من الرواة مع انتمائهم لعشرات المدن المترامية الأطراف تجعل كلا من نظرية القذف الخلفي للأســانيد back projecting والاختراع الاصطناعي للأسانيد غير قابلة للالتفات وعملية نادرة الوقوع.

ثم ختم الباحث دراسته بخلاصة ما توصل إليه من نتائج، ومنها:

تبين لنا مما سبق أن الله تعالى حفظ سنته كما حفظ كتابه، فقام الجهابذة من علماء الحديث وغيرهم بوضع قواعد علمية دقيقة في نقد السند والمتن معا للحكم على صحة الحديث أو عدمه. ولم يكن الهدف من هذا البحث استقصاء كل آراء المستشرقين ومزاعمهم حول نقل السنة النبوية الشريفة، ثم تحليلها والرد عليها، بل اكتفينا بالرد على مزاعمهم فيما يتعلق بالعناية بنقد المتن والإسناد. وبناء على ما سبق أقول:

- إنني أرى رأي كل من المحدثين والعلماء المعاصرين مثل محمد الأعظمي وفؤاد سزكين ومحمد عجاج الخطيب ونور الدين عتر وغيرهم، ممن يرون أن أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي وصلت إلينا قد خضعت لمنهج نقدي دقيق شامل في كل مراحل نقلها إلينا، ولذلك فإن ما لدى المسلمين الآن من الأحاديث هي أحاديث يمكن الوثوق بها والاعتماد عليها.

- إن كل ما ساقه المستشرقون والمستغربون من مزاعم ضد الحديث النبوي وتوثيقه لا يمكن قبولها وهي منتقضة بالأدلة العلمية التي ساقها العلماء المسلمون الذين دافعوا عن السنة كما دافعوا قبل ذلك عن القرآن الكريم، وما هذه المزاعم إلا خيالات أو افتراءات لا تعتمد على برهان.

- إن الفقهاء والمحدثين المسلمين قد برهنوا أن نقد المتن كان جزءاً رئيساً في عملية الحكم على صحة أي حديث، وأكدوا أن أي حديث يحظى بالقبول يجب أن يكون خاليا من أي علة أو شذوذ في المتن أو في الإسناد، فإذن مزاعم المستشرقين لم تثبت ولم تصمد أمام أدلة العلماء المسلمين التي أكدت بأن الاعتماد على صحة الحديث كانت تعتمد على نقد السند ونقد المتن معا.

- إن نقد المتن سبق نقد السند، وقد نمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الملكة ودعا إلى ترسيخها بقوله وفعله وإقراره، وقد قام الصحابة الكرام بالنظر في النصوص ونقدها ولم ينكر عليهم. فلذلك نستطيع أن نقول: إن نقد النصوص سنة نبوية شريفة سنها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته فلا يجوز إنكارها، وإن أمته تبعته في ذلك عبر العصور المتطاولة خلال أربعة عشر قرنا. وكان الصحابة رضوان الله عليهم ينتقد بعضهم مضمون روايات بعض.

- يرجع أحد الأسباب الرئيسة للاختلاف بين المذاهب الفقهية والعقدية إلى نقد المتن، وإن علم مختلف الحديث وعلم العلل والشروط التي وضعها العلماء للحكم على صحة الحديث وحسنه خير شاهد على اعتناء العلماء بنقد المتون.

- تشهد الكتب الستة على أن نقد المتن كان جزءا لا يتجزأ منها، فأصحابها إنما انتقوها من أحاديث عديدة قائمة على البحث والتتبع والانتقاء الدقيق من الروايات.

- ليس معنى إبراز (منهج نقد المتن عند علماء الحديث) هو فتح الباب أمام غير المختصين لولوج هذا الباب الدقيق، الذي يحتاج لعلم غزير ومراس بأحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، لذا فلا يجوز أن يخوض في نقد المتن إلا الجهابذة المحققون الذين توافرت فيهم صفتا التقوى والرسوخ في العلم.

- قدم المحدثون نقد السند على نقد المتن لأسباب عديدة منها: أن رجال الحديث هم الأساس، فإذا ضعف الأساس ضعف البنيان، وإن نقد السند يسمح لنا بنقد موضوعي، وأما نقد المتن فلا يكون دائما موضوعيا لأنه قد يقع الناقد بأخطاء في فهمه للنص وتأويله.

- تبين لنا أن النقد الموجه من المستغربين ومن المستشرقين ولاسيما منهم المستشرق شاخت، ضد الاعتماد على الإسناد ليس نقدا علميا بل لا يرقى إلى الشبهة العلمية، وإنما هو محض افتراءات وأوهام.

- بالرغم من قبول الأوساط العلمية والتعليمية في الغرب لنظرية شاخت إلا أنها نظرية خاطئة وغير صحيحة ولا يمكن قبول تعميماتها، وقد تبين لنا بالبرهان سقوط ما ادعاه شاخت من أن الإسناد هو الجزء الأكثر اعتباطا من الحديث، وأن المسلمين نسبوا أحاديثهم تدريجيا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ووضعوها باسمه. ولهذا فإن آراء المستشرقين ومن أيدهم في هذا المجال لا يمكن قبولها بأي صورة من الصور، والتحقيق أن الحديث ونقده كان يعتمد على قواعد علمية شاملة وصارمة، لذا يمكن الوثوق بكل ما عندنا من الحديث النبوي الشريف.

فجزا الله الباحث خيرًا على ما قام به من جهد في هذا البحث، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــــ