المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حزام العفة بقلم:سليم عوض عيشان ( علاونه )


مهند
01-09-2012, 04:45 PM
" حزام العفة "

في العصور الوسطى .. كان الفرسان في دول أوروبا يخرجون للحرب .. فيتغيبون عن ديارهم أياماً وشهور ، وقد يرجعون إلى ديارهم أو لا يرجعون .
أكثر ما كان يؤرق الفرسان .. ليس الاغتراب أو الموت .. بل كان الأمر يتعلق بنسائهم . فلقد كانوا يخشون خيانة نسائهم وإتيانهم الفاحشة أثناء غيابهم لمدد قد تطول كثيراً في بعض الأحيان .
لجا الكثير من الفرسان إلى الحل الأنموذج للمعضلة .. فلجأوا إلى " الحدادين " الذين برعوا في صناعة ما يعرف بـ " حزام العفة " .
" حزام العفة " بدوره ؛ كان يؤدي الغرض المطلوب منه تماماً أثناء فترات غياب الفرسان مهما طالت .
" حزام العفة " .. أداة تصنع من الجلد أو الحديد
( أو كلاهما ) تستخدم لمنع حدوث اللقاء الجنسي أو الاغتصاب وهو عبارة عن طوق له قفل يلتف حول خصر المرأة فيغلق الفرج باستثناء فتحات ضيقة لقضاء الحاجة, ترتديه المرأة فوق منتصف جسدها مباشرة .. أسفل الملابس الداخلية .. فكأنه بذلك يمثل سداً منيعاً لأي محاولة قد تفكر فيها المرأة لارتكاب الفاحشة .. وتصدٍ لأي تفكير ذكوري للنيل منها .
" الحزام " كان يصنع بطريقة فنية ذكية ورائعة بحيث يفي بالغرض المطلوب للزوجات بقضاء الحاجة فحسب .. ويحول دون ارتكاب فاحشة الزنا .
فرسان القرون الوسطى ؛ كانوا يحتفظون دوماً بـ " المفاتيح " الخاصة بأحزمة العفة تلك .. وكانوا يحرصون كل الحرص بالمحافظة على تلك المفاتيح ؛ حرصهم على سلاحهم .. وأرواحهم ، يتحسسونه دوماً بسعادة عارمة وقد اطمأنوا إلى أن الأمور على خير ما يرام .
على الجانب الأخر ؛ فإن نساء الفرسان لم يكُنَ بمثل سعادة أزواجهن بالطبع ، فلقد كان " حزام العفة " يضايقهن بشكل كبير ويؤرق تفكيرهن ويقض مضاجعهن ، ويسبب لهن العديد من المشاكل العويصة .. العصبية والنفسية والجسدية .. عدا عن رغبة الكثيرات منهن بالتخلص من هذا الحارس اللعين " ثقيل الظل " الذي كان يرافقهن ليل نهار .. وبالتالي فقد كان عليهن أن يجدن الحل المناسب لهذه المعضلة .
في أغلب الأحيان .. وفي معظم الأمور ؛ كانت المرأة بشكل عام تجد الحل الأمثل للمعضلة .. أية معضلة .. فكيف الأمر والحال بمثل هذه المعضلة الرهيبة ؟؟!! .
.. وقد كان الحل ..
حقاً بأن الحل كان مكلفاً بعض الشيء .. ولكن نتائجه الباهرة كانت تعوض كثيراً ذلك الثمن الذي دُفع من أجله .
خلاصة الحل كانت تتمثل في لجوء النسوة إلى نفس " الحداد " الذي قام بصناعة " حزام العفة " في حينه حسب طلب الأزواج .
فيقمن بإغراء " الحداد " صانع الحزام بالنقود والهدايا .. وربما بأشياء أخرى ، وذلك من أجل صناعة " مفتاح " آخر للقفل اللعين لـ " حزام العفة " ، فلا يسع " الحداد " سوى الانصياع للإغراءات العديدة .. بعد أن يبذل قصارى جهده بابتزاز النسوة إلى أقصى درجة ممكنة من الابتزاز .
في النهاية ؛ يحصل الحداد على مبتغاه من الثمن " النقدي والعيني " ، وتحصل المرأة على مبتغاها بالحصول على " المفتاح " الذي يحمل لها سر السعادة .
عادة ما يكون " الحداد " متصفاً بالدهاء والمكر .. فالمفتاح الذي تطلبه المرأة .. - أي امرأة - يكون جاهزاً لديه سلفاً !! .. فعندما كان يأتي أحد الفرسان ليطلب الحزام .. فإن " الحداد " كان يقوم بصناعة مفتاحين ( أو أكثر ) .. دون أن يشعر الفارس بذلك .. فيعطيه الحزام ومعه المفتاح .. ويحتفظ بالآخر لديه !! .
بدورها .. كانت المرأة تقوم باستعمال " المفتاح " بعد الحصول عليه من " الحداد " .. لفتح الحزام خاصتها .. والتحرر من عبئه الثقيل .. والتحرك بحرية والتمتع بمباهج الحياة بالطريقة التي تراها مناسبة .. أو غير مناسبة .
إذا ما شعرت النسوة بموعد وصول الفرسان .. الرجال . أزواجهن .. كن يسارعن إلى ارتداء " حزام العفة " من جديد ؛ وكأن شيئاً لم يحدث !! .. فإذا ما وصل الفارس إلى منزله .. كان أهم ما يشغله في الأمر .. وعلى رأس الأولويات .. وقبل أن يقوم بالاطمئنان على أي أمر آخر أو السؤال عنه .. كان يتجه مباشرة ناحية زوجته .. لا لكي يقبلها .. أو ليطمئن عنها .. بل ليطمئن إلى وجود " حزام العفة " في مكانه .. كما تركه عند المغادرة .. فإذا ما اطمأن إلى ذلك الأمر .. ابتسم ابتسامة السعادة بالانتصار العظيم .. حتى ولو كان قد عاد مهزوماً مدحوراً من المعركة الحربية التي خاضها ؟؟!! .
* * *
لم يكن يشغله في الحياة من أمر سواها .. هي ابنته .. ابنته الوحيدة .. فلقد انتقلت الزوجة إلى جوار ربها عندما كانت الطفلة لا تزال في المهد .
آثر على نفسه العزوبية .. ولم يفكر بالزواج .. ولم يعد له من همٍ سوى العناية والرعاية بطفلته المدللة .
كبرت وترعرت وأينعت .. وهو ما زال يتولاها بالرعاية والحب والحنان العظيم ..
كانت شغله الشاغل ليل نهار .. يسهر على راحتها .. ويؤدي لها كل ما يلزمها من أمور ومتطلبات عن طيب خاطر .
الفتاة .. وردة يافعة .. متفتحة .. جميلة .. رائعة الحسن والجمال .. كان يعد عليها سكناتها وحركاتها .. يرافقها حتى باب المدرسة في الذهاب .. وينتظرها على باب المدرسة قبل انتهاء الدوام الرسمي بوقت ليس بالقصير .
اجتازت الفتاة مراحل الدراسة ؛ حتى أنهت المرحلة الثانوية بنجاح كبير . درجاتها المرتفعة كانت تؤهلها لدخول الجامعة ، وفي أرفع الكليات .. تماماً كما هو الحال بالنسبة لجمالها الفتان الطاغي الذي كان يؤهلها لتهافت الشباب والعرسان .. كلٌ يحاول أن يطلب ودها .. وأن يستأثر بها دون سواه .
الأب بدوره .. كان يصد كل من تسول له نفسه مجرد التفكير بطلب يد ابنته .
في قرارة نفسه لم يكن ليتصور أحد .. أي أحد .. كائناً من كان .. لم يكن ليتصور أن يرتكب مثل ذلك الشخص مثل تلك الحماقة .. بالزواج من ابنته !! .
لم يكن ليتصور بأن ينام أي رجل إلى جانب ابنته .. يقبلها .. يحادثها .. حتى ولو كان هذا وذاك تحت مسمى الزواج ؟؟!! .
هو لم يكن يطيق بالمطلق تصور حدوث مثل هذا الأمر في يوم من الأيام .
العديد والعديد من الشباب .. من الرجال ؛ تقدموا بطلب يد الفتاة بقصد الزواج على سنة الله ورسوله .. ولكن كل تلك الطلبات كانت مرفوضة .. وبشدة .. من الأب .
الفتاة .. الوردة المتفتحة .. تفتحت ؛ فملأت الأماكن بشذى أريجها الفواح .. الذي ينعش الأفئدة ويحيي القلوب .
كانت كل النفوس تهفو إليها .. وكل العيون ترنو إليها .. تتمناها .. تعشقها .. تلتهمها .. سيان كان الأمر في الشارع .. في الجامعة .. أو في أي مكان آخر .
رقابة الأب الصارمة .. وحراسته المشددة .. كان تحول دون إقدام أي شاب على مغامرة الخوض في معركة سيكون الخاسر فيها .. مع مثل هذا الرجل المتوحش .. مفتول العضلات .. مهيب الجانب .. صاحب الشوارب التي باستطاعة سرب من الصقور أن يحط عليها ؟؟!!
وكم من الإشكاليات .. المشاكل العديدة التي حدثت مع العديد من الشباب ، فكان نصيبهم والجزاء الوفاق لهم ؛ درساً لن ينسوه طيلة حياتهم .. و " علقة " سوف تبقى آثارها على أجسامهم ووجوههم طوال العمر .
الرجل الأب ؛ كان صارماً إلى أقصى حد .. متجهماً إلى أبعد الحدود .. صعب المراس .. مفتول العضلات كأحد مصارعي روما القديمة .
.. كان يعتقد وبشكل قاطع ولا يقبل التأويل بأن ما يفعله هو عين الصواب .. تماماً كما كان يعتقد بأن ابنته توافقه الرأي .
بدورها ؛ لم يكن بوسعها سوى السكوت .. والقبول بما يفرضه الأب من قول وفعل .
.. عرّفته عليها .. أخبرته بأنها صديقتها الحميمة .. الحميمة جداً في الجامعة .. تعرف عليها في أول زيارة لابنته .. ارتاح إليها كثيراً . . فتاة ذات جمال رائع .. وطول فارع .. وجاذبية غريبة .. يميزها ذلك الشعر الطويل .. الأشقر الجميل .
ارتاح أكثر للفتاة لأنها لم تكن ثرثارة .. فلقد كانت مقلة في الحديث .. وإن هي تحدثت فهي تتحدث بما يشبه الهمس .. رقيقة .. ناعمة .. خجولة .
كل تلك المزايا رشحتها لرضا الأب أن تكون صديقة .. صديقة أبدية لابنته .
أحس بأنه استراح بعض الشيء من ذلك العبء الثقيل الذي كان ملقً على كاهله .. ذلك عندما استعدت الفتاة بأن تقوم بالمهمة العويصة بمرافقة ابنته من وإلى الجامعة .. وحتى المنزل .. ولم ينس بالطبع أن يلقِ على مسامعها محاضرة مطولة عن الأدب .. الأخلاق .. الفضيلة .. الشرف .. و ..
الفتاتان كانتا تجلسان في الحجرة الخاصة بابنته للمذاكرة والدرس .. والمراجعة المرهقة للمحاضرات الجامعية ..
في كثير من الأحيان كان يطول بهن السهر .. وقد يتأخر الوقت طويلاً .. فيلح الرجل على الضيفة إلا أن تقضي الليل في منزله .. ويصر إلا أن تنام في حجرة ابنته وعلى سريرها .. بينما هو يقوم بخدمتهما بما يلزم من أكواب الشاي والقهوة .. وتجهيز وجبة العشاء .. وتحضير بعض المكسرات .
بعيد منتصف الليل .. كان يشعر بأن الفتاتين قد أرهقتهما المطالعة والمراجعة .. الدرس والبحث .. وأنهما قد ركنتا إلى النوم .. فيفتح باب الحجرة بهدوء .. ويلقي نظرة خاطفة إلى الفتاتين النائمتين .. ثم يغادر المكان ليذهب للنوم في حجرته الخاصة وقد اطمأن إلى أنهما كانتا تغطان في سبات نوم عميق .
في العادة .. كان الأب يخرج في الصباح لعمله في محله التجاري الخاص وسط المدينة .. كان يفعل ذلك بعد أن تذهب ابنته ورفيقتها إلى الجامعة بعد أن يكون قد جهز لهن طعام الإفطار وبنفسه .
وفي أحيان كثيرة .. لم يكن ليشأ أن يضايقهن بتواجده أثناء تناولهن الطعام .. فيؤثر الانسحاب إلى حجرته ليتناول فطوره .. ويتركهن لإتمام فطورهن ومن ثم الذهاب إلى الجامعة .. فيغلق باب المنزل ويدس المفتاح الوحيد في جيبه الداخلي الأمين .
الرجل .. كان لا يعود إلى المنزل إلا عند العصر .. فالعمل كان يستغرق منه جل وقته وكل همه .
في ذلك اليوم .. وفي الصباح .. وكالعادة .. خرج الرجل من منزله بعد أن تناول الجميع طعام الإفطار .. وبعد أن ودع ابنته ورفيقتها المتجهتين إلى الجامعة .. أقفل باب المنزل .. ووضع المفتاح في جيبه الداخلي الأمين .
من عادته .. أنه يحتفظ بالمفتاح الوحيد للمنزل في جيبه الداخلي الأمين .. وكان يحاول دوماً أن يكون آخر من يخرج من المنزل وأول من يعود إليه .. كان يحفظ مواعيد حضور ابنته للمنزل بعد يوم دراسي جامعي طويل .. فيعمل كل ما في وسعه أن يكون متواجداً في المنزل قبل وصولها ولو بدقائق .
في ذلك اليوم .. أحس بشيء من الإرهاق والتعب .. وشعر بأن صحته ليست على ما يرام .. فآثر المغادرة مبكراً .. قبيل الظهر بقليل .. مغادراً محله التجاري متجهاً إلى المنزل بقصد الراحة .
أخرج المفتاح من جيبه الداخلي الأمين .. فتح الباب .. دخل المنزل .
ألقى بجسده المنهك إلى أقرب أريكة في صالون المنزل .. أغمض عينيه قليلاً .. أحس بأن الأحلام قد بدأت تطارده .. أو لعله بعض الهذيان .
ثمة أصوات غريبة تتناهى إلى مسامعه ؟؟!! .. ثمة صوت أجش خشن لرجل .. وآخر رقيق ناعم لامرأة .. حاول تمييز الأصوات .. وتمييز مصدرها .. ميز صوت المرأة الناعم بأنه لابنته .. ولم يستطع أن يميز الصوت الخشن الأجش .. ميز مصدر الأصوات ؛ فكان الحمّام ؟؟!! .. فتح عينيه ليطرد الكابوس المخيف .. فرك عينيه بقوة ليطرد الهذيان .. الأصوات ما زالت تطارده .. همسات .. وضحكات متداخلة ...
الأصوات تدق بقوة وعنف في رأسه كطبول الحرب في مجاهل أفريقيا .
حانت منه التفاتة إلى الأريكة المجاورة .. فغر فاه الدهشة .. جحظت عيناه ..أحس بالكابوس المخيف يطبق على صدره بقوة ووحشية .. وطبول مجاهل أفريقيا تزداد قرعاً وضجيجاً.
لم يصدق ما رأت عيناه .. فثمة ملابس نسائية غريبة .. وثمة " باروكة " من الشعر الأشقر الطويل الجميل ؟؟!! .. وثمة مفتاح إلى جانبها .. يشبه تماماً ذلك المفتاح المخبأ في الجيب الداخلي الأمين ؟؟!! .
الأصوات الهامسة ( المدوية ) ما زالت تطارده بقوة وعنف .. تنقل ببصره ما بين الحمّام المغلق .. والأشياء الملقاة على الأريكة .. هيئ له بأن لـ " الباروكة " وجه .. عينان .. فم .. ولسان .. هيئ له أن العينان تغمزان له .. وأن اللسان يخرج من الفم طويلاً طويلاً .. يهزأ به .. يسخر منه .
حركة اللسان الساخرة تتناغم مع كل همسة .. مع كل كلمة .. مع كل ضحكة تأتي من داخل الحمّام .. تناوشته الأفكار السوداء بشراسة .
لم يطق أكثر .. لم يعد ليتحمل أكثر .. جن جنون الرجل .. نهض من مكانه متطوحاً .. استل الخنجر المخيف من الحزام .. اندفع نحو باب الحمّام .. حانت منه التفاتة نحو " الباروكة " .. شاهد اللسان يمتد ويمتد .. يهزأ ويهزأ .. يسخر ويسخر .. يطارده حتى باب الحمّام .
ركل باب الحمام بقدمه بقوة .. تحطم الباب .. سقط على الأرض .. وقع بصره عليهما .. كانا عاريين تماماً .. يتضاحكان .. يتهامسان .. يتناجيان .. يتعانقان ..
جن جنون الرجل .. ذهب ما تبقى به من فكر .. من لب .. اندفع بقوة ناحية الشاب العاري شاهراً الخنجر المخيف .. حاول الشاب الفرار من المكان .. لحق به الرجل .. تعثر الشاب بأحد المقاعد .. وقع أرضاً .. راح الرجل يكيل له الطعنات المتتالية .. إلى الوجه .. إلى القلب .. إلى أسفل البطن .. لم يتركه إلا بعد أن أصبح جثة هامدة غارقة في الدماء .
الفتاة العارية .. كانت تقف جامدة .. كتمثال فرعوني قديم .. ليس بها أي حراك ..
تقدم نحوها والخنجر ما زال بيده يقطر دماً ..
جحظت الفتاة .. أصابها الصمم والخرس والجمود .. عيناها كانتا مركزة على الخنجر الذي كان يقطر دماً .. لم تتفوه بحرف .. لم تنبس ببنت شفة .. الخنجر الرهيب كان ينغرس فجأة في صدرها .. صدرت عنها أنة ألم ميتة .. انغرس الخنجر في وجهها .. في بطنها .. في ..
.. بينما كانت الطعنات القاتلة تنهال عليها بقوة ووحشية .. وبينما كانت الدماء تنزف من جسدها بغزارة .. وبينما كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة .. كانت تتمتم بكلمات مبتورة .. وتهمس بحروف متقطعة :
- .. أبي .. إنه .. إنه ... زوجي !!!

تاريخ النشر : 2010-05-29