المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثورة‏..‏ والثور الذي يريدون حلبه


يقيني بالله يقيني
02-15-2012, 12:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الثورة‏..‏ والثور الذي يريدون حلبه
بقلم: نبيـل عـمــر

يهوي الأمريكان أحيانا المثل المصري الشائع‏:‏ نقول تور‏..‏ يقولوا احلبوه فيهربون من الإجابات عن الأسئلة المباشرة‏,‏ ويستهويهم اللف والدوران في بيت حجا‏.. ويمكن أن يظل المرء شهرا أو عاما وهو يحاول أن يحصي عدد المرات التي مارس فيها الأمريكان هذا النوع من الحب الحرام منذ نهاية الحرب العالمية الثانية!



ومنذ دست السلطة المصرية أنفها في ملف التمويل الأجنبي والمنظمات العاملة في مصر والأمريكان يلاعبونها بحكاية الثور والحليب, فالحكومة تقول إن هذه المنظمات تعمل في البلاد بلا تراخيص قانونية ودون أي سند شرعي.
ولها نشاطات وأعمال هي من صميم الشئون الداخلية لحياة المصريين, فلا يرد الأمريكان عليها, وينهالون عليها ضربا بالسياط والابتزاز والاتهامات: العسكر يقتلون منظمات حقوق الانسان, ويطاردون الحريات, ويتعقبون الجمعيات المناهضة للطغيان والفساد, ولم يحاول أمريكي واحد أن يقترب من الاتهامات الموجهة لهذه المنظمات, ويبرر للرأي العام أسباب عملها في مصر دون تراخيص أو شرعية, وهل هذا جائز في أي دولة, أو علي الأقل في الولايات المتحدة نفسها, وهي أكثر بلاد الدنيا سهولة وحرية؟
وهنا لا أتحدث عن أفعال أو برامج أو دور تلعبه المنظمات غير الشرعية, أو غرابة الوسائل التي تنتقل بها الأموال إليها, وهل من الأعراف المالية والمحاسبية أن يجري تحويل هذه الأموال إلي حسابات شخصية للعاملين فيها أو المتعاونين معها؟, وكيف لمنظمة غير موجودة قانونا أن تضمن ولاء الشخص المحول له أموالها؟ وكيف تحمي نفسها من أن يتنكر لها ويعطيها ظهره ويقول لها: آسف... لا أعرفكم؟ أو ما هي الضمانات التي لجأت إليها حتي تبعد عنه وسواس الشيطان فلا يخونها ويلهف فلوسها ويختفي عن الأنظار؟

مسائل محيرة غامضة لا يحاول الصديق الأمريكي أن يجلوها ويشرحها لنا من باب الصداقة الاستراتيجية, وهو يعلم أن عددا من هذه المنظمات, إن لم تكن كلها, لها أفرع تعمل في اسرائيل وفق القوانين الإسرائيلية ودون خروج عليها, فهل أمريكا تعتبرنا أصدقاء درجة ثانية وتمارس ضدنا نوعا من التمييز العنصري؟!

لا أمريكا تمارس تمييزا عنصريا ضدنا, ولا تعتبرنا أصدقاء لها.. والمسألة مصالح وبيزنس.. وهذا حقها وشيء طبيعي جدا, فعالم السياسة والعلاقات الدولية لا يعترف بـ العواطف بين الدول ولا يعرفها أصلا, لأن علاقات الدول تستند في روابطها ومتانتها وضعفها إلي المصالح وموازين القوي. ومصالح أمريكا الاستراتيجية في المنطقة معروفة ومعلنة, ولا يمر يوم دون أن تذكرنا بها, وعلي رأسها الحفاظ علي أمن اسرائيل من أي مخاطر محتملة من الجيران العرب, وأن تضمن تفوق اسرائيل في السلاح والعتاد العسكري علي الجيران مجتمعين!

وقطعا مصر القوية.. حتي في وجود معاهدة سلام مع إسرائيل.. هي أكبر تهديد أو خطر محتمل علي اسرائيل, والبديل أن تظل مصر ضعيفة متهالكة, غير قادرة علي النهوض, مثل مريض يعيش علي جهاز التنفس الصناعي, لا يموت حتي لا ينفرط عقد المنطقة وتحدث فيها فوضي قد تنتج أفعالا وأعمالا يصعب السيطرة عليها أو التكهن بحركتها وضرباتها, وأيضا لا يشفي حتي يسترد قوته وصحته ويجمع جيرانه حوله ويعود لاعبا حاسما, وقد جربت اسرائيل فعلا جزءا من بعض قوته في حرب أكتوبر 1973, وكانت مصر أقل عتادا وتسليحا وتكنولوجيا خاصة في الطيران والمدرعات والحرب الإلكترونية, وبالرغم من هذا أذاقت إسرائيل المر, وأهانت السلاح الأمريكي الأكثر تقدما, وأسقطت خط بارليف الحصين بفكرة عبقرية بسيطة وهي مدافع المياه من قناة السويس, وكان العالم كله, غربه قبل شرقه, لا يتوقع سقوطه دون قنبلة ذرية!
إذا كان أمن إسرائيل واحدا من أهم المصالح الأمريكية الاستراتيجية في المنطقة, فما الذي تسعي إليه أمريكا من تمويل منظمات مجتمع مدني عاملة في مصر؟, وما الذي تنشده من تدريب شباب مصري علي التظاهر ومقاومة أجهزة الأمن وإنهاك جنودها؟, وما هدفها من تلقين هؤلاء الشباب تكتيكات الثورة وشعاراتها وأساليب مخاطبة الجماهير, وطرق التحريض, وكيفية الحفاظ علي سخونة المواقف والأوضاع, أو إعادة إشعالها إذا مالت إلي الهدوء والسكينة؟.. هل مصر الديمقراطية القوية العصرية من مصلحة أمريكا واسرائيل؟!

نحن أمام معضلة حقيقية..
قطعا نحن شعب في ثورة, وقد توافرت لها كل الأسباب والظروف, وقادها شباب منا كانوا أكثر شجاعة وقوة وحمية.. قادوها من أجل مصر, ومصر فقط وانضم اليهم ملايين المصريين معبرين عن حلمهم في مستقبل أفضل!

لكن مصر ليست دولة هينة ولا عادية, ولا يمكن أن تترك لحالها, وهي تعيد تشكيل هياكلها الآن, وتأسيس قواعدها ورمي أساسات كيانها الجديد لمئات السنين المقبلة.. فهل؟!

قطعا لن يدعوا مصر تصنع لنفسها بنفسها ما تشاء, بغض النظر عن التفاصيل الصغيرة المتزاحمة في المشهد الآن, والتي تشوه صورة المستقبل وتجعله صراعا لن ينتهي بين الدولة الدينية والدولة الديمقراطية, بين الدعاء والعمل, بين التواكل والمعرفة, بين التزمت والحرية, فهذه تفاصيل سوف تهضمها الشخصية المصرية وتفرز منها حلا وسطا عبقريا كما صنعت طوال تاريخها..

ويحاول الآن أصحاب البوتيكات الخارجية أن يبذروا من يمثلهم في نسيج البنيان الجديد, فينمو بهم ويكبر معهم.. ويصبح بعضهم من أعمدته وحوائطه الحاملة ورموز حياته.
والفوضي هي أنسب مناخ لصناعة هذه الخلطة الجهنمية, فوضي يختلط فيها الحابل بالنابل, الصحيح بالمكسور, المزيف بالأصلي, الحرية بالفوضي, الثوار بالبلطجية, الإعلام بالبروباجندا, العملاء بالنجوم, الطابور الخامس بالوطنيين.. ويصطف الجميع في طابور الوطن.. الوطن المريض الذي يعيش علي جهاز التنفس, فلا يشفي ولا يموت ولا يهدد في يوم من الأيام إسرائيل.

هذه هي اللعبة, وإذا قلنا تور.. سوف يقولون لنا احلبوه!
ــــــــــــــــــــــــــ
دمتم بخير