المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جزأرة الشعب المصري


عبدالناصر محمود
05-07-2014, 07:06 AM
جَزْأَرَة الشعب المصري*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

8 / 7 / 1435 هــ
7 / 5 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://204.187.101.75/memoadmin/media//version4_ccvvv.jpg

شهد العالم منذ نهاية الثمانينيات موجة ديمقراطية واسعة النطاق، وتوجهًا حثيثًا لبناء أنظمة إقليمية متعاونة ومتضامنة، وفي المقابل، كان فشل الدول العربية في تطوير منظومة تضامنية متعاونة، بالرغم من وجود الجامعة العربية منذ 1945؛ والفشل في تحقيق تقدم ولو صغير على صعيد التمثيل الشعبي والتعبير عن إرادته، بالرغم من أن المشرق العربي الإسلامي عرف الانتخابات منذ 1876. مما جعل الأجواء العربية ملبدة بصنوف شتى من القهر والتخلف السياسي، وعلى الرغم من أن كل الدول الحديثة تمارس قدرًا من القهر لشعوبها؛ ولكن عندما تتمتع دولة ما بقدر كافٍ من الشرعية، تصبح أقل ميلًا لاستخدام وسائل القهر، التي تمثلها في نظام الدولة سواء أكانت مادية مثل مؤسسات الأمن والاستخبارات والبوليس والقضاء والجيش، أو معنوية مثل وسائل الإعلام والشائعات.
وما إن تستشعر الدولة تآكل شرعيتها، أو استهداف وجودها وقواعدها الراسخة بسبب تصاعد التحدي الشعبي لوجودها، تبادر الدولة إلى نشر وسائل القمع وانتزاع رضا المحكومين قهرًا، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، أخذت المنطقة العربية تشهد درجات متصاعدة من القمع الدموي واسع النطاق، القمع الذي لم تتردد الدولة العربية في استخدامه للحفاظ على وجود لم يعد له من شرعية كافية، ومواجهة معارضات سياسية أو غضب شعبي ظاهر وملموس، ولعل الجزائر في أوائل التسعينيات كانت أبرز محطات القمع القهري المتوحش خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي، وما يشهده المجال العربي منذ ثلاث سنوات ليس استمرارًا لهذا النهج وحسب، بل وتفاقمًا غير مسبوق في مستواه واتساع نطاقه. منذرةً بانتقال هذا النموذج إلى أكبر وأهم دولة عربية وإسلامية؛ مصر.
ما وقع في 3 يوليو ليس انقلابًا عسكريًّا فحسب، بل هو عدوان على أهم ما أنجزته الثورة، وتنفيذ عملي لأسوأ أهداف الثورة المضادة بقيادة أنظمة عربية وغربية. فخروج مصر من معسكر الاستبداد قبل ثلاثة أعوام، بسقوط واحد من أكبر طغاة المنطقة كان صفعة كبيرة لقوى الاستبداد التي هيمنت على الشعوب العربية منذ أكثر من خمسين عامًا. فمصر هي واسطة العقد ومفتاح التغيير الإقليمي؛ لذلك كانت حركة الثورة المضادة وتحالف قوى الاستبداد أسرع وأعمق من حسابات القادة الجدد في مصر، والهدف واضح جدًّا، والمطلوب هو تجربة فاشلة يتم تحميلها كل الأوزار والآثام بفعل قصف إعلامي متواصل وقوى إسناد قضائية واقتصادية تجعل حياة المصريين في ظل الحكم الجديد أشبه بالجحيم اليومي، وترفد باطراد متنامٍ أعدادًا كبيرة من معسكر المؤيدين إلى المعسكر المناوئ لها. فالهدف ليس فقط الكفر بالثورة ورفض كل مآلاتها واستحقاقاتها، ولكن المطلوب هو إبادة المعارضة الإسلامية المؤمنة بالعمل السياسي بوصفها التهديد الحقيقي على عروش وتيجان وإمارات الاستبداد إقليميًّا ودوليًّا. ولكن لم يكن في حسابات مخططي ومدبري وممولي الثورة المضادة ذلكم الصمود البطولي لرافضي الانقلاب العسكري، ومن ثم كانت المفاضلة بين أحد سيناريوهين؛ السيناريو السوري، أو السيناريو الجزائري، ومن ثم وقع الاختيار بعد تحريض مباشر من أمريكا والصهاينة على الجزائري الذي يعتمد على فكرة تفجير المكونات الوطنية باحتراب داخلي كبير يجعل الشعب ينشغل بنفسه عن استبداد الطغاة ومفاسدهم، كما أن هذا السيناريو لا تمتد آثاره خارج حدود البلاد مثلما حدث في السيناريو السوري.
أبرز ما يلفت الانتباه فيما يجري في مصر هي السرعة الكبيرة لقادة الانقلاب في تطبيق النموذج الجزائري، وحرق المراحل من أجل الوصول لقمَّته ونتيجته، فعسكر الجزائر طبقوا نموذجهم الدموي في الانقضاض على التجربة الديمقراطية وإبادة المعارضة الإسلامية في أكثر من عشر سنوات، في حين قام عسكر مصر بتطبيق معظم بنود هذه المنظومة في بعض شهور، فالدستور قد تم تعديله بصورة كبيرة، والقوانين الكابحة للحريات قد شُرعت، والأحكام القضائية الجائرة قد فُرضت، وقُتل وسُجن وعُذب وشُرد وطورد عشرات الآلاف من معارضي الانقلاب، وها هي الانتخابات الرئاسية على الأبواب، في محوٍ كامل لكل مكتسبات ثورة 25 يناير، ومن شدة استعجال العسكر في استنساخ النموذج الجزائري حذَّر خبراء من إمكانية تكرار وانفجار كابوس العنف الذي عاشته الجزائر إلى مصر في ظل حالة الاحتقان السياسي الذي تشهده البلاد، خاصة مع وقوع أعمال عنف خلال الفترة الماضية وصلت لمستوى قيام أفراد بتفجير أنفسهم كما حدث في سيناء يوم الجمعة الماضية، فقد قالت ميشيل دان - كبيرة الباحثين ببرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة "كارنيجي" للسلام العالمي في واشنطن -: "لم أكن ممن يرون احتمال تِكرار سيناريو الجزائر في مصر، لكنه أصبح بكل أسف احتمالًا مُمكنًا في ظلِّ اتِّساع حملة القمع، لتُلقي بالآلاف من أعضاء جماعة الإخوان ومسانديهم في السجون والمعتقلات، وبعد مصرع أكثر من ألف منهم في المصادمات مع الجيش والشرطة، كما أن موجة التفجيرات الانتحارية أصبحت حدثًا متكرِّرا في المشهد المصري".
ولكن على ما يبدو أن عسكر مصر يرومون من وراء استعجالهم في تطبيق السيناريو الجزائري للوصول إلى أهم نتائج هذا السيناريو، والمتمثل في تغيير الوعي الجمعي للشعب الجزائري بحيث أصبح الجزائريون هم أبعد الناس عن الثورة، وأكثر الناس رفضًا للمعارضة الإسلامية، وأشد الناس كراهية للديمقراطية وخطابات الحرية والتغيير، الجزائريون بعد العشرية الحمراء قد أصبحوا شديدي التسطيح إزاء القضايا الداخلية والإقليمية، شديدي الحذر من تغيير الأوضاع القائمة خشية أن تقودهم لأسوأ حقبة في تاريخهم الحديث، لذلك لم يكن مستغربًا فوز بوتفليقة في الانتخابات الأخيرة وهو شبه ميت، لم يستطع حتى أداء القسم الرئاسي من شدة المرض والوهن، مما كشف عن حجم التغيير البشع الذي وصل له العقل الجمعي للجزائريين، وكل ذلك باسم البحث عن الأمن والاستقرار، هذا على الرغم من توافر كل مسببات وشرائط الثورة التي وجدت عند كل جيران الجزائر الشرقيين. وهذا هو عين ما يخطط له العسكر في مصر؛ أن يصل الوعي الجمعي المصري لمستوى يجعله كالشعب الجزائري، يرفض الثورة، ويكره الديمقراطية، ويبغض الحرية، ويخون المعارضة مهما كان انتماؤها، ويسكت عن كل المظالم والمفاسد والاستبداد ومصادرة الحريات والحقوق تحت مسمى الاستقرار والأمن، وللأسف حقق العسكر نجاحات ملموسة في هذا المجال تمثل في سكوت معظم المصريين عن انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار، ورفع الدعم وسائر الخطوات المؤلمة، في حين لم يسكت أو يصبر على ربعها في عهد مرسي.
باسم الاستقرار خُدع الجزائريون من قبل، على الرغم من ثوريته واعتزازه بحريته ونضاله التاريخي ضد الظلم والاحتلال، واليوم تتم جَزْأَرَة الشعب المصري المسالم بطبعه، والمتوافق تاريخيًّا مع أي حاكم حتى ولو كان أجنبيًّا، في بضعة شهور فقط!! ولم يبق من مشهد الثورة والتصدي للاستبداد سوى ما يقوم به معارضو الانقلاب العسكري؛ فهل ينجحون في إيقاظ الوعي المصري، وإعادة تثوير الشعب مرة أخرى، أم أنها قد أصبحت مسألة منتهية، وتمت جزأرة المصريين بنجاح؟!
----------------------------------------------
*{مفكرة الإسلام}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ