المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عودة الأيام القديمة السيئة


عبدالناصر محمود
05-06-2014, 07:34 AM
عودة الأيام القديمة السيئة*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(ستيفن والت)
ـــــــــــــــــ

7 / 7 / 1435 هــ
6 / 5 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.menara.ma/sites/default/files/public/styles/detail_505_295/public/le-monde.jpg
http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_6217.jpg



كتب "ستيفن م. والت" مقالا في مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية بعنوان: "عودة الأيام القديمة السيئة"، رأى فيه أن حسابات واشنطن القائمة على سياسات القوة، من الصين إلى أوكرانيا، أتت بنتائج سيئة للغاية، غير أن أمريكا لا تدرك ذلك.

وقال الكاتب إن الإعلان عن وضع حدَ لسياسات القوة هو من التقاليد الأمريكية العريقة، ذلك أن رؤساء كثر على تنوعهم، مثل وودرو ويلسون، فرانكلين روزفلت، جورج دبليو بوش وباراك أوباما قدموا بيانات كاسحة عن نهاية وشيكة للجغرافيا السياسية القديمة، وبشروا بفجر من الديمقراطية على نحو متزايد، العولمة، الوصول إلى السوق، المؤسسية والنظام العالمي بادعاءاته الخيرة. بطبيعة الحال، فإنه من السهل القول بهذا عندما تمثل قوة عالمية مهيمنة وليس لك أعداء أقوياء في مكان قريب وتمتلك الرادع النهائي في شكل الآلاف من الأسلحة النووية.

في الواقع، كانت فكرة اختفاء سياسة القوة مسألة اعتقاد في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة. وقد احتضن كل من المحافظين الجدد والليبراليين الأمميين فكرة تلاشي سياسة القوة لأنها تنسجم مع معتقداتهم الخاصة بشأن الدور الإيجابي لأمريكا في العالم.

وبالنسبة للمحافظين الجدد، فإن سياسات القوة انتهت، وهذا في جزء منه لأن البشرية قد وصلت إلى "نهاية التاريخ" وديمقراطية السوق الحرة على وشك الاعتراف بها بوصفها الصيغة الوحيدة الممكنة لمجتمع حديث، وكذلك بسبب أن هيمنة الولايات المتحدة جعلت من المستحيل بروز منافسين "جغرافيين سياسيين" خطرين.

من جانبهم، رحب الليبراليون الأمميون بهذا الادعاء لأنه يرى أنه يمكن للولايات المتحدة استخدام قوتها، ثروتها، هيبتها ونفوذها لتصحيح الأخطاء في العالم ونشر الديمقراطية والأسواق الحرة وحقوق الإنسان للقاصي والداني.

حتى الصين الصاعدة، لن تثير أي مشكلة في هذا العالم المعولم الجديد الشجاع، ذلك أن أمريكا القوية والخيَرة في آن واحد، سوف ترحب صعودها و"اندماج" بكين التدريجي في نظام عالمي تحكمه المؤسسات المصممة و(في الغالب) المصنوعة في أميركا .

ولأن هذه الرؤية كانت مغرية، فليس من المستغرب أن الكثير من أعضاء النخبة في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية استسلموا لذلك. عالم خال من سياسة القوة يضع الولايات المتحدة في مركز نظام يُفترض أنه هادئ ويرسم دورا عالميا إيجابيا لأميركا بشكل مستمر.

مع تلاشي سياسات القوة، يمكن لكبار مسؤولي السياسة الخارجية الأمريكية التركيز على مجموعة من "الدول المارقة" غير القوية جدا وعلى نشر الديمقراطية ووقف انتشار أسلحة الدمار الشامل ومطاردة فلول الإرهابيين ونشر حقوق الإنسان..

للأسف، فإن العقدين الماضيين شهدا خمسة تطورات سلبية تآكلت معها فكرة النهاية الدائمة لسياسات القوة:

المشكلة الأولى نشأت من الغطرسة. اقتناعا منها بأنه لا أحد يستطيع الوقوف في وجه أميركا المروعة الجامعة بين القوة والحق، بدأ أعضاء من نخبة السياسة الخارجية بتوسيع حلف شمال الأطلسي في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، ولكن دون التفكير مليَا في التكاليف والمخاطر المحتملة، وأبرزها احتمال أن هذا من شأنه أن يؤثر سلبا في العلاقات مع روسيا.

كما التزموا أيضا باحتواء الولايات المتحدة للعراق وإيران في وقت واحد، وفي نهاية المطاف قرروا محاولة تحويل جزء كبير من الشرق الأوسط تحت تهديد السلاح. وكانت النتائج سلبية بشكل مؤلم: الخطر المتزايد للإرهاب، الكارثة المكلفة في العراق، المستنقع في أفغانستان وتدهور العلاقة مع موسكو.

ولكن حتى هذه النكسات لم تنه المغامرات الأمريكية بشكل كامل، مع تدخل حلف الناتو المشؤوم في ليبيا في العام 2011 وحروب الطائرات من دون طيار، والتي طال أمدها، في اليمن وباكستان وأماكن أخرى. وهذه الأخطاء لم تكلف عدة تريليونات من الدولارات وآلاف الأرواح، وفقط، ولكنها صرفت الأنظار أيضا عن تحديات أكثر أهمية على المدى الطويل.

ثانيا، التحدي الأكثر وضوحا كان صعود الصين. ففي الوقت الذي أصبحت فيه الصين أكثر ثراء، لم يتقبل قادتها الدور السلبي الذي أرادته النخب الأميركية لها. ورغم أن البلاد لا تزال تواجه تحديات داخلية كبرى وأضعف بكثير من الولايات المتحدة، فإن بكين لا تقبل أيا من عوامل النظام الجغرافي السياسي الحالي.

كما إنها، وهذا الأهم، ليست على استعداد للتضحية بأهدافها الإقليمية الخاصة ورغباتها (على المدى الطويل) لحساب دور مهيمن في آسيا أو مساعدة واشنطن في متابعة سياساتها في أماكن مثل إيران.

ثالثا، هناك روسيا. عندما بدأت روسيا تتعافى تدريجيا من انهيار الاتحاد السوفيتي، فإنها ما عادت تقبل بأي إهانات مفروضة من واشنطن.

ورغم أن موسكو لن تستعيد أبدا موقع القوة نفسها كما كانت عليه أيام الاتحاد السوفيتي القديم، فإنها تبدو قوية بما فيه الكفاية للعب دور المفسد في بعض الأحداث (كما هو الحال في سوريا)، وبالتأكيد قوية بما يكفي لممارسة النفوذ على مقربة من حدودها (كما في أوكرانيا أو جورجيا). كما هو متوقع، فإن وروسيا تدافع الآن عن مصالحها بفعالية، حتى لو كان الثمن تدهور العلاقة مع الولايات المتحدة.

رابعا، شجع التفوق الأمريكي اعتماد حلفاء واشنطن على الحماية الأميركية أكثر مما هم فاعلون. كما خفض الحلفاء في أوروبا وآسيا ميزانيات الدفاع الخاصة بهم وعرضوا (في معظم الحالات) ما لا يزيد عن دعم رمزي لتدخلات أميركا النائية.

وفي حين لا تزال واشنطن تنفق ما يزيد على 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، فإن حلفاءها الأغنياء مثل بريطانيا وألمانيا تنفقان بالكاد أكثر من 2 في المائة، بينما لا تزال اليابان تحوم حول 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الرغم من تصاعد التوترات مع الصين.

وليس من السهل للمرء أن يلومهم على هذا السلوك، وذلك لأن واشنطن لا تزال متمسكة بعنوان "الأمة التي لا غنى عنها" ومصرة على تمكينها من ممارسة "القيادة العالمية". ثم إن المسؤولين الأمريكيين يفضلون حلفاء ضعفاء نسبيا يسهل انقيادهم.

أخيرا، خفَض الانهيار المالي لعام 2008 إمكانات أمريكا في توليد الطاقة الكامنة وتقويض الكفاءة الاقتصادية التي تمتعت بها خلال التسعينيات من القرن الماضي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
*{اللوموند الفرنسية ـ التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ