المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موقف الجبرتي من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب


عبدالناصر محمود
04-29-2014, 08:14 AM
موقف الجبرتي من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ

29 / 6 / 1435 هــ
29 / 4 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

https://abjjadst.blob.core.******s.net/pub/5fb8d6d1-e8b3-48a3-ad56-bde6147054f3-192X290.jpg



عادةً ما تواجه دعوات الإصلاح والتجديد بالرفض، والرد القاسي من قِبَل أهل التقليد الأعمى؛ غير القائم على أدلة أو أصول ثابتة، وذلك لأن المجدد أو المصلح يأتي بخلاف ما هم عليه مما يظنونه دينًا، ولهذا يشتد النكير عليه، وتكثر في حقه دعاوى التشويه والتضليل، والرمي بأشد التهم، التي قد تصل في أحايين كثيرة إلى درجة تكفير هذا المصلح، واستحلال دمه.

حدث هذا مع كل من رام تجديدًا أو إصلاحًا، سيما في الأوساط التي تكثر فيها البدع والشركيات، وتسيطر عليها الخرافة والجدل، ولعل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب- حديثا- تكون من أكثر الدعوات التي لاقت هجومًا عنيفًا، سيما من قبل الصوفية وأهل التشيع، حيث أتت هذه الدعوة على خرافاتهم وبدعهم وشركياتهم، وجاءت لتمثل أحد أشد الدعوات مناوئة لأفكارهم.

لهذا الأمر كثر التشويه والكذب على الشيخ ودعوته، بل زاد الأمر سوءًا، فوجه بالجيوش لإيقاف زحف تلك الدعوة، ونظرًا لكثرة الافتراءات التي تعرضت لها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، نرى أنه من المهم عرض شهادة لواحد من أهل عصره، مما شهدوا بعض الأحداث التي مرت بها تلك الدعوة، وهذه الشهادة لمؤرخ مصري شهد له القاصي والداني بالإنصاف والصدق والأمانة، وهو شيخ المؤرخين المصريين الشيخ "عبد الرحمن الجبرتي".

حيث عرض في تاريخه المسمى بـ"عجائب الآثار" لبعض الأمور والأخبار التي تخص دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب، وما كان عليه خصومه، لهذا سيقتصر دورنا هنا على نقل بعض النصوص التي وردت في تاريخ الجبرتي، والتي تعرض فيها لدعوة الشيخ ابن عبد الوهاب، وسنترك المجال بعدها للقارئ الكريم ليحكم على الأمر بنفسه.

دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب في تاريخ الجبرتي:

* ففي ذكره لأحداث سنة 1232هـ، يقول الجبرتي: "منها انقطاع الحج الشامي والمصري؛ معتلين بمنع الوهابي الناس عن الحج؛ والحال ليس كذلك، فإنه لم يمنع أحدًا يأتي الحج على الطريقة المشروعة، وإنما يمنع من يأتي بخلاف ذلك من البدع، التي لا يجيزها الشرع؛ مثل المحمل، والطبل والزمر، وحمل الأسلحة، وقد وصل طائفة من حجاج المغاربة، وحجوا، ورجعوا في هذا العام، وما قبله، ولم يتعرض لهم أحد بشيء"(1).

وقال في موضع آخر: "ورد الخبر بأن ركب الحاج الشامي رجع من منزلة هدية، ولم يحج في هذا العام، وذلك أنه لما وصل إلى المنزلة المذكورة أرسل الوهابي إلى عبد الله باشا أمير الحاج يقول له: لا تأت إلا على الشرط الذي شرطناه عليك في العام الماضي، وهو أن يأتي بدون المحمل، وما يصحبهم من الطبل، والزمر، والأسلحة، وكل ما كان مخالفًا للشرع، فلما سمعوا ذلك رجعوا من غير حج ولم يتركوا مناكيرهم"(2).

فقد أشاعوا عن الشيخ ابن عبد الوهاب أنه يمنع الناس عن حج بيت الله الحرام، لكن إنصاف الجبرتي كشف كذبهم، وأبان حقيقة الأمر، فأقر الجبرتي ما قام به الشيخ ابن عبد الوهاب، معللا ذلك بأن طريقة الحجاج آنذاك كانت طريقة بدعية، لهذا منعوا، أو منعوا أنفسهم حتى لا يقلعوا عن بدعهم.

* وعن الطريقة التي تعاملت بها دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب في إبطال البدع، يقول في أحداث سنة 1218هـ: "وفي يوم الأحد، حضر الشريف عبد الله بن سرور، وصحبته بعض أقاربه من شرفاء مكة، وأتباعهم نحو ستين نفراً، وأخبروا أنهم خرجوا من مكة مع الحجاج، وأن عبد العزيز بن مسعود الوهابي دخل إلى مكة من غير حرب، وولى الشريف عبد المعين أميراً على مكة، والشيخ عقلياً قاضياً، وأنه هدم قبة زمزم والقباب التي حول الكعبة، والأبنية التي أعلى من الكعبة، وذلك بعد أن عقد مجلساً بالحرم، وباحثهم على ما الناس عليهم من البدع والمحرمات المخالفة للكتاب والسنة"(3).

* وقد ادعى الخصوم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أتى بمنكرات كثيرة وكبائر ومنها استيلائه على أموال كانت مدخرة بالحجرة الشريفة، وفي هذا يقول الجبرتي: "ويذكرون أن الوهابي استولى على ما كان بالحجرة الشريفة من الذخائر والجواهر، ونقلها وأخذها، فيرون أن أخذه لذلك من الكبائر العظام، وهذه الأشياء أرسلها ووضعها خساف العقول من الأغنياء، والملوك، والسلاطين الأعاجم، وغيرهم؛ إما حرصاً على الدنيا، وكراهة أن يأخذها من يأتي بعدهم، أو لنوائب الزمان، فتكون مدخرة ومحفوظة لوقت الاحتياج إليها، فيستعان بها على الجهاد، ودفع الأعداء، فلما تقادمت عليها الأزمنة، وتوالت عليها السنين والأعوام الكثيرة، وهي في الزيادة، فارتدت معنى لا حقيقة، وارتسم في الأذهان حرمة تناولها، وأنها صارت مالاً للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لأحد أخذها، ولا إنفاقها، والنبي عليه الصلاة والسلام منزه عن ذلك، ولم يدخر شيئاً من عرض الدنيا في حياته، وقد أعطاه الله الشرف الأعلى، وهو الدعوة إلى الله تعالى والنبوة والكتاب، واختار أن يكون عبداً، ولم يختر أن يكون نبياً ملكاً"(4).

واستطرد الجبرتي في كلامه ردًا على من يدعي أن هذا المال من مدخرات النبي صلى الله عليه وسلم وأن إنفاقه كبيرة من الكبائر، وفي كلام الجبرتي تبرئه لدعوة الشيخ ابن عبد الوهاب، وإقرار له على ما قام به.

وهناك نقول أخرى للجبرتي تركنا للاختصار، لكنها تؤكد ذات المعنى، وأن دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب كانت دعوة تصحيحية، لكنها ظلمت بما أشيع عليها من أخبار مكذوبة وادعاءات باطلة.

المحذوف من تاريخ الجبرتي بحق دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب:

* في مقال له عنوانه "دعوة إلى إعادة النظر في كتاب (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) للجبرتي، يقول الأستاذ محمد بن عبد الله آل رشيد،: "جاء في الكتاب الذي كتبه الأستاذ أنور الجندي عن حياة العلامة أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة (1284- 1353)، والمطبوع ضمن سلسلة أعلام العرب برقم 29، وهو يتحدث عن خزانة كتب المترجم المسماة (الخزانة الزكية)، وما فيها من النوادر، قال في (ص112): (ونسخة من الجزء الرابع من تاريخ الجبرتي ويحتوي على فصول كثيرة، اضطر إلى حذفها من النسخة التي طبعت في بولاق؛ لأن فيها هجوماً على (محمد علي)، ويساوي ما حذف من الأصول حوالي 50 صفحة).

* يضيف آل رشيد في مقاله: "وهذه الخزانة يذكر الأستاذ أنور الجندي في كتابه المتقدم (ص118) قوله: (واليوم إذا سألت عن (الخزانة الزكية): أين هي؟ قلنا لك: إنها حبيسة مهجورة في الغرفة رقم 18 من مبنى دار الكتب في القلعة وتضم مجلداتها الـ18700 غرفتين كبيرتين، حيث تجد مئات من الخرائط والصور منثورة في جوانب الغرفتين المتداخلتين بدون عناية). وقد كتب الأستاذ الجندي تاريخ مقدمة كتابه في 21 ديسمبر 1963م.

* وفي نهاية المقال يقول: "فهل بعد هذا التاريخ كان لهذه المكتبة ترتيب آخر؟ ويظهر- والله أعلم - أن كثيراً من القسم المحذوف فيها ما يتضمن كذلك دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث كتب شيئاً لم يرقَ لناشري الطبعة الأولى من مدحه وثنائه على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وموقفه المعروف من محمد علي باشا، فلذا طويت تلك الصفحات، وذلك أن الشيخ الجبرتي قد عاصر الأحداث التي حصلت في عصر محمد علي باشا، والتقى ببعض آل سعود وآل الشيخ الذين نقلوا من الدرعية - بعد تدميرها سنة 1233هـ - إلى مصر، ووصف حالهم مما هو مذكور في تاريخه، ولذا أفرد الأستاذ محمد أديب غالب (ت 1415هـ) ما يتعلق بهذا الموضوع مستلاً من تاريخ الجبرتي، ومطبوع بعنوان: (من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي) سنة 1395هـ - 1975م، ويقع في 278 صفحة، وللشيخ الجبرتي صلة وثيقة بالشيخ عبد الرحمن بن حسن محمد بن عبد الوهاب (1193- 1285) فهو أحد شيوخه الأربعة, الذين أجازوه بالرواية"(5).

ـــــــــــــ

الهوامش:

(1) عجائب الآثار: (3/247).

(2) المرجع السابق: (3/188).

(3) المرجع السابق: (2/585).

(4) المرجع السابق: (3/249).

(5) مقال: دعوة إلى إعادة النظر في كتاب (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) للجبرتي- محمد بن عبد الله آل رشيد- صحيفة الجزيرة السعودية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــــــ