المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أثر العلم الشرعي في مواجهة العنف والعدوان


عبدالناصر محمود
04-24-2014, 07:41 AM
أثر العلم الشرعي في مواجهة العنف والعدوان**
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ

24 / 6 / 1435 هــ
24 / 4 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/3347.jpg


عنوان البحث: أثر العلم الشرعي في مواجهة العنف والعدوان

إعداد: د: عبد العزيز بن فوزان بن صالح الفوزان(*)

ـــــــــــ

الأمن حاجة إنسانية ملحة، ومطلب فطري لا تستقيم الحياة بدونه، ولا يستغني عنه فرد أو مجتمع، والحياة بلا أمن حياة قاحلة مجدبة، شديدة قاسية، لا يمكن أن تقبل أو تطاق.

فالأمن من أهم مقومات السعادة والاستقرار، وأهم أسباب التقدم والتحضر والرقي، وهو مطلب تتفق على أهميته جميع الأمم والشعوب، والأفراد والمجتمعات، في كل زمان ومكان.

وإذا فقد الأمن اضطربت النفوس، وسيطر عليها الخوف والقلق، وتعطلت مصالح الناس، وانقبضوا عن السعي والكسب، وانحصرت هممهم بتأمين أنفسهم ومن تحت أيديهم، ودفع الظلم والعدوان الواقع أو المتوقع عليهم.

وإذا كان الأمن حاجة إنسانية ملحة، لا يستغني عنها فرد أو مجتمع، فإن ذلك يعني بالضرورة وجوب مواجهة ما يخل به من العنف، ومعالجة آثاره، وقطع الأسباب الداعية إليه.

لهذا يركز الباحث في هذا البحث على بيان أثر العلم الشرعي في مواجهة العنف؛ فإن العلم الشرعي المؤسس على الكتاب والسنة هو الذي يهذب النفوس، ويطهر القلوب، ويقيد صاحبه عن العنف والإجرام، ويمنعه من الظلم والعدوان، ويحمله على تعظيم حقوق العباد وحفظ مصالحهم، ويحجزه عن الإقدام على هتك الحرمات، وارتكاب المظالم والموبقات، وهو يمنع من العنف ابتداءً، وهو أيضًا من أعظم الأسباب المعينة على علاج هذه الظاهرة الخطيرة، وحمل من تلبس بشيء منها على التوبة والإنابة، وعدم التكرار والمعاودة.

وعليه انتظم هذا البحث في مقدمة وتمهيد وخاتمة ومبحثين على النحو الآتي:

المقدمة: تحدث فيها الباحث عن أهمية الأمن ودور الشريعة في المحافظة عليه، وعرض في نهاية مقدمته لخطة بحثه.

التمهيد: أشار الباحث في تمهيده إلى أن ضلال الخلق على كثرة صوره وأنواعه، وتعدد مظاهره وأشكاله، سواء كان في الأفكار والتصورات، أو الأخلاق والسلوكيات، أو الأعمال والممارسات، يعود في حقيقته إلى سببين رئيسين:

الأول: الجهل أو العمى.

والثاني: الظلم أو الهوى.

وبين أن الجهل أصل الضلالين، وأخطر الشرين، فما من أحد يتبع الهوى، ويعرض عن الحق والهدى إلا بسبب جهله بالله وسطوته، وغفلته عن شؤم الذنب وسوء عاقبته.

المبحث الأول: تحريم الاعتداء على النفس.

وجاء هذا المبحث في مطلبين:

المطلب الأول: تحريم اعتداء الإنسان على نفسه.

المطلب الثاني: تحريم اعتداء الإنسان على غيره.

ففي المطلب الأول بين الباحث أن نفس الإنسان ليست ملكًا له، وإنما هي ملك لخالقها وموجدها سبحانه وتعالى، وهي أمانة عند صاحبها، سيسأل عنها يوم القيامة، أحفظها وقام بحقها، أم ضيعها وظلمها، ولم يقم بما يجب لها؟

ولهذا فلا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه، ولا أن يغرر بها في غير مصلحة شرعية، ولا أن يتصرف بشيء من أجزائها إلا بما يعود عليها بالمصلحة، أو يدرأ عنها المفسدة، وليس له أن يُضر بنفسه بحجة أنه يتصرف فيما يخصه، وأنه لم يعتد على غيره، فإن اعتداءه على نفسه كاعتدائه على غيره عند الله تعالى.

وفي المطلب الثاني بين الباحث أن إذا كان اعتداء الإنسان على نفسه بتلك المثابة من التحريم والتغليظ في العقوبة، فإن اعتداءه على غيره أشد تحريمًا، وأعظم إثمًا، وأغلظ عقوبة، وأسوأ عاقبة. وبين كذلك أن نصوصاً كثيرةً قد جاءت في الكتاب والسنة، تحذر من ذلك تحذيرًا شديدًا، وتبين سوء عاقبته، وعظم عقوبة فاعله.

المبحث الثاني: تحريم إنكار المنكر إذا كان يستلزم ما هو أنكر منه.

في هذا المبحث بين أشار الباحث إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما شرعا ل*** المصالح ودرء المفاسد؛ ولهذا فإنهما داخلان تحت قاعدة جليلة مشهورة، تدور عليها جميع أحكام الشريعة، ألا وهي قاعدة "المصالح والمفاسد".

فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يفوّت مصلحة أكبر من مصلحة القيام بهما، أو ي*** مفسدة أكبر من مفسدة تركهما، كان الأمر والنهي في هذه الحال حرامًا، لأنه يناقض الحكمة التي شرعا من أجلها.

وعن درجات إنكار المنكر بين المؤلف أن إنكار المنكر أربع درجات. الأولى: أن يزول ويخلفه ضده. والثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته. والثالثة: أن يخلفه ما هو مثله. والرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.

فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحرمان إذا تضمنا تفويت مصلحة أكبر، أو *** فتنة ومفسدة أعظم. فلا يجوز أن يؤدي الأمر بالمعروف إلى انتفاء معروف أكبر منه، ولا النهي عن المنكر إلى حصول منكر أنكر منه، وعند تزاحم المصالح، نحصّل أعلاها ولو بتفويت أدناها، وعند تزاحم المفاسد ندفع أعلاها ولو بارتكاب أدناها، فنختار خير الخيرين، وندفع شر الشرين.

خاتمة: خلص الباحث في نهاية بحثه إلى النتائج التالية:

1- أهمية الأمن، وأنه حاجة إنسانية ملحة، ومطلب فطري لا تستقيم الحياة بدونه، ولا يستغني عنه فرد أو مجتمع.

2- أن للإسلام منهجه المتفرد في تحقيق الأمن ومكافحة العدوان والعنف.

3- ضلال الخلق على كثرة صوره وأنواعه، وتعدد مظاهره وأشكاله، سواء كان في الأفكار والتصورات، أو الأخلاق والسلوكيات، أو الأعمال والممارسات، يعود في حقيقته إلى سببين رئيسين: الأول: الجهل أو العمى، والثاني: الظلم أو الهوى.

4- لو تأملت في أحوال العاصين المفرطين، والمبتدعة الضالين، والغلاة الجافين، لوجدتهم إنما أتوا من قبل هذين الأمرين أو أحدهما، والجهل أصل الضلالين، وأخطر الشرين.

5- كل علم يتوقف عليه القيام بالواجب أو ترك المحرم، فتعلمه فرض عين على كل مسلم مكلف، أما ما زاد على ذلك من العلوم الشرعية أو الدنيوية التي تحتاجها الأمة، فهذه تعلمها فرض كفاية.

6- لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، والفرق واسع والبون شاسع بين العالم البصير والعابد الجاهل، وأسباب ذلك كثيرة ظاهرة.

7- وجوب الحذر من الأئمة المضلين، والجهلة المتعالمين، والمتصدرين للفتوى وليسوا من أهلها.

8- حين حذر النبي صلى الله عليه وسلم من فتنة الخوارج، وأمر بقتلهم، بيَّن أنهم إنما أُتوا من قبل جهلهم، وقلة فقههم، فجنوا على أنفسهم وعلى أمتهم، ولم يشفع لهم حسن نيتهم، وسلامة قصدهم، وكثرة عبادتهم.

9- نفس الإنسان ليست ملكًا له، وإنما هي ملك لخالقها وموجدها عز وجل وهي أمانة عند صاحبها، ولهذا فلا يجوز له أن يقتل نفسه، ولا أن يغرر بها في غير مصلحة شرعية، ولا أن يتصرف بشيء من أجزائها إلا بما يعود عليها بالمصلحة، أو يدرأ عنها المفسدة.

10- الإلقاء باليد إلى التهلكة، إما أن يكون بترْك ما أمر به العبد، إذا كان تركه موجبًا أو مقاربًا لهلاك البدن أو الروح، وإما أن يكون بفعل ما يوصل إلى تلف النفس أو الروح.

11- النصوص التي فيها تخليد قاتل نفسه، أو غيره ظلمًا وعدوانًا، يقال فيها: إن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء مانعه، وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سببٌ للعقوبة ومقتضٍ لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع، فبعضها بالإجماع، وبعضها بالنص، فالتوبة مانع بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها، وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص، ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص، فلا بد من إعمالها كلها.

12- جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، تحذر من القتل بغير حق تحذيرًا شديدًا، وتبين سوء عاقبته، وعظم عقوبة فاعله، وهي عامة في المؤمن والكافر.

13- لا يجوز قتل الكافرين غير المحاربين من المعاهدين والذميين والمستأمنين، بغير حق، وقد وردت نصوص كثيرة تنهى عن قتلهم، وتتوعد من يفعل ذلك بالنكال الشديد، والعذاب الأليم، وعلى ذلك أجمع العلماء، كما أجمعوا على تحريم الغدر، ونقض العهد.

14- إذا كان ذلك الوعيد الشديد في قتل آحاد المعاهدين والذميين والمستأمنين، فكيف بنسف بيوتهم وعماراتهم، وهدمها على رؤوسهم، وقتل من فيها من النساء والصبيان؟ مع أن قتل هؤلاء من الكفار المحاربين حرام لا يجوز بإجماع العلماء إلا لضرورة، فكيف بنساء المعصومين وأطفالهم؟

15- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحرمان إذا تضمنا تفويت مصلحة أكبر، أو *** فتنة ومفسدة أعظم.

16- لا يجوز لآحاد الرعية إشهار السلاح، لإنكار المنكرات ومنازلة أهل الباطل، فإن هذا من خصائص الإمام أو من ينيبه، ولا يستقل به آحاد الرعية، لأنه يؤدي إلى إثارة الفتن، وهيجان الفساد، وتهدم الأمن، وكثرة الهرج والمرج.

ـــــــــــ

(*)عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
**{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ